المقالات الأخيرة

وصفتان لتطوير علومنا السلوكية: الاطراد والتجريب

وصفتان لتطوير علومنا السلوكية:

الاطراد والتجريب

العلوم السلوكية Behavioural والذهنية Cognitive تطورت تطورًا مذهلًا في العقود الماضية، وانتقلت من كونها: تأملات فلسفية أو خواطر نفسية أو شذرات أدبية حول «الطبيعة البشرية»، إلى علوم متحاقلة (=بينية) تعتمد على: البيانات الدقيقة والملحوظات المتراكمة والأدلة الصلبة، بما في...

العبودية الفكرية الحديثة: بين أوهام التحرر وهيمنة الخطاب الدولي قراءة في تواشج القانون والمعرفة والسلطة

العبودية الفكرية الحديثة: بين أوهام التحرر وهيمنة الخطاب الدولي

قراءة في تواشج القانون والمعرفة والسلطة

في عالم اليوم، يعيش الإنسان حالة متناقضة من الحرية المقنّعة؛ فهو يخال نفسه حرًّا بينما تتسلل القيود الخفية إلى وعيه عبر الخطاب المؤسسيّ، والشاشات، وسائل الإعلام، والشبكات الاجتماعية، والبرامج التعليمية، والقوانين الدولية التي تُعرض كمعايير مطلقة. هذه الظاهرة، التي...

«كيفك أنت زياد الرحباني» لإبراهيم عبدالفتاح طفل ينظر إلى العالم من نافذة مائلة

«كيفك أنت زياد الرحباني» لإبراهيم عبدالفتاح

طفل ينظر إلى العالم من نافذة مائلة

تصنف منشورات بتانة كتاب «كيفك أنت زياد الرحباني» للشاعر إبراهيم عبدالفتاح، الصادر حديثًا، أنه كتاب «سيرة». فهل كتب الشاعر المصري سيرة الموسيقار الراحل؟ أم إن إبراهيم عبدالفتاح يكتب سيرته التي ربما تقاطعت في بعض جوانبها مع حياة زياد الرحباني؟ انتفت تساؤلاتي بعد قراءة...

حين يُنصت الشعر إلى نفسه… ويطمئن العالم

حين يُنصت الشعر إلى نفسه… ويطمئن العالم

ما مستقبل الشعر؟ لا يسأل المرء عن مستقبل ما لم تتزعزع ثقته به، ولا يتأمل مصير ما لم يُخَيَّل إليه أن الظلال بدأت تُزاحم الضوء؛ لذلك يبدو سؤال مستقبل الشعر أشبه بقلق طارئ، أو رعشة خاطفة تصيب يدًا تمسك بقنديل لم يُطفأ يومًا، حتى حين بدا وهجه ضعيفًا في أعين من ظنوا أن...

الريح كانت تهزني طوال الليل روث ستون: الفجيعة والمعاناة وقصائد الحب لرجل ميت

الريح كانت تهزني طوال الليل

روث ستون: الفجيعة والمعاناة وقصائد الحب لرجل ميت

ولدت الشاعرة الأميركية المعاصرة روث ستون في رونوك بولاية فرجينيا عام 1915م، ودرست في جامعة إلينوي في أوربانا-شامبين. عاشت معظم حياتها في مزرعة ريفية في فيرمونت، ولم تحظَ بتقدير واسع إلا في وقت متأخر نسبيًّا مع صدور مجموعتها «كلمات عادية» (Ordinary Words) عام 1999م....

