عرف المشهد الروائي المغربي في السنوات الأخيرة تواترًا مهمًّا للعديد من الأعمال الروائية التي خطتها أقلام ذكور وإناث، منهم من أتى إلى الرواية من القصة القصيرة والفكر والفلسفة، ومنهم من اختارها بعد أن أعيته القصيدة ورغب في ركوب موجة السرد، الذي يشهد إقبالًا كبيرًا بسبب الجوائز التي تخصص له، وبسبب الاهتمام الكبير الذي تحظى به الكتابة السردية على العموم. ووسط هذا الجو، ظهرت مجموعة من الأسماء النسائية التي وضعت بصمتها في السرد الروائي خاصةً، وفي الأدب المغربي عامةً، ولكن القليلات منهن من حظين بشهرة واسعة، وحققت أعمالهن شهرة كبيرة في العالم العربي، وعلى رأسهن تأتي الكاتبة والروائية المغربية الزهرة رميج، التي استطاعت منذ 2010م، تاريخ صدور روايتها الثانية «عزوزة»، أن تحقق نجاحًا كبيرًا، وأن تثير اهتمام النقاد داخل المغرب وخارجه بسبب أعمالها الروائية المغربية بامتياز، التي تطرقت فيها إلى كثير من القضايا المجتمعية والسياسية، والتحولات التي يعرفها المغرب، وخطوات المصالحة التي خاضها من أجل القطع من ماضيه الأسود من السجن والاعتقال، الذي لم تسلم منه أسرة الكاتبة ولا هي نفسها، حيث قضت مدة قصيرة لم تتجاوز ثمانية أيام، لكنها مع ذلك ظلت محفورة في أعماقها وذاكرتها، وخرجت فيما بعد في أعمال روائية عدة.
بدأت الزهرة رميج مسارها الإبداعي بكتابة الشعر ثم اتجهت إلى الرواية وأصدرت سبع روايات ومجموعة من الأعمال القصصية والجزء الأول من سيرتها الذاتية بعنوان «الذاكرة المنسية»، إضافة إلى ترجمات لإبداعات من المغرب والخارج، لكن اسمها ارتبط بروايتها «عزوزة»، التي كرست اسمها بحق في عالم الرواية بالمغرب والعالم العربي؛ إذ يناهز عدد طبعاتها اليوم العشر بين ما هو صادر عن دور نشر مغربية وأخرى عربية. وهي الرواية التي تكاد تغطي على كل أعمالها، شأنها شأن العديد من الكتاب العالميين الذين ارتبط اسمهم بعمل واحد. وهي الرواية التي حظيت أيضًا بكثير من الدراسات النقدية في المغرب والعالم العربي، على الرغم من أنها لم تكن مقررة في المناهج الدراسية في التعليم الثانوي أو الجامعي، كما هو الشأن مع مجموعة من الأعمال الروائية المغربية الأخرى التي لم تتحقق لها الشهرة والانتشار بسبب هذا الأمر، ولكن سلاسة لغتها واهتمامها بالبادية المغربية وتبنيها لقضية المرأة، وتمكنها من نقل معاناة المرأة القروية بالمغرب وسعيها نحو التحرر، دفع كثيرًا من الطلاب إلى جعلها موضوعًا لدراساتهم الأكاديمية الجامعية في المغرب والجزائر خاصةً، حيث ما زالت مجموعة من رسائل الدكتوراه تناقش إلى اليوم أعمالها الروائية، ورواية «عزوزة» تحديدًا، التي استطاعت على مدى ست عشرة سنة انتزاع الصدارة من مختلف الأعمال الروائية المغربية التي تخطها أقلام نسائية، وأن تكسر الحواجز بين البلدين الشقيقين: المغرب والجزائر، عبر بوابة الأدب والعلم والمعرفة.
الرواية وفضح الاستبداد
يقوم مشروع الكتابة الإبداعية عامةً، والروائية خاصةً، للكاتبة المغربية الزهرة رميج على فضح كل أشكال الفساد والاستبداد، ومقاومته بكل السبل وعلى رأسها العلم، حيث لا تكتفي في أعمالها بإدانة المجتمع وإبراز كل المظاهر السلبية فيه، وتقديم النظرة السوداوية للواقع، وإنما تحاول أن تفتح كوة من النور لشخصياتها لتتشبث بالأمل، وتسعى إلى إصلاح هذا الواقع المأساوي مهما كانت درجة فظاعته، فالكتابة بالنسبة إليها لا معنى لها إن لم تكن «مقاومة لأشكال الرداءة التي يتخبط فيها المجتمع»، ووسيلة للإعلاء من شأن قيم الحب والعدل والجمال. ولعل هذا ما قامت به في جُلّ أعمالها الروائية، التي تناولت تجربة الاعتقال السياسي، والقهر الذي تعانيه المرأة بالبادية المغربية، والنضال الطلابي بالجامعات في سبعينيات القرن الماضي، ووضعية الفئات المهمشة، وغيرها من المواضيع التي تقدم من خلالها شهادة عن العصر، وعن حِقَب معينة من تاريخ المغرب، وتسائلها وتنزع عنها وعن شخصياتها العديد من الأقنعة والأوهام، وتكشف عن العديد من الأمراض التي تنخر المجتمع المغربي. وهو ما عملت على تعميقه في روايتها الأخيرة «رسائل دامية»، الصادرة عن «دار الفاصلة للنشر» بالمغرب عام 2025م، والواقعة في 538 صفحة من الحجم المتوسط، حيث سلطت الضوء على واقع خادمات البيوت في المغرب من خلال شخصية الخادمة الشابة «دامية»؛ للكشف عن أشكال العبودية التي تتعرض لها هذه الفئة الهشة من المجتمع، والغوص في مستنقع المجتمع وأعطابه، وإبراز الوجه الآخر الذي تخفيه الواجهة البراقة للبيوت الراقية والأسرار المتوارية خلف الأبواب المغلقة.
فمن خلال اعتماد أسلوب الرسائل في السرد، رسائل الخادمة «دامية» إلى مشغلتها الأولى التي لقيت منها العطف والحنان، تعمد الكاتبة إلى فضح القهر والحرمان والظلم ومستنقع الفساد وانهيار القيم الذي تساق إليه تلك الشخصية، ومحاولاتها المستميتة للخروج من ذلك النفق المظلم الذي سِيقَت إليه، والتخلص من أسر العبودية.
«دامية»، صبية يتيمة بدأت حياتها خادمة في البيوت، وكان حظها في البداية حسنًا؛ لأن أول بيت اشتغلت فيه كان لسيدة كريمة ساوت بينها وبين ابنتها ودفعتها إلى الدراسة والتعلم، غير أن مرض والدها وجبروت زوجته أجبراها على العودة إلى المنزل، والرضوخ إلى رغبات زوجة الأب التي رمت بها في أحضان رجل يكبرها سنًّا وهي ما زالت بعدُ صغيرةً، لتقرر دامية الهرب بمساعدة الجارة وابنتها، وتَلِج عالم خدمة البيوت، وتكون ضحية استغلال السمسار وأشخاص آخرين، وعُرضة لمعاناة كبيرة مع السيدات اللواتي عملت لديهن وأذَقْنَها صنوفًا من المهانة والذل. كما تظهر معاناة زميلات لها في خدمة البيوت، منهن من سقطن في شبكة الدعارة، ومنهن من يرزحن تحت قيد استغلال السماسرة أو تحت رحمة نزوات مرضية لأزواج أو أبناء الأُسَر التي تشغلهن.
وبهذا الشكل، تقدم الكاتبة الزهرة رميج في رواية «رسائل دامية» صورة موجعة عن وضع مأساوي لفئة هشة من المجتمع يتمثل في خادمات البيوت، وصورة أخرى مفارقة لبعض أوجه معاناة نساء ورجال الطبقة الغنية، التي لا يمكن للمال ولا للجاه أن يفك شفراتها النفسية المتأزمة، كل ذلك في دلالة على الخلل الذي نعيش فيه، والذي استطاعت الكاتبة رسمه بمختلف مستوياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقيمية عبر شخصيات هذه الرواية، حيث جعلت بطلة الرواية «دامية» تختزل كل أوجاع المجتمع ورذائله، ولكنها في الوقت نفسه تنتفض ضد هذا الواقع وتسعى إلى تغييره والتحرر من عبودية العصر الجديد، والارتقاء بشرطها الاجتماعي والإنساني عبر الانفتاح على العلم والمعرفة، والبحث عن عمل مناسب يصون كرامتها ويحقق لها إنسانيتها.
مسيرة حافلة بالصدق
في روايتها الأولى «أخاديد الأسوار» 2007م، تناولت الزهرة رميج تجربة الاعتقال السياسي وأثره في الأفراد والمجتمع وبخاصة أقارب المعتقل، وهي رواية مزجت فيها بين السيرة الذاتية والتخييل، واستعرضت فيها تجربة معاناتها مع زوجها المعتقل السياسي السابق ومعاناة جيل بأكمله تجرع المرارة في سبيل الإيمان بالتغيير. وفي روايتها الثانية «عزوزة» 2010م، مرورًا برواياتها الأخرى: «الناجون» 2012م، و«الغول الذي يلتهم نفسه» 2013م، و«قاعة الانتظار» 2019م، وسيرتها الذاتية «الذاكرة المنسية» 2017م، يظل الصدق في تناول القضايا المجتمعية هو دَيْدَن الكاتبة والميزة الأساسية لكتاباتها وإبداعاتها، ناهيك عن لغتها الجميلة والآسرة، وبراعتها في رسم شخصياتها الروائية المدروسة بعناية، وأدواتها السردية المحكمة، وهو ما يجعلها قلمًا روائيًّا استثنائيًّا بالمغرب، تعقد لها سنويًّا مختلف اللقاءات، ويحج إليها القراء من مختلف المدن في حفلات توقيع أعمالها للتعبير لها عن حبهم، وعن مدى إسهام كتاباتها في تغيير حياتهم أو سلوكهم، وهو ما تنشره بحب وبكل تواضع في صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي.
بعد قضائها لسنوات عديدة في مهنة التدريس، تفرغت الكاتبة المغربية الزهرة رميج للكتابة الإبداعية، وذلك بعد إقدامها على المغادرة الطوعية عام 2005م، حيث أغنت الخزانة العربية بمجموعة من الأعمال الروائية والقصصية والترجمات الصادرة عن دُور نشر مغربية وعربية. ومن بين أعمالها القصصية نذكر: «أنين الماء» 2003م، و«هل تغرب الشمس حقًّا؟» 2006م، و«عندما يومض البرق» 2008م، و«أريج الليل» 2013م، و«أجنحة اليراعات» 2021م، و«قصص ومرايا» 2025م. ومن ترجماتها لأعمال إبداعية أدبية مغربية وعالمية منقولة من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية، نذكر مسرحيتي: «تمارين في التسامح» و«قاضي الظل» 2005م، للشاعر والكاتب المغربي عبداللطيف اللعبي، ورواية «نساء في الصمت»، لنفيسة السباعي 2006م، وقصص من الصين بعنوان «نهر سيشوان» 2008م، ورواية «عقدة دي» للكاتب الصيني داي سيجي 2009م، و«قصص من روائع الأدب الصيني لكاتبات صينيات» 2020م. وقد خصصت لأعمالها الروائية والقصصية الكثير من الدراسات داخل وخارج المغرب، من ضمنها: دراسة جماعية من تنسيق الدكتور إدريس الخضراوي تحت عنوان «ضد الصمت والنسيان: قراءات في رواية «أخاديد الأسوار» للزهرة رميج»، ودراسة «اقتصاد النسيان في رواية «عزوزة» من تنسيق الدكتور عثماني الميلود.
الكتابة أسلوب مقاومة
عن الكتابة الروائية تقول الكاتبة الزهرة رميج: إنها «ليست حكرًا على أحد، وكل من يمتلك موهبة الإبداع يستطيع كتابتها. وهذا أمر واقع. والشعراء الذين يمتلكون هذه الموهبة يكتبون روايات جميلة لتمكنهم من اللغة الشعرية الجذابة. وأنا نفسي بدأت شاعرة، ومارست كتابة الشعر وَحْدَه مدة أربع سنوات، ولم أكن أتخيل أني سأكتب الرواية يومًا ما، ومع ذلك كتبتها بدوافع ذاتية لا علاقة لها بالمكانة التي تحظى بها الرواية اليوم في عالم الإبداع».
ارتبطت الرواية الأولى للكاتبة الزهرة رميج «أخاديد الأسوار» بتجربتها الذاتية والمعاناة التي تجرعتها بسبب اعتقال زوجها محمد الحضري ورفيق دربها، وقضائه سنوات في سجن لعلو بالرباط، وخروجه منه بجسد منهك وهو ما أدى إلى وفاته. تكشف في هذه الرواية -عبر رسائل توجهها إلى زوجها الراحل- عن معاناة السجناء وذويهم أثناء السجن، وبعد خروجهم من تلك المعتقلات الرهيبة، ومعاناتها هي تحديدًا من الفراغ الذي تركه رحيل زوجها في حياتها. الزوج المناضل الذي رفض أي تعويض عن سنوات العذاب التي تعرض لها؛ بسبب مواقفه ومبادئه التي لا يحيد عنها، فذلك التعويض لا يساوي أي شيء أمام التضحيات التي قدمها كل المناضلين السياسيين من أجل تحقيق مجتمع ديمقراطي.
النضال لدى الكاتبة أيضًا لا يقاس بالمال ولا بالشعارات الزائفة، بل بالانخراط الحقيقي في المجتمع والسعي إلى تغييره بمختلف الوسائل، وعلى رأسها الكتابة، التي اختارتها كأسلوب للمقاومة. حيث سبق وعبرت في لقاء مفتوح لها -مع طلبة الدراسات العليا الأدبية والثقافية بالمغرب بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالدار البيضاء، بعد صدور تلك الرواية- بأن الكتابة بالنسبة إليها «ليست ترفًا فكريًّا -ولا ينبغي لها أن تكون- وبخاصة في مجتمعاتنا العربية التي لا تزال تعاني الفقر والاستغلال وغياب الديمقراطية الحقيقية التي تضمن للمواطن حقوقه الكاملة وتحافظ على كرامته، وإنما مسؤولية جسيمة على الكاتب أن يقدرها حق قدرها، وأن يتحملها بالضرورة لكونه ينتمي إلى النخبة الواعية التي بدون انخراطها وإنصاتها إلى نبض المجتمع والتحامها بقضاياه الجوهرية والمصيرية لا يمكن لعجلة التطور أن تتحرك إلى الأمام».
لا مجال للحديث عن الحياد في عالم الكتابة الإبداعية للزهرة رميج، ابنة البادية المغربية التي قضت جزءًا كبيرًا من طفولتها بمدينة واد زم وضواحيها قبل أن تنتقل إلى مدينة الدار البيضاء لإتمام دراستها كتلميذة داخلية وهي في سن الخامسة عشرة من عمرها، حيث تفتق وعيها وتشكلت ذائقتها للفكر والأدب، بعدما نهلت من كتب أخيها في بيت العائلة وما توافر لها في تلك المنطقة الهامشية من أسباب للعلم والمعرفة. في مدينة الدار البيضاء الأسمنتية الشاسعة، والمختلفة بشكل كبير عن فضاء المدينة الصغيرة والبادية الهادئة الذي ترعرعت فيه، انفتحت أبواب المعرفة والحرية أمام الكاتبة، حيث انخرطت سريعًا في فضاءاتها الثقافية وما توفره المدينة من أساليب لتجديد الذات والفكر عبر المسرح والسينما وغيرها من الأنشطة الثقافية والفنية، كما انخرطت أيضًا في الحركة الطلابية واليسار من أجل تحقيق حلم التغيير الذي سكنها وأبناء جيلها في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

«عزوزة» والنجاح الكبير
حلمها الأول، المتعلق بالكتابة والإبداع، تجلت بوادره -كما تقول هي نفسها شعرًا ونثرًا في كتابها «جمرة الكتابة»- بعد انتقالها إلى كلية الآداب ظهر المهراز بفاس لإتمام دراستها الجامعية، لكنها أجلته بسبب سطوة حلم أكبر لا يخصها وحدها، وإنما يخص شعبًا كاملًا يتوق إلى التغيير والحرية وتحقيق العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. وبعد فشل حركة اليسار في تحقيق هذا الحلم الجماعي الكبير، عادت إلى حلمها الأول والأساسي، الذي كان يحفر بداخلها أسئلة الكتابة وجدواها؛ إذ لم يكن الأمر هينا بالمرة، فعملت على ترويض قلمها وعلى الإنصات لدواخلها التي كانت ترى الحياة بلا كتابة مجرد عدم.
فمارست الكتابة بعيدًا من الأعين في البداية، وتلمست طريقها في عالم الإبداع شعرًا ونثرًا من خلال كتابة القصة القصية ونشرها في الخارج: في صحيفة «الزمان» اللندنية، ومجلة «نوافذ» السعودية، ومجلة «عمان» الأردنية، ومجلة «نزوى» العمانية، لمعرفة قيمة ما تكتبه بعيدًا من المجاملات، وذلك قبل أن تقدم على النشر في المغرب، البلد الذي تكتب عنه ولأجله، من دون السعي لتحقيق أي مكاسب مادية؛ لأن غايتها من الكتابة تطوير المجتمع، وتغيير الأفكار السائدة، ونشر الأفكار التنويرية، ومحاربة التطرف وكل أشكال القهر والتدجين.
وبعد تخطيها لمرحلة الشك فيما تخطه من كتابات، أقدمت الكاتبة الزهرة رميج، التي ولجت عالم الكتابة الإبداعية في سن متأخرة، على نشر مجموعتين قصصيتين: «أنين الماء» و«نجمة الصباح»، قبل أن تنشر روايتها الأولى «أخاديد الأسوار» عام 2007م، وهي الرواية التي استقبلها النقاد والقراء في المغرب والعالم العربي بالكثير من الاهتمام والحفاوة، وتأكد لها أن الكتابة الإبداعية الحقيقية والصادقة تجد طريقها إلى قلب القارئ بسهولة كبيرة، على عكس ما كان يروج عن تراجع القراءة وعزوف القراء عن اقتناء الكتب، وبخاصة الأعمال الإبداعية. ولكن التلقي الكبير والاهتمام الخاص الذي حظيت به روايتها الثانية «عزوزة»، التي كانت أول عمل إبداعي شرعت في كتابته وأجلت صدوره، جعل كل الشكوك تتبدد من أنها لا يمكن أن تقدم رواية مثل تلك الروايات العربية والعالمية التي كانت تدمن على قراءتها وتتمنى لو كانت كاتبتها.
استعادت الكاتبة ثقة كبيرة في نفسها وفي عملها الإبداعي بعدما حققت تلك الرواية نجاحًا منقطع النظير، ما زالت هي نفسها لا تصدقه إلى الآن، ولا تفهم سر العشق الكبير الذي تحظى به هذه الرواية خاصةً، والذي لم تستطع أي رواية أخرى من رواياتها أن تحظى به، حيث لا تزال إلى الآن تزاحم رواياتها الجديدة في حفلات توقيعها، وما زال القراء يتصلون بها بحثًا عنها؛ لكون الطبعات المغربية والمشرقية قد نفدت منذ سنتين تقريبًا.
الغريب في الأمر أن الكاتبة، في أثناء كتابتها لرواية «عزوزة»، كثيرًا ما كانت تفكر في التخلي عنها؛ لكونها كانت متخوفة من عدم قبول القراء، وبخاصة الشباب، لرواية تدور أحداثها في البادية المغربية، وبطلتها امرأة بدوية، ومن عدم تقبل النقد لرواية تنهج الأسلوب الكلاسيكي في زمن سيادة التجريب المبالغ فيه الذي يولي الأهمية الكبرى للغة والأسلوب أكثر من الحكاية والفكرة.
إن ما تحقق لرواية «عزوزة» من انتشار ونجاح لم يتحقق في المغرب إلا للروايات المغربية أو العربية التي كانت مقررة في البرامج التعليمية المغربية. فالأمر يتجاوز الخصوصية المغربية والقضايا التي تتناولها الرواية. فالنفس السردي حاضر بقوة في هذا العمل، وقد تمكنت الروائية من نقل المعاناة الكبيرة للمرأة القروية في مواجهة السلطة الذكورية والتقاليد المجتمعية، وهو ما يشد قارئ هذا العمل. ناهيك عن الكتابة البصرية المركزة على التفاصيل الصغيرة والوصف ودقة اللغة وبساطتها، والغوص في الواقع المغربي بكل تفاصيله وموروثه الثقافي، وهو ما جعل كل مغربي يجد نفسه فيها.
وقد أرجع الناقد المغربي عثماني الميلود هذا النجاح إلى كون «القراء المغاربة لم يشبعوا بعد من رؤية صورتهم في الأدب المغربي». أما بالنسبة إلى القراء العرب، وبخاصة منهم المغاربيون، وعلى الأخص الجزائريون، فعشقهم لهذه الرواية، كما تقول الكاتبة نفسها، نابع أيضًا من أن «الواقع العربي واحد مهما اختلفت بعض جزئياته وتفاصيله، وبخاصة ما يتعلق بوضعية المرأة وسيادة الفكر الذكوري».
منذ عام 2021م انضافت فئة الأطفال الصغار إلى قراء رواية «عزوزة»، وذلك بعدما أُدرِجَ مُقتطَف من الرواية في مقرر اللغة العربية للصف السادس الابتدائي تحت عنوان: «زواج الطفلة عزوزة»، فأصبح هؤلاء الأطفال يبحثون عن الرواية في المكتبات، ومنهم من يتواصل بشأنها مع الكاتبة عبر الفيسبوك، ويعبرون لها عن حبهم لشخصية «عزوزة»، ورغبتهم في قراءة الرواية. وهذا أمر مدهش، وحظ نادرًا ما يتحقق لعمل روائي.

المبدع حلزوني التكوين
ترفض الكاتبة الزهرة رميج ذلك التقسيم بين كتابة المرأة وكتابة الرجل، ولا تستسيغ مصطلح «الكتابة النسائية» ولو إجرائيًّا؛ لأن الإبداع -في رأيها- لا يتجزأ، والمبدع «حلزوني التكوين»، فحساسيته المفرطة وموهبته تمكنه من الغوص في أعماق النفس البشرية سواء كانت لأنثى أو لذكر؛ فالنفس البشرية وما تختزنه من أحاسيس ومشاعر لا جنس لها. وتتساءل: هل يوجد مثلًا أَلَمٌ ذُكُوريٌّ وآخَرُ أُنثَويٌّ؟ فالأَلَمُ هو الألم عند الجنسيْنِ؛ لذلك يستطيع المبدع الأصيل أن يتقمص الشخصية المتخيلة.
وتقول في كتابها «جمرة الكتابة»: إنها لا تتفق مع مصطلح «الكتابة النسائية» ولا حتى «الكتابة النسوية»؛ لأن الكتابة لديها تعبر عن واقع الإنسان وعلاقته بنفسه وبالآخر، وتتسم بالحرية والتمرد على القوالب الضيقة التي تحصرها في مجال محدد لا يمكن تجاوزه إلى غيره. فكما أن الكاتب يستطيع الكتابة عن المرأة والدفاع عنها واستجلاء خباياها النفسية وتصوير معاناتها، كما فعل مثلًا الروائي المصري نجيب محفوظ من خلال تصويره المبهر والدقيق لأحاسيس نساء الهامش كحميدة ونفيسة، أو كما فعل الكاتب الفرنسي غوستاف فلوبير مع «مدام بوفاري»، حيث قال: «مدام بوفاري هي أنا».
الكاتبة كذلك تستطيع الكتابة عن الرجل والكشف عن دواخله وصراعاته، بل الدفاع عنه أيضًا، وهو بالفعل ما تحقق للكاتبة الزهرة رميج التي تمكَّنَت من «الدخول في جلد الرجل» منذ مجموعتها القصصية الأولى «أنين الماء»، ثم في روايتها: «عزوزة»، وهو ما تفسره الكاتبة بكونها تؤمن بأن «داخل كل امرأة رجل، وداخل كل رجل امرأة، وأن المبدع وحده من يستطيع أن يُخرِجَ أيًّا منهما في الوقت المناسب».
فعندما يحب الكاتب شخصيته الروائية، ويتفاعل معها، ويضع نفسه مكانها يستطيع أن يغوص في أعماقها، وإن غاب هذا الحب وهذا التفاعل فإن المبدع لا يمكنه الغوص في أعماق الشخصية لدرجة توهم القارئ بواقعيتها. فهذه القدرة على التخييل والغوص في أعماق النفس البشرية هي ما تميز المبدع الأصيل بغض النظر عن جنسه.
شهادة عن العصر
تقدم الروائية الزهرة رميج في أعمالها الروائية: «قاعة الانتظار» و«الناجون» شهادة عن العصر، وعن حقب معينة من تاريخ المغرب، وتسائل تلك المراحل، وتنزع العديد من الأقنعة والأوهام، وتكشف عن العديد من الأمراض التي تنخر المجتمع المغربي؛ لأنها تؤمن أن الكتابة مسؤولية عظيمة يتحملها الكاتب تجاه مجتمعه وواقعه؛ لأنه ينتمي إلى الفئة الواعية والمتنورة التي تدرك ما لا يدركه عامة الناس، وبالتالي فمن واجبه المساهمة في نقد الظواهر السلبية في المجتمع وطرح الأسئلة الحارقة، والغوص في أعماق المجتمع وفضح كل مظاهر تخلفه اجتماعيًّا وسياسيًّا. وبهذا الشكل فإن كتابات الزهرة رميج تمتح من الواقع المغربي، وترتبط به أشد الارتباط، وهو ما جعلها تنقل صورة حقيقية لهذا الواقع في مراحل متعددة.
في رواية «الناجون» تعود الروائية إلى سبعينيات القرن الماضي، وتحديدًا إلى الجامعة المغربية لترصد تجربة الحركة الطلابية اليسارية والنضال السياسي الذي انخرطت فيه هذه الفئة المتعلمة من أجل تغيير البلد وصون كرامة الإنسان، كما هو الشأن مع الحركات الثورية في العالم حينها. وتقف الرواية على معاناة شباب ذلك الجيل الطموح من بطش السلطة التي تمكنت من تفريقهم وإضعاف قوتهم والتلاعب بمصايرهم ما بين قتيل ومهاجر ومشرد ومعتقل ومهزوم. وأثناء هذا الرصد تناقش الكاتبة عبر شخصيات الرواية أسباب هذا الفشل، وتغوص في الأفكار السياسية والرؤى الفلسفية التي كان يحملها ذلك الجيل عن السياسة والوطن وتحرر المرأة، وغيرها من القضايا التي كانت محركًا لهم.
إن رواية «الناجون» تحفر في الذاكرة السياسية لمرحلة مهمة من تاريخ المغرب تعرف بـ«سنوات الجمر والرصاص»، كتبت عنها الكثير من الشهادات من قبل معتقلين، تناولوا فيها معاناتهم والتعذيب الذي طالهم في تلك المرحلة، ولكنها لم تُعالج إبداعيًّا بشكل كبير، وهو ما دفع الزهرة رميج إلى تسليط الضوء عليها بسلبياتها وإيجابياتها حتى تتعرف الأجيال اللاحقة عليها.
وفي رواية «قاعة الانتظار» تناولت الكاتبة موضوعًا مختلفًا يتعلق بالمرض عامةً، ومرض السرطان خاصةً، واتخذت من قاعة الانتظار، في مصحّة، فضاءً لروايتها؛ لتكشف عن الأمراض السرطانية التي تنخر المجتمع على كل المستويات، بما في ذلك مظاهر الفساد الاجتماعي والسياسي ونهب المال العام، والاستغلال في المجال الصحي، والتخلف الفكري والفهم السطحي للدين، والدعارة المقنعة، وغيرها من الأمراض التي تنخر المجتمع وتعود به إلى عصور الانحطاط.
إنها قناعة الكاتبة الراسخة بدور الأدب في تغيير المجتمع والرقي به، وهي القناعة نفسها التي قادتها من قبل إلى النضال السياسي الذي لا تحيد عنه في كتاباتها الإبداعية ولا حتى في مواقفها السياسية المعلنة، مثلما فعلت حين سُحب ترشيح روايتها «عزوزة» لجائزة المغرب للكتاب لأسباب تتعلق بالتدبير السيئ ساعتها للقطاع الثقافي من جانب وزارة الثقافة، وحطها من كرامة المثقفين والكتاب. الموقف نفسه ينسحب على جوائز عربية؛ بسبب تضامن الكاتبة مع القضية الفلسطينية ورفضها التام للتطبيع مع الكيان الصهيوني.
وهذه القناعة أيضًا تجلَّت في ارتباطها بالواقع الاجتماعي وما يمر به الإنسان من أزمات بيئية وصحية، حيث أقدمت -في زمن جائحة كورونا- على تدوين يومياتها عن المأساة الإنسانية التي عاشها العالم بأسره جراء تلك الجائحة، حيث أهدت يومياتها «العالم في كبسولة» إلى الأجيال القادمة؛ لكي تعرف حجم معاناة البشرية، وتستفيد من الأخطاء التي تسببت في حدوث فيروس كورونا وفي انتشاره على الصعيد العالمي.

