من الواضح أن حماية التراث، في القرن الحادي والعشرين، تمثل قضية تثير عددًا من الأسئلة، تتعلق بمفهوم التراث الثقافي نفسه، وكيفية تعامل القانون مع هذا المفهوم ووضع حدوده، وتتعلق بالغرض الأساسي منه؛ الحفاظ على التراث ونقله، الذي تنطوي عليه كلمة «تراث»، كما تتعلق بالبيئات القانونية المتعددة على المستويات الإقليمية والقومية والدولية التي ينطبق عليها قانون التراث. من الناحية القانونية، هناك طرق مختلفة لتنظيم العلاقة بين الذاكرة والتاريخ والتراث، وفي هذا الصدد، تسود قواعد التنوع.
قانون التراث الثقافي هو عبارة عن مجموعة كبيرة من التشريعات التي طُوِّرت مؤخرًا. أُدخلت التشريعات الوطنية عامة خلال القرن التاسع عشر، بينما طُوِّر القانون الدولي المتعلق بالتراث الثقافي في نهاية القرن التاسع عشر وفي النصف الثاني من القرن العشرين، لكن أول اتفاقية مهمّة أُبرمت في عام 1954م. إن مسألة وضع خطة حماية مصممة لأوقات الحرب، كانت نقطة الانطلاق في بناء القانون الدولي المتعلق بحفظ التراث الثقافي، وتبع ذلك صدور اتفاقيات قانونية رئيسية أخرى؛ مثل اتفاقية اليونسكو لعام 1970م، بشأن الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، واتفاقية عام 1972م بشأن حماية التراث الثقافي العالمي.
أما فيما يتعلق بمفهوم التراث الثقافي وعلاقته بالذاكرة والتاريخ، فسأبدأ بالقانون الفرنسي، مع الأخذ في الحسبان أن دولًا أخرى، ولا سيما في أورُبا، عرفت مسارات مماثلة نتيجة الانتشار الواسع للنماذج القانونية عبر الحدود. ففي المراحل الأولى لحماية التراث، كان المفهوم المؤسس هو «الأثر التاريخي»، لا مفهوم «التراث» الأشمل، الذي ظهر لاحقًا في فرنسا خلال سبعينيات القرن العشرين. وكان مصطلح الأثر التاريخي يشمل المباني، كالقلاع والكاتدرائيات، كما يشمل المنقولات، بينما انصب الاهتمام أساسًا على قيمتها الفنية والتاريخية، وهما معياران حاضران في معظم التشريعات الخاصة بحماية التراث.
بناءً على هذا الاهتمام بالقيمة الفنية والتاريخية، طوَّرت النصوص التشريعية الأولى، ولا سيما القانون الفرنسي الصادر في 31 ديسمبر 1913م، نهجًا نخبويًّا. ففي فرنسا، أدخل هذا التشريع التأسيسي «حق الارتفاق العام» الذي يُعطي الجارَ حقَّ استخدام أرض جاره؛ للمرور خلالها والوصول إلى أرضه أو ملكه. وهو أسلوب لم يسبق استخدامه في مجال التراث، حيث يخضع مالك أي مبنى مصنف كنصب تاريخي للإشراف ويحظر عليه إجراء أي تغييرات قد تغير السلامة المادية للمبنى دون إذن من وزارة الثقافة. استند هذا النهج في الحماية إلى استثنائية النصب التاريخية من حيث قيمتها الفنية أو التاريخية؛ إذ كانت المباني المحدَّدة كآثار تاريخية روائع فنية. كانت، وفقًا لثيودور ريناش، أحد مهندسي قانون 1913م، مراجع حجرية استقرت فيها ذاكرة الأمة، وبالتالي يمكن أن تساهم في بناء تلك الذاكرة، ومن ثَّم، فإن نظام الحماية هذا، وهو مشروع ذو أهمية وطنية، لم يأخذ في الحسبان سوى الممتلكات الاستثنائية.
اتساع حدود التراث الثقافي
شهد القرن العشرين توسعًا مزدوجًا في مجال التراث، من حيث التصنيف النموذجي والتاريخي، وفقًا لتحليل فرانسوا شواي في كتابها «رمزية التراث». فعلى المستوى التصنيفي، أُدرجت عناصر جديدة ضمن نطاق الحماية، بعدما كانت مستبعدة من التشريعات السابقة. وقد ارتبط هذا التحول بتطور مفهوم أكثر شمولًا للتراث، لا يقتصر على الممتلكات النادرة والاستثنائية، بل يمتد إلى الأنقاض والذكريات وكل ما يحمل أثرًا للنشاط الإنساني. على هذا الأساس، يمكن أن تصبح الممتلكات البسيطة والعادية تراثًا؛ لأنها تحمل ذكرى أنشطة بشرية مختلفة، مثل الزراعة والصناعة والتكنولوجيا، ونتيجة لذلك، أصبحت الأدوات والمساكن وأماكن العمل والآلات محمية الآن. وقد بدأ اعتماد هذا النهج الإثنولوجي في مجال التراث في السبعينيات، في الوقت الذي ظهر فيه مفهوم «التراث الثقافي» إلى الواجهة. ولم يكن اختيار هذا المصطلح اعتباطيًّا، بل عبّر عن رؤية أكثر شمولًا واتساعًا للتراث.
أما التوسع التاريخي الذي أشارت إليه شواي، فقد تمثل في اتساع الإطار الزمني للتراث. فحتى ستينيات القرن العشرين، كان نطاق الحماية يقتصر عمليًّا على ما يعود إلى أوائل القرن التاسع عشر، رغم أن التشريعات لم تفرض مثل هذا القيد الزمني. لكن منذ ذلك الحين أُدرجت عناصر أحدث عهدًا ضمن دائرة التراث، إلى درجة أن تراث القرن العشرين نفسه أصبح اليوم جزءًا من السياسات العامة المعنية بالتراث الثقافي.
وقد نص قانون فرنسا لعام 1913م على تصنيف الممتلكات التي يمثل الحفاظ عليها «منفعة عامة من الناحية الفنية أو التاريخية»، ونتيجة لذلك؛ ركزت حقوق الارتفاق، التي تلت ذلك، على فكرة الحفظ التي لا تزال تحتل مكانة بارزة في النصوص التشريعية، سواء من حيث الحفظ المادي (أي احترام السلامة المادية للممتلكات) أو الحفظ القانوني، الذي يُعبَّر عنه في قواعد، من قبيل عدم القابلية للإلغاء أو التصرف، فضلًا عن التدابير الرامية إلى منع خروج القطع الأثرية من البلاد، وأشير هنا على وجه التحديد إلى القانون الفرنسي.
إلا أن هذا النهج، الذي أسس قانون حماية التراث على الوقائع المادية للممتلكات، شهد تحولًا جذريًّا خلال العقدين الأخيرين. فقد أدى ظهور منظور جديد في تعريف التراث الثقافي وتحديده قانونيًّا إلى تغيير عميق في طبيعة قانون التراث نفسه. ويتجلى هذا التحول بوضوح في صكين دوليين أساسيين، هما: اتفاقية اليونسكو لعام 2003م بشأن صون التراث الثقافي غير المادي، واتفاقية مجلس أورُبا الإطارية لعام 2005م بشأن قيمة التراث الثقافي للمجتمع، المعروفة باسم «اتفاقية فارو».
وتُعد اتفاقية اليونسكو لعام 2003م أول وثيقة دولية تُدخل مفهومَ التراث الثقافي غير المادي إلى القانون الدولي بصورة واضحة وممنهجة. ومع ذلك، فإن هذا المفهوم لم يظهر من فراغ؛ إذ كانت بعض الدول، ولا سيما اليابان وكوريا، قد اعتمدت فعليًّا تدابير لحماية تراثها غير المادي قبل إقرار الاتفاقية؛ غير أن إدماجه في القانون الدولي شكّل تطورًا جديدًا، ولا يزال هذا المفهوم غائبًا أو محدود الحضور في تشريعات العديد من الدول.
فما المقصود بالتراث الثقافي غير المادي؟
إعادة تعريف التراث الثقافي
تُعرفه اتفاقية اليونسكو بأنه «الممارسات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات، وما يرتبط بها من أدوات وأشياء ومصنوعات وفضاءات ثقافية، التي تعترف بها الجماعات والمجتمعات، وفي بعض الحالات الأفراد، بوصفها جزءًا من تراثها الثقافي».
اعتُمد نهج مشابه جدًّا في اتفاقية فارو، التي سُنَّت في عام 2005م؛ إذ تنص المادة الثانية منها على أن «التراث الثقافي هو مجموعة من الموارد الموروثة من الماضي التي يعتبرها الناس، بغض النظر عن ملكيتها، انعكاسًا وتعبيرًا عن قيمهم ومعتقداتهم ومعارفهم وتقاليدهم المتطورة باستمرار، ويشمل ذلك جميع جوانب البيئة الناتجة عن التفاعل بين الناس والأماكن عبر الزمن». كما تقدم الاتفاقية أيضًا تعريفًا لـ«مجتمع التراث»، الذي يتكون «من أشخاص يقدرون جوانب معينة من التراث الثقافي، ويرغبون، في إطار العمل العام، في الحفاظ عليها ونقلها إلى الأجيال القادمة» (المادة 2 ب).
