في رواية الكاتب الجزائري سعيد خطيبي «أغالب مجرى النهر» -الصادرة مؤخرًا عن هاشيت أنطوان، الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية البوكر 2026م- حظيت ديناميكية الحبكة الروائية بمركزية فاعلة في تسريد سياقات هذا العمل، الذي اتخذ من طبيبة العيون عقيلة شخصيةً رئيسة فيه، ارتبطت بها شخصيات ثانوية، من أهمهما بعض أفراد عائلتها: زوجها مخلوف طبيب التشريح في إحدى مشافي المدينة، وأبوها عزوز خالدي، وأمها قمرة ديلي، وأخوها ميلود. وشخصيات أخرى ذات علاقة بحياتها، كجارتها نوسة، وزميلتها سلوى عديلي، والمحقق جمال درقين.
واقتصر الحيز المكاني -في هذا العمل- على بضعة أمكنةٍ من المدينة الجزائرية بوسعادة، مثل: بيت والد عقيلة، وعيادتها، والمشرحة التي يعمل فيها زوجها، والمحبس الذي استُدعيتْ إليه للتحقيق معها في قضية وفاة مخلوف. أمّا الحيّز الزمني فينتمي إلى النصف الثاني من القرن العشرين، مع إشارات تاريخية ذات طبيعة استرجاعية إلى النصف الأول منه.
قدمت الرواية محطات محورية من حياة أسرة جزائرية، يعيش أفرادها انفصامًا بين حالين: خارجية مُعلنة، وداخلية مسكوت عنها؛ فالزوجان الطبيبان (عقيلة/ ومخلوف) لديهما حياتهما غير المعلنة، المتمثلة في تواطُئِهِما على انتزاع عقيلة قرنيتي العينين من بعض الجثث التي تصل إلى مشرحة مخلوف، لزرعها في عيون مرضاها. انتهت حياة الزوج في حادث مروري، فدارت الشكوك حول زوجته.
من ناحيةٍ أخرى، استوعبت سياقات العمل محطاتٍ من حياة والد عقيلة، الذي شارك في الحرب العالمية الثانية، واشترك في حرب تحرير بلده من الاحتلال، وغدر به رفاقه، واتهموه بالخيانة، فاعتقلوه، وترك تعذيبهم علامة كيّ في ظهره، صارت وصمة خيانة وطنية، يحرص كل من يُوسَمُ بها على إخفائها، لكنه يعيش قلقًا من انكشافها من فور وفاته، على يد طبيب المشرحة مخلوف.
الحبكة وبناء الشخصية
استهل هذا العمل السرديّ سياقاته بتأثيث شخصيته الرئيسة، بعناصر ومعطيات فاعلة في إضفاء الحيوية على حبكته الروائية؛ إذ قدم عقيلة مُتهمةً رئيسةً في مقتل زوجها، بدءًا من التحقيق معها، واستمرارًا في إلقاء الضوء على محيطها الاجتماعي، وتسريد ما يتسق منه مع محورية اتّهامها، كالعوامل الممكن تأويلها دافعًا لإقدامها على ذلك، من مثل تعرّض النساء في مجتمعها للاضطهاد على أيدي أزواجهن؛ فالأزواج هناك «لا يثبتون شرعيتهم بعقد الزواج بل بقسوتهم على نسائهم» (ص76).
وينمو تشكيل ديناميكية الحبكة الروائية، من خلال الانتقال إلى تسريد اضطهاد مخلوف لعقيلة، وتماديه في ضربها، حتى ضاقت بالزواج منه، فبدأت في التفكير الانتقامي؛ إذ تقول: «ازدادت رغبتي في التخلص من هذا الزوج… أودّ أن أكسر عنقه بقاعدة الأباجورة النحاسية، لكن يديّ ترتعشان مثل مُصابٍ بباركنسون حين أفكّر في مباغتته من الخلف».
وعلى استدراكها هذه الطبيعة الخائفة، إلّا أن ذلك لم يؤثر في تعزيز الاشتباه فيها؛ إذ توالت عددٌ من الإشارات كثيفة الإحالة على إمكانية أن تكون هي من قضى على مخلوف. من مثل إشارتها إلى ارتفاع نسبة جرائم القتل في محيطها، وتعليقها على ذلك بالقول: «وأنا أودّ قتل زوجي».
سرّع الكشف عن رغبة عقيلة الانتقامية -هذه- من حيوية التأويل لاحتمالية إثبات التهمة عليها، مع تعزيز ذلك بمضامين متسقة مع نوعية الانتقام الذي تفكر فيه؛ إذ سمعت وهي في المحبس صوت امرأة تنادي باسم شخص، عرفت من المحقق أنه زوجها القتيل على يدها. ارتعشت عقيلة، فتقدمت الحبكة الروائية خطوة جديدة في تشكيل فضاء التلقي، الذي لا يُستبعدُ فيه أن تكون عقيلة قد أقدمت على ما أقدمت عليه تلك المرأة. مع تأثيث هذا الفضاء بإحالات فاعلة في بنائه، كقول عقيلة: إنها «تلمست سكاكين وسواطير تصلح لتقطيع أمعاء مخلوف، يستعين بها القصاب في محله». وأنها تخيلت ما ستكتبه الجرائد عنها بعد أن تقتل زوجها، ورغبتها في تنفيذ ذلك قائلة: «أودّ أن أراه بجثةٍ مُزْرقّةٍ».
انكسار آفاق التَّوَقُّع
بدأ تشظي الذروة التأويلية -التي كادت أن تستقر على الشخصية الرئيسة- بما طرأ من سياقات غير محسوبة، تكسرت بها آفاق التلقي. بدءًا من الكشف عن طبيعة موت مخلوف، في حادث سير: «مات مخلوف بعدما انقلبت سيارته». إذ عادت آليات الاستيعاب إلى بداية جديدة وفضاءات تأويلية مفتوحة، سرعان ما انغلقت بإشارة التقرير الطبي إلى موت مخلوف مسمومًا: «أحدهم سمم مأكله، أو مشربه»، قبل دقائق من قيادته لسيارته؛ فبدأ السم يسري في جسمه، وأصيب بالإغماء، وفقد السيطرة على القيادة، فانقلبت به السيارة، وتهشم رأسه وبقر المقود بطنه، فلفظ أنفاسه الأخيرة.
وعلى الرغم من إغلاق الحبكة الروائية فضاءات الاحتمال التأويلي للطريقة التي قضى فيها مخلوف نحبه، فإنها في الوقت نفسه فتحت فضاءات تأويلية جديدة، تستهدف الكشف عن هوية من دسّ السم في طعام الرجل؛ بدءًا من الاشتباه في عقيلة، تليها أمها الخبيرة في صناعة السم، ثم أبوها، استنادًا إلى حديثه عن قلقه من انكشاف وصمة العار فيه على يد مخلوف بعد وفاته. وكذلك إشارته إلى حديثه عن ذلك مع أحد أصدقائه، الذي أشار عليه بضرورة التخلص من الرجل؛ لتفادي انكشاف سره. وإلى ذلك شمل هذا التأويل الاشتباه في شقيق عقيلة ميلود، الذي عرف أن مخلوفًا هو من انتهك شرف ابنته فعزم على الانتقام منه. وصولًا إلى احتمالية أن تكون نوسة قد دسّت السم لمخلوف في كأس القهوة، التي قدمتها إليه، حينما زارتْه إلى مشرحته؛ كي تنتقم لزوجها الذي كشف مخلوف عن حقيقة عمالته بعد وفاته.
لقد قام بناء ديناميكية الحبكة الروائية -في هذا العمل- على استثمار عدد من التقنيات السردية، التي كان من أهمها استئناسه بعناصر تشويقية، توالت في تقديم عقيلة محورًا فاعًلا في انسيابية تسريد الأحداث وتشبيك خيوطها، فعزز هذا التشبيك من تأويل إمكانية أن تكون هي من انتقمت من مخلوف. لولا التحوّل المفاجئ، الذي انتقل بمحورية الاشتباه في هوية الفاعل من عقيلة إلى فضاء مفتوح، بأنساق متناقضة، جمعت أصحابها الرغبة الانتقامية؛ لتميل الحبكة الروائية إلى ترجيح استقرار تلك الهوية على نوسة، مع الإبقاء على الفضاءات التأويلية مفتوحةً على كل متضررٍ من مخلوف قبل وفاته.
كما تضمّن هذا التحول إحالةً غير مباشرة، على انحسار عوامل التأويل المتعلقة بعقيلة، والميل إلى إخراجها من دائرة الاشتباه، إلى دائرة الإحساس بفداحة رحيل زوجها، لا إقدامها على التخلّص منه.
0 تعليق