«رغم أنهم قد أحبوا، فـإنهم قتلوا أحبــــابهم»

بواسطة | مارس 1, 2026 | مقالات

في بداية علاقتي بالكتابة، كانت جملة «اقتل أحباءك» أو «اقتلوا أحباءكم»، Murder your darlings التي سمعتها على لسان العديد من أصدقائي الكتاب، وتعبر عن اتجاه متقشف في الكتابة من دون زخارف جمالية، والتي قالها الروائي الأميركي وليم فوكنر لإرنست همنغواي، سواء في سياق مباشر أو معبرًا عن رأيه في أدب الأخير؛ بمنزلة مانيفستو الكتابة لأجيال عدة، وكثيرًا ما كنت اصطدم بها في النقاشات حول الكتابة، وأغراضها، وبخاصة في التسعينيات. كان لهذه الجملة، مرونة في تشكلها، وهو ما أكسبها وجوهًا عدةً في تطبيقها، حسب ميول كاتبها، فالتقشف لم يكن له طريق واحد للتعبير عنه.

إبراهيم أصلان

بداية من عقد الستينيات حتى التسعينيات، تبلور هذا الاتجاه الكتابي بوضوح في مصر عبر العديد من الكتاب؛ منهم على سبيل المثال: إبراهيم أصلان وروايته «مالك الحزين»، التي استغرق في كتابتها تسع سنوات تقريبًا، الذي صرح أكثر من مرة بإعجابه بهمنغواي ومنهجه في الكتابة، وصنع الله إبراهيم عبر روايتيه «تلك الرائحة»، و«اللجنة». بالطبع ارتبط الاتجاه بالسرد وليس بالشعر، فهو منهج لا ينطبق إلا على ما له فائض لغوي وليس في نيته الإيجاز، أو الترميز؛ لأنه يتعامل مع النص السردي كشخص مترهل يُعاني السمنةَ.

ربما ارتباط الجملة بوليام فوكنر وإرنست همنغواي؛ لأنهما كانا يرددان الفكرة نفسها في حديثهما واهتمامهما بالصرامة والتقشف في كتابتهما. لم أكن من مدرسة الكتابة التي تتبع هذه الجملة، ولكن ربما كنت من مدرستها في الحياة نفسها، فالجملة تحمل بين طياتها، ليس فقط طريقة للكتابة الجيدة؛ بل طريقة في تنقية النفس من الزيادات والترهلات العاطفية، فالقسوة أو الصرامة في تربية النفس، أو إعادة النظر للعاطفة المبالغ فيها كبلاغة زخرفية يجب تشذيبها؛ هي نفسها طريقة النظر للذات كنص لا يحتمل التجميل الزائف، ولا أن يحمل أفكارًا ليست لها أصالة في نفسه.

* * *

أخذتْ معي الجملة رحلتها، وكشفت عن بعد آخر، يقطع مع الطريقة التقليدية لسبر الحياة عبر توسيع دائرة العلاقات الإنسانية، ومعها تتسع من حولها دائرة العواطف السطحية، حتى تتحول إلى حمل زائد على صاحبها، تؤدي في النهاية إلى الانتقاص من جوهرها الثمين.

ربما تشير الجملة إلى لحظة استنارة تباغت حياة النص/الإنسان، يستفيق عندها ويدرك أنه أصبح محاطًا بمؤسسات عاطفية تستنزفه، كما النص محاط بمؤسسات بلاغية، ومجازات، وكنايات أكبر من أن يحتملها، تحيد به عن طريق الصدق، فيغوص جوهره بعيدًا من السطح، كجبل الجليد حتى يستفيق ويتخلص من زبد السطح البلاغي؛ لتطفو من جديد قمته التي تحمل المعنى الدالّ، وتلخص رحلة القتل للبلاغة وللزيف، ولكل ما ليس حقيقيًّا بالنسبة لصاحبه.

ربما تحمل هذه الجملة التي تبدأ بفعل الأمر «اقتل»، كرسالة موجهـة من مرتبة أعلى؛ رغبة في الاتساق بين النص والحياة، بين الذات ونموذجها الأصفى، أو بين النص ونموذجه الأصفى في الإنسان، وهو الشكل الذي جاءت عليه الحياة، قوتها في وظيفية رموزها وعناصرها وإيجاز دلالاتها، من دون تعقيد، يبعدها من الحقيقة التي جاءت لتخبرنا بها. هكذا أيضًا يسعى الإنسان/ الكاتب أن يحوط نفسه/ نصه بالضروري بلاغيًّا ليصل المعنى ودلالاته وإيحاءاته إلى المكان الصحيح في نفس القارئ، ومن أقصر طريق.