سؤال الكتابة وجدواها
سؤال الكتابة لم يفارق ذهن الروائية الزهرة رميج، فقد ظل حاضرًا باستمرار في أعمالها، وتجلى بشكل أكبر في روايتها «الغول الذي يلتهم نفسه» التي تناولت فيها قصة شاب يبحث عن السبيل الأمثل لكتابة رواية عظيمة تضمن له الانتشار. يتعرف القارئ عبر هذه الرواية على مجموعة من الكتاب الكبار الذين يدخل معهم البطل في حوار، ومن ضمنهم الروائي العالمي ماريو فارغاس يوسا الذي ينصح الروائي المبتدئ -في كتابه «رسائل إلى روائي ناشئ»- بأن ينهل من تجاربه الخاصة، وأن يكتب عما يعرفه ويعيشه، وأن يكون كالغول الذي يلتهم نفسه، في إشارة إلى أن الذات هي منطلق الكتابة الإبداعية.
فالواقع الذي يعيشه المبدع، وتجاربه الخاصة والعامة، وثقافته المتنوعة، والعوامل المؤثرة في تكوينه الفكري وفي نظرته الفلسفية للحياة، كل ذلك يشكل المادة التي يستمد منها أفكاره وموضوعاته، كما تشكل ذاكرته -الواعية والمنسية- المنبع الذي يغرف منه، ولا ينضب أبدًا. كما أن الخيال الذي هو أهم عنصر من عناصر الإبداع، لا ينزل من السماء وإنما ينطلق من الأرض. وحين ينطلق من الذات، كما تقول الكاتبة، ليس معناه أن «نكتب عن حياتنا وتجاربنا الخاصة بالضرورة، وإنما أن نكتب عن قضايا ومواضيع تلامس وجداننا، وأن نطرح الأسئلة التي تؤرقنا، وأن نرتقي بتجاربنا الخاصة إلى مستوى التجارب العامة بوصفنا أفرادًا نعيش الواقع نفسه الذي يعيشه الآخرون، ونتفاعل معه سلبًا أو إيجابًا.
والكتابة من هذا المنطلق هي التي تتميز بالصدق والأصالة، وتوهم القارئ بواقعيتها. هذا ما نصح به الروائي العالمي ماريو فارغاس الروائي الشاب الناشئ الذي سأله من أين يستمد الروائي موضوعاته ليكتب رواية عظيمة.
لم تكن الروائية الزهرة رميج تفكر في كتابة سيرتها الذاتية، لكن عودتها إلى مراتع الطفولة -في تجربة إعداد فِلْم وثائقيّ حول حياتها مع أحد المخرجين المغاربة، الذي لم توافق في النهاية على تصويره، كما صرحت لي- دفعتها إلى كتابة الجزء الأول من سيرتها الذاتية تحت عنوان «الذاكرة المنسية»، فكانت تعويضًا لها عن ذلك التعب، واستثمارًا لما حرَّكَه فيها ذلك المشروع المُجهَض، واقتناعها بأن تلك المرحلة من حياتها -الخمسينيات والستينيات- مهمة؛ سواء لمعرفة المؤثرات التي أثرت في حياتها وكونت شخصيتها، أو لمعرفة الواقع المغربي خلال تلك المرحلة من تاريخ المغرب، التي جمعت ما بين أواخر حقبة الاستعمار وأوائل مرحلة الاستقلال. بعد أن كتبت سيرتها تهيبت خروجها إلى القراء، فظلّت محفوظة في درج مكتبها لسنتين؛ لأنها تعرف صعوبة الكتابة عن الذات بشكل صريح في جنس السيرة الذاتية، وما تتطلبه من التزام وصدق تام في كل ما ستسرده من أحداث ووقائع، وما ستنقله من مشاعر وأحاسيس. ولم تخرج تلك السيرة الذاتية إلا في عام 2017م، وذلك بإلحاح وتشجيع من الناشر جهاد أبو حشيش مدير دار «فضاءات للنشر والتوزيع» بالأردن.
منذ صدور الجزء الأول من سيرتها الذاتية التي توقفت فيها عند مرحلة المراهقة، والقُرّاء يطالبون الكاتبة الزهرة رميج بمواصلة الكتابة عن مراحلها الحياتية الأخرى، التي لم تفكر في الكتابة عنها، وبخاصة أنها استثمرت بعض تجاربها الحياتية في رواياتها.
ومع ذلك تقول: «لا أعرف ما ستأتي به الأيام، وبخاصة أن هناك مَنْ يُشجّعني على الكتابة عن أهم مرحلة في حياتي وهي مرحلة النضال السري في إحدى فصائل اليسار. وهي المرحلة التي ترسخت فيها قناعاتي الفكرية وتوجهاتي السياسية، وتشكلت فيها بوضوح ملامح الشخصية التي أنا عليها اليوم».
0 تعليق