المقالات الأخيرة

فلاسفة لم يحبوا الكتب والمكتبات

فلاسفة لم يحبوا الكتب والمكتبات

علاقة الفلاسفة بالكتب والمكتبات غريبة، تحفّها أسرار أشد غرابة، ويتناقل الناس عن علاقتهم بها حكايات مختلفة، فهناك من يتكتم عنها، ويحتفظ بعلاقته بها في السر، وكأنها علاقة محرّمة، لا يجوز في حقّها إلا أن تُستر وتُطوى عن أي ذكر، وهناك من يُشهِر علاقته بها، ويسْطَعُ...

الترجمة في عصر الخوارزميات: هل تبقى الروح؟

الترجمة في عصر الخوارزميات:

هل تبقى الروح؟

يبدو أنَّ أرسطو كان يفكر في شيءٍ يشبه الذكاء الاصطناعي حين عقَد في كتابه «السياسة» ارتباطًا عميقًا بين آلاتِ هوميروس الخيالية وعالَم العبيد في الواقع. فقد ميَّز بين الأدوات «الهامدة بلا روح» وتلك «النابضة بالروح»، ليصل إلى هذا التصوُّر: «لو أنَّ كلَّ أداة استطاعت أنْ...

تطور الترجمات الصينية للأعمال السعودية: الممارسات والإنجازات

تطور الترجمات الصينية للأعمال السعودية:

الممارسات والإنجازات

ارتبطت حركة ترجمة الأعمال السعودية إلى اللغة الصينية ارتباطًا وثيقًا بتطور العلاقات الثنائية بين الصين والمملكة العربية السعودية، وتطور وتيرة التبادل الثقافي بينهما. فمن الترجمات المتفرقة من بداياتها إلى التعاون المنهجي والمنظم فيما بعد، ومن التركيز على ترجمة الأعمال...

هرمان هيسه: بين فرويد ومحمد إقبال

هرمان هيسه:

بين فرويد ومحمد إقبال

قدم الأديب الألماني هرمان هيسه (1877-1962م) أعمالًا أدبية عالمية انطلقت من أشكال فنية مألوفة، ولكنها التحمت بتحقيق غايات مركبة ومستعصية على التلقي العابر؛ إذ غاصت في عوالم الكاتب النفسية الذي حاول دومًا تحقيقَ نوع من المصالحة المستحيلة بين الأضداد؛ حيث تجاذبته ثنائيات...

بين يوهانا وشوبنهاور، بين الكتب وورق النفايات

بين يوهانا وشوبنهاور، بين الكتب وورق النفايات

يوهانا هنرييت تروسينر (1766- 1838م) كاتبة ألمانية شهيرة في زمنها، وصاحبة صالون ثقافي اجتمع فيه كبار مثقفي ألمانيا آنذاك: من يوهان غوته إلى الأخوين غريم وأوغست شليغل وشقيقه الكاتب الفني كارل شليغل. وأكثر من هذا، كانت يوهانا أول امرأة ألمانية تنشر كتبها من دون الاستعانة...

ابتسامة اللوز

بواسطة | مايو 1, 2022 | نصوص

(1)

صباحٌ مشرقٌ، لكنه بليدٌ ككل الصباحات التي انقضت في سالف أيامه، وربما أيضًا ككل الصباحات التي ستأتي في المقبل منها؛ وخروج مملٌّ إلى عمل ليس فيه إلا ضجر خانق. يخرج من بيته وينهب الشارع بسيارته في طريق محاصر بالنخيل على امتداد جانبيه، ووراء النخيل تتوزع أشجار يقترب بعضها من بعض، وتتباعد أخرى، وفيما بينها تنبسط الأرض مخضرة بما نما عليها من زرع. لم يكن هذا الطريق أفضل الطرق –لكنه كما يعتقد أقصرها- فهو بالكاد يمنح السيارة فرصةَ العبور، مجبرًا إياها على التمايل في اهتزاز غير منتظم مع كل دروة لعجلاتها فوق الأرض المتوعرة بالغائر من الحفر والبارز من النتوءات. يخرج بعدها لطريق مُعَبَّد وسريع، يوصله -بعد ساعة إن كان الطريق سالمًا من أي حادث يعطله– إلى حيث وجوه منهكة ما زادها الوقت إلا أن تتضرج بالإجهاد اختناقًا. غائصًا بين النخيل، وقعت عيناه على (قضب لوز) فحرّك شفتيه بربع ابتسامة أو نصفها على أكثر تقدير. يقطع مسافة أخرى، وسيارته تتمايل بعجلاتها المستمرةِ في ملاعبة الحفر علوًّا وهبوطًا، وربما تطاير بعض الغبار في تلك الأجزاء التي يكون تراب الطريق فيها جافًّا. لمعت ثمار اللوز في عينيه ثانية، فتغيرت ملامحه ثانية بذات ربع الابتسامة أو نصفها على أكثر تقدير. لم يكن قضب اللوز هذه المرة وحيدًا، صبية تقترب نحوه -يعرفون كيف ينسلون من بين النخيل من غير أن يشعروا أحدًا- توقف عن سيره وأطفأ السيارة. نظر إليهم وعيناه تتسعان. فجأة، تخلّى عن عمله وموعد عمله. قفز من سيارته، وعرف كيف ينسل بين النخيل. مشى قليلًا فإذا هو بين الصبية.

(2)

كان البستان هادئًا. لا صوت غير سقوط اللوز على الأرض، أو في الماء الذي غمر تلك القطعة من الأرض، المزروعة بالجرير، الممتدة أطرافها تحت أغصان القضب. تركوا قضب اللوز عاريًا من ثماره، ومشوا عنه. اختاروا قضبًا أُخَر. كان هذا الآخر عاليًا يلوح بأغصانه في كل اتجاه في تحدٍّ مستفز. تفرسوا فيه جيدًا؛ بان اللوز ناضجًا مُحمّرًا من بين الورق. هم صغار، والقضب عالٍ، ولن يصلوا لأعلاه بسهولة. تبادلوا النظرات. لم يمهلهم ليقولوا شيئًا؛ فاحتضن الجذع بساعديه، وما كاد يرقى حتى داعب الأغصان بهزات متتالية، بعدها كانت أيدي الصبية تعبث في الأرض، تلتقط ما تساقط عليها، وقد تبللت أيديهم أيضًا بعد أن غاصت أرجلهم في الماء حين سقط اللوز فيه.

(3)

عزموا على الخروج. لم يكتفوا بما جمعوا، لكنهم تعبوا، هو أيضًا تعب. نظر لجيوبهم الممتلئة باللوز. بدا اثنان منهم، بعد أن رفعا أطراف ثوبيهما بأكفهما، كمن يحمل (زبيلًا). هو أيضًا ملأ جيوبه باللوز، خرجوا وعرفوا كيف ينسلون من غير أن يشعروا أحدًا. أضحوا خارج البستان. أشار عليهم أن يتوجهوا حيث ركن سيارته، مبتعدين من الأعين، فرشوا اللوز على الأرض. اقتسموا … كلٌّ حاز على نصيبه، استدار الصبية ليمشوا في حالهم، لكنه ظل واقفًا ينظر إليهم، وحرك شفتيه رافعًا طرفيهما إلى أعلى بثلاثة أرباع ابتسامة أو بابتسامة مكتملة إلا قليلًا على أكثر تقدير. قضم إحدى اللوزات، بعد أن مسحها بكم قميصه، وأخذ يمزمز ماءها في فمه بلذة ممزوجة باستمتاعه بحديث الصبية الآخذ في الخفوت كلما ابتعدوا. كان حديثهم حديث نهاية العمل. هم فعلًا كانوا في عمل، مع أن البستان ليس بستانهم واللوز ما كان لوزهم.

(4)

صباح ممسوح بالبلادة كغيره. خرج من بيته مخترقًا الطريقَ، المحاصر بالنخيل، المجبر السيارةَ على الترنح. حرك شفتيه بربع ابتسامة أو أقل قليلًا لما رأى قضب لوز. قطع مسافة أخرى، رأى قضبًا أُخَر، لم يكن هذا الآخر وحده. كان هناك صبية، حدّق جيدًا لم يكن الصبية وحدهم، كان صاحب البستان وراءهم – يتراكضون هربًا … وصاحب البستان خلفهم يركض. شيعهم بعينيه. لم يتوقف ولا خفف سرعة السيارة المترنحة في الطريق المتوعرة؛ ولم تزد ابتسامته عن الربع، لا قليلًا ولا كثيرًا.

المنشورات ذات الصلة

ظنونه

ظنونه

تؤرقه ظنونه، أو معجزاته، لا فرق. الإحساس المسبق بكل شيء، قلق يسبق الحدوث، وفراسة تقرأ الشخصيات قبل أن تنطق. هذا...

1 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *