ليسمح لي القارئ أن أستهل هذا المقال بهذه الشذرة لسيوران التي يحدد فيها علاقته باللغة الفرنسية: «كان عليّ أن أختار أيّ لغة أخرى سوى الفرنسية؛ لأنني لا أُلفي في نفسي توافقًا مع طابعها الرفيع المتميّز؛ فهي على طرفي نقيض تام مع طبيعتي، ومع تهيّجي، ومع حقيقة ذاتي، ومع ضرب البؤس الذي أعانيه. بمتانتها، وبمجموع الإكراهات الأنيقة التي تمثلها، تبدو لي كضرب من التمارين على الزهد، أو بالأحرى كخليط من لباس تقييد الحركة وصالون الاستقبال. والحال أنني تعلقتُ بها بالضبط بسبب هذا التنافر».
الهروب من الأدب الجاد
في كتابه «مهنتي هي الرواية»، يوضح هاروكي موراكامي النهج الذي سلكه كي يتخلى عما يسميه «الأدب الجاد». وهو يبين أنه لم يكفه، من أجل ذلك، أن يدير ظهره لتراثه ولغته القومية، وإنما أن يستبعد كل ما يذكّر بذلك «الأدب»، بما في ذلك أدوات العمل التي كرّسها التراث؛ لذا، فهو يبدأ بالتخلص من أوراق الكتابة وقلم الحبر، «ذلك أن وجودهما أمامي، كما يقول، يُشعرني بأنَّ ما أفعله يدخل في حيِّز «الأدب».
تمهيدًا لذلك، سيلجأ إلى «وسيط» يفصله عن الكتابة ومناخها وأدواتها وتقاليدها، هذا الوسيط هو «الآلة الكاتبة»: «أخرجتُ آلتي الكاتبة القديمة من الخزانة، ووضعتها مكان الأوراق». بل إنه يذهب أبعد من ذلك، فعند محاولته كتابة رواية، سيتخلى حتى عن لغته القومية: «قررتُ، على سبيل التجربة، أن أكتب افتتاحية الرواية بالإنجليزية. قلتُ في نفسي: «لِمَ لا؟ ما دمتُ سأخالف عُرفًا من أعراف الكتابة، فلماذا لا أمضي إلى آخر الطريق؟».
لم يكن اللجوء إلى الإنجليزية عنده انبهارًا بلغة «مستعمِر»، ولا رضوخًا لهيمنة لغوية، أو بحثًا عن اعتراف، ولا حتى شعورًا بالتمكّن من لغة من اللغات: «كانت قدراتي في الكتابة بالإنجليزية متواضعةً بطبيعة الحال؛ فالمفردات التي كنت أعرفها محدودة جدًّا، وكذلك إلمامي بقواعد بناء الجملة الإنجليزية. لم أكن أستطيع أن أكتب إلا جملًا بسيطةً قصيرة، ما يعني أنَّه مهما دارت في رأسي أفكارٌ كثيرةٌ معقَّدة، لم يكن بمستطاعي حتى أن أحاول تدوينها وهي تخطر في بالي».

هذا التوجّه نحو لغة غريبة لا يتقنها، لم يكن ليدخل إلا في سعيه نحو التحرّر مما ترسخ من أساليب، وما تكرّس من أعراف، بهدف بناء أسلوب شخصي ينحو نحو البساطة، ويرسي موسيقا مغايرة: «كان لا بدَّ من أن أكتب بلغةٍ بسيطة، وأن أعبّر عن أفكاري تعبيرًا يسهل فهمه، وأن تكون الأوصاف خاليةً من أيِّ دَسمٍ زائد، وأن يكون الشكل مضغوطًا، وكلُّ شيءٍ مرتّبًا بحيث يدخل في وعاءٍ محدود الحجم. كانت النتيجة نثرًا فجًّا، غير مصقول. لكنّني أثناء معاناتي هذه في التعبير عن أفكاري، بدأتُ أرى إيقاعًا مميزًا يتشكَّل».
لم يعد موراكامي يُطيق ما تشبّع به من مفردات اليابانية وتراكيبها إلى حدِّ «الانفجار»، كما يقول. فلما حاول أن يدوّن أفكاره ومشاعره، «بدأ ذلك المحتوى اللغوي يدور بجنون، وهو ما أفضى أحيانًا إلى تعطُّلٍ في نظامي، إن جاز التعبير».
حسنة اللغة الأجنبية أنها أخذت تخفّف عنه من ضغوط التراث اللغوي، وتُحرّرُه من أعرافه، وتخرجه من «الأدب الجادّ»، وتفتح أذنيه على موسيقا مغايرة: «أما الكتابة بلغةٍ أجنبية، على ما فيها من حدود، فلا تشكو من هذا الخلل. وقد جعلتني أدركُ أنَّ بإمكاني التعبيرَ عن أفكاري ومشاعري بقدرٍ محدودٍ من المفردات والبنى اللغوية ما دمتُ أستطيع أن أدمج بينها بكفاءة، وأربط بعضها ببعض بمهارة. في نهاية المطاف، تعلّمتُ أنَّه لا توجد حاجةٌ إلى كثيرٍ من الكلمات الصعبة، أي أنّني لم أكن مضطرًا إلى استعراض قدراتي اللغوية لأثير إعجاب القارئ».
نعرف أن كثيرًا من الكتّاب يعشقون هذه «البينية اللغوية»، هذا إن لم يجدوا أنفسهم متورّطين فيها، ويكفي أن نذكر على سبيل المثال، صامويل بيكيت، وميلان كونديرا، والكاتبة المجرية أغوتا كريستوف، التي يشير إليها موراكامي في هذا الكتاب، ويتحدث عن تجربتها اللغوية بنوع من الإعجاب، وقريبًا منا، بطبيعة الحال، عبدالكبير الخطيبي.
غواية اللغة الأخرى
لم يعش المفكر المغربي الوضعية اللغوية التي عاشها الكاتب الياباني. يصف الخطيبي هذه الوضعية بأنها «وضعية حرب»: «إنها وضعية تعددية، والاستعمار جعل منها وضعية حرب. «ذلك هو عهد الحماية وحمايته للغات، ووضعها في وضعية حرب». وضعية الحرب هذه تحشر الكاتب ضمن حركة لا تتوقف بين لغات وثقافات».
نعلم أن هذه الوضعية أدت إلى احتواء المغرب لأربعة آداب متوازية يرسمها الخطيبي على النحو التالي: «هناك أدب يُكتب بالعربية، ويحيل إلى الأمّة العربية الإسلامية (وليس إليها وحدها) وإلى شجرة نسبها النصي. أما الثاني فهو أدب يرتحل بين الأشعار الشعبية والحكايات والغناء وممارسة الشعوذة والطرق الصوفية، نظرًا لكونه يتّخذ العربية الشفوية لغة له، ولا يحظى بالتقييد والكتابة. أما الأدب الأمازيغي، وهو الأكثر قدمًا، فعلى الرغم من كونه خضع للاحتجاب، فهو يرتحل كذلك بين فضاءات ثقافية مختلفة من الثقافة الشعبية. وأخيرًا هناك الأدب الذي يستعمل اللغة الفرنسية، وهو ذو أصول مزدوجة. فليس من قبيل المصادفة أن يكون الكتّاب المغاربيون أسيري السيرة الذاتية؛ ذلك أن الكتابة بلغة أجنبية تشكل طريقة لتأسيس مشروعية فعل الكتابة. فالكاتب باللغة التي كانت أجنبية يقول في البدء: هذه هي ولادتي، وذلكم اسمي، وهذه أرضي، وذلكم قلبي الذي لا ينبض إلا من أجلكم».
ينظر الكاتب الذي يكتب باللغة التي كانت أجنبية، إلى هويته وهوية شعبه عبر ما يشبه نوعًا من الإثنولوجيا الأدبية. وكلّما توغّل في هذا المسار، اكتشف محاسن الغُربة وما تسببه من اضطرابات في الوقت ذاته: «كلما تمكّنت اللغة الفرنسية من إعادة صياغة اللغة الأم في بنية أخرى، فإنه ينصاع للعبة الغواية هذه. إنها غواية الكلمات وهي تنتظم فيما بينها في لغة حبّ ترعى قواعد اللياقة والليونة».
إلى جانب هذا، وبكيفية أو بأخرى، يشعر الكاتب باللغة التي كانت أجنبية أنه فقَدَ جزءًا من ذاته. يشعر أنه على الهامش. «يقال عنه: إنه عاشق لفرنسا من غير أن يكون كذلك؛ لكونه ليس هو نفسَه، ولا هو فرنسي على الوجه الصحيح؛ لذا فهو يتعرّض لإنكار وتجاهل مصحوبين أحيانًا بالمحاباة».
يرد الخطيبي على هذا الاتهام بعشق فرنسا، بترديده لعبارة مستلهمة من جاك دريدا بأن اللغة التي يكتب بها لا مالك لها: «عندما أكتب، أقوم بذلك في لغة الآخر. هذه اللغة ليست ملكًا لأحد».
يعمد الخطيبي، وهو يتوجه نحو دريدا، إلى إعطاء صورة مجسدة لفكر دريدا حول التفرقة بين الفرنسي-المغربي وبين «الكاتب المغاربي الفرنكفوني» انطلاقًا من تجربته هو مع اللغة الفرنسية، التي كانت لغة كتابة بالنسبة لمسلم شاب مزدوج اللغة تكوّن في المدرسة الفرنسية-المغربية تحت الحماية. كتب في رسالته إلى الفيلسوف الفرنسي ذي الأصول الجزائرية: «كانت الفرنسية خلال طفولتي لغة صامتة، موقوفة على القراءة، وعلى باقي التمارين المدرسية. إنها كانت لغة صامتة ولم تكن لغة ميّتة شأن ما كانت عليه اللغة اللاتينية أو الإغريقية بالنسبة للفرنسيين من جيلي. كانت تُمثّل لي واجبًا مدرسيًّا، قسمًا من الدراسات، زهدًا كان يسجننا في محراب تخشُّع وتشكّك وتيهان. لم نكن نكلّم أحدًا. هذا اللاأحد كان محتجبًا، وكنت أحاذيه في المدرسة، في الشارع، هناك. كانت، بمعنى ما، لغة صمت مفروضة علينا. وكان عليّ أن أتأقلم معها، وأن أتعلّم الإصغاء إلى الصمت، همساتِه وصيحاته، خفوته وانبهاره…
هل مهدت قوة الصمت هذه طريقي إلى الكتابة، أعني أن أتخذ مسافة إزاء الكلمات، داخل اللغة، وأن أدركها وفق انتشارها المكاني والحركي على الدفتر، وعلى السبورة وعلى الكتاب؟ إنها لغة نصف ميتة، لغة صامتة، منفتحة على حركات الطبيعة وعلى مناخها المعتدل. ذات يوم، أخذت اللغة الفرنسية تتكلم فيّ. باحتشام وحياء وخجل. تعلمت كتابة اللغة الفرنسية قبل أن أتعلم التحدث بها. وبما أننا لا نتكلم مثل كتاب، كان عليّ أن أعاود الأمر منذ البدء. بهذا المعنى، فإن الأمر لا يتعلق باستبدال لغة الأم، وإنما يتعلق بلغة كتابة تتسم بازدواجية لا تصدق. لأن الأمر كان يتعلق بالتحدث بلغة والكتابة بأخرى… تعلمت عن ظهر قلب، وبفعل ما يفرضه عليّ واقع الحال، عدم تماثل بين اللغات. ذاتَ يوم، احتجب الصمت. فأخذت أحدث نفسي في مونولوغ داخلي».
نحن أمام ثنائية لغوية: الفرنسية، لغة الكتابة، والعربية، لغة الكلام. لا يتعلق الأمر باستبدال اللغة الأم، وإنما باستبدال لهجة دارجة بلغة الكتابة «لأنه كان عليّ أن أتكلم لغة وأكتب بأخرى».
استضافة هذه اللغة التي كانت أجنبية سرعان ما تقع تحت تأثير المضيف، وهكذا تعمل «اللغة الأم» عملها في اللغة الأجنبية. تتمّ بين اللغتين عملية ترجمة دائمة، ويدور بينهما حوار خفي يتعذّر كشفه وتبيانه. «علينا أن نتبنى اللغة الفرنسية، لكن، لكي نرى فيها تلك الهوة ومتعة الغريب التي ينبغي أن تعمل باستمرار في الهامش».

الكتابة بين لغتين
يتميز الكاتب الياباني عن أولئك الكتّاب الذين تخلوا عن لغتهم القومية ليأخذوا في الكتابة بلغة أجنبية، شأن سيوران وأغوتا كريستوف مع اللغة الفرنسية، بل لينقلوا ما سبق أن ألّفوه بلغتهم إلى اللغة الجديدة، شأن كونديرا، أو ليعيشوا الازدواجية كل لحظة شأن الخطيبي، يتميز في كونه لم يجئ إلى الإنجليزية إلا بصفة مؤقتة، إلا بهدف «اكتشاف» أسلوب مغاير، والتعوّد على إيقاع جديد؛ إذ سرعان ما سيحاول العودة إلى «يابانيته»، بل سرعان ما سيتخلص من كل وسيط، حتى الوسيط الآلي الذي كان قد استنجد به: «أعدتُ آلة الكتابة إلى الخزانة، وأحضرتُ أوراق الكتابة وقلم الحبر مرَّةً أخرى».
إنها العودة إلى الكتابة بعيون وآذان أخرى: «بعد أن اكتشفتُ التأثير العجيب للكتابة بلغةٍ أجنبية، فاكتسبتُ إيقاعًا إبداعيًّا أتميز به… جلستُ، و«ترجمتُ» الفصل الذي كتبته، أو نحو ذلك، من الإنجليزية إلى اليابانية. الحقيقة أنَّ الوصف الأصحَّ قد يكون «نقلتُ» [كما في نقل الأعضاء أو الفسائل]، بما أنني لم أكن أترجم النصَّ كلمةً بكلمة».
الخروج إلى اللغة الأجنبية، ثم العودة إلى اللغة الأم، عن طريق الترجمة، كانت نتيجتهما أن «تكشَّفَ على نحوٍ حتميٍّ أسلوبٌ جديدٌ باللغة اليابانية، الأسلوب الذي اكتشفته فأصبح أسلوبي». قلتُ في نفسي: «الآن فهمت. هكذا ينبغي لي أن أكتب». كانت لحظةً من الوضوح التام، زالت فيها الغشاوة عن عينيَّ».
هذه العودة، وذلك الخروج، خففا عن الكاتب الياباني ضغط التراث اللغوي، ومكّناه من أسلوب مغاير يسمح بنوع من «التحرر»: «ما كنتُ أسعى إليه عبر الكتابة بالإنجليزية أولًا، ثم الترجمة إلى اليابانية، هو أن أبتدع أسلوبًا بسيطًا «محايدًا»، يُتيح لي حرية الحركة».
لا تمثُل وظيفة الترجمة هنا فحسب، في تبسيط اللغة القومية و«تخفيفها»، وإنّما في كونها تسعى إلى تخطّي نوع من الأدب يثقل كاهل الكاتب الياباني، ما يسميه «الأدب الجادّ»: «لم أكن أسعى إلى إنتاج شكلٍ مخفَّفٍ من اللغة اليابانية، بل أردتُ توظيف نوعٍ منها يبتعد قدر الإمكان عن قيود «الأدب الجاد»؛ كي أستطيع التحدث بصوتي الطبيعي. هذا هو السبب في اتخاذي ذلك الإجراء. بل يمكنني القول: إنني في ذلك الوقت ربَّما نظرتُ إلى اللغة اليابانية بوصفها أداةً وظيفيَّةً لا أكثر».
فكما أن الخروج إلى اللغة الأجنبية هنا ليس افتتانًا بلغة مستعمِر، ولا رضوخًا لواقع مفروض، فإن الترجمة ليست بحثًا عن اعترافِ آخر، إنها بالأوْلى «تمرين على الكتابة»، وتفعيل للاختلافات اللغوية من شأنهما أن «يطهّرا» اللغة القومية، ويحوّلا موسيقاها، فيسمحا للكاتب أن يبدع الأسلوب الذي يلائمه. الترجمة هنا أداة للتخلي عن «الأدب الجادّ». عن طريقها يغدو المرور عبر اللغة الأجنبية زرعًا لبذرة غريبة في تربة قومية، أو، كما يقول موراكامي: «نقلًا لأعضاء وفسائل لاستنباتها في اللغة القومية». وأداةً مساعِدة لإبداع أسلوب مغاير في الكتابة. إنها وسيلة لبلوغ النص بالخروج منه عسى أن يغتني بما يفقده ويتخلص منه.
أما بالنسبة إلى المفكر المغربي فإن الترجمة عنده مرغوبة لذاتها. يقول في «عشق بلسانين»: «أنا ابن الازدواجية اللغوية». فـ«تملكه للُغة حبٍّ مستقاة من تراث أجنبي، كما يقول، يرغمه على أن يمارس الازدواجية اللغوية».
إلا أن مزدوج اللغة، ليس مجرد شخص يتحدث لغتين، بل هو كائن يعيش بينهما، في حالة ترجمة دائمة، ليس فقط بين الكلمات، بل بين رؤى العالم التي تحملها كل لغة. إنّه لا يضع حدودًا صلبة بين اللغات، بل يجعلها تتجاور، تتضايف وتتلاقح، وتتحاور و«تتثاقف». نقرأ في «عشق بلسانين»: «ما كان يوحدنا، هو حركة ترجمة استثنائية».
ازدواجية لغوية خلاقة
نستطيع أن نقول: إن الترجمة لعبت عند الكاتب الياباني دورًا مشابها من حيث إنها تُنتج لغة ثالثة، هي فضاء مشترك بين لغتين، حيث تتسلل لغة إلى أخرى، فتُغيِّر من نبرتها، ومجازاتها، حتى في موسيقاها. الأمر مماثل لما كان كتبه إيميه سيزير، عن تجربته، وحال «الأدب الزنجي»: «أقول إنه كما توجد عمليات قرصنة إذاعية، هناك أيضًا استخدامٌ قرصاني للغة، وهذا بالضبط ما يكون عليه «الأدب الأقلي». نعم، بمعنًى ما، فإن الأدب الزنجي المكتوب بالفرنسية هو أيضًا قرصنة أدبية. بالطبع، فإن هذا التعريف لا يستنفده تمامًا. تحديدًا، لا ينبغي لنا أن نقنعَ بملاحظة أن هناك اختطافًا للغة وتحريفًا لها. بل يجب أن نتحمل عناء دراسة ما أصبحت عليه اللغة بين أيدي أولئك الذين استولوا عليها، وما إذا كانت، في النهاية، هي اللغة نفسها التي نتحدث عنها، أو، على الأقل، النظام اللغوي نفسه. إنها لغةٌ مُحَرَّفة: بلا شكّ. لغةٌ مُنْحَرِفة: بالتأكيد. لكنها أيضًا لغةٌ مشحونة ربّما، ومُحَمَّلَةٌ بالطاقة».
الثنائية اللغوية تضع الكاتب دائمًا في وضعية ترجمة؛ لأن هناك على الدوام حركةَ انتقال وترجمة بين لغتين، وحوارًا خفيًّا بينهما لا يمكن لا رصده ولا فهمه. لا يعني هذا «أن تعدّد اللغات هو مجرد علائق خارجية بين لغة وأخرى -بين اللغة المصدر والهدف على حد قول اللسانيين- وإنما هي عناصر تدخل ضمن النسيج البنيوي لكل فعل كتابة، لكل غزو للمجهول تعبّر عنه الكلمات. في كل كلمة، وفي كل اسم أو لقب ترتسم دومًا كلمات أخرى، كتابتها الضيفة. في كل كلمة كلمات أخرى، في كل لغة لغات أخرى».
فسواء أكانت الازدواجية اللغوية تعاش بطريقة مخصبة وفعالة، أم كانت مصدر اضطراب وارتباك، فإنها تمكّن الكاتب من كشف آخر؛ إذ إنه سرعان ما يتبين أن هذه اللغة الأجنبية ليست لغة الأم ولا لغة الأب، وأنها، بوصفها تجربة كتابة، لغة «الهو المجهول»، لغة لا تستمد أصلها من شخص بعينه. فهل هي لغة لا شخصية؟ يجيب الخطيبي عن هذا السؤال: «نعم، وبمعنى مزدوج: فمن جهة، إن اللغة ليست ملكًا لأحد، ومن ناحية أخرى، فإنها تفقد قناعها كملك جماعة أو بلد مهيمن للثروات الرمزية التي تتبادلها. إن هذا الطابع اللاشخصي هو يوتوبيا الكاتب، ومنفاه».
الازدواجية اللغوية مبدعة وخلّاقة، وهي تدفع الكاتب إلى أن يكتشف لغته الخاصة؛ ذلك أن الكتابة، في نهاية الأمر، هي تجربة فقدان ما نملك: إنها هجران الذات والتحرر منها: «عندما أكتب، أقوم بذلك في لغة الآخر. هذه اللغة ليست ملكًا لأحد». كل لغة هي بمعنى ما، لغة أجنبية عن نفسها، عن إطارها القومي؛ لأن الأدب ينغرس في شجرة أنساب نصية، وهي نفسها شجرة أسطورية.
الكاتب عند الخطيبي، كما عند الأديب الياباني، لا يمكن أن يكون إلا «غريبًا محترفًا» لا يكفّ عن الوقوف ضد وهم كل هوية متخشبة، وكل «أدب جادّ».
0 تعليق