يُروى أن الحارث بن حلزة ارتجل قصيدته: «آذنتنا ببينها أسماء»، وهو متوكئ على قوسه، قابضٌ على كَفِّهِ، لا يشعر بما به من غضب، حتى فرغ من إلقائها وهو من وراء سبعة ستور، وهند تسمع. فلمّا سمعت قالت: تالله، ما رأيت كاليوم قط رجلًا يقول مثل هذا القول، يكلم من وراء سبعة ستور! فقال الملك: ارفعوا سترًا، ودنا، فما زالت تقول، ويُرفَع سترٌ فسترٌ، حتى صار مع الملك في مجلسه. ثم أطعمه من جفنته، وأمر ألا ينضح أثره بالماء، وجزّ نواصي السبعين الذين كانوا في يديه من بكر، ودفعها إلى الحارث، وأمره ألا ينشدَ قصيدته إلا متوضئًا. وكان بشار بن برد يُصفق بيديه أو يتنحنح، أو يبصق عن اليمين وعن اليسار، ثم يلقي القصيدة.
إعدام القصيدة على المنبر
قد يخون الشاعر قصيدته، فيُجهز عليها بضربة واحدة. بإمكانه أن يفعل ذلك وهو يلقيها في لحظة عابرة، وقد اجتهد زمنا في الاشتغال عليها بالتجويد والصقل لتغدو تحفة فنية. بإمكانه أن يفعل ذلك وأكثر حين ينادي بها لمحاكمة علنية أمام الجميع، ويحكم عليها بالإعدام، ويباشر هو بنفسه عملية إعدامها، حين يلقيها في توقيت غير مناسب وبأسلوبٍ مرتبك، أمام متلقٍّ غير مُهَيَّأ.
غالبًا ما تظل القصيدة متينة البناء، ذكية الإخراج الفني، حافزة على الدهشة والإبهار ما لم تُلْقَ؛ فإن حدث وأُلقيَتْ فهي مجازفة؛ إذ قد تخسر حصانتها ضد البلى والنسيان والإهمال فتحترق؛ لتصبح مجرد رماد. ليس من السهل إلقاء قصيدة؛ لعلها مغامرة غير مأمونة النتائج؛ وقد تنسف مسيرة الشاعر وتنهي سيرته في ميدان الكتابة كله. وليس كل إلقاء قراءة، وليس كل متلقٍّ قارئًا. القراءة فن، والإلقاء بعض اكسسوارات هذا الفن؛ غير أن قصيدة واحدة قد تكون قبر شاعرها حين يُلقَى بها دون أن يقرأها. وقد يُجهز متلقٍّ على الاثنين: الشاعر وقصيدته، بضربة واحدة.
لا يقاس نجاح القصيدة، أو فشلها، بقدر ما تحظى به من تهليل وتصفيق وطرب. فالشعر لا علاقة له بسعر صرف العملات في البورصات العالمية، وإن كان بعض الشعراء قد زجوا بأنفسهم ليكونوا أسهمًا في تداولات السوق اليومية.
حقيقة الشعر أنه، بقدر ما يُدرك ويُولج في كينونته عبر قراءة واعية يتحوّل إلى مبحث إبداعي وسؤال كوني، في سياق فهم الوشائج التي تربطه بثقافته المحلية، بمعزل عن التعاملات التجارية، ولو أن بعض الشعراء أرادوا أن يكونوا أسهمًا في بورصة أسعار التداولات. في النهاية، تظل القصيدة غير مكتملة إلى أن يأتي قارئ، ثم آخر، وآخر… يواصلون ما بدأه شاعرها الأول. وهذا التواصل لا يعني كتابتها، بقدر ما هو تحويل لها إلى مكون من مكونات مشروع ثقافي ما.
مهما اختلفت النظرة إلى الشعر، ومهما تنوعت هندسة أبنيته، وتعددت أساليبه في تناول الموضوعات، ناهيك عن أشكال كتابته، يظل قابلًا للقراءة. وكما يقول فولفغانغ إيزر، أحد أبرز منظري جماليات التلقي في جماعة كونستانس: «النصوص تمثل، على اختلاف أنماطها، طرفًا (أو قطبًا) واحدًا من أطراف العلاقة التي تنعقد أثناء عملية التواصل. فالذخائر (المعطيات) والإستراتيجيات تكتفي من النص برسم خطوطه العامة وإقامة هيكل قواه الكامنة. والقارئ هو وحده الذي يستطيع تحقيق كوامن النص وتحيينها في وقائع» وهكذا، لا يتحقق التواصل إلا حين يرتبط النص بوعي القارئ.
الأشكال الشعرية وأثرها في المتلقي
تتعدّد أشكال الشعر بين الشعر الشعبي، والعمودي، وشعر التفعيلة، والشعر الحر، وقصيدة النثر. وكما تختلف هذه الأشكال في مناخاتها وأساليب كتابتها، فإنها تختلف أيضًا في طرائق إلقائها وقراءتها. وليس هناك إشكال في إلقاء القصيدة بالدارجة المحلية، أو الزجل أو النبطي أو الشعر الغنائي…؛ فهذه الأشكال هي الأكثر قابلية للإلقاء ونيل القبول الجماهيري. ويعود ذلك إلى ارتكازها على التداول الشفوي، واعتمادها على الذاكرة الشعبية، وتجذرها فيما هو محلي، سواء من خلال لغتها أو من خلال أغراضها، ذات الصلة بعادات وتقاليد وطرائق عيش الناس، أو من خلال أوزانها القريبة جدًّا من عموم الناس؛ لذلك تحظى غالبًا برضا المتلقي، وتستقطب جمهورًا واسعًا في المناسبات الاجتماعية، وبخاصة إذا كان شاعرها ذكيًّا في طريقة إيصالها غيبًا، دون الاستعانة بكتاب أو ورقة، ويلقيها بشكل فرجوي، مأخوذًا بالتدفق الانفعالي والحماس، ومعولًا على استنفار كل حواسّ المتلقي. بهذا الأسلوب يحقق لنتاجه الشعري النجاح الكبير، وبخاصة حين يعرف كيف يدغدغ مشاعر الحاضرين ويمسّ أوتار أحاسيسهم.
ولئن وجدت القصيدة بالدارجة المحلية في الإلقاء سبل نجاحها، فإنها غالبًا ما تفشل في بلوغ المتلقي عبر قراءتها؛ نظرًا لطبيعة لغتها التي تختلف من جهة إلى أخرى، فضلًا عمّا تعانيه من نظرة دونية عند كثيرين لا يعدّونها من الأدب الخالص. كما أنّ صداها الخارجي يعلو على حيوية نغمتها الداخلية، فيطغى على ديناميتها ويمحوها نهائيًّا. ومع ذلك، فإن هذا الشكل من الشعر الشعبي يظلّ مجالًا خصبًا للدراسة الاجتماعية والأنثروبولوجية؛ لما ينطوي عليه من عمق وتجذّر في البيئة المحلية، بما يتيح دراسة المجتمع وتطوراته -عبر التاريخ- دراسة موضوعية من داخله. هذا إلى جانب ما يتوافر عليه من صور شعرية بالغة الجمال، يصوغها خيال متوهج، حر من قيود الكتابة المألوفة، ومتجاوز للحدود التي ترسمها البيئة المدنية المعلبة
بأخلاق التحضر.
سلطة الإيقاع وغواية الإلقاء
القصيدة العمودية من أكثر الأشكال الشعرية المؤهلة للإلقاء، ليس فقط لما تحظى به من مكانة عند العرب -بوصفها الإرث الشعري الأول، وبما يحيل عليه من العودة إلى الأصول الأولى- بل لما تمتلكه من بنية إيقاعية واضحة، تقوم على الأوزان والقوافي التي تحقق موسيقا خارجية مؤثرة في المتلقي.
هذه النغمة التي تخلق موسيقا خارجية هي الرهان الوحيد للشاعر في إيصال قصيدته؛ لذلك يسعى لنظم مفرداتها بشكل محكم، وفق ما يمليه عليه البحر الذي اعتمده؛ ليحقق شكلًا موسيقيًّا قادرًا على إحداث الأثر في المستمع. وهذا سيقتضي غالبًا أسلوبًا في الإلقاء يميل إلى الخطابة، بما تنطوي عليه من انفعال قد يغطي على روح القصيدة، ويحولها إلى ما يشبه طقطوقة موسيقية يغلب عليها النشاز.
ليس هذا طبعًا شأن كل القصائد العمودية؛ غير أن غواية الإلقاء قد تدفع إلى السقوط من شرفة القصيدة والتضحية بشعريتها. فثمة تداخل بين صداها الخارجي وهارمونيتها الموسيقية، تداخلٌ يحجب قوة ديناميتها الداخلية، ويؤدي في كثير من الأحيان إلى بروز القالب الموسيقيّ الجاهز على حساب المعنى والصورة الشعرية. ومن الممكن للقارئ أن يذهب لسماع قصيدة عمودية ليس من أجل متعة نغمتها الخارجية، بل من أجل التحليق مع شعريتها، وهذا ما تفتقده القصيدة العمودية اليوم.
وبحكم نشأتها من رحم الشعر الموزون، وارتباطها النسبي بالقصيدة العمودية -ولأن الكثير من الشعراء اشتغلوا على تطويرها من الداخل، سواء من حيث بنيتها أو من حيث أسلوب تشكيلها- فقد شهدت قصيدة التفعيلة تطوّرًا ملحوظًا في بنيتها وأدواتها وطرائق كتابتها، ووجدت سبيلًا لتدريسها في البرامج المقررة مدرسيًّا، وما زالت تكتسح المنابر وتحظى بقبول المتلقي.
ولعل اعتماد قصيدة التفعيلة، في بعض الأحيان، على القافية يعزز عُدَّتها الإيقاعية، ويجذب أُذن المتلقي، غير أن تخففها من الأوزان واقتصارها على البحور ذات التفعيلة الواحدة لم يمنع بعض شعرائها من البقاء في فلك القصيدة العمودية عند إلقائها، وهو ما جعلها مجرد صدى للقصيدة التقليدية. لكن هذا لم يمنع بعض شعرائها، ممن يمتلكون قدرة تقنية وذكاء جماليًّا، من الاستعانة بتقنيات حديثة دون التخلي عن البحور. فاستعملوا المجزوء، والمشطور، والمنهوك، والمدوَّر، والمرسل أو المصمت المُخَلَّع، والمصرع. وقد أدى هذا إلى التخفيف من جرسيتها الخارجية، وأفسح المجال للتحرك بحرية في فضاء القصيدة. كما فتح المجال لاستعمال معجم لغوي مختلف وتركيب جملة مغايرة، وهو ما جعل القصيدة أكثر قربًا لروح عصرها. لكن حضورها المنبري الكثيف أخفى مكوناتها الجمالية، وأدخلها في دائرة الحماسية الانفعالية؛ رغم خلوها من الموسيقا الخارجية، وارتكازها في الأساس على هارمونية موسيقية انسيابية خافتة، مع دينامية داخلية ترشحها أكثر من الشكلين السابقين للقراءة البصرية أكثر منها للقراءة الجهرية التي تنشد الاستمتاع والطرب.
قصيدة النثر وإشكالية التلقي
أمّا قصيدة النثر، فما زالت محلّ جدل. فهناك من ينكر شعريتها، غير أنّ هذا الموقف يغفل أنّ الشعر، في جوهره، شكل من أشكال الإقامة في الوجود، وأن كتابته بالموسيقا (بالعَروض) ليست إلا أحد تجلياته، من حيث إن الإيقاع أوسع من الوزن. فالشعر مرقى جمالي وصياغة فنية تعتمد اللغة في انزياحاتها، وتسعى إلى تشييد إيقاع مغاير للمألوف، ينهل من تحوّلات الذات البشرية في سياق ما يعتمل في الواقع. ومن يرى أن قصيدة النثر بعيدة من الجمهور، فلعلها لا تبحث عنه أصلًا؛ إذ لم يكن للشعر جمهور بالمعنى الواسع إلا حين ينزاح نحو الخطابية. قصيدة النثر تهزّ الأمان الذوقي الذي اعتاده المتلقي، وتدفعه إلى مواجهة أسئلة جمالية تُلزمه بمراجعة طرائق تفكيره، وإعادة النظر في أدواته التأويلية، بما يحدّ من كسله الذهني، ويدفعه إلى قراءة أكثر وعيًا.
أمّا القول ببعدها من القضايا، فيغفل أنّ قضيتها الأساسية هي الجمالية في أفقها الفلسفي الكوني، وهي تقارب ذلك بحثًا وتجريبًا. كما أنّ الحديث عن جمودها لا يستقيم؛ إذ إنّ التراكم النوعي لقصيدة النثر العربية أثبت قدرتها على التحوّل، واستقطب كتّابًا من أجيال متعددة، بل تجاوز حدود الشعر إلى أجناس أخرى، كالقصة والرواية والمسرح، حتى شعر التفعيلة والفنون البصرية؛ فهناك من يشتغل بالرسم بروح قصيدة النثر.
لذلك، فإنّ إلقاءها جهرًا، دون إدراك لطبيعتها، يظلّ مجازفة؛ فهي كتابة تميل إلى البصري أكثر من الشفهي، وتتحقق في القراءة أكثر مما تتحقق في الإلقاء، بخلاف بعض تجارب القصيدة العمودية التي تنزع إلى الخطابية، وتنتهي بانتهاء لحظة إلقائها.
المخيّلة، التي تُعدّ رأسمال الكائن البشري ووقوده الأساسي لتجديد الحياة عبر تحرّره، لم يعد الإنسان الحديث يعتمد عليها كما ينبغي؛ إذ صادرتها المؤسسة السياسية، واغتالها العقل المُدجَّن، وشوّهها الفكر الغيبي، وسلبتها النزعة الاستهلاكية. ومن ثمّ، يغدو دور الشاعر حَفْز هذه المخيّلة واستثارتها وتحريرها.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في الشكل الشعري، بل في طبيعة التلقي. فالشعر أوسع من كل تصنيف، وهو يعيد تشكيل نفسه عبر تحويل مركزه من الإلقاء إلى القراءة. والمتلقي، بخلاف الشاعر، يتحرك بحرية أثناء الأمسية، بين الإنصات والتشتّت، وهو ما يضع الشاعر في موقف معقّد، حيث يصبح مطالبًا بإدارة اللحظة، لا مجرد إلقاء النص.
قد يحتاج الشاعر هنا إلى معرفة أنواع المتلقي حتى لا يجد نفسه مضغوطًا من أجل استنفار حواس هذا المتلقي الذي قدم للبحث عما يعلي منسوب الأدرينالين لديه، ويحرر كائنات حواسه؛ لتهتز بحثًا عما يذكي فيها نارًا كادت تخبو. على الشاعر هنا أن يعلف غرائز هذا المتلقي، ويؤجج عواطفه، ويغذي جوعه الأيديولوجي، أو يهيجه بوابل من المشاعر بما يجعل من الأمسية احتفالًا انفعاليًّا متصاعدًا، وهو ما سيجعل من الشاعر رهينة نزوات هذا النوع من المتلقي الجشع.
إلقاء الشعر، في هذا المعنى، مجازفة؛ إذ ينبغي للشاعر ألا ينساق وراء أجواء الفعالية، بل أن يستعيد تلك اللحظة الأولى التي وُلدت فيها القصيدة، بكل توترها واهتزازها الداخلي. فالإلقاء ليس إعادةً للنص، بل إعادة خلق له، مع الحفاظ على جوهره.
وكما قال إيزر: «لا يمكن أن يكون للنص معنى إلا عندما يُقرأ»، وبذلك تصبح القراءة شرطًا أساسيًّا لكل تأويل أدبي، وهكذا يُعاد النظر في مهمة المُؤوِّل، وفي دور القارئ بوصفه شريكًا في إنتاج المعنى، في ضوء المعطيات النظرية الجديدة لعملية القراءة.
0 تعليق