* * *

أعجبت بهذه النصوص المتقشفة لهؤلاء الكتاب، ولكني كنت في بداية علاقتي بالكتابة، وما زالت في داخلي ثرثرات، مثل ثرثرات السورياليين، أو ثرثرات كراسي الاعتراف؛ أريد أن أبوح بها في كتابتي، فكانت تخرج بتداعٍ حر واسترسال لا رابط بين موضوعاته وأفكاره، سوى صاحبه -وهو ما أطلق عليه تيار الوعي في الكتابة، وكان من جيمس جويس وفوكنر وفرجينيا وولف، وغيرهم- لتملأ الهيكل العظمي لهذا النص الأدبي الذي كنت أشيده لنفسي.

كانت هذه النصوص التي كتبتها بهذه الطريقة أكثر منها سمينة، أو محملة بزخارف وترهلات عاطفية، تروم أن تصفي ترهلاتها بإخراج كل ما يدور داخلي للنور، من أزمات نفسية، وذكريات طفولة، وأيقونات السلطة، حتى يصبح النص نتاج تفاعل وتربية داخلية، وبعدها يمكنني حذف الزائد عليه، ما لا يحتاجه، بعد أن يمتلك الوعي الداخلي، أو الميزان الحساس، الذي يربط بين التجربة والتعبير عنها، عظمًا ولحمًا، وفهمًا لمعنى التقشف وأهميته.

* * *

لا أتذكر أين قرأت هذه الفكرة، وهي لروائي عالمي شهير لا أتذكر اسمه، أن الثرثرات أو الحشو، هي لحم الحكاية، وبدونها لا معنى للرواية، بالتأكيد ليس هو الكاتب الأرجنتيني بورخيس، الذي أدان نوعًا أدبيًّا بكامله كالرواية؛ لأنها من وجهة نظره، عبارة عن حشو، وأكتفى بكتابة القصة القصيرة والشعر، والمقالات. هذه الزيادات والزخارف المفترض أن تذهب إلى المقبرة، فلكل نص مقبرة يدفن فيها أحباءه؛ حتى يتخلص من انتمائه الزائد لنفسه، ويحرِّر ذاته، ليكشف عن نص/ ذات جديدة، تنتمي بعواطفها الجديدة له، ولحقيقته، وحقيقة الكتابة، وليست سابقة عليه.

ربما تنتمي هذه الجملة بحسها الجذري لعصور تنوير/ تثوير أورُبية، لاستعادة الانسجام بين الذات والعالم، ولكن عن طريق آخر غير الحب؛ لأن الأحباء المقتولين، استولوا مؤقتًا على هذا الرصيد من الحب، ولم يعد أمام الكاتب سوى استعادة الحب عن طريق آخر.

في كتاب «من الأعماق – رسائل» لأوسكار وايلد ربما هناك اقتراب لفكرة القتل الرمزي البارد، الذي لا يسبب الموت حيث يقول في نهاية القصيدة: «لا يموت أحد لأنه قتل»

«رغم أنهم قد أحبوا إلا أنهم قتلوا أحبابهم/ فأصغوا جيدا لما سأقوله لكم :/ من يفعلون هذا قد يفعلونه بنظرة عين/ ومنهم يفعلونه بالمراءاة والكلمات (…)/ بعضهم قد يخنق بيدي الشهوة/ وبعضهم يخنق بيدين ذهبيتين/ والأرحم بينهم يستخدم سكينًا/ لأن من يموت بالسكين، يبرد بسرعة/ بعضهم لا يحب كفاية/ وبعضهم يحب زيادة/ بعضهم يبيع/ وبعضهم يشتري/ وبعضهم من يذرف الدمع وهو يَقْتُل/ وبعضهم لا يرف له جفن/ كل شخص قادر على القتل قد يقتل حبيبه/ ولكن لا أحد يموت لأنه قُتل!» (من الأعماق- أوسكار وايلد- ترجمة عن الإنجليزية عبداللطيف محمد الدمياطي- دار المدى).

ربما جاءت النسخة العربية لهذه الجملة الجذرية بديلًا من السياسة، تمثل تيار يسار الكتابة؛ لذا تبناها أصحاب الهوى اليساري في الكتابة. وجد هذا النهج التقشفي الصارم حياته في النصوص، بعد أن اختفت السياسة من الحياة اليومية، وأصبح النص الأدبي يمثل فضاء العمل السياسي، عبر هذه الاستلهامات للتعامل مع اللغة كشعب وثقافة، وأيضًا التعامل مع النفس واكتشاف هذا الجانب الآخر من الحياة الذي يُتَوصَّلُ إليه عبر القسوة، أو القتل المجازي للعواطف المجانية، أو السير مع الشيطان المجازي؛ لاكتشاف الخير، بعد أن تحمل إله اللغة في تمثلاته اللغوية كل المجازات والزخارف التي جعلته غير قادر أن يخلي طريقًا لتلك الذوات المتفردة التي تبحث عن الاتساق، سواء في اللغة أو الحياة.

* * *

نتخفف من البلاغة كي نكشف عن الجوهر، أن تصمَّ آذانك ولا تتعاطف مع كل ما هو ملحمي أو غنائي داخلك، أو ليس له تمثيل حقيقي وصادق؛ لكونه يحمل عاطفة ذات جمعية، أكبر من وعي صاحبها بها. توقفت أمام ملاحظة كتبها صنع الله إبراهيم في «أيام الواحات» يبدي فيها إعجابه بطريقة همنغواي في الكتابة، وملحوظته حول وجود علاقة بين الحس الملحمي والكاتب الفاشل.

صنع الله إبراهيم

صدمتني الفكرة حول علاقة الكاتب الفاشل بالحس الملحمي، «كأن على رأسي بطحة»؛ لكوني ربطتها بالحس الملحمي والغنائي الذي ألمحه في كتابتي، والاثنان، الملحمي والغنائي، يعبران عن ذاتية أو مركزية لذات البطل، في الأولى هناك ذات جماعية تُملِي عاطفتها على النص، والثانية ذات مركزية للكاتب تفرض عاطفتها دون مناقشة أو نقد هذه الذاتية والتوجه نحو الموضوعية.

صدمتني الجملة لأني كنت أشعر بذاتيتي، وربما لها مركزيتها، داخل النص الذي أكتبه، وربما تحمل غنائية ما، فهناك جدران بنيت حول الذات تعيد ترديد النغمات الأساسية، ربما بتنويعات مختلفة. هذا التكرار رغمًا عني صنع هذه الغنائية، ربما المأساة هي التي تلغي هذه الغنائية وتفتح فيها طاقة جديدة.

كنت أجد أنه من الصعب أن تتماهى الكتابة، بكل وسائل التغريب التي تملكها، وباللغة؛ لتكون سطحًا باردًا أُحادي الجانب حتى تخفي جبل الجليد، وتعري فقط الجزء المكشوف منه؛ لتكسر مركزية الذات لهذا البطل، وتقدم بطلًا آخر، مختفيًا، أو ذائبًا داخل النص من دون تبجيل أو رثاء، كما أوحى همنغواي، عبر كتابته، لصنع الله إبراهيم، وكما أوحى من قبلُ وليم فوكنر لهمنغواي.

* * *

كانت نظرية همنغواي في الكتابة هي «قمة جبل الجليد الطافي» كما يشير كارلوس بيكر كاتب سيرة همنغواي «كيف يستخلص الأكثر من الأقل، وكيف يقلم اللغة ويتجنب فقدان الحركة، وكيف يضاعف الكثافة، وكيف لا يقول إلا الحقيقة بطريقة تمكنه من قول أكثر من الحقيقة» فالكتابة تبعًا لهذه النظرية يكمل بيكر«تطفو الحقائق الثابتة فوق الماء، بينما تعمل البنية الداعمة مكملة بالترميز بعيدًا من الأنظار» (ويكيبديا).

هذا القمة التي تساوي، بالنسبة لنظرية همنغواي، ثمن جبل الجليد، بينما سبعة الأثمان المتبقية مدفونة تحت السطح. إلى هذا الحد هناك صرامة في الحذف، وتمنع عن الاستعراض، حتى يُختار هذا الثمن ليمثل النص، بينما بقية سبعة الأثمان تذهب للمقبرة التي توجد داخل النص، وبدوره يقوم القارئ باستكناه المحذوف الذي بُنِيَت فوقه هذه القمة المجردة الإيحائية.

* * *

تأثر صنع الله بهذا الاتجاه في الكتابة، كما يحكي في مذكراته التي كتبها في سجن الواحات «يوميات الواحات». يكتب «سأحاول أن أحقق النثر ذا الأبعاد المختلفة، إن طريقي يبدأ من همنغواي وكامو». (يوميات الواحات، صنع الله إبراهيم – مؤسسة هنداوي). بل صَكَّ مصطلحًا جديدًا لهذه العاطفة المتقشفة عند همنغواي، التي هي معادل للقتل، وسماها «الشكم العاطفي»، وسمى طريقة همنغواي في الإيحاء وليس التصريح، «الْمِسْ وامْضِ»، مثل النحلة، أو الفراشة، يذكرني هذا التعريف بالطريقة التي كان الملاكم محمد علي كلاي يطبقها في جولاته، يدور حول الخصم كالفراشة، ثم يقترب سريعًا ويسدد ضربته كالنحلة، ثم يتراجع سريعًا، ثم يعيد الكَرَّةَ، حتى يستسلم الخصم.

ألبير كامو

في روايتي «اللجنة»، و«تلك الرائحة» يظهر هذا الشكم العاطفي بوضوح، ولكن في رواية «التلصص»، يستخدم صنع الله لغة ما بعد الإيحاء، فيظهر جزء كبير من جبل الجليد الغاطس، وليس فقط قمته، على عكس بقية رواياته. فالعاطفة في الرواية ليست مشكومة، كما يتمناها، ربما لأنّ هناك صراعًا أساسيًّا بين الشكل والمضون، يريد أن تكون له لغة محايدة متجاوزة العاطفة، والذاتية معًا، «هل يمكن أن أُوحِّد الذاتي بالموضوعي في كتابتي؟» (المرجع السابق) بينما هناك مراحل عمرية، أشكال وأنظمة تفكير تحكم مسار هذه اللغة، وربما أيضًا أن الرواية تدور حول الطفولة، فبها مسحة من حنين؛ لكونها مكانًا مشحون بالعاطفة.

يستشهد صنع الله في يومياته بطاعون ألبير كامو، كأحد النماذج العاطفية المشكومة، ويمكن أن أضيف لها أيضًا رواية «الغريب»، الذي أجدها نصًّا مفارقًا يجمع بين العاطفة الباردة المشكومة، والمأساة. نص شديد القوة في إخضاع القارئ للتماهي معه. ميرسو، غريب كامو الذي ماتت أمه، ويرتكب جريمة بقلب بارد، ولا يشعر بالحزن أو الذنب، ولا يريد حتى أن يظهر مشاعر لا يحس بها، أثناء محاكمته، مهما كان الموقف. ربما الوحيد الذي وجدت ضمن كتاباته تطابق بين شكل ومضمون شعرية جديدة لا عاطفية، ونافذة في الوقت نفسه.

* * *

هناك نصوص أخرى مثل «رجال في الشمس»، لغسان كنفاني، و«الضوء الأزرق» لحسين البرغوثي الذي نصح زياد خداش في حديث معه عن أهمية هذه الطريقة في الكتابة. يحكي زياد خداش أن «حسين البرغوثي أول شخص مسك كتاباتي وحكالي بالحرف الواحد جملة نقلًا عن كاتبة أميركية: اقتل أحباءك؛ والأحباء في الكتابة هم الجمل اﻹنشائية البلاغية الرائعة يلي بنحبها لكنها جاية بسياق غير طبيعي بمعنى مقحمة إقحام على النص» (صفحة حسين البرغوثي على الفيسبوك، 19 يوليو 2016م).

لم يذكر زياد اسم هذه الكاتبة الأميركية، ولكنها تصبح صاحبة هذه الجملة التي تفرقت بين العديد من الكتاب، وربما يرجع السبب أنها ليست رمزًا لكاتب واحد، بل رمزًا لعصر.

* * *

ربما المقابل/ النقيض لهمنغواي هو دستويفسكي الذي كانت نصوصه وأفكاره وتفسيره للسلوك النفسي لأبطاله، وإشفاقه عليهم، فيظهر هذا الراوي العليم خلف الكتابة، ويسهب في تداعيه، نيابة عن أبطاله، في تفسير مواقفهم وانفعالاتهم، فيطرح الغارق من جبل الجليد على السطح، ويخفي القمة، في الأعماق.

في نص دستويفسكي لا توجد مقبرة. المقبرة كانت ضمن النص نفسه، تعيش داخله برائحة الخطر. كان المحذوف جزءًا من المتن، ربما لأن المحذوف من هذا التاريخ هو السبب الذي دفعنا للكتابة، ودفع أي كاتب لها، أن يعيد تكوين هذا المحذوف سواء في التاريخ الشخصي للنص أو تاريخ الثقافة التي يعيش داخلها.

كل هذا الاسترسال من دستويفسكي ليتحول أبطاله إلى نماذج إنسانية حية بلحم وعظم، «مشكين»، «راسكولينكوف» فالتركيبة النفسية لأبطاله وأزمانهم الروحية العاصفة، كانت تحتاج إلى استطرادات طويلة للشرح، كأن النص أو أبطاله يجلسون أمام المؤلف، المحلل النفسي، ويبوحون بكل ما بدواخلهم. ربما أزمنة الإيمان في روسيا نهاية القرن التاسع عشر كانت تحتاج لكل هذا «الحشو» المحبب والضروري، كأنها مرافعة للإنسانية قبل أن تنجرف وتتيه.

* * *

يكتب ماركيز عن همنغواي وفوكنر اللذين تأثر بكتابتهما ومنهجهما في الكتابة «القصص التي كتبها تترك انطباعًا لدى القارئ بأنه لم يقل كلّ ما لديه، وأن هناك ما صمت عنه، وهنا يكمن سحر وجمال أدب همنغواي(…) كتابات همنغواي مليئة بهذه الومضات، تبدو في ظاهرها بسيطة لكنها باهرة ومميزة، كما تظهر الحدّ الذي انزوى فيه الكاتب في عالمه الإبداعي الخاص، وهو شبيه بجبل الجليد الذي يقع سبعة أثمانه تحت الماء».( موقع إيلاف: ماركيز يتحدث عن همنغواي: همنغواي كما عرفته- ترجمة خيري حمدان https://elaph.com/Web/Knowledge/2010/4/553535.html)

بالنسبة لماركيز الفارق بين فوكنر وهمنغواي، أن فوكنر يقدم في رواياته وقصصه هذا العالم النوراني غير القابل لتفكيكه، لا يترك أثارًا يمكن أن يستدل بها على طريقته في الكتابة، لاكتشاف الحرفة التي كان يهتم بها ماركيز؛ لذا التعلم منه كان يتم عبر هذا التأثير المباشر في رُوحه. بينما همنغواي كان يترك آثارًا خلفه في النصوص، يرى تلك المسامير التي استخدمها لبناء هذه الماكينة المعقدة؛ لتعلم الحرفة لمن يقرؤها.

«همنغواي من ناحية أخرى، بإلهام، وبشغف وجنون أقل نسبيًّا، لكن بصرامةٍ واضحة، يترك براغيه ظاهرة من الخارج كما في عربات السكك الحديدية. ربما لهذا السبب كان لفوكنر علاقة كبرى بروحي، في حين أن لهمنغواي التأثير الأكبر في مجال مهنتي. ولا يرجع ذلك لأعماله وحسب، بل بسبب إلمامه المذهل بالجانب الحِرَفي لعلم الكتابة». (المرجع السابق)

* * *

عندما كان فوكنر زائرًا في جامعة فيرجينيا ليقدم نصائحه للكتّاب الشباب في عامي 1957 – 1958م، كتب عما تعني له التجربة، وطريقة إدراكها؛ ليستخلص مفهوم الحقيقي والحقيقة والتجربة. وهو المفهوم الذي يوليه همنغواي عناية خاصة. «بالنسبة لي، التجربة هي أي شيء تُدركه بوَعي. ويمكن أن تأتي من الكتب، كتاب -قصة- حقيقية وحيَّة بما فيه الكفاية لتؤثّر فيكم. تلك في رأيي، هي إحدى تجاربكم. ليس بالضرورة أن تفعلوا ما قام به شخوص هذا الكتاب، ولكن إذا بدا لكم ما يجري حقيقيًّا، حيث أن تفهموا سبب ما قاموا به وتشعروا بمشاعرهم التي دفعتهم إلى فعل ذلك، هذه تجربة بالنسبة لي». (سبع نصائح من وليم فوكنر عن الكتابة الروائية ح موقع تكوين https://takweenkw.com/blog/298/single?srsltid=AfmBOopA8-WaYxxF-5SHjFwS_eYdoq0tyJCL1PCIOp0fcCqHGrrBP_qd).

وهنا يتخذ من كتابة همنغواي مثالًا لنصائحه: «إن عمل همنغواي مليء بهذه الاكتشافات البسيطة والرائعة التي توضح مدى التزامه بتعريفهِ الخاص للكتابة الأدبية على أنها -كالجبل الجليدي- لا تُعَدُّ صالحةً إلا في حال امتدَّت تحت الماء بعمقٍ يُعادِل سبعة أثمان حجمها» (المرجع السابق).

* * *

انصبت نصائح همنغواي على الحقيقة، وليست التجربة: «إذا بدأت الكتابة بتكلف أو كمن يمهد لتقديم شيء ما، شعرت بأن علي أن أحذف الزخرفات والمقدمات والالتواءات اللفظية، وأرمي بها بعيدًا لأبدأ بأول جملة خبرية حقيقية بسيطة كتبتها» (وليمة متنقلة – ترجمة على القاسمي).

ويضيف: «لأن هناك دائمًا جملة حقيقية أعرفها أو رأيتها، أو سمعت شخصًا ما يقولها» (المرجع السابق).

بالطبع ليس بالضرورة أن تكون جملة خبرية، ولكن فكرة الجملة الحقيقية، هي أيضًا لها مجسّات يستشعرها بها، ليس بها زيف بلاغي بشكل ما، الذي يضرب الصدق الكامن في أي جملة في مقتل. يختار الجملة التي تتماشى مع فهمه عن الصدق الفني، أو البراءة، كأنها جملة بريئة وبسيطة لم تُلوَّثْ بعدُ بجماليات الحياة وبهرجها الزائف. ربما همنغواي، في كتابته، يبحث عن النقاء، ويستعيض بدلًا من الزخرفِ الألمَ العميقَ أو اللمحةَ السريعةَ، ليس لأن التصريح خطأ، ولكن لأنه يريد أن يصنع مجالًا غامضًا غموضًا بسيطًا ونقيًّا يمكن إدراكه مِن طريق الحدس أو القلب أو الفلسفة أو الشعر.

المنشورات ذات الصلة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *