يمنى طريف الخولي، أكاديمية ومفكرة مصرية، متخصصة في فلسفة العلوم ومناهج البحث، تولت رئاسة قسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة القاهرة لسنوات. ساهمت في إغناء المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات والترجمات في المجال الفكري التي ناهزت أربعين كتابًا، ناهيك عن أبحاث ودراسات باللغتين العربية والإنجليزية منشورة في دوريات علمية مُحكَّمة عربيًّا ودوليًّا، ومحاضرات ألقتها في جامعاتٍ ومراكز أبحاث عدة، من أقصى الشرق في كيوتو إلى أقصى الغرب في هاواي، من دون نسيان العديد من البلدان العربية والإفريقية.
في هذا الحوار مع «الفيصل» تتحدث الأكاديمية المصرية عن مشروعها الفكري وعن اهتمامها بفلسفة العلم، وتحديدًا المنهج العلمي والبارادايم الإسلامي، وعن اهتمامها بالفلسفة النسوية ونقدها للعقل الذكوري وخلخلتها للتصنيفات، وإسهامات المرأة العربية في هذا المجال. هذا إلى جانب الحديث عن كتابها الأخير «في ربوع المكسيك وآفاق ما بعد الاستعمار: تجوالات فلسفية حول العالم»، وهو كتاب مختلف يجمع بين الفلسفة وأدب الرحلة، تعرض فيه منهجيات العلم وفلسفة
المعرفة والحضارة.
ملحمة ما بعد الاستعمار
• نبدأ من كتابك الأخير «في ربوع المكسيك وآفاق ما بعد الاستعمار: تجوالات فلسفية حول العالم»، وهو كتاب مختلف تجمعين فيه بين أدب الرحلة والسيرة الذهنية، وتقدمين فيه رؤية فلسفية عن التعددية الثقافية من خلال زيارتك لأكثر من ثلاثين جامعة عبر العالم، فما دواعي اختيارك لهذا النوع من الكتابة القريب من أنثروبولوجيا التفلسف؟
▪ كان من الضروري طرح ما أسميته أنثروبولوجيا التفلسف؛ لتصحيح الصورة المغلوطة للفلسفة في الوعي العام، حتى اقترنت بتعبير الأبراج العاجية، المنفصلة عن الواقع المعيش. والحق أن الفلسفة لم تقطن البتة أبراجًا عاجية أو خرسانية، ولم تنفصل قط عن الواقع. فقد قمتُ في هذا الكتاب بعرض منهجيات العلم وفلسفة المعرفة والحضارة بلغةٍ مفرداتها نبض أنفاس الواقع وأحداثه العادية المعيشة في تفاعلاته مع شخوص عادةً ما يلقاهم المرء في حياته اليومية وعلاقاته الشخصية.
على سبيل المثال، صُغتُ فلسفةَ الصراع الاستعماري بين الشرق والغرب من خلال حوار دار بيني وبين حفيدي ذي الأعوام الثمانية، وسلوكيات الحفيد من جراء هذا الحوار. فقد هَرَعَ إليَّ الطفل الصغير المغترب في المكسيك مُرتاعًا مُلتاعًا مما يراه على شاشة التلفاز من مشاهد الهول الأعظم لجرائم حرب الإبادة المروعة في غزة، ويسألني لماذا يفعلون هذا؟! قلت له بلغة مبسطة: استولوا على أكثر من تسعين في المئة من بلدهم فلسطين، دون أن ينعموا بالأمان فيها بسبب المقاومة، وهذه المجازر الرهيبة لكي يقضوا عليها فيظفروا بالأمان وبالبقية الباقية من أراضيهم وبيوتهم، خصوصًا جامع اسمه المسجد الأقصى، لكنهم سيفشلون ولن يظفروا بشيءٍ.
تفهم الطفل هذا الصراع، ثم فوجئت به يتحمل مسؤولية الموقف منه في سلوكه مع أقرانه الصغار وفي المدرسة. فقد كان ثمة احتفال بعيد مكسيكي يسمى عيد الأسلاف أو الموتى الراحلين، ولا بد أن يذهب الطفل إلى المدرسة بزي خاص. يوم الاحتفال وجدناه يهبط من غرفته ويتجه لتناول الإفطار بزي المدرسة. سألناه لماذا لم ترتدِ زي الاحتفال؟ كان رد الطفل أنه لن يحتفل بشيء، وسيخبرهم في المدرسة أن إخوانه في غزة يموتون ويفقدون أهلهم وتُهدم منازلُهم ومدارسهم، فلا يمكنه المشاركة في احتفالات، وسيذهب إلى مكتبة المدرسة في أثنائها. هكذا جسّد الطفل موقفًا بشأن فلسفة الصراع الاستعماري، وجعله يصل إلى الطفل غير العربي.
