يمثل عالم المراهقة في السرديات المعاصرة وجودًا فارقًا، له خصوصيته في الفحص والمراجعة، وفي المقاربة التي تربط تمثيله السردي بظواهر زمنه الثقافي، وبحكاياته، وبخصوصية تشكله في الواقع والبيئة، وفي تمثيل شخصية المراهق في الصراع الاجتماعي والنفسي، وفي التعبير عن ذاته الغرائزية، وعن تحولاته النفسية، كأنموذج إنساني، أو كائن متحول، له حضوره الاستثنائي في الحكايات والقصص، أو في السينما والدراما.
هذه الشخصية الإشكالية لها زمنها الوجودي والذاتي، ولها زمنها المرآوي الانفعالي، القائم على ثنائية اكتشاف الجسد والهوية، فبقدر تمحور وجودها حول هذه الثنائية، فإنها تتحول إلى شخصية جاذبة، في تمثيلها النفسي والجنسي والانفعالي، وفي ميلها للمغامرة، وفي التمرد على السلطة الاجتماعية والنمط السائد، التي تتبدى في بحثها عن الخصوصية، وعن التمثيل الثقافي لهذه الخصوصية، حيث مظاهر الاستقلالية والفرادة، وحيث الاندفاع نحو فضاء مفتوح للاستهلاك الخطابي والجندري.
من الصعب الحديث عن نصٍّ ثقافي محدد للمراهق يناظر طبيعة ما يعيشه في الواقع، ومن الصعب كذلك فصل ذلك النص عن علاقاته، وعن تفاعله مع استحقاقات نمو علاماته الجسدية، واختبار الطرق المناسبة لتمثيل هويته الثقافية والسلوكية والانفعالية، عبر الجسد المتحول، وعبر الذات التي تبحث عن ذاتها، وعن حريتها، قبالة وجودها في بيئة خاضعة لأنماط معقدة من المراقبة والعقاب، بدءًا من مراقبة سلطة العائلة والمدرسة، وسلطة الدين، والوصايا، وانتهاءً بما يحوطها من أوهام وسرديات وقيم حاكمة ومهيمنة، تفرض عليها عقابًا نفسيًّا، يمكن أن يقوّض إحساسها بالتعالي وبتمثيل وجودها المرآوي.
منذ أنْ قرأنا شخصية «أوليفر تويست» في رواية تشارلز ديكنز المشهورة، وأنموذج هذه الشخصية، الظريف في الحيوية والشطارة، ظل حاضرًا ومثيرًا في تمثيل صورة استثنائية لشخصية المراهق المغامر. فعلى الرغم من أصوله الوضيعة، ونشأته في إصلاحيات الأحداث، فإنه اكتسب حضورًا مثيرًا، وتعاطفًا كبيرًا في واقع اجتماعي معقد ونمطي، له توصيفاته الاجتماعية والطبقية والدينية الأكثر تعقيدًا، حتى بدت مغامراته وحركاته وكأنها محاولة للتمرد على مركزية هذا الواقع، وعلى نمطيته الطبقية؛ إذ اختار له الكاتب تمثيلًا سرديًّا يمزج بين خصوصية الشخصية وحيويتها، وبين ما تحمله من فاعلية سردية، لها رمزيتها في فضح بشاعة العالم الأرستقراطي المتخم بالروح المتعالية للبرجوازية الإنجليزية، وبسلطة القوى الحاكمة في المدينة والسوق والمدرسة والملجأ والكنيسة.
رواية «لوليتا» للكاتب الروسي فلاديمير ناباكوف تحولت أيضًا إلى أنموذج للسردية المفارقة، عبر فرادة اختيارها، وعبر تمثيلها لسردية الممنوع والمقموع والمُحرَّم. فبقدر ما تحضر شخصية المراهقة «لوليتا» في السياق كتمثيل لأنموذج المراهقة، في رغباتها، وفي هوسها الجنسي، فإنها تكشف عن المخفي في عالمها، حيث الواقع الهش والحرمان العاطفي، والانحراف في تمثيل العلاقة التابوية؛ إذ جعل الروائي الصراع بين بطل الرواية والمراهقة خرقًا للمألوف الأخلاقي، ليس بعيدًا من إحالاته السياسية والنفسية، مثلما جعل منها عينة للمختبر النفسي، عبر استباحة عوالمها السرية، والغوص في رغائبها وانحرافاتها، وشغفها باكتشاف جسدها المتحول وتشوهاته التربوية، وكذلك بهدف الكشف عن طبيعة التشوهات التي تساكن علاقتها غير السوية مع عالم الكبار.