تكشف أوجه التشابه الواضحة في العمليات التي يُعرَّف من خلالها التراث الثقافي في هاتين الاتفاقيتين، عن تغيير في كل من البناء القانوني لحماية التراث وفي طبيعة القانون ذاته. فمع استحضار المجتمعات والجماعات، ومع فكرة أن التراث يكشف عن نفسه في شعور بالانتماء، يبدو أننا نبتعد من قانون الملكية القائم على المصلحة العامة في الحماية، ونتجه نحو قانون يمنح الأفراد حقًا في هذه الملكية. وبموجب هذا النهج الجديد، يكون الفرد أو الجماعة مشمولين في تعريف التراث الثقافي، وبالتالي يكونون أيضًا مشمولين في نظام الحماية. ومن الواضح أن قانون حقوق الإنسان قد أثَّر في هذه النصوص التشريعية: حيث يُعبَّر عن حماية التراث من حيث حماية الحقوق الأساسية للمجتمعات والجماعات، ويتجلى ذلك على نحو خاص في اتفاقية فارو، التي تقر في ديباجتها بـ«ضرورة وضع الناس والقيم الإنسانية في صميم مفهوم موسع ومتعدد التخصصات للتراث الثقافي»، وتنص في مادتها الأولى التي تحدد أهداف الاتفاقية على ما يلي:
(أ) الاعتراف بأن الحقوق المتعلقة بالتراث الثقافي هي حقوق متأصلة في الحق في المشاركة في الحياة الثقافية، على النحو المحدد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
(ب) الاعتراف بالمسؤولية الفردية والجماعية تجاه التراث الثقافي.
(ج) التأكيد على أن حفظ التراث الثقافي واستخدامه المستديم يهدفان إلى التنمية البشرية وتحسين نوعية الحياة.
(د) اتخاذ الخطوات اللازمة لتطبيق أحكام هذه الاتفاقية المتعلقة بما يلي:
دور التراث الثقافي في بناء مجتمع سلمي وديمقراطي، وفي عمليات التنمية المستديمة وتعزيز التنوع الثقافي، وزيادة التعاون بين الكفاءات لدى جميع الجهات الفاعلة العامة والمؤسسية والخاصة المعنية.
«التأكيد على قيمة وإمكانات التراث الثقافي المستخدم بحكمة كمورد للتنمية المستديمة ونوعية الحياة في مجتمع يتطور باستمرار؛ وإدراكًا بأن لكل شخص الحق في الانخراط في التراث الثقافي الذي يختاره، مع احترام حقوق وحريات الآخرين، باعتبار ذلك جانب من جوانب الحق في المشاركة بحرية في الحياة الثقافية المنصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة (1948م) والمكفول بموجب الميثاق الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966م)».
التراث الثقافي وحقوق الإنسان والتنمية
عُرِّفَ هذا الاهتمام بالتراث بهذه المصطلحات في العديد من النصوص القانونية المتعلقة بحماية الحقوق الأساسية، ولا سيما في النصوص التي تتناول حقوق الأقليات أو المجتمعات الأصلية. ومع ذلك، وبموجب اتفاقيتي اليونسكو وفارو، وُسِّعَ نطاق هذا الاهتمام ليشمل صكوك حماية الممتلكات الثقافية. على الصعيد العالمي، بدأ هذا الفهم للتراث من منظور حقوق الإنسان الأساسية يؤثر الآن في مسألة الاسترداد الدولي، على سبيل المثال فيما يتعلق بالأشياء التي لها معنى رمزي كبير، أو بقايا بشرية محفوظة في المتاحف.
هناك تطور آخر في مجال قانون التراث، يظهر مرة أخرى في اتفاقيتي اليونسكو وفارو، يتعلق بحقيقة أن حماية التراث يشمل الآن مفاهيم التنمية المستديمة والتكامل، ويبرز مفهوم التنمية المستديمة خاصة، وهو يغير تعريف التراث نفسه. في البداية، كان التراث يُعرَّفُ على أنه شيء يجب الحفاظ عليه ونقله إلى الأجيال القادمة. أما اليوم، فإن له أيضًا أهدافًا اجتماعية وبيئية واقتصادية. وفي ضوء ذلك، من الواضح أن قانون التراث، الذي تطور في الأصل كفرع مستقل من فروع القانون، يتأثر بفروع قانونية أخرى مثل قانون البيئة والقانون الاقتصادي، ولا يزال من المبكر جدًّا التنبؤ بما سيترتب على ذلك. بالتأكيد يمكن أن تكون النتيجة إيجابية، وقد تؤدي إلى إضعاف قوة الحماية المقررة له في بعض الحالات.
المصدر:
– كتاب أخلاقيات التراث الثقافي بين النظرية والتطبيق.
– صدر عام 2014 في المملكة المتحدة.
0 تعليق