رائحة الصمت

رائحة الصمت

يستيقظ في غرفته البيضاء، حيث الصمتُ نسيجٌ كثيفٌ يحبسُ أنفاسَ الهواء. لا شيءَ في الأرجاء يمتُّ بصلةٍ إلى عالمٍ مألوف؛ لعلَّ الراحلين لم يتهيؤوا بعد للنهوض. ثمة رائحةٌ في «المصحة»، كيميائيةٌ بامتياز، تمازجٌ قسريٌّ بين تطهير المعقمات وبرودةِ الصابون المنهك.

تدخلُ الممرضةُ بضفائرها المشدودة، تحملُ معها أريجَ الكحولِ الطيار، وبياضَ الشراشفِ النظيفة، وصمتَ المشمعِ الأرضيِّ الصقيل. تفوحُ منها رائحةُ «البقاء» كفعلِ مقاومةٍ أخير. هل يمنحُها هذا العبقُ الجاف صكَّ انتمائها للأحياء؟

– كيف حالك؟

– تحدثتُ إلى أبي البارحة.

في لحظةٍ مباغتة، تتهادى في الأفقِ رائحةُ الخشبِ المصقولِ ونشارةِ الأثاثِ الدافئة؛ لقد وصل الأبُ بوقارهِ الخفي. وحين تمدُّ له الممرضةُ كأسَ الماءِ وحبةَ الدواء، ينبثقُ من العدمِ عبقٌ سحيق في القِدَم؛ رائحةُ شمعٍ عتيق، وصابونٍ أسود، وأرضيةٍ دُعكت حتى أضنتها السنون، كأنها مقتطعةٌ من مشفى منسيٍّ في ذاكرةِ الوقت.

– والدك ليس هنا.

– بل أراه، وأستنشقُ أثره.

ترمقهُ بعذوبةٍ مشوبةٍ بأسى صامت:

– لا بأس إن نسجتَ من خيالكَ ما يؤنسك.. فالعزلةُ تبيحُ لنا ابتكارَ الأشباح.

لم يكن يبتكر. كان يتشمّمُ الحضورَ بحدسِ العرافِ الذي يترقبُ الرعدَ قبل انفجارِ الغيوم.

الآن، يغمره عطرُ الليمون؛ حضورُ أخته. رائحةُ ثمرةٍ شُطرَت للتو، حامضةٌ بشدة، توقظُ الذكرى. إنها هناك، واقفةٌ عند حدودِ المرآة، ترسلُ قبلةً طافيةً كما كانت تفعلُ في البيت. ذلك البيتُ الذي كان يتنفسُ رائحةَ الغسيلِ المنسي، والخبزِ المحمص، ورمادِ المدافئ الباردة. حنينٌ يداهمه، كغيمةٍ مثقلةٍ بالماء.

في الممرات، يتقاطعُ مع أشباحٍ بقمصانٍ بيضاء. بعضها تفوحُ منهم رائحة قهوةٍ وعرق، والآخرون خواءٌ محض. يشرعُ في تصنيفهم. أولئك الذين يغالبون الحياة، أولئك الذين يراوحون مكانهم، وأولئك الذين يتلاشون في بياضِ الجدران. لا يميزهم بأصواتهم، بل بطيفِ روائحهم. في أيامٍ أخرى، لا يجدُ ما يقول، فيكتفي باستنشاقِ الهواءِ كما يفعلُ كائنٌ مطعونٌ في عزلته، منسي في قفصٍ أنظفَ مما ينبغي.

لقد استغرقَ وقتًا ليدركَ الحقيقة. هؤلاء ليسوا بشرًا تمامًا. الشيخ في نهاية الرواقِ الذي يهذي لساعته، يفوحُ برائحةِ قبوٍ رطبٍ وترابٍ مُثارٍ وصدأٍ غائر. والمرأةُ الجالسةُ قربَ الموزعِ الآلي، تنبعثُ منها رائحةُ ورقٍ أصفر أصابه العفن، وغبارٍ تآلفَ مع الستائرِ في صمتٍ أبديّ.