هاري بوتر والشخصية الفائقة
هاري بوتر شخصية مغايرة في سرديات المراهق، فبقدر ما أعطتها الكاتبة جوان رولينغ توصيفًا لأنموذج الشخصية المُغامِرة، فإنها أعطت تحولها الغرائبي بُعدًا نفسيًّا، وسحريًّا أسهم في تغذية إشباعاتها النفسية، عبر هوسها بالتحول والبطولة، وعبر أنموذجها الخوارقي الذي جعل من شخصية المراهق، مسكونة بإيقاظات نفسية، كثيرًا ما تدفعه للتماهي الغرائبي، مع شخصية البطل الذكي والمغامر والحالم والمُنقذ، فيتحول عبرها إلى أيقونة تحظى باهتمام واسع من المراهقين الباحثين عن أوهام القوة، وعن الأنوية الخارقة. ولعل تعدد طبعات سلسلة هذه الروايات يعكس مدى الاهتمام الواسع بحكايات هذا المراهق الساحر، الذي حظي بدراسات نفسية وأنثروبولوجية، جعلت منه نجمًا لسلسلة من الأفلام السينمائية التي أخرجها المخرجان كريس كولمبس وديفيد ياتس، حيث عمدا إلى إبراز شخصية المراهق الذي يكتشف نفسه ساحرًا، وحالمًا بالقضاء على الشر، من خلال مواجهة سيد الظلام «لورد فولد مورت» عبر سلسلة من الأحداث التي تعتمد الإثارة والتشويق، والاستهلاك، والتي تحولت إلى مادة لترويج صورة المراهق الفائق.
إن الصورة الفائقة لشخصية الفتى المراهق «هاري بوتر» أدت دورًا واسعًا في حَفْز مخيالات فئات عمرية ذات حساسية ثقافية ونفسية معينة، عبر ما هو فانتازي في تمثيل هذه الشخصية، وعبر طبيعة العوالم التي عاشت فيها، المُشبعة بحكايات السحرة والأشرار والكائنات الخرافية، حيث توظيفها لثيمات أخلاقية تتجسد فيها مظاهر الصراع بين الخير والشر، وعبر خيارات يمكن التعرّف إلى حمولاتها الرمزية، من حيث إنّ الأشرار هُم من يُهدد فكرة الخير الغربية/ الأميركية، ونمط حضارتها، وأنّ صورة البطل الطهراني هي صورة «المراهق الأميركي» الذي يملك نوعًا من «الخصال المسيحية» التي تحوز على فكرة الحب والتقديس، وعلى حيازة القوة المتعالية، في مواجهة الشر، وفي إبراز براءة الطفولة التي لم تلوثها الأدلجات الأخرى.
