ترجع الجذور الموريسكية في بيرو إلى القرن السادس عشر، وما زالت آثارها حاضرة في أنماط ثقافية متعددة حتى اليوم. لفهم كيفية انتقال هذه السمات العربية والإسلامية إلى هذه الرقعة البعيدة، لا بد من استحضار السياق التاريخي: مطلع القرن السادس عشر شهد حدثين مفصليين، نهاية حروب الاسترداد في إسبانيا التي أعادت تشكيل السلطة والسياسة والدين والاقتصاد، مع أفول الحكم العربي، ثم اكتشاف العالم الجديد ولقاء العوالم في الأميركيتين.
حركة الاكتشاف والاستعمار الإسباني كانت محفوفة بالمخاطر ومترابطة مع مصالح التاج، من فتح طرق جديدة والسيطرة على الأراضي واستثمار خيراتها، إلى نشر المسيحية. وفي هذا الإطار، تتجلّى قضية الموريسكيين كنقطة محورية: سقوط غرناطة عام 1492م لم يكن حدثًا عابرًا، بل بدأتْ سلسلة تحولات عميقة، من فقدان المسلمين للسلطة إلى الطرد النهائي للموريسكيين عام 1609م.
على الضفة الأخرى من الأطلسي، كان الاستعمار الإسباني يرسخ أركانه، وظل المسلمون في جنوب إسبانيا تحت إدارة مسيحية، معرَّضين للتنصير القسري وملاحقة محاكم التفتيش. وقد انعكست مقاومة الموريسكيين المسلحة وحركات الهجرة الداخلية والخارجية على محاولاتهم للنجاة والحفاظ على حياتهم، وهو ما يمهّد الطريق لفهم حضورهم الثقافي في العالم الجديد.
السؤال المهم: هل وصل الموريسكيون إلى العالم الجديد؟ بعض الشواهد التاريخية تشير إلى احتمالية وصولهم، رغم المراسيم الملكية التي منعت عبورهم، لما كانوا عليه من خبرة ومهارة في العمليْنِ البحري والزراعي. لذلك صدرت تصاريح ملكية استثنائية لنقل بعضهم، وتوثيق وضعهم قانونيًّا بوصفهم خدمًا أو عبيدًا، ومنهم ذوو الأصل الموريّ.
انتقال الثقافة العربية الإسلامية إلى بيرو تمّ جزئيًّا عبر هذه القنوات الإسبانية المسيحية، فيما ظل الحضور الموريسكي المباشر متخفِّيًا وراء الأسماء والوثائق. من هنا تتجلى خصوصية المرأة الموريسكية أو «العبدة البيضاء»، التي عبرت إلى العالم الجديد على الرغم من التنصير القسري، محافِظةً على هويتها، ومستغِلةً وضع العبودية بجعله طريقًا قانونيًّا للوصول إلى أميركا.

الموريسكية أو «العبدة البيضاء»
تشير المؤرخة البيروفية ماريا روستوفوروفسكي إلى أن ندرة النساء الإسبانيات في البدايات الأولى للاستعمار، جعلت النساء الهنديات ضروريات للرجال الأوربيين، لكنه في الوقت نفسه أتاح انتقال ما عُرف بـ«العبيد البيض» إلى العالم الجديد، وقد وصل عدد كبير منهم إلى أميركا، ولا سيما إسبانيا الجديدة، في العقود الأولى من القرن السادس عشر، وفقًا لجيمس لوكهارت.
كانت العلاقات مع نساء بيرو الهنديات تُعد مخاطرة مزدوجة: اختلاط بعرق غير مألوف وزواج من نساء حديثات التحول الديني، عُدَّتْ وثنيات سابقات، فضلًا عن الأخطار الصحية المتبادلة. ويشير لويس كاردياك إلى أن لفظ «موريسكي» في أواخر القرن السابع عشر بالمكسيك اختلف معناه عن إسبانيا؛ إذ صار يشير إلى شخص من أب إسباني وأم مولَّدة، وفي بيرو خلال القرن السادس عشر كان المصطلح يحتفظ بدلالته الأصلية: ذات الأصل المسلم.
