حتى الساعة الواحدة زوالًا كانت الهُدنة لا تزال قائمة، وكانت كلُّ الأطراف حيثُ ينبغي أن تكون، في قواعدها، وكانت هناكَ مفاوضات هادئة، لكنِّ الأصوات سرعانَ ما انقلبت ضدَّ البقية، مُحرَّضةً من قبل الكلام، ملأت الهواءَ واحتلَّت القاعة؛ فكانت في الأسماع، وعلى الوجوه، وعلى الجُدران، وكانت مُعلَّقة بالسقف، ولم تُظهر الكتابة أي رد فعل، ولم تنشر من قوّاتها لا حرفًا، ولا كلمة، ولا حتى كلمة محذوفة، بل كان واضحًا أنها قررت الاستسلام، انعكس ذلك في صورة لورقتين بيضاوين وقلم مُغلق فوقهما، تداولهما بعضُ أنصار الكتابة.
أما التمرد الوحيد الذي سُجّل حينها، فقد كانَ من فتى من أنصار الكتابة، أو لنقُل من معارضي الأصوات الفارغة من أي معنى، كان لهذا الفتى قلم وكان له دِفتر، وقد كتب مُعبِّرًا عن استيائه، وصف انقلاب الكلامِ بأنه: هذيانٌ، وأنه يُهدّد الحياة العامة، بل لقد شبّه ما يجري بالسجن، لكن تمرده كان محدودًا، ولم يُحدث تأثيرًا، حتى إنّ الكلامَ لم يُعلّق عليه أصلًا…
وقد كانَ مع هذا الفتى صديقٌ له، شاركه التمرُّد، على شكل جملٍ دوّناها، لكنّ هذا الأخيرَ قرّر في لحظة ما أن يُهاجر من الغرفة المُحتلَّة، وفيما بعد قيل: إن الورقتين والقلم في الصورة كانتا له… وإنَّه لجأ لغرفة مُحايدة، كانت تحت سلطة الصمت!
وقد استمرَّ الانقلابُ ساعات، عمّت فيها الفوضى، قبل أن يعودَ الوضع لعهده قبل الساعة الواحدة، بتدخُّل من بعض الأفكار، والأفكار هي السلطة المسؤولة عن ضبطِ العلاقة ما بينَ الأطراف الأخرى، من كلام وكتابة وأتباعهما؛ إذ إنها الوحيدة تقريبًا المُخوّلة لتحديد قيمة ما يصدر عن أيٍّ منها، ومدى استحقاقه لأن يُتلقّى ويُخضع له…
وقد سُئلت (الأفكار) في المؤتمر الصحفي الذي عقدته لإعلان الهُدنة الجديدة أين كانت طيلة ساعات الانقلاب، فأجابت بأنها تعرضت للأسر من قِبل أفكار مُتحيزة، وهو تصريح أثار نقاشات وهواجس عميقة، عن التهديد الذي تُمثّله الأفكار المُتحيزة، بل عن كيفية التمييز بين الأفكار، خَيِّرها وشريرها، المُتّزن منها والمُتحيّز، وعن المعنى، ما دوره في هذا كلّه؟
0 تعليق