وحين يصادفُ من لا رائحةَ له، يدركُ أنها النهاية؛ بضعةُ أيامٍ ويختفي، كأنَّ الوجودَ يلفظُه. حدث ذلك مع الفتاةِ ذات الضفائر، التي كانت ترسمُ بلا توقفٍ بأقلامٍ متهالكةٍ تقبضُ عليها كأنها تمائم. كانت رائحتها تشبهُ سخامًا باردًا، وموقدًا هجرته النيران. في ذلك الصباح، كانت ترسمُ شجرةً بلا أوراق. اقتربَ منها، لم ترفع عينيها، لكنّ حضورَها تبدّل؛ انحسرت رائحتها، وفرغت من جوهرِها، حتى الصمتُ نفسه صار يخشى الاقترابَ منها. تراجعَ خطوة، حين كانت تواصلُ حفرَ أغصانها الميتة. وفي اليومِ التالي، لم تكن هناك، فقط سريرٌ مرتب، ومقعدٌ خالٍ.. قيل له: إنها نُقلت. وفي الرواق، استنشق أثرًا عابرًا لرطوبةٍ ورماد، ثم لا شيء، كأنَّ الهواءَ ابتلعَ ذكراها كما يبتلعُ البحرُ أثرَ خطوةٍ على الرمل.

– أتناولتَ دواءك؟

عبيرٌ قديم، يمازجهُ حلاوةٌ خفيفةٌ وعشبٌ نديّ. أمه. تعرَّفَ عليها بقلبهِ قبل حواسّه. أومأ برأسه كاذبًا، يخفي الدواءَ تحت لسانه ليلقيه في جوفِ المغسلة. فمنذ توقف عن سجنِ حواسه، عادت الروائح؛ خشبُ أبيه، ليمونُ أخته، إنهم هنا، ما زلتُ أشمُّهم. هذا ليس شأنًا محمودًا.

لكنَّ خشونةَ الخشبِ ونضارةَ الليمون كانتا أقوى من أن يُغضا الطرف عنهما.

تجلسُ على طرفِ السرير، تداعبُ شعرهُ بأصابعَ لا يراها. تفوحُ منها رائحةُ الربيع، وحجرٍ دافئٍ بعد مطرٍ غزير، وأوراقٍ غضةٍ تُسحقُ تحت الخطوات. يستنشقُها، ثم يتجمد؛ ثمة شرخٌ في الواقع. لا بقايا مطبخ، لا غبارَ مواصلات، لا أثرَ مطرٍ على الثياب. هي لا تنتمي للعالم، بل لرائحةٍ جامدة، كذكرى حُبست خلف زجاجٍ مصقول.

يلتفتُ نحو الباب؛ تمر الممرضةُ وتتجاهلُ وجودهما:

– متى ستعودين؟

– أنا هنا، دائمًا هنا.

تبتسم، بنظرةٍ عذبةٍ تائهةٍ في البعيد.

يستنشقُ المسافةَ الفاصلةَ بينهما، فيحدسُ شيئًا آخر؛ صمتًا رطبًا، صمتًا أزهرَ ثم ذبل، صمتًا كفَّ عن الشهيق. يُغمضُ عينيه. ثم شرارة؛ رائحةُ بلاستيكٍ محترقٍ ونحاسٍ متقد.

يستيقظُ في فزع. ليس هنا. بل هناك. في البيت. يركض، يصرخ، يختنق. الهواءُ ثقيلٌ، خانق، مطعمٌ برائحةِ الأشياءِ حين تموت. يستنشقُ ليمون أخته. لكنه ليمونٌ لفهُ الجحيم، حموضةٌ مرةٌ تحرقُ الحلق. ثم الخشب؛ ليس خشب ورشةِ أبيه، بل خشبٌ متفحمٌ ينهارُ كبناءٍ من ورق. يصرخ.. أحدٌ ما يناديه. ظلٌّ وسط الدخان، وآخر أصغر.. ثم لا شيء. سوى رائحةِ قماشٍ يتآكل، وورنيشٍ يتقشر، وتوابلِ خزانةٍ انفجرت في عطرٍ فاقع. آخر صورة، تراءت له، السقفُ ينفتحُ كفمٍ أسود. ثم الصمتُ المحترق. وفي قلبِ هذا الخراب، رائحةٌ بدائية، حيوانية، لشيءٍ حيٍّ يحتضر، أو لموتٍ لا يزال يصارعُ ليبقى.

يستيقظُ في سريرٍ بارد، يلهث. ليست دخانًا. إنها المصحة. يشمُّ عطرًا بعيدًا، شاحبًا. يستقيمُ فجأة. يتذكر؛ الحريق. أبواه. كان يظنُّ أنه يجهلُ رائحةَ الموت، والآن يستنشقُها بملءِ رئتيه؛ كأنها آخرُ زفيرٍ للحياةِ قبل أن يبتلعَ الفراغُ كلَّ شيء.