في زمن الفتح الأول لبيرو، كان حضور الموريسكيين والموريسكيات ملموسًا، قبل اتساع ظاهرة الامتزاج العرقي لاحقًا. ويلحظ لوكهارت أن النساء الموريسكيات كن أكثر عددًا من الرجال في تجارة العبيد الموريسكيين، وأَدَّيْنَ دورًا بارزًا في البدايات الأولى للاستعمار، لكنه تراجع تدريجيًّا مع وصول النساء الإسبانيات، اللواتي كثيرًا ما عُدْنَ إلى إسبانيا قبل نهاية القرن السادس عشر، تاركات أثرًا ثقافيًّا واضحًا.

أما النساء الإسبانيات في القرن السادس عشر فكُنَّ قلةً، فبحلول سبعينيات القرن، كانت السيدة إيزابيل رودريغيز تُلقب بـ«المُغزِية، الأولى في هذه المملكة في بيرو». ويذكر المؤرخ دييغو دي تروخيو أنه في عام 1537م كان في ليما 380 رجلًا إسبانيًّا مقابل 14 امرأةً فقط. ويستند راؤول بوراس بارينيشيا إلى هذه الشواهد ليشير إلى أن أول امرأة إسبانية وصلت مع هيرناندو دي سوتو كانت جوانا هيرنانديز، في حين طالبت السيدة إينيس مونيوز بلقب أول متزوجة دخلت بيرو، وأول شابة نبيلة وصلت ليما كانت السيدة إينيس برافو دي لاجوناس.
يشير المؤرخ جيمس لوكهارت إلى أن نحو 300 امرأة موريسكية وَصَلْنَ إلى بيرو بين عامَيْ 1532م و1549م. صحيح أنهن وَصَلْنَ بوصفهن إماءً في البداية، لكنهنَّ سرعان ما اندمجن في المجتمع الجديد واكتسبن حرية كاملة؛ حتى إن بعضهن أسهم على نحوٍ بارز في تكوين طبقة أبناء المزيج العِرقيّ، من خلال ارتباطهن بالغزاة البارزين والمسؤولين في بداية الاستعمار. ومن خلال هذه الروابط، انتقلت ثقافتهن، وتركّزن إرثًا عربيًّا ظاهرًا في شتى جوانب الحياة، خصوصًا داخل المجتمع الليماني.
تحليل الوثائق البيروفية للقرن السادس عشر يظهر أن تسجيل الموريسكيين والموريسكيات تراجع مع مرور الوقت، وظهر فقط من حظوا بمكانة اجتماعية أو اقتصادية مرموقة، كما في حالة كريستوبال دي بورغوس وبياتريس سالسيدو. في المقابل، بقي وجود السود ثابتًا، في حين كان اليهود المتنصرون غائبين تمامًا.
أظهرت الوثائق أيضًا ندرة النساء الإسبانيات في مرحلة الفتح الأولى، وهو ما دفع التاج الإسباني لإصدار مراسيم تشجع حضور الإسبانيات في بيرو، مع منح الأفضلية لمن تزوجن من الإسبانيات عند توزيع الامتيازات، إضافة إلى تصاريح بالسفر إلى إسبانيا للراغبين في الزواج والعودة بعدها إلى «الهنديات». ويقدم الباحث إنريكي أوتي دليلًا إضافيًّا من خلال رسائل أرسلها المهاجرون إلى زوجاتهم أو النساء اللواتي أحببنهن.
أما الأدلة المباشرة على وجود المرأة الموريسكية فتظهر في المراسيم الملكية، مثل مرسوم 21 مايو 1534م الذي منح هيرناندو بيزارو حق نقل أربع إماء بيض إلى بيرو لخدمة شقيقه فرانسيسكو بيزارو، حاكم المقاطعة، وقد وُقع هذا المرسوم في طليطلة. وتؤكد سجلات بيرو أحداث يونيو 1537م: شراء خوان دي فاليو لأمَة بيضاء كانت مرتبطة بابنة هندية أنجبت منه طفلًا، وعقد حرية لأمة بيضاء أخرى باسم بياتريس منحه لوبيز دي إيدياكويز تكريمًا لخدماتها المخلصة.

تأثير المرأة الموريسكية
تعكس هذه الوقائع ميل الغزاة الإسبان نحو النساء الموريسكيات، سواء عبر طلب استقدام إماء بيض، أو شراء أمة بيضاء، أو منح الحرية لبياتريس، وهو انعكاس لعادات قديمة كانت تفضّل النساء الموريسكيات لأخلاقهن وصفاتهن المميزة. ويبدو أن هذا الميل امتد أيضًا إلى الإنكا غارسيلاسو دي لا فيغا خلال إقامته الطويلة في مونتيّا.
وثّق الأب أنغولو والدكتور هوراسيوه أورتياغا شهادات تثبت وجود الموريسكيات في بيرو، وبخاصة في سجلات المعمودية بكنيسة ساغراريو في كاتدرائية ليما بين 1538م و1548م. وتكرار ذكر الموريسكيات وأحيانًا بعض الموريسكيين كشهود أو عرابين يدل على حضورهن الفعلي، خصوصًا النساء اللواتي امتزجت دماؤهن مع الغزاة الإسبان المستقدمين من إسبانيا.
تشير الوثائق إلى أن بنات الإسبانيات الموريسكيات، اللواتي كنّ إماءً لدى النبلاء في بيرو، كنّ رمزًا للترف؛ إذ استُقدمن أو اشترين لدى كبار الملاك. ويروي الرحّالة الإيطالي فرانشيسكو كارليتي أن ليما أواخر القرن السادس عشر كانت تعجّ بعائلات نبيلة وغنية تعيش في رفاهية، مستعينة بعبيد موريسكيين ذكور وإناث.

يضيف المؤرخ لوكهارت أن جوانا ليتون، موريسكية وصلت وهي أَمَةٌ، تزوجت من إيطالي أصبح لاحقًا صاحب امتياز في أريكويبا. أما النجاح الأكبر فكان من نصيب بياتريس، التي وصلت في 1532م بوصفها أَمَةً لدى المراقب الملكي غارسيا دي سالسيدو، ونالت حريتها بعد عام؛ لتصبح بياتريس دي سالسيدو. تولت النشاط التجاري للمراقب، وتزوجت منه، فصارت من أبرز سيدات الأثرياء، ولم تنسَ أصولها حين ادّعت أنها أول سيدة إسبانية وصلت بيرو.
تظهر بياتريس أيضًا في تأسيس ليما، «مدينة الملوك»، في 18 يناير 1535م، وكانت المرأة الوحيدة بين الحاضرين. كما برزت منذ اللحظات الأولى لفتح بيرو؛ ففي 1532م ترك بيزارو المراقب سالسيدو في سان ميغيل دي بيروا، أول مدينة إسبانية في بيرو، وكانت ترافقه بياتريس، أَمَتُهُ الموريسكية الجميلة. وعند تأسيس العاصمة الأولى في جاوجا، كان المراقب سالسيدو مرتبطًا بها.
من اتحاد الهندية إينيس مع فرانسيسكو بيزارو وُلدت في ديسمبر 1534م فتاة أطلقت عليها فرانسيسكا، أول مولودة من أصل مختلط، احتُفل بتعميدها احتفاءً كبيرًا، وكانت بياتريس إحدى الراعيات للمعمودية إلى جانب إيزابيل رودريغيز وفرانسيسكا بينيلو.
يشير إفراين تريلس إلى موريسكية أخرى تُدعى بياتريس، أنجب منها لوكاس مارتينيز دي فيجازو أبناء. وفي مكتبة بيرو الوطنية، قسم المخطوطات، يوجد سجل 1551 يوثق عقدًا بين إيلينا دي ليون (موريسكية) وأندريس دي توريس، وفق قوانين تلزم جميع السود والمختلطين والموريسكيين والبرابرة بالخدمة تحت سيطرة سيد.
في 28 سبتمبر 1534م، صدر مرسوم ملكي من بالنثيا يسمح لإيلان سواريز دي كارباجال بنقل عبد وأمة أبيضيْنِ، من رعيته منذ الصغر، إلى بيرو لخدمة بيته وشخصه. ويذكر أنطونيو دي كالانشا موريسكية أخرى تُدعى لوسيا، كانت ساحرة رافقت هرنانديز جيرون عند دخوله ليما، وادّعت امتلاك رؤى غيبية. ويضيف الدكتور أوريليو ميرّو كيسادا أنها تنبأت بهزائم المارشال ألونزو دي ألفارادو في معارك حاسمة، ويشير مونتيسينوس إلى أن هذا كان أول استشارة للسحرة في الحرب، في حين أنها كانت شائعة في أمور الحب.
كما نقل الأب روبن فارغاس أوجارتي وثيقة تأسيس وقف كنسي من الموريسكية مالغاريدا دي ألفامغرو، التي قدمت تبرعًا تقديرًا للامتيازات التي حصلت عليها من سيدها دييغو دي ألفامغرو (القديم) الذي منحها الحرية، وتعود الوثيقة إلى 6 سبتمبر 1553م في ليما.

أثبتت المرأة الموريسكية في حقبة الفتح الأولى لبيرو وجودها، وتركت مساهماتها أثرًا واضحًا في تاريخ البلاد. فالأعباء المنزلية التي قامت بها تطورت لتشمل إدارة الممتلكات، وتقديم المشورة للسيد، وتربية الأبناء، ثم تحررت وبرزت اجتماعيًّا، لتعود إلى إسبانيا في ظروف محسنة، حاملة إرثًا ثقافيًّا واضحًا.
وأبرز آثارهن يظهر في الموضة، حيث ارتدت النساء في ليما غطاءً يغطي أجسادهن على الطراز الإسلامي، تاركات عينًا واحدة مكشوفة، ما عُرف باسم «لكوبيخادو»، وهو رداء أسود يغطي كامل الجسم والرأس باستثناء عين واحدة، هذه العادة استمرت حتى منتصف القرن الماضي، وكان أصلها الموريسكي جليًّا. كما تركن بصمتهن في فنون الطهي؛ إذ يظهر في المطبخ البيروفي المعاصر لمسات شرقية في التحضير والعرض، خصوصًا في الحلويات والمعجنات، التي أعجب بها الرحالة العرب لتشابهها مع أذواقهم التقليدية.
يمكننا القول: إن تحليل هذه المساهمات يقودنا إلى عالم الفُلكلور، حيث تمكنت ألحان ورقصات الموريسكيات من التسرب إلى الحياة الشعبية برغم قيود محاكم التفتيش. وقد أدت النساء الموريسكيات، اللواتي أظهرن فخرهن بأصولهن، دورًا محوريًّا في إرشاد الحرفيين الموريسكيين والإسبان، ولاحقًا السكان الأصليين الهنود، وهو ما أسهم في ترك إرث معماري وفني ملموس ما زال حاضرًا حتى اليوم في الفناءات والزوايا والشرفات والزخارف، على الرغم من غيابهن الجسدي.
وفي هذا الإطار، أدت المرأة الموريسكية أيضًا دورًا بارزًا في تشجيع الامتزاج العرقي والثقافي، وهو ما أسهم في بقاء بعض الصفات الموريسكية، والتعابير اللغوية، والألقاب حتى يومنا هذا.
روابط الصور:
– https://www.infobae.com/peru/2024/03/27/las-moriscas-en-la-lima-colonial-quienes-eran-y-por-que-los-espanoles-decidieron-traer-esclavas-de-espana/?utm_source
– https://www.theguardian.com/books/2017/mar/14/spains-moriscos-a-400-year-old-muslim-tragedy-is-a-story-for-today
– https://losreinosdelasindias.hypotheses.org/tag/moriscos
– https://www.cultura.gob.es/archivos-aca/en/actividades/documentos-para-la-historia-de-europa/moriscos.html
0 تعليق