بدت لي هذه الواقعة أوضح عرض لقضية فلسطين التي تتمركز في توجهي الفلسفي بعد الاستعماري من المنظور العالمي. وقد وجَدتُ مدادًا كثيفًا لسرديات من هذا القبيل، أي تدوين لأحداث عشتها في وقائع سفريات أكاديمية وزيارات ثقافية حول العالم، مشاهداتي وانطباعاتي فيها، فضلًا عما قلته وما قيل لي، تجسد بدورها رؤى ومواقف فلسفية.
السعودية والمعجزة النهضوية
• توقفت في هذا الكتاب عند عدد من الدول التي زرتها لأهداف علمية من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب من 1990م إلى 2024م، ومن بين تلك البلدان المملكة العربية السعودية، فما السردية أو المقاربة المعيشية التي وقفت عندها في هذا البلد العربي الإسلامي؟
▪ توقفتُ إزاء المملكة العربية السعودية في إطار مقارنة أنثروبولوجية فلسفية بين ثلاث دول نفطية: السعودية والمكسيك ونيجيريا؛ لكي أبرز كيف يستشري الفقر والبطالة والتسول في الطبقات الشعبية المكسيكية، ويتجسد بؤس الواقع في نيجيريا، مقابل إثراء الطفرة الاقتصادية والتقدمية في السعودية. وذلك بهدف تنضيد المعجزة النهضوية التي أحرزتها دول الخليج العربي، حتى حققت نموًّا بل تضاعفًا ماليًّا بنسب غير مسبوقة في التاريخ؛ فلماذا لم تحقق أموال النفط في نيجيريا أو المكسيك ما حققته في الخليج العربي؟ لا بد من الانتباه إلى خصوصية التجربة العربية، حيث التقدمُ حياةٌ متنامية دافقةٌ، والحياة لا تتدفق في العملات المعدنية أو الورقية، بل في البشر وقدرتهم على التشغيل والتوظيف والتنمية والاستثمار. كان العربُ طوال تاريخهم تجارًا محترفين؛ فأجادوا تشغيل واستثمار عائدات النفط بنجاحٍ لم تحققه بلدان نفطية أخرى. إنها تجربة إنجاز حضاري نهضوي غير مسبوق ينبغي التوقف إزاءه مليًّا.
• خلصت في كتاب عن جدك أمين الخولي إلى أن الإطار الإسلامي هو المنقذ لنا من الانسحاق الحضاري والضياع الثقافي والتخلف، شريطة أن يكون إطارًا قادرًا على التلاؤم مع روح العصر، وهو ما عبرت عنه بـ«علم الكلام الجديد»، فكيف يمكن لهذا المشروع أن يتحقق؟
▪ علم الكلام هو علم أصول الدين، علم العقائد والتصورات. وهو أحد قطبي هذا المشروع. القطب الآخر هو علم أصول الفقه في توظيفٍ معاصر له، بوصفه علمًا لمناهج استدلال حاملًا الأسس المكينة لمناهج البحث عند المسلمين. يلتقي الأصولان معًا كأساس لنموذج إرشادي مستقبلي/ بارادايم إسلامي. أصول الدين يتصل بتصور حدود عالم العلم، بأنطولوجيا العلم وإبستمولوجيته، فيشتبك بفلسفة الطبيعة، مقابل اشتباك أصول الفقه بفلسفة المنهج أو الميثودولوجيا.
كان لأمين الخولي رؤية في تجديد الأزهر الشريف.. وبالنسبة لكسر الجمود الفقهي، للخولي موقف يؤكد فيه قولًا لشيخ الأزهر بأن مجددًا في العقائد، أي في علم الكلام، أهم من مجدد في العبادات.

فلسفة العلم والبارادايم الإسلامي
• بالنظر إلى كتاباتك العلمية التي تصل إلى أربعين كتابًا تجمعين فيها بين التأليف والترجمة في مجال فلسفة العلوم ومناهج البحث والفلسفة النسوية وغيرها من قضايا التجديد الديني والتعدد الثقافي وما بعد الحداثة والاستعمار، يحضر الفكر العقلاني بشكل كبير، فكيف تمكنت من جعل فلسفة العلم بوصلة لتوجيه أبحاثك وانشغالاتك الفكرية، كما سبق وعبرت عن ذلك؟
▪ فلسفة العلم ليست مجرد بوصلة موجهة لأبحاثي الفلسفية وانشغالاتي الفكرية. كل هذه المباحث والانشغالات تجليات لفلسفة العلم من زوايا مختلفة ومنظورات متباينة ومتكاملة. العلم فارس الحلبة المعرفية، وفلسفة العلم في أساسها وصلبها هي الميثودولوجيا، أي منهجية العلم أو نظرية المنهج العلمي. وليس المنهج العلمي تقنية خاصة بذوي الاحتراف من العلماء، بل إن ممارسة العلماء لمناهج البحث هي بلورة وتجسيد لأسلوب التفكير المثمر السديد، الملتزم بالواقع وبالحوار بين الذهن والوقائع التجريبية، بتعقيل السير نحو الهدف، وبالانتقال من المشكلة إلى حلها. إنها الوسيلة المثلى التي امتلكها الإنسان للتعامل الخلاق المتطور مع عالمه. وأنا تخصصي الدقيق المنهج العلمي. قبيل كتاب «في ربوع المكسيك وآفاق ما بعد الاستعمار: تجوالات فلسفية حول العالم»، صدر كتابي «منهج العلم: الرياضياتي.. الطبيعي.. الإنساني»، عن دار «أقلام عربية» في 350 صفحة. هذه المنهجية الشاملة هي الأساس وهي الإطار وراسم البنية. مصطلح المنهج أكثر المصطلحات ترددًا في عناوين كتاباتي، ولا يخلو منه متن أي شيء كتبته.
• وكيف يمكن الوصول إلى البارادايم الإسلامي أو «النموذج الإرشادي الإسلامي»، حسب تعبيرك، الكفيل بتوطين العلم في الثقافة العربية الإسلامية، كما جاء في كتابك «نحو منهجية علمية إسلامية: توطين العلم في ثقافتنا»؟
▪ للنموذج القياسي الإرشادي/ البارادايم إطار هيكليّ ضام لسائر مكونات ظاهرةِ العلمِ في الثقافةِ المَعنيّةِ، هو موطن العلم وشخصيته المتعينة فيها. صُلبُ مُكونات ظاهرة العلم هو المشتركُ الإنسانيُّ العام بين الثقافات جميعًا: منهج العلم بمسلماته وقواعده المنطقية وأساليبه الإجرائية، والأنساق والنظريات العلمية المعمول بها، المشكلات المطروحة للبحث ومشروعاته ومستهدفاته… إلخ. يتواشج هذا المشترك العام مع خصوصيات الثقافة المَعْنيّةِ المتمثلة في قيمٍ للعلم، وخصائصه التنظيمية فيها، والعوامل السوسيو- سيكولوجية ودوافع البحث العلمي وأخلاقياته، وأهدافه وعلاقاته بالمؤسسات الأخرى. وبهذا تتعيّنُ وتترسمُ حدودُ ظاهرةِ العلم كما تتدفق في واقعنا، عاكسةً أو مُجَسدةً لرؤية العالَم والعلمِ في ثقافتنا الإسلامية.
وهكذا أيضًا نجد في البارادايمات الشتى في حلبةِ التقدمِ العلمي العالمية الآن، والتباري فيها، تعبيرًا عن ثراءِ التعدديةِ الثقافيةِ في حضارةِ الإنسانِ، وليس البتة واحدية المركز الغربي الذي يزعم أن العلم العالمي هو العلم الغربي، والغرب هو صانع العلم الأوحد ومالكه. وبالتالي لا بد أن يحتل البارادايم/ النموذج الإرشادي وهو المنهجية الإسلامية الشاملة، موقعه كإضافة وإثراء لحلبة التقدم العلمي العالمي، إثباتًا للذات وتوطينًا للعلم في ثقافتنا.
البارادايم الغربي يعكس رؤية الغرب الواحدية المادية للعالَم، وقيمه العَلمانيّة التي تُـقصي الدينَ والنص المقدس تمامًا عن حلبة العلم. إنها منهجية الحضارة الاستعمارية، وقد تستعمرُ عقولَ علمائنا وباحثينا، صانعةً اغتراب العلم وغربته عن الثقافة الإسلامية التي قد يُظن أنها تستورد منهجيته من الغرب. المنهجية –بخلاف المنهج– غير قابلة للاستيراد أو التصدير؛ لأنها بارادايم الممارسة العلمية الفعلية في الثقافة المَعْنيّة المُعينة، تبلور آليات القوى الدافعة للإنتاج العلمي فيها. وما دام ثمة إنتاج علمي؛ فثمة منهجية خاصة به.
يتدفق الإنتاج العلمي في ثقافات إسلامية، وبحكم المنطق وحكم الواقع هو نتاجٌ لمنهجية علمية إسلامية محكومة بالتوحيد، توجهها قيم التزكية والاستخلاف والعمران، في قراءةٍ للكتاب الكريم المسطور وكتاب الطبيعة المنظور معًا، كلاهما من خلق الله وإعجازه. إنها تكاملية بدلًا من التفاضلية التي تحملها المنهجية العلمية الغربية، وتحقيقٌ للشهود الحضاري للأمة الإسلامية كأمةٍ وسط وأمةِ قطب، انفردتْ بحملِ لواءِ التقدم العلمي في مرحلةٍ هي التي أدتْ إلى ثورةِ العلمِ الحديثِ في القرن السابع عشر، وهو ما يَعني عراقةَ شرفِ المواطنةِ المتبادلِ بينَ العلمِ والحضارةِ الإسلاميةِ.
وتبقى الإشارة إلى أن البارادايم العلمي الإسلامي مستقبلي بمعنى الكلمة؛ لأن واقع البحث العلمي العالمي الآن في حاجة ماسة للقيم المميزة للثقافة الإسلامية. أولًا وقبل كل شيء قيمة التوحيد، وهي قيمة عظمى يتطلبها الواقع العلمي الراهن المُتَشظي إلى أكثر من أربعين ألف فرع تخصصي وبيني. وحدة عالم العلم ووحدة المعرفة العلمية مقولة إبستمولوجية مطلوبة الآن. وبالمثل، قيمة العمران هي دفعٌ للتقانة التي لا تنفصل عن العلم إلا كما تنفصل الثمرة عن شجرتها، وقيمة التزكية مطلب أكثر من ضروري في عصرٍ البيئة هي مشكلته الأولى.
ومن وراء القيم الإسلامية ثمة أساسها كقوة دافعة للبحث العلمي، ألا وهي قيمة الاستخلاف التي ترتبط بدعوة القرآن الكريم إلى تدبر ظواهر الطبيعة والإنسان، واستكشاف مناكبها، والنظر ﴿إلى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ١٩
وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: 19–20]، ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21]. يُستهدف من الاستخلاف إطلاق غاية الجهد والجهاد والاجتهاد من قِبَل العلماء والباحثين، مما يُفعّل طاقة وجدانية تشحذ البحث العلمي وتدفعه قدمًا إلى مستقبل أفضل.
فلسفة العلم النسوية
• انشغلت بالفلسفة النسوية وخصصت لها كتابات وترجمات، على الرغم من وجود أحكام تفيد بعدم وجود ما يسمى بالفلسفة النسوية وأنها خرافة العصر، وثنائية وهمية عن فلسفة نسوية وأخرى رجالية، فما مفهوم الفلسفة النسوية لدى الدكتورة يمنى طريف الخولي؟
▪ الفلسفة النسوية واحدة من التيارات الكبرى التي ترسم خارطة التفلسف في القرن الحادي والعشرين، وهي من أهم وأقوى الفلسفات المعبرة عن روح وعصر ما بعد الحداثة، خصوصًا من حيث هو عصر ما بعد الاستعمار وما بعد المركزية الغربية. فقد ظهر مصطلح «الفلسفة النسوية» لأول مرة في التاريخ العام 1970م، في قلب فوران الانقلاب بعد الحداثي وكواحدة من تجلياته الفلسفية البارزة. أجلْ، سؤال المرأة مطروح في الفلسفة منذ الكتاب الخامس في جمهورية أفلاطون التي جعلت المرأة تشارك الرجل في طبقة الحراس، متحررة من أعباء الأسرة وتربية الأطفال، حيث تتكفل بتنشئتهم الدولة، حتى جون ستيوارت مل في القرن 19 وصيحة تحرير المرأة التي حملها كتابه «إخضاع النساء».
وعلى مدار هذا التاريخ الطويل كان السؤال المطروح: ماذا قدمت الفلسفة للمرأة؟ حتى انطلقت «الفلسفة النسوية» في العقود الأخيرة من القرن العشرين، حاملةً السؤال المعكوس: ماذا يمكن أن تقدم المرأة للفلسفة؟ … من حيث هي امرأة مختلفة عن الرجل، تملك خبراتٍ ورؤى وإشكالاتٍ لا يملكها الرجل؟ وعلى مدار نصف القرن المنصرم قدمت المرأة أو الفلسفة النسوية ما هو حقيقٌ بالوقوفِ إزاءَه وتفعيلِه وتشغيلِه واستثماره.
تدفق عطاء الفلسفة النسوية، بادئًا بفروع الفلسفة اللينة: الأخلاق والجمال والسياسة، قدمت -مثلًا- أخلاق الرعاية وهي أخلاق العناية الحانية والمسؤولية في الموقف الحياتي المعني، كمقابلٍ وطيد وجميل لأخلاق القاعدة الصورية والقوانين المجردة والمبادئ العمومية الذكورية التي استأثرت بفلسفة الأخلاق طوال تاريخها. ومع ثمانينيات القرن العشرين تطرقت الفلسفة النسوية إلى فروع الفلسفة العسيرة الصعبة وهي الميتافيزيقا والإبستمولوجيا والميثودولوجيا وفلسفة العلوم. ولأن العلم فارس الحلبة المعرفية، وأقوى العوامل الفاعلة المُشَكِّلة للحضارة الحديثة، وللحداثة ذاتها، كان امتدادها إلى فلسفة العلم ضربة إستراتيجية جعلتها استجابة عميقة للموقف الحضاري الراهن. والواقع أن اهتمامي منصبٌّ على فلسفة العلم النسوية تحديدًا.
الفلسفة النسوية وخلخلة التصنيفات
• هل يمكن للفلسفة النسوية المساهمة في تفكيك البنيات الذكورية، وبخاصة إذا علمنا أن مفهوم العقلانية في تاريخ الفلسفة، في رأي العديد من الباحثين، قد ساهم في ترسيخ النزعة الذكورية داخل الفلسفة نفسها؟
▪ ليس مجرد مساهمة، بل إن مهمة ورسالة الفلسفة النسوية هي تفكيك البنيات الذكورية البطريركية التي سادت تاريخ البشرية، شرقا وغربًا، عشرات القرون. لقد قامت الفلسفة النسوية من أجل رفض مطابقة الخبرة الإنسانية بالخبرة الذكورية، ورفض عدّ الرجل الصانع الوحيد للعقل والعلم والفلسفة والتاريخ والحضارة جميعًا. وهي تَجدُّ لإبراز الجانب الآخر للوجود البشري الذي طال قمعُه وكبته. وفي هذا تعمل الفلسفة النسوية على خلخلة التصنيفات القاطعة للبشر، بما تنطوي عليه من بنية تراتبية سادت لتعني الأعلى والأدنى، المركز والأطراف، السيد والخاضع. امتدت في الحضارة الغربية من الأسرة إلى الدولة إلى الإنسانية جمعاء، فكانت أعلى صورها في الاستعمارية والإمبريالية. وكما تقول لورين كود، الظلم الذي نراه في معالجة أرسطو للنساء والعبيد هو عينه الظلم في معالجة شعوب العالم النامي، إنه تصنيف البشر والكيل بمكيالين.
تعمل الفلسفة النسوية على فضح ومقاومة كل هياكل الهيمنة وأشكال الظلم والقهر والقمع، وتفكيك النماذج والممارسات الاستبدادية، وإعادة الاعتبار للآخر المهمش والمقهور، والعمل على صياغة الهوية وجوهرية الاختلاف، والبحث عن عملية من التطور والارتقاء المتناغم الذي يقلب ما هو مألوف ويؤدي إلى الأكثرِ توازنا وعدلًا. أمعنتْ في تحليلاتها النقدية للبنية الذكورية التراتبية، وتوغلت في استجواب قسمتِها غير العادلة، وراحت تكسرُ الصمتَ وتخترقُ أجواءَ المسكوت عنه، حتى قيل إنها تولدت عن عملية إعطاء أسماءٍ لمشكلات لا اسم لها وعنونة مقولات لا عناوين لها.
الفلسفة النسوية أعمق من مجرد المطالبة بالمساواة مع الرجال. فلا بد من استجواب تاريخ العقل البشري والسياق الحضاري؛ لسبر أعماق التهميش الطويل الذي نال المرأة، وإثبات إلى أي حد كان جائرًا وخاسرًا؛ تمهيدًا لاجتثاثه من جذوره. لا بد من إعادة اكتشاف النساء لأنفسهن كنساء، لذواتهن المقموعة، وإثبات جدوى إظهارِها وإيجابياتِها وفاعلياتِها، وصياغة نظرية فلسفية للهوية النسوية. الفلسفة النسوية حرثٌ للأرضية العقلية، واستنباتٌ لبذورٍ لم تُبذَر من قبلُ. تقدمت بمنهاج لإعادة تأريخ الفلسفة القديمة والوسيطة والمحدثة للإجابة عن تساؤلات لم تطرح فيما سبق، ثم تقديم رؤى أنثوية متكاملة.

ألق «النسوية الإسلامية»
• وما تقييمك لجهود الباحثات العربيات في مجال الفلسفة النسوية، التي هي فرع فلسفي أكاديمي ينضوي تحت لواء الفلسفة؟ وما الإضافات التي قدمنها؟
▪ الفلسفة النسوية كما ذكرت من أبرز تيارات الفلسفة المعاصرة والراهنة، وبالتالي فرضت نفسها على الباحثات والباحثين في الفلسفة شرقًا وغربًا. تدفقت الدراسات والرسائل الجامعية في الفلسفة النسوية. وأنا شخصيًّا أشرفت على اثنتي عشرة رسالة ماجستير ودكتوراه في الفلسفة النسوية.
أما الإضافة العربية التي ينبغي أن نتوقف عندها فهي ظهور تيار أو مدرسة «النسوية الإسلامية»، بفضل رائدتين عظميين هما بنت الشاطئ/ الدكتورة عائشة عبدالرحمن (1912- 1998م) والدكتورة منى أبو الفضل (1945- 2008م).
وقد اهتمت منى أبو الفضل اهتمامًا بالغًا بالنسوية من منظور حضاري إسلامي، في تعامله مع ظواهر العمران التي يدخل في نسيجها قضايا المرأة والأسرة والجنوسة/ الجندر. رسمت معالم نسوية إسلامية ذات نهج إصلاحي لواقع المرأة المسلمة، وقدمت نظام الأسرة الإسلامي للعالم كنموذج يُحتذى في إرساء دعائم التنشئة للأجيال. إنها ترفض المنظور الغربي الذي يجعل المرأة في حد ذاتها مبتدأ وغاية، فاصلًا إياها عن الأسرة وعن المجتمع، جريًا على منوال الفردية المطلقة في الغرب. ترفض أيضًا رؤية تراثية نازعة إلى نفي وتهميش المرأة.
هكذا اتخذت منهاجًا نقديًّا في التعامل مع الفكر النسوي المطروح سواء في الغرب أو في التراث السلفي. وفي تشييد نسوية إسلامية، ارتكزت منى أبو الفضل على شمولية المقاربة القرآنية لأنطولوجيا المرأة، فقد تعددت مستويات الخطاب القرآني للمرأة كأنثى.. كفتاه.. كزوجة.. كأم.. كابنة.. كعابدة.. كقانتة.. كمارقة…. إلى آخر المواقف الوجودية للمرأة.
أسست منى أبو الفضل «جمعية دراسات المرأة والحضارة» التي تهدف إلى التوعية الفكرية بهذه النسوية الإسلامية من خلال البحوث والندوات والأنشطة التدريبية، والمنشورات. وأصدرت «مجلة المرأة والحضارة»، وبمشاركة رعيل من الباحثين السائرين في هذا الاتجاه، ناقشت المجلة قضايا من قبيل: الريادات النسوية في النهضة الإسلامية، الأنوثة والجسد الأنثوي من خلال محددات السياق الثقافي والاجتماعي الإسلامي، المعرفة النسوية بين المنظور الإسلامي والمنظور الغربي، أوقاف النساء على مدى التاريخ الإسلامي كمدخل لإسهامهن في العمران، وكذلك في عمليات بناء المعرفة، والاندماج في شبكة العلاقات السلطوية والسياسية القائمة. تمثل الأوقاف نموذجًا إسلاميًّا للتنمية البشرية، ومثالًا تطبيقيًّا لدراسات الجنوسة من المنظور الحضاري/الثقافي.
عقدت جمعية المرأة والحضارة أول مؤتمر لها في مارس عام 2000م، تحت عنوان «بنت الشاطئ: خطاب المرأة أم خطاب العصر». فقد عدّتها منى أبو الفضل شاهدة على روح العصر، ونموذجًا للمرأة المسلمة العالمة الواعية بهويتها والفاعلة فيما يدور حولها في العالم الإسلامي، أدت دورًا في إحياء تراث أمتها وبناء علومها وإعادة بناء وعيها والدفاع عن قضاياها. ثم أشرفت منى على تحرير الكتاب الذي ضم أوراق المؤتمر: «بنت الشاطئ: خطاب المرأة أم خطاب العصر؟: مُدارسة في جينالوجيا النخب الثقافية»، إصدار جمعية دراسات المرأة بالقاهرة وجامعة قرطبة بفرجينيا، 2010م.
كان من الضروري أن تتجه أبو الفضل نحو بنت الشاطئ التي سبقتها في طريق تجديد المناهج، وكانت بحق «نسوية إسلامية فريدة». وهذا عنوان دراسة لي منشورة في كتاب «منهجيات راهنة نحو المستقبل»، ومحاضرة ألقيتها في جامعة فردريش ألكسندر بألمانيا عام 2022م.
تجسد بنت الشاطئ النسوية الإسلامية، كنظرية وكتطبيق؛ فهي المرأة المسلمة التي حررت نفسها عن طريق الإسلام. سيرتها فصولٌ في ملحمة تحدٍّ لأوضاع الصورة التقليدية للمرأة المسلمة القاصرة على المنزل والحياة الخاصة، وانتصار صورة حداثية تجمع بين المجالين الخاص والعام، تمثيلًا لفاعليات ناشطةٍ جادةٍ مُنجزةٍ، حققت حضورًا عالميًّا، وأُجريتْ رسائل جامعية حول إنتاجها في أنحاء العالم، احتلت موقعها بين أبرز علماء الإسلاميات في القرن العشرين، نسوية وقبلًا مسلمة. جسدت بنت الشاطئ النسوية الإسلامية، كفكرٍ وممارسة، كنظريةٍ وتطبيق، كحلمٍ وواقع.

تفكيك بنيات الهيمنة
• لِم نشهد طفرة مهمة في عدد الباحثات المشتغلات بالفلسفة النسوية وبقضايا النوع الاجتماعي والجندر في المغرب العربي أكثر من مصر والمشرق عامةً؟
▪ اسمحي لي أن أعترض على هذا السؤال، من حيث الشكل ومن حيث المضمون. من حيث الشكل (النوع الاجتماعي) مصطلح مائع رغم شيوعه، و(جندر) مصطلح غربي اعتمد له مجمع اللغة العربية مقابلًا شديد الدلالة والمطابقة هو (جنوسة) من الأفضل استخدامه حين نتحدث بالعربية.
ومن حيث المضمون، الفلسفة النسوية والجنوسة ليستا من خصوصيات المرأة كأصناف الزينة والعطور لتقولي: الباحثات المشتغلات! إنها قضايا نضال فكري وواقع إنساني مشترك ينشغل به باحثون وباحثات على السواء. تضاعفت أعدادهم وأعدادهن في المشرق وفي المغرب معًا. الأرقام في مصر لا تقارن، جامعة القاهرة مثلًا بلغ إنتاجها العلمي عام 2025م، أي عدد الأبحاث العلمية المنشورة 9365 بحثًا، متقدمة في هذا على جامعات عالمية كبرى. والحق أني أرى الجهد ناشطًا بشكل عام. وفي المشرق العربي نجد السعودية التي كانت تستبعد الفلسفة، قد شهدت مؤخرًا طفرة فلسفية مدهشة، وباتت تستقطب أهم الترجمات والمؤلفات الفلسفية وتتوهج فيها المؤتمرات واللقاءات والأنشطة الفلسفية من جمعيات ومحاضرات وندوات. حتى في الإعلام السعودي برامج شايع الوقيان تقدم الفلسفة الخالصة للمشاهد العادي بأسلوب فائق العذوبة والرصانة معًا، لم يظفر بمثله الإعلام العربي من قبل.
0 تعليق