في رواية «غرباء حميمون» للكاتب عزيز محمد، لحظات مكاشفة إنسانية فيها تأمل وأفكار عميقة، لحظات شجن داكن تلون مشاهد هذه الرواية وحكاياتها وتمنحها خصوصية. وهذا الشجن يسير مع الرواية حتى نهايتها مثل أغنية هادئة، لا يستمتع بها من تعود على روايات نبرة الصوت العالي.
«لكن بدا لي كل ما أحتويه ببصري قريبًا وقابلًا للحيازة والغيوم والبحر والاخضرار، وداهمني كم صرت بعيدًا من البيت ومن إخوتي وشبح العناية بوالدي والندم الذي لا قاع له. حين سافرت للدراسة لم أشعر أني تخليت عن أبي وحده، بل تركت عالمًا كاملًا من الأرواح غير المرئية».
هذا هو المشهد الذي يتنوع في فصول الرواية كلها؛ لغة تصيد اللحظة الحالة. وتتجسد هذه الحالة عبر تأمل الراوي ذاته، وهو فعل اكتشاف الذات لاغترابها، ربما لتحاول تجاوز أزمة الاغتراب. وهذا هو التكنيك الفني والشجن الداكن، وهذا قريب من فعل التصدر في فن الكتابة الأدبية الحديثة، وهو التركيز المتعمد على حالة بعينها وتقديمها في ضوء مختلف.
رواية عشناها جميعًا
نلاحظ في فصول رواية التأملات والأفكار، مثل هذه الهواجس والأسئلة الصامتة في حياتنا اليومية ، والمعلن عنها دائمًا في كتابات عزيز محمد، وهي جزء من حياتنا اليومية ونمارسها في كثير من الأحيان بصمت وسرية، لهذا حضَرت وأعلنتها الرواية لتعميق أفكار لها علاقة بهموم شخوص الرواية، هموم مكتوبة بلغة هادئة وأسلوب مكاشفة مع الذات، في تكنيك فني عالي وتأمل يكسر رتابة السرد والوصف وينوع مسارات وأفكار الرواية، خصوصًا أنه في مثل هذه الروايات الحديثة، لا يوجد حبكة تقليدية صارمة تنتظر نهاية مغلقة، لكنها كتابة مفتوحة الآفاق على مشاعرنا وأسئلتنا وتأملاتنا من خلال شخوص وتاريخ وحكايات رواية «غرباء حميمون».
«أقف لحظات بالممر الخافت الإضاءة بين غرفتهما والصالة متأملًا فرجة الباب المظلمة وما أكاد أفتح الباب حتى تخرج إليّ وتغلقه خلفها، حارسة منام والدي مني… وفي ذلك الممر الضيق القصير تفرش سجادتها التي لا تزال دافئة، ثم تلفني بجلال صلاتها الذي يغطينا معًا وتحفنا بأغانٍ قروية منزوعة الألحان والمعنى وأدعية منغمة أغمض في كنفها الذي افتقدته طيلة النهار، متصلًا من جديد بالحبل السري الذي يكاد ينقطع بيننا رافضًا التسليم بأنني لم أعد جزءًا من رائحتها المركبة».
في «غرباء حميمون» حكايات ومواقف تشعر أنك أحد شخصياتها، ربما لشدة صدقها الموضوعي، حالات ومشاعر وهموم عشناها جميعًا. وهي رواية الكشف والمكاشفة عن حالات إنسانية مركبة. حوارات بطل الرواية مع والده ووالدته وأخته وزوجته وزوج أخته، حركت حياة الرواية ومنحتها حيوية وكشفت طبيعة العلاقات والهواجس المحيطة بهذه الحياة، التي تتقدم بكشف مشكلة أولى وهي غياب الأخت عن البيت، ثم كشف لعلاقة متوترة بين الأب وأبنائه الثلاثة، الذين تربطهم أيضًا علاقات مؤقتة، حتى ندخل إلى علاقته مع زوجته، وفيها نلاحظ بداية استقرار، خصوصًا مع اشتراكهما في مشروع فكرة البيت الحلم الذي يحاول أن يكون مختلفًا وإنسانيًّا وليس مجرد خرسانة تستر وجودنا في بيت.
كل هذا تقدمه رؤية مهندس معماري يفهم في البناء الحديث وشروطه الإنسانية، ويسعى نحو هذا الحلم الإنساني والمعماري والجمالي.
رواية حافلة بالحياة
يبدأ المشهد بأخت البطل؛ دخولها وخروجها هما اللحظتان الوحيدتان اللتان تلاحظ فيهما نزولها من غرفتها لتسجيل حضورها بيننا، ثم عودتها إلى الغرفة من دون إنذار. ثم تتوالى كشوفات الذاكرة بالأب والأم والعلاقات مع الإخوة.
«اعتقدت دائمًا أني الأكثر انفتاحًا بين إخوتي، لكن ثمة هنا ما يمنع الانفتاح من أن يكتمل، ابتعت ما يبتاعه الآخرون ولبست ما يلبسون وقلدت مشيهم بنصف انتباه لكل ما يحيط بهم… وحصلت جراء ذلك على تجارب جديدة لكن من دون يقين أني تملكتها، رافقني شعور بأني خطفتها خلسة ولم تستقر في مكانها الصحيح مني».
أفكر أن هذا الهدوء الذي كتب فصول «غرباء حميمون» ومشاهدها وقلقها وأسئلتها، هو الحياة الهادئة والرتيبة والقلقة التي عاشوها. لم يكن الكاتب عزيز محمد في حاجة إلى بهارات الإثارة والتشويق والمصادفات المفتعلة، التي طبعَت كثيرًا من الروايات وجعلتها نُسخًا متشابهة؛ احتاج عزيز محمد إلى أن يكون هو نفسه، حتى نشعر بكتابة فيها بصمة خاصة وأصيلة ومزاج خاص، من طريق رواية التفاصيل وليس الحكاية الواحدة التقليدية.
مثل هذا النوع من الروايات الحديثة تميل إلى التكثيف وتعميق المشاعر، في فصول متصلة ويجمعها جو واحد، كما تهتم بالأسئلة المتأمِّلة في محاولة إلى إدراك معنى وقيمة وجودنا وحياتنا. لهذا -ربما- لم يعتمد النص على الوصف والشرح ونبرة الصوت العالية، ولم يستنجد بموضوعات كبيرة وعابرة ومثيرة أو مصادفات مجانية، ولكن بطريقته التي تصطاد اللحظة الراهنة، في مشاهد متنوعة من الرواية:
«جلست عند حقائبها الملقاة جنب الباب، وأخذت تقلب محتوياتها بصمت، ثم سرحت عيناها في البلاط المطعم بتزويقات ثمانية وسداسية على امتداد مستطيل أزرق، مسحت بإصبعها بلاطة وحدقت إلى ذرات الغبار التي تناثرت تحت خيط من الشمس».
عندما نقرأ قصة أو رواية فيها تأمل وأسئلة، وليست مجرد حكاية محبوكة بعناية فقط، هذا يعني اقتراب هذه الكتابة من حياتنا اليومية المليئة بالهواجس والأحلام والأسرار الصغيرة والأفكار والأسئلة الملهمة. هذا يوحي لنا أن حياتنا اليومية هي الأدب، وهي الواقع والخيال متداخلين في وقت واحد، وما نكتبه هو ربما فن كتابة يحاول الاقتراب من هذا اليومي ومواقفه وأحداثه ومشاهده وأحلامه وأسراره وحكاياته وخيالاته ومشاعره العميقة، لمحاولة فهمه.
حياة مكتوبة بلغة سلسة وبسيطة من دون استعراض أدبي، ومن دون تعقيد، ومن دون مبالغة بلاغية، أو تركيز على موضوعات جاذبة اجتماعية وعاطفية وتاريخية. مثل هذه الروايات القليلة والمتقدمة، أصبحت أداة بحث جادة في الحياة عامة، وفي ظروف الواقع يمكن بها استكشاف الذات والمجتمع والمكان والتاريخ والإنسان عامة.
0 تعليق