المقالات الأخيرة

فلاسفة لم يحبوا الكتب والمكتبات

فلاسفة لم يحبوا الكتب والمكتبات

علاقة الفلاسفة بالكتب والمكتبات غريبة، تحفّها أسرار أشد غرابة، ويتناقل الناس عن علاقتهم بها حكايات مختلفة، فهناك من يتكتم عنها، ويحتفظ بعلاقته بها في السر، وكأنها علاقة محرّمة، لا يجوز في حقّها إلا أن تُستر وتُطوى عن أي ذكر، وهناك من يُشهِر علاقته بها، ويسْطَعُ...

الترجمة في عصر الخوارزميات: هل تبقى الروح؟

الترجمة في عصر الخوارزميات:

هل تبقى الروح؟

يبدو أنَّ أرسطو كان يفكر في شيءٍ يشبه الذكاء الاصطناعي حين عقَد في كتابه «السياسة» ارتباطًا عميقًا بين آلاتِ هوميروس الخيالية وعالَم العبيد في الواقع. فقد ميَّز بين الأدوات «الهامدة بلا روح» وتلك «النابضة بالروح»، ليصل إلى هذا التصوُّر: «لو أنَّ كلَّ أداة استطاعت أنْ...

تطور الترجمات الصينية للأعمال السعودية: الممارسات والإنجازات

تطور الترجمات الصينية للأعمال السعودية:

الممارسات والإنجازات

ارتبطت حركة ترجمة الأعمال السعودية إلى اللغة الصينية ارتباطًا وثيقًا بتطور العلاقات الثنائية بين الصين والمملكة العربية السعودية، وتطور وتيرة التبادل الثقافي بينهما. فمن الترجمات المتفرقة من بداياتها إلى التعاون المنهجي والمنظم فيما بعد، ومن التركيز على ترجمة الأعمال...

هرمان هيسه: بين فرويد ومحمد إقبال

هرمان هيسه:

بين فرويد ومحمد إقبال

قدم الأديب الألماني هرمان هيسه (1877-1962م) أعمالًا أدبية عالمية انطلقت من أشكال فنية مألوفة، ولكنها التحمت بتحقيق غايات مركبة ومستعصية على التلقي العابر؛ إذ غاصت في عوالم الكاتب النفسية الذي حاول دومًا تحقيقَ نوع من المصالحة المستحيلة بين الأضداد؛ حيث تجاذبته ثنائيات...

بين يوهانا وشوبنهاور، بين الكتب وورق النفايات

بين يوهانا وشوبنهاور، بين الكتب وورق النفايات

يوهانا هنرييت تروسينر (1766- 1838م) كاتبة ألمانية شهيرة في زمنها، وصاحبة صالون ثقافي اجتمع فيه كبار مثقفي ألمانيا آنذاك: من يوهان غوته إلى الأخوين غريم وأوغست شليغل وشقيقه الكاتب الفني كارل شليغل. وأكثر من هذا، كانت يوهانا أول امرأة ألمانية تنشر كتبها من دون الاستعانة...

أرواح متقاربة.. قصة فلسفية متخيلة

بواسطة | مايو 1, 2023 | نصوص

يتسامر نفر في الأعالي.

كائنات أثيرية

تتماوج ظلالها في الأقاصي

يتساقط الزمن على رؤوسهم ندفًا بيضاء لا ثقل لها..

تحيط بهم

كراتٍ متطايرة من الثلج

تظللهم

سحاباتٍ من الرذاذ والضياء والهواء المعقّم

جلسوا على حافتي غياب

كلٌّ يتكئ على قصصٍ وحكايات وأشعارٍ وذكريات كانت لهم على كوكبٍ سفلي يلمع الآن تحتهم كومضة خافتةٍ في هذا الدجى العظيم..

كانوا رحلوا واحدهم تلو الآخر على جناح طائر الموت

قدموا في مواكبٍ من الغبطة الباردة

من الدجى السفلى

إلى الدجى العليا

«كأن الدجى زادت وما زادت الدجى

وَلَكِنْ أطَالَ اللَّيْلَ هَمٌّ مُبَرِّحُ»

أنشدت روح إعرابي، واحد منهم وسمعوا ارتطامه بنجمةٍ راحلة.

على حافة الغياب

في النقطة الفاصلة بين الجحيم والفردوس

ينتظرون كل مساء الطائرَ القادم بما يحمل من الأمداء الدنيا

يصيحون بفرح عندما يلوح لهم من بعيد

يجيء أسودَ كطائر الرخ:

«جاء الموت.. جاء الموت

بحصادٍ جديد»

ويترك لهم كائنًا أثيريًّا آخرَ

يضع بينهم روحًا طليقة جديدة

«هذا أنت أخيرًا بيننا يا صاح»

يتعرفون عليه من صوته وضحكاته

كيف تركت الدنيا السفلى؟

يتلمظ فمه من سكرة الموت

ويعبّ سكِرًا جديدًا من الرذاذ الذي حوله

يحكي لهم قصة سفره إلى السماوات العلى.

يعرفهم واحدًا واحدًا من أحاديثهم وآخر لم يلتقه من قبل يحوم حوله اشتياقًا

يرتمي على حافة الغياب شرقًا قربهم

يتكئ على طاولةٍ من الهواء البارد

بغبطةٍ قصوى يهمس لهم وللنجوم الراحلة بين الأزمنة.

«ها أنا ذا بينكم يا أصحابي السابقون

أفلتّ من سجن اللحم الذي أحاطني سبعين

عامًا ونيف

وصرت طليقًا بينكم كما أنتم في هذه العليّة

هل تذكرون الشاعر الأرضي الذي أنشد:

أعطني حريتي.. أطلق يدي

إنني أعطيت ما استبقيت شيئًا

هو أنا معكم..

علي ابن أبي

هربت من لحمي ودمي

أنقذت من أوجاعي وأوجاع العالم السفلي

هربت من رائحتي قبل أن تنتن

هؤلاء نحن الطلقاء لا رائحة لنا

أنقياء

صعدنا إلى هذه الحافة السماوية

ولم نستَبقِ لنا من شيء كان ملكنا

تركناه للأرواح الأخرى المحبوسة في أقفاصها المترهلة

وفررنا واحدنا بعد الآخر إلى هذا الفردوس السماوي

حيث نحن هنا

نرى بعضنا عبر الهسيس والهمس والذكرى».

تتراقص روح حسن مستغرقة في ابتسامتها واخضرارها الأبدي.. تصطدم بالأرواح الصديقة منتشيًا بعودتها إلى حيث الأعالي.. يحيّي علي ابن أبيه، بقربه، يمتلئ كأسه الأثيري برذاذ البحر، وتحلّق روحه بين ضفتي الغياب مناجيًا كل الأرواح المتقاربة ويصدح كطيرٍ من ماء:

«غيمةٌ تعبر، الآن، أرضَ السواد

فرحٌ عابرٌ

في ثيابِ الحداد

ها هي الأرض تمتد خضراءَ.. خضراءَ

ملء البصر»

على حافة الغياب الأخرى

همس أحدهم:

من هذا الذي بقربنا يا صديقي الفيلسوف نيتشه؟ خرجت الكلمات كأنها أحجار ملساء من فمه الكثّ بشاربه الذي لا يرى

أظنه هوميروس الذي كتب إلياذته قبل أن يكسو اللحم والعظم أرواحنا.. وجدته ذات قرن قبل دقيقة من لحظتنا هذه بقرب صديقه دانتي يتناجيان تحت ظلال الغياب ويرتعبان من ذكر الجحيم والفردوس بينما كان يغتسلان معًا في بحيرة المطهر العظمى. ها هي تلوح لنا في الأفق. حدثني.. أقبلت روح إليوت جذلى ترثي «الأرض الخراب».. وظلّ يتلمّس ذكريات القول الشعري واحدةً بعد أخرى حتى قبضت كفه الأثيرية على قصيدته/ المرثاة « الأرض الخراب»، وأخذ ينشد:

«.. على سهول مترامية، تتعثر بأرض متصدعة

يسوّرها الأفق المنبسط وحده

أيّة مدينة خلف الجبال

تتصدع وتعمر وتنفجر في الهواء الشفقي

بروج متهاوية..

……

ما ذلك الصوت الصاعد في الهواء

نشيج نواح الأمهات

ما تلك الحشود المتلفّعة تفيض»

بين القلق الروحي والفزع الجذِل تصادمت الأرواح..

بين الترقب لطائر موت قادم وبين الفرح للقاء روحٍ جديدة،

بين انهمارات الهمهمات وموسيقا الهمسات

تصاعد صوت روح ويتمان عميقًا ممتلئًا بالشمس والهمس واللوعة، يصدح من بعيد ويقترب من ضفة حافة الغياب الأخرى تتساقط كلماته العارمة كالرذاذ:

«ها نحن أيضًا نصعد قبة السماء

مدهشين وهائلين كالشمس،

نجد ذواتنا، آهٍ أيتها الروح، في هدأةٍ وبرودة

انبلاج الفجر»


تقاربت الأرواح أكثر فأكثر فرحة ومضطربة، حين سمعوا دويًّا هائلًا قادمًا من العالم السفلي، الاهتزازات الأرضية العظمى المتلاحقة لم تنتهِ، خلفت وراءها سحابة هائلة من الغبار ورذاذ البحر والنار، وتراقصت في السماء كزهرة فطر هائلة وسوداء، ووصلت أطرافها عند حافة الغياب بضفتيها. صاحت روح هيغل المنزوية في كهفها الأثيري: إنني أرى الآن وفي الأسفل بكل وضوح ميتافيزيقي أنقاض التاريخ تحت ركام الجغرافيا.. يا لها من فينومينولوجيا جديدة للروح، وأنصتت الأرواح كلها متقاربة لصوته العميق القادم كأنه من بئر مثقوبٍ في السماء. اقترب طائر الموت هذه المرة حاملًا على كتفه كيسًا هائلًا بحجم الكوكب الأرضي، محتشدًا بكل الكتب التي كتبت قبل انقضاض الجغرافيا على التاريخ المتهالك، وتركه بين الأرواح المتقاربة مخلّفًا ظل ابتسامة صفراء تقطر رمادًا ودمًا. تجمعت كل الأرواح المفكرة والشاعرة والضالة والهائمة على وجوهها تنقّب في الكيس عن كتابها الذي كتبته بيمناها.. ثم مضت كل روحٍ إلى قممها الفردوسية ترقب بهلعٍ ضاحك ما يجري في العالم السفلي من تحولاتٍ نارية.

المنشورات ذات الصلة

ظنونه

ظنونه

تؤرقه ظنونه، أو معجزاته، لا فرق. الإحساس المسبق بكل شيء، قلق يسبق الحدوث، وفراسة تقرأ الشخصيات قبل أن تنطق. هذا...

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *