قد يكون مصطلح «الاقتصاد الثقافي» من المصطلحات الحديثة نسبيًّا، وقد يكون ظهوره المبدئي نشأ من دوافع الحاجة المُلِحَّة إلى معالجة بعض الجوانب الاقتصادية لبعض المسارات الثقافية أو الفنون الإبداعية، فالمصطلح لم تتداوله المجتمعات الثقافية أو الاقتصادية إلا بعد صدور الكتاب الأميركي «الفنون الأدائية: المعضلة الاقتصادية»، وهو كتاب مشترك بين اثنين من أبرز الأكاديميين الأميركيين المتخصصين في الاقتصاد، وهما: ويليام بومول، وويليام بوين، وقد تناول الكتاب المشكلات المشتركة في عدد من الفنون مثل المسرح والأوبرا والموسيقا والعروض الأدائية. ولعل تاريخ صدور الكتاب في أميركا عام 1966م لاثنين من رواد الاقتصاد الثقافي يعطينا مؤشرًا على مواكبة أفكار الاقتصاد الثقافي لصعود الفكر الرأسمالي الذي لم يغفل عن الثقافة بوصفها أحد مصادر الاقتصاد. وبعد مرور 60 عامًا أصبح هذا الكتاب أحد المراجع المؤسِّسة والمؤثرة في هذا المجال، وقد نتج عنه لاحقًا ظهور عدد من المصطلحات الجامعة بين الثقافة والاقتصاد، مثل: اقتصاد المعرفة، واقتصاد الإبداع، وغيرهما.
كثير من دول العالم -في البداية- لم تُعطِ مفهوم الاقتصاد الثقافي اهتمامًا كبيرًا، ربما لأن الحكومات هي التي كانت تتولى دعم الثقافة والفنون من دون انتظار عوائد اقتصادية منها، إلا أن هذا التوجه الاقتصادي بعد نصف قرن من وضعه في الواجهة؛ لم يعد خيارًا بالإمكان التغاضي عنه، بل أصبح ضرورة حتمية لتنويع مصادر الدخل من جهة، والمحافظة على مكونات الهوية الثقافية من جهة أخرى، ولذلك تبدلت أو تطورت نظرة المجتمعات والحكومات والدول إلى مفهوم الاقتصاد الثقافي بوصفه جزءًا لا يتجزأ من المنظومة الاقتصادية عامةً. ومع ثورة الاتصالات الحديثة أصبح الاقتصاد الثقافي أحد العوامل المهمة في تنويع اقتصادات الدول، ولم يعد مقصورًا على الحكومات وحدها، بل اتسعت دوائره لتشمل القطاع الخاص، وأصبح صورة من صور الاستثمار الواعد.
مفهوم الاقتصاد الثقافي الذي عرفه العالم -بتعريفه الحديث- في ستينيات القرن العشرين عبر مكونات ثقافية بارزة مثل: السينما والعروض المتحفية والمسرحية والموسيقية والأدائية، صار الآن جزءًا وثيق العلاقة بكل جوانب الحياة اليومية المتصلة بالثقافة والهوية، وتداخل مع تخصصات أخرى منها ما يقوم على إنتاج المعرفة، والتنمية التعليمية، والأنشطة السياحية، وما يقوم على الاستثمار في مختلف مجالات الفنون والحِرَف والأنشطة الترفيهية.
وإذا تحدثنا عن واقع الاقتصاد الثقافي في المملكة العربية السعودية، سنجد أنه اكتسب أهمية أكبر بعدما وضعته رؤية السعودية 2030 في سياقه المناسب، وجعلته أولوية لتنويع مصادر الاقتصاد الوطني، فالرؤية -في جانب كبير منها- تستهدف تنويع مصادر الدخل، وتعظيم الاستفادة من المكونات الثقافية ضمن مسار اقتصادي يخدم أهداف الرؤية، وقد لمسنا ذلك في نتائج التطور الاقتصادي الملحوظ في القطاعات ذات العلاقة بالاقتصاد الثقافي مثل: وزارة الثقافة ووزارة السياحة وما يتصل بهما من هيئات متخصصة، سواء تلك الهيئات التابعة للوزارتين، أم الهيئات والمؤسسات الأخرى مثل الهيئة العامة للترفيه.
ولأنه لم يعد في الإمكان تهميش أو تجاهل قضية الاقتصاد الثقافي، وربطها بخطط الإصلاح الاقتصادي التي تختلف من دولة لأخرى، ولأننا في العالم العربي نمتلك قدرًا كبيرًا من التنوع الثقافي الذي يجعل من الاقتصاد الثقافي قضية جوهرية ومستقبلية لشعوبنا؛ خصَّصنا ملف هذا العدد من مجلة «الفيصل» لمناقشة هذه القضية المهمة، والتعرف إلى واقع التجارب العربية البارزة في هذا المجال.
0 تعليق