إصبع عالق في خاتم
تغسل الأطباق، تجففها، تدخلها واحدًا واحدًا وتتأكد من تطابق الأطقم، تنظف المطبخ، وآخر شيء تفعله تمسح المنضدة. تحرك يدها بخفة مع المنشفة، تنتبه لعروقها البارزة في يديها، تجلس على الكرسي، تتأملها، تلمسها وتتذكر شيئًا مطمورًا في ذاكرتها كان يلحُّ عليها كثيرًا.
كانت تتمنى أن تكسر قدمها حين كانت طفلة، كانت تريد أن تجرب ألم الكسر، والجبيرة، وشيئًا آخر: صبّ الاهتمام عليها وحدها. لقد عايشت كيف تعامل أم صديقتها صديقتها حين كسرت قدمها، كانت تشعر بالحسرة وتريد أن تستأثر بالمحور الذي بدا لها موازيًا لكسر القدم. حاولت أن تكسر قدمها، صعدت الدرج ونزلت منه وثبًا وتجاوزًا لأكثر من عتبة، قفزت من سريرها أكثر من مرة، لكن قدمها كانت أقوى من أن تُكسر.
استسلمت لوجودها في الهامش وأيقنت أنها لن تنال سواه. ابتسمت للذكرى التي داهمتها، مررت أصابع يدها اليمنى على عروق اليسرى، تنبهت للدبلة التي صارت جزءًا لا يتجزأ من يدها. منذ سنوات طويلة لم تخلعها، شعرت بأنها نسيتها كما نسيت أشياء كثيرة، نسيت أنها دبلة أو محبس. الناس يتعاملون معها على أنها علامة تدل على الارتباط، وهي كانت تتعامل معها على أنها جزء من أصابعها منذ ارتدتها، كأنها طرف ذو وجود أصلي.
مررت أصابعها على الخاتم الذهبي البسيط خفيف الحجم وضئيل العرض، حاولت أن تسحبه لكنه كان عالقًا في إصبعها. تذكرت معه اليوم الذي ألبسها إياه، وتذكرت على وجه التحديد ظروفهم الاقتصادية السابقة، كل التغيرات التي مرت وهما معًا، البدء من الصفر الذي صار يتضاعف طرديًّا مع طموحه وإصراره على الوصول.
ابتسمت مرة أخرى بعمق، قصدت غرفة النوم لتكمل التنظيف، مرت على المرآة، تأملت شعرها المفروق من المنتصف الذي لم تُغيِّرْ شكل تسريحته منذ سنوات. هي لا تحب أن تُرجِع شعرها للخلف بدون مفرق؛ لأنها تشعر بخفة شعرها نوعًا ما على الجانبين، ولا تحب أن تغير مكانه من المنتصف إلى الجانب؛ لأن ملامح وجهها تتغير.
تذكرت أمها وهي تمشط شعرها وتشده للأعلى كي تخفي تجاعيده المتناغمة، تذكرت على وجه التحديد طريقتها في تسريحه على نمطين: إما جديلة مرتفعة للأعلى، أو ذيل حصان، وكلاهما يتطلبان الشد. داعبت ذاكرتها صورة ابنتها وهي تحرص على أن يكون شعرها حرًّا ومتناثرًا.
قطع سيل ذكرياتها دخوله للغرفة. كان منهمكًا في تغيير ملابسه، انتبهت للشيب المتناثر بكثرة في شعره، ولندوب بشرته فوق اللحية كآثار لحب شباب سابق. كلمة «سابق» غاصت عميقًا في قلبها، تيقنت أنها تواجه الزمن المنساب أكثر من مواجهتها لذاكرتها، وتساءلت: هل الزمن عقوبة؟
استمرت في التحديق فيه وهو مستغرق في غفلته، وحين استفاق منها واجه نظراتها بابتسامة عابرة وهو يمرر يديه على شعره.
تساءلت: لماذا يبدو هو أكثر شبابًا منها؟ ولماذا لم يرتدِ الدبلة إلا حينما كانا مخطوبين؟ ولماذا كان آخر يوم لبسها هو ليلة زفافهما؟ كم مرة تبدل منذ عرفته؟ وكم مرة شعرت أنها لا تعرفه؟
يمر من أمامها بعد أن ارتدى قميصًا وشورتًا بألوان تتناغم بين الأبيض والأزرق، يرن هاتفه فيتأفف، يرد على المتصل ليقول: إنه قادم الآن.
تعود للنظر في المرآة، تجد أن جانب وجهها الأيمن يختلف نوعًا ما عن جانبه الأيسر، العين اليمنى يبدو أن جفنها أعرض من اليسرى، واليسرى غائرة أكثر من اليمنى. تتأمل جسدها الذي بدأ الشباب يفر منه بالتدريج، تقرر أن تخلع الدبلة، ولأنها عالقة لا بد أن تمر على أقرب محل مجوهرات ليقطعوها من إصبعها.