ينهض. كلُّ شيءٍ تبدّل. الممرضةُ في الرواقِ كأنها صنمٌ من طين. تنظرُ إليه ولا تراه. في الصالة، المرضى حاضرون في غيابهم. لا أنفاس، لا حركات. ظلالٌ مجمدةٌ في إطارٍ زجاجي. الصمتُ يغمر المكان، صمتٌ يطبقُ على الأنفاس. يهتفُ بالممرضة:

– أظنني أتلاشى!

– أنتَ في طريقكَ للعودةِ إلى ديارك.

جدرانُ المصحة تنغلقُ عليه كنعشٍ من ضوء. ما زال يحتفظُ برائحةِ القبل، الخشب، الليمون. لكنَّ «الغياب» صار يطغى. حدسَ وصولها قبل أن يسمعَ وقعَ خطاها. لا ليمون، لا خشب، لا ربيع. فراغٌ يملأ الرئتين.

– صباح الخير يا أمي.

تجلسُ بجانبه. لا رائحةَ لها. يقطبُ حاجبيه؛ كأنها ترتدي رداءً من العدم. يستنشقها بحذر، كحيوانٍ يشكُّ في وجودِ فريستِه. لا شيء. حتى شعرُها خلا من رائحةِ المطر.

– أتيتِ وحدك؟

تنظرُ إليه برقةٍ متناهية:

– أنتَ تعرف يا بني، لم يبقَ غيري.

يتجمد في مكانه. كان من المعتادِ أن تقول:

– أبوك وأختك في البيت.

تتوهمُ وجودي، بينما لم يتبقَّ مني سوى شذا ما انطفأتْ حياتُهُ، وعَلقَ في زوايا الذكرى.

يلاحظُ أنَّ الهواءَ حولها يزدادُ كثافةً، كأن شيئًا غير مرئيٍّ يغلفُ وجودها.

– أمي، لم أعد أشمهما. لم أعد أشتمُّ رائحةَ الحريق.

تراقبهُ وعيناها تفيضان بحنانٍ من عالمٍ آخر:

– طبيعي.. لقد انطفأ الحريق، ورحلا هما أيضًا.

ترتعدُ أوصاله. تبدو وكأنها ترقبُ أفقًا لا يراه. حوله، كلُّ شيءٍ جامدٌ لكنه يحملُ ندوبًا؛ بقايا غير مرئيةٍ تركها الآخرون. نسمةٌ في الهواء، رائحةٌ شاحبةٌ كالشمعِ تطفو في زوايا الغرفة. بقايا.. كلُّ ما تركوه خلفهم قبل أن يرحلوا.

يفهمُ الآن، الموتى ليسوا هنا، لكنهم يتركون أثرًا. ليسوا أشباحًا، بل بصمات وجودية، أجسادٌ خاويةٌ واصلت طبعَ وجودها في الهواء. يمشي نحو النافذة. الضوءُ في الخارجِ ساكنٌ، مصقولٌ لدرجةِ الألم. يستنشقُ الهواء، يبحثُ عن أثر، عن شيءٍ ليصنفه، لكن لا شيء. كأنه هو نفسه مجردُ بقيةٍ بيولوجيةٍ لم تدرك بعد أنَّ الحكاية انتهت.

– أمهُ هنا، وليست هنا. آخرُ أثر. تبتسمُ بأسى:

– لستَ مريضًا، ولستَ مجنونًا. إنها لحظتُك.

يبحثُ عن عطرها، عن رائحةِ الحقول، عن الربيع، لكنها تتبخرُ في هواءِ الغرفة.

– لقد رحلتَ بالفعل يا بني.

كلماتها سقطت كحجارةٍ في بحيرةٍ ساكنة. يشعرُ بفراغٍ مفاجئ، بُعدٍ بلا قرار. الغرفة، الضوء، العالم.. كلها ليست سوى صدى لذكرى معلقة.

– منذ متى؟

– منذ الحريق.. منذ تلك الليلة.

الليمون، الخشب، الحريق. يفهمُ الآن، البيت، الانفجار، الضجيجُ المكتومُ في أعماقِ ذاكرته. يستنشقُ للمرةِ الأخيرة. تأتيه رائحةٌ عذبةٌ كالمطر، كخشبٍ بارد، كليمونٍ تلاشى في العدم، كصمتٍ ينمو. رائحةُ الصمتِ تعلو. النهايةُ هنا، حتميةٌ كقانونِ الطبيعة. هو ليس في المعهد. لم يكن يومًا هناك. لقد عاشَ عُمرَهُ في عبقِ رائحةٍ وحسب.

يمشي نحو أمه،

ويختفيان في الضوء.