شخصية المراهق في السرديات العربية

فؤاد التكرلي
صورة المراهق في السرديات العربية ليست بعيدة من الشغف بصورة ذلك الصبي الساحر، والمراهق المثير، الذي يلفت الانتباه له من خلال المغامرات والأسفار التي يقوم بها. ولعل قصص اليافعين التي كتبها الراحل محمد شمسي، تؤكد انشغال السرديات العراقية بـ«أدب المراهقين» في سياق تمثلها للحكايات والأسفار والسير والعوالم العجائبية، حيث السعي إلى تقديم صورة البطل الصغير، الخارق للمألوف، والمتجاوز عقدة البطل النمطي في السرديات الملحمية، وفي القصص والحكايات، عبر إعادة صياغة صورة البطل الشاطر والمحبوب، والباحث -في مجاهل المدن البعيدة والغابات- عن حيوات سحرية، وعن جماعات أسطورية، وهي الفكرة ذاتها التي اشتغل عليها البنيوي كلود ليفي شتراوس في بحثه عن أسرار البنى المشكلة لحكايات شعوب الأمازون، حيث الكشف عن التشكلات الأنثروبولوجية والطقوسية لتلك الشعوب، التي اعتمدها بعضٌ في اصطناع رحلات غامضة وساحرة إلى الغابات، وربطها بشخصيات مراهقة، لكنها ساحرة ومهووسة بلذة اكتشاف المجهول، مثل قصص «أليس في بلاد العجائب» والقصص التي كتبها كلاوس أندرسون، فجعل من المراهقين أبطالًا خارقين، يحركهم شغف البحث عن السحري، والغرائبي، وعن مواجهة كثير من التحديات التي تنمو معها شخصية المراهق الحالم بأنه مكتشف جديد للعالم، وكاشف أيضًا عن شغفه بالتعرف إلى حريته وإلى شجاعته.
كما أن رحلات «السندباد» في الليالي العربية تحولت إلى مادة درامية في الحكايات والقصص، وفي الأسفار، وقد وُظِّفَتْ في المسلسل الشهير عبر بطلها الطفل المراهق الذي جعل من تلك الرحلات السبع تمثيلًا لهواجس اكتشاف عوالم جعل منها «السندباد المراهق» مادة للإثارة والمغامرة، حيث مواجهة الطبيعة وغرائبيتها، وحيث التعرف إلى الأخطار الكثيرة التي جعلته يكتشف شخصيته وحضوره في عالم مختلف. لقد وجدت الرواية العربية صعوبة في التعاطي مع هذه المرحلة العمرية القلقة؛ لأنها جزء من التابوه الثقافي، مع عدم وجود تقاليد راسخة في التاريخ الثقافي العربي، سوى بعض الإشارات التي نجدها في كتب الجاحظ مثلًا. لكن التحول الذي دخلته الرواية العربية الجديدة جعل من سردية المراهق عنصرَ جذبٍ فاعلًا، ليس للتعبير عن تمثيلها النفسي والاجتماعي، بل لخصوصيتها في تكامل البناء السردي للرواية، وفي تمثيلها للتحولات الاجتماعية والسياسية، وهو ما أدركه نجيب محفوظ في ثلاثيته، من خلال تقصي نمو شخصية كمال في «بين قصرين» بوصفه شخصية فضولية، وصولًا إلى تحولاته النفسية والسياسية في «قصر الشوق» و«السكرية»، وكذلك في رواية «السراب» حيث التعاطي مع الشخصية المضطربة والمقموعة نفسيًّا وجنسيًّا. كما نجد في رواية «المسرات والأوجاع» للروائي فؤاد التكرلي توظيفًا لشخصية المراهق من خلال رصد اندفاعاته نحو الاستيهام الغرائزي، ونحو اكتشاف رجولته المبكرة، وذاته، والعالم الذي يحوطه.

إحسان عبدالقدوس
كما نجد في روايات يوسف السباعي، ويوسف إدريس تمثلات أخرى لصورة البطل المراهق، بوصفها شخصية بريئة وقلقة، لكنها تعيش هواجس رغباتها المجهضة عبر تقاطع وجودها مع مهيمنات السلطة الاجتماعية والدينية. كما نجد ذلك في بعض روايات إحسان عبدالقدوس، حيث تحضر هذه الشخصية وهي تعاني صراعاتٍ داخليةً في وسط عائلي مضطرب، فيساكنها الشغف الجنسي بوصفه التعويضي، أو بهاجس الاكتشاف، أو بشغف الانجذاب إلى صورة البطل الثوري الغائب، وهو ما يجعلها أكثر ميلًا للقلق وللمشاغبة أو للانحراف، أو للاوعي العائلي المأزوم، ولا سيما روايات: «لا تطفئ الشمس» و«في بيتنا رجل» و«لا أنام»، حيث تعيش شخصياته المراهقة أزمة الحرمان العاطفي والانفصام النفسي، التي وجد فيها عبدالقدوس كناية سردية للحديث عن أزمات انهيار البرجوازية المصرية والطبقة الوسطى، فضلًا عما تداعى من إشكالات التحول الاجتماعي والنفسي في مرحلة ما بعد عام 1952م في مصر.
ففي رواية «لا أنام» يتعاطى الروائي مع المشاعر النكوصية للمراهقة التي تعيش مشاعر هوسية وإيهامية مع والدها، حيث البحث عن أسبابٍ للفتِ انتباهه، وصولًا إلى الإيقاع به، عبر الإيحاء بوجود علاقة غير سوية بين زوجة أبيها وأخيه، وهي بذلك تُعبّر عن نزعتها لامتلاك الأب، وعن هواجس حرمانها النفسي والعاطفي.
كما يناقش الروائي بهاء طاهر في روايته «الحب في المنفى» شخصية المراهق من خلال تضخم مشاعره ورؤيته الفانتازية للعالم، ليجد نفسه تحت هواجس الخوف والمشاعر المضطربة، والأوهام الإكراهية بسبب حادثة الانفصال بين أمه وأبيه، وما تتركه من آثار نفسية على شخصيته وعلى علاقته بالآخرين.
لقد عالجت عديد من الروايات العربية محنة هذه الشخصية، عبر مقاربات متعددة، ومستويات تختلف باختلاف زاوية نظر الروائي، فرواية «قنديل أم هاشم» للروائي يحيى حقي، الصادرة عام 1944م، عالجت أنموذج المراهق عبر مراقبة يومياته، والتحوّلات الحادثة في شخصيته، فمن أهم ميزات هذه الرواية «هو ذلك الطابع المحلي الشعبي الذي طبعها وحدد معالمها، وكان حقي مرهفًا وهو يصور تلك الأجواء الإيمانية والروحانية التي تظلل حي السيدة زينب العريق، ستكون تلك الخلفية المكانية والسياقية التي تتفتح فيها براعم المراهق الصغير إسماعيل»(1).
كما عالج الروائي إبراهيم أصلان في روايته «مالك الحزين» إحباطات شخصية المراهق، عبر انكسار حلمه الشخصي، وعبر خداع أبيه الضرير في تسويف مواعيده، وبيعه البيت من أجل المخدرات. هذه الإحباطات تجعل المراهق يوسف يعيش تناقضات صراعاته الداخلية، وفقدانه الثقة بعالم أبيه وبعالم الكبار.
وقد تكون روايتَا المغربي محمد شكري «الخبز الحافي» و«الشطّار» أكثرَ اختلافًا في نسجها لصورة المراهق، وعما هو نمطي في الصورة السردية التي اشتغل عليها روائيون لهم تجاربهم القارّة مثل عبدالحكيم قاسم والروائي سليم بركات الذي كتب سيرته، حيث بدت روايات شكري أكثر جرأة في تمثيل شخصية المراهق من خلال رصد تحولاته النفسية، وما تعيشه في عالم مأزوم بالفقر والقهر والاغتصاب، وفي بيئة تقوده إلى الانحراف وإلى التورط في إكراهات اجتماعية ونفسية.
السينما وسردية المراهق
للمراهق عوالم خاصة، وحياة لها لغتها وإيقاعها النفسي وعقدها الاجتماعية والانفعالية، ولأن هذه الشخصية غير قياسية، فقد تحولت حياتها إلى بنية معقدة، تعددت معها زوايا النظر، والقراءات الثقافية والبصرية والنفسية، عبر ثيمات المغامرة والشطارة والتمرد والقلق والنكوص النفسي، حتى عبر الشخصية المثلية والشاذة، وعبر مقاربات وضعت عالمها تحت المراقبة، كاشفة عن أزماتها العميقة، وتحولاتها النفسية والاجتماعية.
في فِلم «السراب»، عن رواية نجيب محفوظ وإخراج أنور الشناوي، نجد ثيمة الشخصية النكوصية الانطوائية للبطل «كامل» الذي يعاني عجزًا جنسيًّا بسبب تشوه علاقته العاطفية مع الأم بعد انفصالها عن الأب. كما نجد في أفلام يوسف شاهين «عودة الابن الضال» و«إسكندرية ليه» و«حدوته مصرية» و«الآخر» سيرة الشخصية التي تجعل من زمنها الشخصي مرايا للتعرف إلى يومياتها العائلية في بيئة متوترة، وتعرية أزماتها النفسية والجنسية، وتحولات وعيها المبكر سياسيًّا وثقافيًّا. كما نجد في أفلام أخرى مثل «ذهب» و«ياسمين» وفِلم «مدرستي الحسناء» و«مدرسة المشاغبين» و«ديسكو ديسكو» و«مذكرات تلميذة» و«العذراء والشعر الأبيض» و«مذكرات مراهقة» و«عبدة موته» و«فِلم ثقافي» وفِلم «الكيت كات» و«الساحر» وفِلم «بالألوان الطبيعية» وفِلم «بحب السيما» وغيرها، ثيمات متعددة، تدور في أغلبها حول أزمة شخصية المراهق وعقدها الاجتماعية والتربوية، وما تكتشفه في سياق تحولها ونموها، وما تتعرض له من ضغوط وإحباطات نفسية جرّاء الحروب والانفصال العائلي وأشكال الفقد الاجتماعي والفقر وعقد الاضطهاد.

يحيى حقي
وهناك أفلام سينمائية ومسلسلات درامية وأفلام رسوم متحركة اهتمت بشخصية المراهق، فقدمتها من خلال تمثيلها لحساسية شغفها بالمغامرة، والمفارقة، والدخول إلى عالم الأسرار، ومواجهة ما يتبدى في تحولات نموها، وهواجسها عن تضخم الذات، وسط عالم عائلي أو اجتماعي أو ثقافي ملتبس، يمور بالصراعات والتحديات والغموض والعلاقة مع الآخر الغامض، فقدَّم عددٌ من الأفلام السينمائية الأجنبية والعربية والمسلسلات الدرامية ثيماتٍ لبطولة الشخصية المراهقة؛ في هواجسها ورغباتها، وفي نزقها وانفعالها، وفي تمردها وصخبها، وفي دوافعها العنفية والمرضية، كما في أفلام مثل: «صائد الغزلان» و«حياة الطلاب في المدارس» و«يوميات كرة السلة» و«البرنامج» و«بنات خبيثات» و«وحيدًا في المنزل» وفي فِلم «إمبراطورية م». وكذلك أفلام كارتون مثل: «تان تان» و«عدنان ولينا» وغيرها. وكذلك في مسلسلات مثل: «في المدرسة»، للمخرجة ساندرا نشأت، ومسلسل «الرقص على سلالم متحركة» إخراج مصطفى الشال، ومسلسل «طيور الشمس» إخراج هاني لاشين.
قد تكون صورة المراهق في السينما والتلفزيون خادعة، لكنها مؤثرة، في سياق صياغتها الدرامية لتلك الشخصية، في نزوعها للمغامرة أو للعنف أو الانحراف، أو التمرد على اللاوعي الجمعي، وعبر صور متعددة، تبرز فيها شخصية الباحث عن ذاته، عبر أنموذج البطل الرياضي، والبطل الخارق، أو حتى عبر أنموذج الشخصية المضطربة التي تتماهى مع الآخر، أو عبر الحلم بالمشاركة في برامج المسابقات، كما يحدث في برنامج «The Voice»، حيث تتحول الشهرة، والصورة التلفزيونية إلى وازع نفسي لوهم البطولة، والتميز، والخروج من الدائرة المغلقة إلى الدائرة المفتوحة، عبر المشاركة في الإعلانات وهي وظائف تقوم على الإشهار والتعريف، أو الترويج الاستهلاكي والتسويقي لخطابها ومنتجاتها عبر الفضائيات، أو عبر وسائل وتقنيات التواصل الاجتماعي. فتكرار ذلك يجعل المراهق أكثر تعرضًا للإغواء والجذب، والشغف بالتمرد على الصورة النمطية، ولا سيما في بعض الإعلانات التي تقوم على الاستغلال الجنسي، كما في إعلانات السجائر، أو الملابس الداخلية، أو بعض الإعلانات الخاصة بالأدوية والأغذية وغيرها، فضلًا عن الترويج لأفلام ممنوعة دوليًّا.
