أثار تصريح المفكر المصري مصطفى الفقي -مؤخرًا- حول أولوية توفيق الحكيم الفوز بجائزة نوبل، صدى تردد في بعض المواقع الإلكترونية -عربية ومصرية- دون إغفاله القيمة الأدبية الرفيعة لنجيب محفوظ التي حققها بإنجازه الروائي على امتداد عقود من الدأب والمهارة. استحقاق الحكيم لنوبل عبر عنه محفوظ حين علم بفوزه النوبلي، فقد دمعت عيناه، كما قال لإبراهيم عبدالعزيز في كتابه السيري «أنا نجيب محفوظ»، وقال: «هي حظوظ أن ينزل عملاق مثل توفيق الحكيم فيجيء من بعده من لا يتوقع أن يحصل على جائزة نوبل».
وهذا ما عبر عنه في حواري التلفازي معه بداية شهر فبراير ١٩٧٨م في شقته الأرضية بحي العجوزة القاهري، مغازلًا وقتذاك جائزة الملك فيصل العالمية. فقد كان مقتنعًا بأن الأحق بنوبل أستاذه توفيق الحكيم الذي سبقه بإصدار روايته «عودة الروح» سنة ١٩٣٣م، وروايته «يوميات نائب في الأرياف» سنة ١٩٣٧م، لولا وفاته قبل حصول نجيب محفوظ عليها بشهور، وذلك في ١٣ أكتوبر ١٩٨٨م.
كان الحكيم يتوقعها لا ريب، بعد مساندته زيارة الرئيس أنور السادات إلى القدس، سنة ١٩٧٧م، وقد كانت مساندة حماسية أدت به إلى وصف من عارضها من المصريين والعرب بالأقزام في مقال عنيف العبارة نشره حينها في جريدة الأهرام. كما أنه أيد قبل ذلك ما دعا إليه نجيب محفوظ إلى التصالح مع إسرائيل، في ندوة الأهرام الشهيرة مع العقيد معمر القذافي سنة ١٩٧٢م، مع أنهما كانا من الموقعين على بيان المثقفين المصريين المئة الموجه في يناير من العام نفسه إلى السادات احتجاجًا على حالة اللاحرب واللاسلم.
المثقفون والسلام والتطبيع
لقد ترك تصريح محفوظ المتصالح صدى سريعًا لدى تلك الآنسة الظريفة، كما وصفها توفيق الحكيم للناقد الأدبي غالي شكري، طالبًا منه تعريفها بهيئة تحرير مجلة الطليعة اليسارية من مفكريها وأدبائها في أثناء زيارتها لهم. إنها سناء حسن المولودة في أميركا من أبيها الباشا السفير المصري قبل الثورة، وقد قدمت إلى القاهرة بدعوى إعداد دراسة أكاديمية لجامعة هارفارد، بإشراف أستاذها اليهودي الصهيوني (صفران)، حول موقف الثقافة المصرية المعاصرة من أهم القضايا التي تشغل بال المواطن المصري. بعد زيارتها هذه أفردت لها جريدة (نيويورك تايمز) مجالًا لنشر مقال تدعو فيه
للاعتراف بإسرائيل.
ويضيف غالي شكري في كتابه «من الأرشيف السري للثقافة المصرية» أنها ترددت بعد زيارتها القاهرة على إسرائيل للالتقاء بشعراء المقاومة وأدبائها في الأراضي المحتلة، وبخاصة بعد قراءتها مسرحية الشاعر سميح القاسم «كيف رد الرابي على مندل» داعيًا ضمنها للاعتراف بإسرائيل، وهو ما تضمنه (النداء العاجل لشعوب المنطقة) الذي دعا فيه موقعوه إلى ذلك، وهم: حنا إبراهيم، وسميح القاسم، وعصام العباسي، ونزيه خير، وسالم جبران (تلميذ شموئيل موريه اليهودي العراقي أستاذ الأدب العربي المتميز بأبحاثه في الجامعة العبرية الذي أشرف على أطروحة جبران عن محمد مهدي الجواهري ومجتمع الكراهية). وبعد أن احتج الشاعر توفيق زياد على البيان تملص سميح القاسم منه، أما الروائي إميل حبيبي فقد قبل بعد اتفاق أوسلو جائزة إسرائيلية تقديرية لأدبه في يوم ذكرى تأسيس إسرائيل! وقد وجدته قبل ذلك في مهرجان أصيلة يدعو من يقابل من الأدباء العرب إلى زيارة إسرائيل، حيث زارها وقتذاك المسرحي المغربي الطيب الصديقي وكذلك المفكر المغربي عبدالكبير الخطيبي بعد أن ألف كتابًا في نقد الصهيونية، ونقد في كتابه «النقد المزدوج» وعي جان بول سارتر الشقي، الذي ناصر الثورة الجزائرية ثم زار إسرائيل مباشرة بعد زيارته القاهرة الحفية به سنة ١٩٦٨م.
حين ناقشت إميل حبيبي في لقاء تلفازي على شاشة mbc سنة ١٩٩٤م مواقفه الملتبسة من قضية شعبه الفلسطيني وهو الكاتب التقدمي اعتذر قائلًا: إنه أخطأ منتقدًا ميكيافليته السياسية، وإنه لا يجد نفسه إلا في الكتابة الأدبية ففيها الصدق على حد قوله.
بعد هذا بسنوات عثرت الفنانة المصرية هالة القوصي على أوراق تخص توفيق الحكيم. عثرت عليها مصادفةً، ووصفتها بالكنز الأدبي والسياسي. وقد تضمنت الأوراق تأييده المطلق لأنور السادات وتأييدًا مطلقًا لاتفاقية كامب ديفيد، خلافًا لمواقف معظم مواطنيه. وهو ما دفع الرئيس المصري بعد فوزه بجائزة نوبل -مناصفة مع مناحيم بيغن رئيس وزراء إسرائيل- لأن يوعز إلى سفارة بلده في السويد للعمل على ترشيح الحكيم لنوبل. هذا ما قاله لي الأميركي من أصل مصري إبراهيم عويس، أستاذ الاقتصاد في جامعة جورج تاون في برنامجي (هذا هو)، بأنه هو وأكاديميون آخرون عملوا على ترشيح الحكيم لها، بما ألفه من روايات ومسرحيات ترجم بعضها إلى لغات أوربية مختلفة.

الترجمة المنحازة
يذكر أستاذ الترجمة البريطاني دنيس جونسون ديفيز، في أحد مقالاته، أنه بعد وصوله القاهرة سنة ١٩٤٥م سارع لزيارة توفيق الحكيم طالبًا الإذن منه لترجمة روايته «يوميات نائب في الأرياف» إلى الإنجليزية، ففاجأه بأنه سمح بترجمتها لأبا إيبان الذي أصبح بعد سنوات وزيرًا لخارجية إسرائيل حتى هزيمة مصر المدوية سنة ١٩٦٧م. لقد أسس أبا إيبان العمل الترجمي بين اللغتين العربية والعبرية في الأوساط الجامعية والثقافية في إسرائيل، وقد بدأ منذ سنوات طويلة، وهي -كما يرى الناقد الأدبي الإسرائيلي يهودا شنهاف- أنموذجًا للترجمة أحادية الفكر المنغلق على ذاته.
في هذا الجو تخصص سان سوميخ، اليهودي العراقي، المولود في بغداد سنة ١٩٣٣م، والمهاجر إلى إسرائيل سنة ١٩٥١م بعد تخرجه من مدرسة (شماس) اليهودية الثانوية ليلتحق بجامعة تل أبيب. وبعد تخرجه منها سجل أطروحته للدكتوراه في جامعة أكسفورد البريطانية سنة ١٩٦٦م عن «الإيقاع المتغير في روايات نجيب محفوظ»، تحت إشراف البريطاني من أصل مصري الدكتور محمد مصطفى بدوي، أستاذ كرسي اللغة العربية وآدابها. ويؤكد سوميخ، في الجزء الثاني من مذكراته، أنه واصل الاهتمام بدراسة أدب نجيب محفوظ وتقديمه إلى الجامعات الإسرائيلية بناء على موقفه المتصالح مبكرًا وقبوله العلاقة السلمية مع الآخر وإمكانية التعايش بين العرب واليهود. وهو ما صرح به نجيب محفوظ مرارًا إلى الصحافة وبعض دارسي أدبه الروائي، وأكده في رسالته إلى سوميخ بتاريخ ١٢/ ١٠/ ١٩٧٨م، مختزلًا علاقته الشخصية بدارس أدبه الإسرائيلي سان سوميخ بـ«التعاون المثمر بين بلدينا على مدى الأعوام الطويلة قديمًا وحديثًا»، مبديًا (محفوظ) أسفه بأن «أيام الخصام كانت قصيرة وقليلة، غير أننا -يا للأسف- عنينا بتسجيل لحظات الخصام أكثر مئة مرة من تسجيل أجيال الصداقة والتعاون»!
تذهب نهلة راحيل وشقيقتها ناهد، أستاذتنا في اللغة العبرية وآدابها بكلية الألسن القاهرية، في ورقتهما البحثية المشتركة بعنوان «ترجمة نجيب محفوظ»، أنه «عند الحديث عن الفعل الترجمي بين اللغتين العربية والعبرية، لا يمكننا تجاهل السياق السياسي الذي نشأت داخله محاولات الترجمة بين الطرفين، وكذلك الخطاب الاستعماري المهيمن الذي توجهت به المؤسسة الصهيونية إلى العرب واليهود العرب في نطاق علاقات الأكثرية/ الأقلية وبما تفرضه من صراعات. فالخلفية الأيديولوجية التي يتبناها المترجم هي المحرك الأول في اختيار نصوص بعينها يبث من خلالها مقاصده وتوجهاته. ويعد نجيب محفوظ الأديب العربي الحاضر بقوة في الفعل الترجمي. في مختلف ترجمة أعماله فمن مترجم إلى آخر ومن ثقافة (أورُبية) إلى ثقافة (إسرائيلية)، يلبي أهداف المترجمين وفق توقعات (الغربي) أو (الإسرائيلي) نحو صورة بانورامية نمطية عن المجتمع المصري». وهذا ما يؤكده يهودا شنهاف، بحسب بوابة الهدف الإلكترونية: «بأن وساطة المترجمين اليهود في السنوات الأولى من إقامة الدولة واضحة، وقد أسهب المترجمون في ترجماتهم بملحوظات وتفسيرات وتفصيلات استشراقية عكست انعدام التكافؤ بين اللغتين، وحالت تلك الملحوظات الاستشراقية المسبقة دون إمكانية قراءة الأدب الفلسطيني بشكل خاص والعربي بشكل عام بعيون موضوعية».

أصوات ناقدة من الداخل
الأمر المفارق هنا أنه في الوقت الذي لا يخفي نجيب محفوظ إعجابه الضمني بـ«النموذج الإسرائيلي»، الذي طالما دعا للتصالح معه، نرى إسرائيل شاحاك -أستاذ الكيمياء العضوية ورئيس رابطة الحقوق الإنسانية والمدنية- تنشر له جريدة الرياض مقالًا مترجمًا بعنوان: «النازية الجديدة في المجتمع الإسرائيلي»، بتاريخ ٢٢ فبراير ١٩٨٨م، أي قبل إعلان فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل في ١٣ أكتوبر ١٩٨٨م. وقد عقبت عليه بمقال مرحب تمنيت فيه لو نشرت الجريدة مقاله النقدي في الصفحة الأولى.
أكد شاحاك أن نازية إسرائيل لا تقيم أي اعتبار لمن ليس يهوديًّا. وكان بذلك يعلق على ما جرى أمام عينيه لرجل أسود كان يسير في حي يسكنه يهود متدينون، وقد تعرض لضربة شمس إلى حد الإغماء، دون أن يسارع أحد منهم إلى طلب الإسعاف لإنقاذه، فعقيدة اليهود لا تكسر أيام (السبوت) لمن هو غير يهودي. وكان شاحاك اليهودي البولندي لا يزال في سنواته الإسرائيلية الأولى بعد فراره من معتقله الناري. فطفق يتساءل إذا كان هذا الحال مع رجل أسود، فكيف هو الحال مع العرب الذين يعيشون داخل إسرائيل؟ وقد رأى بأم عينيه كيف يُهجَّر الفلسطينيون من بيوتهم ويحتلها اليهود القادمون من أوربا (الأشكناز) ومن ديار الإسلام (السفارديم). هذا ما جعله يصدر كتابه النقدي ضد (عنصرية إسرائيل) ثم كتابه الآخر «الديانة اليهودية وموقفها من غير اليهود: وطأة ثلاثة آلاف عام»، وهو عبارة عن قراءة تفكيكية نقدية لنصوص توراتية تقوم عليها الأصولية اليهودية في إسرائيل.
يهودي آخر هو سامي ميخائيل، المولود في بغداد سنة ١٩٢٦م والمهاجر إلى إسرائيل بعد هروبه إلى إيران من بغداد إثر ما تعرض له الشيوعيون العراقيون ورفاقهم من اليهود سنة ١٩٤٩م. حين وصل إلى الجنة الموعودة -كما صورتها عملية «بساط الريح» التي عملت على تهجير اليهود العرب من بلدانهم إلى إسرائيل برعاية الوكالة اليهودية ورئيسها ناحوم غولدمان- وجدها سامي ميخائيل مجتمعًا من الجحيم العنصري والطبقي، وهذا ما جعله وزميله سمير نقاش يؤثران العزلة والاغتراب منطويين على نفسيهما في غيتو (عراقي). معظم ما أصدره سمير نقاش من قصص كتبها باللهجة البغدادية، بينما واصل سامي ميخائيل كتابة رواياته بالعربية، وأحيانًا بالعبرية معبرًا عن معاناة اليهود العراقيين داخل إسرائيل. وقد أثارت واحدة من أخريات رواياته «حمام الطرف الأغر»، الصادرة سنة ٢٠٠٥م، اهتمامًا قرائيًّا ونقديًّا لافتًا، بوصفها صورة يهودية مقابلة لصورة فلسطينيي الشتات في رواية غسان كنفاني «عائد إلى حيفا». فسامي ميخائيل يحكي في روايته قصة تهجير إسرائيلي لأسرة فلسطينية من بيتها، فنسيت -وهي في عجلة من أمر تسفيرها- ابنها، الذي تبنته بعد ذلك امرأة يهودية وسمته زئيف، وحين كبر عمل جنديًّا في جيش الاحتلال، وحين التقى أُمَّه لم تنسَ أمومتَها نحوه وقد بادَلَها بمشاعر البُنُوّة. ورغم خدمته العسكرية فإنه ظل محسوبًا على السفارديم، الأقل رتبة وامتيازًا من الأشكناز. منتقدًا في روايته -كما في مقابلاته الإعلامية- عنصرية إسرائيل، متوقعًا زوالها ما دامت مستمرة في معاداة العرب وتهميش حقوق الفلسطينيين داخل إسرائيل، ورفضها القبول بقيام دولة فلسطينية مستقلة، منتقدًا إسرائيل بوصفها دولة حرب لا سلام منذ عدوانها الثلاثي مع بريطانيا وفرنسا على مصر سنة ١٩٥٦م، حيث تستمر في قتل الفلسطينيين ومعاداة جيرانها العرب.

من خان الخليلي إلى نوبل
حين غزت أميركا بغداد، بعد غزو صدام حسين لدولة الكويت، أحس سامي ميخائيل وهو يرى النهب والدمار، وكأنه يقتطع قطعة من لحمه حيث ولد هناك. يا ترى هل تشبثه بالمكان العراقي والحنين إليه كما تجلى في روايته «فيكتوريا» التي تدور حول عائلة يهودية عراقية مكونة من الجدة (ميخال) وأبنائها الثلاثة (عزوري ويهودا وإلياهو) ويعيشون جميعهم في حوش قديم في الحي اليهودي ببغداد، في مطلع القرن العشرين، قبل أن تتبعثر أقدارهم. ساق ذلك سامي ميخائيل إلى التعويض النفسي عن فقدانه مسارح صباه وشبابه، افتتن سامي ميخائيل بجمالية المكان الشعبي في ثلاثية نجيب محفوظ، الذي ترجمها إلى اللغة العبرية إعجابًا بطاقتها السردية المعبرة عن تاريخ القاهرة الاجتماعي.
ومن مفارقات تجربة نجيب محفوظ الروائية، أن أول من توقع له الوصول إلى (المنصات العالمية) لم يكن سوى سيد قطب في كتابه «كتب وشخصيات»، حين كان ناقدًا أدبيًّا في مرحلته (الليبرالية)، في بداية حياته الفكرية. كتب ذلك بعد صدور رواية «خان الخليلي» سنة ١٩٤٥م، مقارنًا بينها وبين رواية «عودة الروح»، لتوفيق الحكيم، ومنتصرًا لنجيب محفوظ، كما ورد في صفحة ٥٩ من الكتاب: «إن الملامح المصرية الخالصة في خان الخليلي أوسع وأقوى». منتقدًا الظلال الفرنسية في رواية الحكيم التي وسمها بالالتماعات الذهنية والمطارحات الفكرية بجانب استدعائه الواقعية.
يا ترى هل قرأت لجنة تحكيم جائزة نوبل هذا الرأي (القطبي) وهي تستعد لإعلان فوز نجيب محفوظ بها؟!
0 تعليق