سرديات الدراما الفنية وعوالم المراهقين
الحذر من مقاربة عوالم المراهق النفسية والجنسية قد يكون مانعًا لمقاربة سرديات هذه العوالم، والحفر في سرائرها، ولا سيما أن أغلبية مشكلات المراهق ذات جذور بيئية، وعائلية، وليست محصورة بعلاقتها بالمرحلة العمرية للمراهق، التي تنشط فيها التحولات الجسدية، والبحث عن الذات، مع أن بعض الأعمال الأدبية والفنية كانت أكثر جرأة في التعاطي مع هذا الجانب، من خلال مقاربة موضوعات الانحراف، والتطرف، ودوافع المشاركة بأعمال العنف الاجتماعي والعائلي والجنائي، وهو ما حفل به على نحو العديد من المسلسلات الأجنبية، التي قدّمت لنا صورًا متعددة لشخصية المراهق، تلك التي تجمع بين الجرأة والشجاعة، وبين القسوة والانحراف والكراهية، وإبراز المظاهر والانحرافات السلوكية لهذه الشخصية. فقد «لعبت الأفلام والمسلسلات دورًا خطيرًا على سلوكيات واتجاهات المراهقين، حيث يميل المراهق الى تقمّص أدوار الممثلين والممثلات وتقليد طريقتهم في اللبس والمعيشة والكلام والحركات»(2).
إزاء هذا المعطى «تبدو مرحلة المراهَقة محمّلة بالتعقيدات بقدر ما توحي به من بساطة أحيانًا، فالمراهِق الخارج من قوقعة الطفولة يبحث عن اعتراف من قبل من هم أكبر منه سنًّا، يشعر بأنه جدير بالانتساب لمرحلة الشباب أو الرجولة، لكنه يلقى صدًّا غير مقصود، وما يمكن توصيفه من قبله بأنه إنكار لحضوره، ما يبقيه في حيرة، ويشحن شخصيته بمزيد من القلق المتجدّد الذي يستقي ديمومته واستعاره من ممارسات المحيطين به وأفكارهم عنه»(3).
كما أن تبسيط الحياة أمام المراهق تحت عنوان الأهلية الاجتماعية تصطدم بالواقع الاجتماعي، وبالبيئات الضاغطة، وهو ما يجعل بعض المعنيين بعلم الاجتماع، أكثر مثالية في صياغة ما يشبه «العقد الاجتماعي» وبهدف تعزيز قوة الشخصية عبر صياغة «الأنموذج الصالح» في المدرسة والعائلة والمؤسسة والمحيط العام، وكذلك عبر وسائل الإعلام، ووسائل الاتصال الاجتماعي المباشر وغير المباشر. فهذه المعطيات سيكون لها أثرها الإيجابي الفعّال في الواقع الذي يعيشه المراهق، وفي نمط حياته ووجوده في العائلة والمدرسة والمجتمع، وفي طبيعة تلقيه للأفكار والرسائل والقيم التي تعمل على تأمين اكتشافه لهويته المرآوية، أو لإشباع غرائزه النفسية والعاطفية والجنسية.
مراجع:
1) إيهاب الملاح: «صور المراهق في السرد العربي»، مجلة الجديد، العدد42 تموز سنة 2018م.
2) مصطفى صابر النمر: «الدراما الأجنبية وانحرافات المراهقين السلوكية»، دار العربي للنشر والتوزيع 2017م، ص157.
3) هيثم حسين: «المراهقة عتبة وعلامة في عالم الأدب»، جريدة العرب، 15/ 7/ 2018م.
0 تعليق