المقالات الأخيرة

وصفتان لتطوير علومنا السلوكية: الاطراد والتجريب

وصفتان لتطوير علومنا السلوكية:

الاطراد والتجريب

العلوم السلوكية Behavioural والذهنية Cognitive تطورت تطورًا مذهلًا في العقود الماضية، وانتقلت من كونها: تأملات فلسفية أو خواطر نفسية أو شذرات أدبية حول «الطبيعة البشرية»، إلى علوم متحاقلة (=بينية) تعتمد على: البيانات الدقيقة والملحوظات المتراكمة والأدلة الصلبة، بما في...

«رغم أنهم قد أحبوا، فـإنهم قتلوا أحبــــابهم»

«رغم أنهم قد أحبوا، فـإنهم قتلوا أحبــــابهم»

في بداية علاقتي بالكتابة، كانت جملة «اقتل أحباءك» أو «اقتلوا أحباءكم»، Murder your darlings التي سمعتها على لسان العديد من أصدقائي الكتاب، وتعبر عن اتجاه متقشف في الكتابة من دون زخارف جمالية، والتي قالها الروائي الأميركي وليم فوكنر لإرنست همنغواي، سواء في سياق مباشر...

العبودية الفكرية الحديثة: بين أوهام التحرر وهيمنة الخطاب الدولي قراءة في تواشج القانون والمعرفة والسلطة

العبودية الفكرية الحديثة: بين أوهام التحرر وهيمنة الخطاب الدولي

قراءة في تواشج القانون والمعرفة والسلطة

في عالم اليوم، يعيش الإنسان حالة متناقضة من الحرية المقنّعة؛ فهو يخال نفسه حرًّا بينما تتسلل القيود الخفية إلى وعيه عبر الخطاب المؤسسيّ، والشاشات، وسائل الإعلام، والشبكات الاجتماعية، والبرامج التعليمية، والقوانين الدولية التي تُعرض كمعايير مطلقة. هذه الظاهرة، التي...

«كيفك أنت زياد الرحباني» لإبراهيم عبدالفتاح طفل ينظر إلى العالم من نافذة مائلة

«كيفك أنت زياد الرحباني» لإبراهيم عبدالفتاح

طفل ينظر إلى العالم من نافذة مائلة

تصنف منشورات بتانة كتاب «كيفك أنت زياد الرحباني» للشاعر إبراهيم عبدالفتاح، الصادر حديثًا، أنه كتاب «سيرة». فهل كتب الشاعر المصري سيرة الموسيقار الراحل؟ أم إن إبراهيم عبدالفتاح يكتب سيرته التي ربما تقاطعت في بعض جوانبها مع حياة زياد الرحباني؟ انتفت تساؤلاتي بعد قراءة...

حين يُنصت الشعر إلى نفسه… ويطمئن العالم

حين يُنصت الشعر إلى نفسه… ويطمئن العالم

ما مستقبل الشعر؟ لا يسأل المرء عن مستقبل ما لم تتزعزع ثقته به، ولا يتأمل مصير ما لم يُخَيَّل إليه أن الظلال بدأت تُزاحم الضوء؛ لذلك يبدو سؤال مستقبل الشعر أشبه بقلق طارئ، أو رعشة خاطفة تصيب يدًا تمسك بقنديل لم يُطفأ يومًا، حتى حين بدا وهجه ضعيفًا في أعين من ظنوا أن...

المرأة والسلطة

رهانات كتابات الذات النسائية العربية في القرن العشرين

بواسطة | مارس 1, 2026 | مقالات

شهدت الحركة النسوية العربية(1)، والمصرية على وجه التخصيص، مسارًا طويلًا من النضج والتبلور، بدأت إرهاصاتُه الأولى تتشكل منذ نهايات القرن التاسع عشر؛ لتكتمل اكتمالًا واضحًا في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين. في أصل هذا النضج، يبرز سياق تاريخي سياسي، حيث تغدو مسألة الحداثة والنهضة العربية واسعة الحضور في كل مكان، في مواجهة التفوق الساحق تقريبًا للغرب القوي، الذي قدم نفسه كنموذج وعدو حقيقي في مخططاته الإمبريالية.

ولمواجهة هذا التحدي التاريخي الكبير، أدرك نخبة المثقفين العرب، الحاجة المُلِحّة إلى ضرورة إعادة الهيكلة على المستويات كافة: سياسيًّا واجتماعيًّا وتعليميًّا. باختصار، كان العصر عصر إصلاحات وتغييرات قومية. وكانت قضية الهوية العربية الإسلامية بكل مضامينها وموضوعاتها، وبخاصة ما اتصل منها بوضع المرأة، على المحك وفي جوهر هذا النقاش المُحتدم. ومن ثم، فإن سؤال النسوية لم يكن في واقع الأمر سوى ارتباطٍ بالتحدي التاريخي نفسه. وأصبح تمكين المرأة وتحريرها شرطين ضرورييْنِ لنجاح الإصلاح الاجتماعي.

وفي الواقع، خلال الهزيع الأخير من حقبة العشرينيات، وبفضل تفعيل قرار تعليم الفتيات، أضحى سفور المرأة العربية وبروزها علنيًّا أمرًا بديهيًّا، فقد شهدت هذه الحقبة بروز العديد من الكاتبات، وبخاصة الصحفيات الفاعلات، اللائي خرجن من طور الصمت والنسيان، وحققن مرئية اجتماعية باهرة. فقد كان هذا الظهور الثقافي إضافة إلى نشأة الصالونات الأدبية وتأسيس المجلات النسائية، علامة دالة على تغيير اجتماعي لا هوادة فيه؛ إذ كان هناك ما يقارب 30 مجلة نسوية إبان الثورة القومية المصرية سنة 1919م.

مي زيادة

وفي هذا السياق الاجتماعي الذي انصهرت المرأة خلاله في النسيج الاجتماعي والثقافي، يمكننا أن نُشير إلى مجموعة من الناشطات النسويات على غرار: هدى شعراوي(2) (1879-1947م) وهي مناضلة وطنية ورئيسة الاتحاد النسائي العربي. تراوح في أثرها المُذكراتي بين التركيز على تجربتها السياسية ونضالها الوطني ضد المُستعمر، إضافة إلى رؤيتها النسوية. وملك حفني ناصف(3) (1886-1918م) وهي كاتبة واسعة الاهتمامات، مثَّلت أنموذج النسوية المُثقفة الجديرة بكل احترام. ونبوية موسى(4) (1886-1951م) تُعَدُّ أول مصرية تُحرز شهادة الباكالوريا سنة (1907م) التي كانت ممنوعة على الإناث، سخّرت حياتها لأجل التعليم والتأسيس لركائز نهضة تعليمية أنثوية. ومي زيادة(5) (1886-1941م) من أصول لبنانية، استقرت مع عائلتها بمصر، كانت تُدير صالونًا أدبيًّا (1912-1932) استقبل أبرز رجالات الثقافات والفكر في تلك الحقبة.

وأما الجيل الثاني الذي واصل الاشتغال ضمن الخط النضالي نفسه، فأبرز ممثلاته «لطيفة الزيات»(6) (1923-1996م) جامعية يسارية وروائية، «نوال السعداوي»(7) (1931-2021م) كاتبة ثورية وطبيبة اختصاص، تُجسد اليوم -لكثير من الأصوات المحافظة- أنموذج النسوية المتكبرة والمغرورة. ولا تزال كتاباتها الجريئة ضد واقع التمييز واللامساواة تُثير حفيظة المحافظين في العالم العربي.

إن الكتابات الذاتية لهؤلاء الكاتبات والناشطات النسويات (سير ذاتية، مُذكرات، شهادات، إلخ) تكشفُ لنا مسارًا متميزًا واستثنائيًّا لهن؛ لأن التجارب التي تُسرَد هي في الواقع علامة دالّة على مرحلة تميزت تاريخيًّا بطفرة هائلة كانت زعزعةً لعالم مُحصّن متقوقع على ذاته، وتوطين أنموذج مجتمعي جديد يتلمسُ طريقه نحو الحداثة، فكان بذلك التحدي التاريخي كبيرًا.

ومن هذا المنظور، كانت مهمة الكاتبات المذكورات آنفًا، إعادة النظر في وضع المرأة وتموقعها، والتفاوض بشأن أدوارها الاجتماعية، وهو الأمر الذي جعلهن يُجدفْن ضد تيار الأعراف المُترسخة في العقليات المتكلسة، وبخاصة العقلية الذكورية.

إن مجموعة كتابات الذات الأنثوية تقدم نفسها على نحو رئيس، بوصفها في المقام الأول تُشكلُ تحدِّيًا مُبهرًا للذات في مواجهة نفسها، ولكنها أيضًا تُمثلُ تحديًا في مواجهة تاريخ جديد، لا تزال معالمه تتشكلُ لكن بمشاركة فعّالة للمرأة هذه المرة. وكان للرهان السياسي دور حاسم في هذه المرحلة المفصلية، بوصفه محددًا لموازين القوى بشكل عام، وبين الجنسين بشكل أخص. فتجربة الممارسة السياسية كانت الاختبار الفعلي للعالم الذي كان حتى ذلك الوقت حكرًا على الذكور دون غيرهم.

العلاقات مع دوائر السلطة

في كتابها المُذكراتي، تركز هدى شعراوي النظر على تجربتها السياسية الحافلة والنشيطة بوصفها سيدة مُنتميةً من خلال أصولها الأمومية، إلى الطبقة الأرستقراطية التركية، وكانت تتردد على أميرات العائلة المالكة وسيدات المجتمع المصري الراقي خلال العقد الأول من القرن العشرين. فقد كانت منخرطة فعليًّا ضمن جمعيات خيرية نسائية وهو ما أهَّلَها للانتماء إلى دائرة الفاعلين والمثقفين الذين شكلوا إرهاصًا أوليًّا للحركة النسوية، عبر النقاشات التي كانوا يخُوضونها حول الثقافة الذكورية والعمل على تعزيز المكانة الاجتماعية للمرأة العربية.

وقد تجسدت هذه الحساسية النسوية خلال الأحداث السياسية والتحركات المناهضة للاستعمار سنة 1919م، حيث وجدت شعراوي فرصة التعبير عن نفسها ضمن إطار سياسي مؤسسي مُتمثلًا في «حزب الوفد» الذي كان يُمثِّلُ حينئذ أقوى جبهة قومية. وقد شجعها على ذلك زوجها «علي شعراوي» الذي كان يفوقها سنًّا بقرابة الأربعين سنة، والذي كان أحد قيادات حزب الوفد، عندما أوكل إليها مهمة حشد الجماهير النسائية وتعبئتها لدعم التحركات الاحتجاجية «الوفدية» سنة 1919م. يومها كان الأرستقراطيون في سياراتهم يُلوحون بالعلم المصري، والنساء من عامة الشعب، اتحدوا جميعًا من أجل قضية واحدة: الاستقلال الوطني.

ولأول مرة في تاريخ مصر، تتجرأ النساء على النزول إلى الشارع سافرات دون حجاب، يهتفن ويعبرن عن غضبهن من نفي بعض زعماء «الوفد» في مالطا على غرار «سعد زغلول» زعيم الحزب. وقد تحدَّثَت شعراوي ضمن مذكراتها عن تفاصيل هذه التظاهرة غير المسبوقة في تاريخ بلادها، مُركزة على ما أبدته النساء المحتجات حينها من وحدة وشجاعة وتماسك؛ لذلك يُمكننا القول: إن المظاهرات النسائية، في هذا السياق كانت المرادف للانكشاف والبروز إلى العلن، وإضفاء طابع رسمي لمُنجز فئة اجتماعية ظلت تعاني الرفض والتجاهل طويلًا. ولذلك كان الأمر يتعلق بالانتشار والبروز ضمن الفضاء الكتابي نفسه، وتمثيل مساحة اجتماعية جديدة، أين يكون البوح بمشاغل الذات الأنثوية، وبذلك إدراكها والاعتراف بها. إضافة إلى ذلك، أدرجت الكاتبة ضمن مذكراتها المراسلات التي كانت تبعث بها بالتوازي إلى النساء الأجنبيات؛ لتوعيتهن بالظلم الاستعماري وخطره. وفي عام 1920م قررت هدى شعراوي تأسيس «لجنة الوفد المركزية للسيدات» التي ترأستها بأغلبية الأصوات.

لقد جرى صياغة وتطوير برنامج سياسي اجتماعي كامل بهدف توجيه النشاط السياسي النسائي، بحيث لا يقع تذويبه ضمن إستراتيجيات النضال الذكوري، التي لم تكن دائمًا مقنعة ومفيدة. فقد كان برنامج المرأة مُوجهًا نحو لعبِ نشاط سياسي مناهض للاستعمار يرتكز أساسًا على (صياغة العرائض، مقاطعة المنتجات الأجنبية، تطوير الإصلاحات التي من شأنها التأثير في الدستور، الانخراط في الجدل السياسي في الصحف)، وتنفيذ مشروعات ملموسة تهدف إلى تحقيق نهضة اجتماعية طويلة المدى على غرار بناء المدارس والمنشآت الصحية لمساعدة الأسر الفقيرة… وتتأتى موارد تمويل هذه المشروعات على نحو أساسي من خلال الهبات والتبرعات التي تُجمَع داخل الجمعيات النسوية والتي يُساهم بالقسط الأوفر فيها أعضاؤها الأثرياء والأميرات وسيدات المجتمع الراقي، يضاف إليها المشاركات التطوعية لإطاراتها من أطباء ومُدرسين…

سيرة تُقاوم الوصاية

تُصور هدى شعراوي ضمن مذكراتها، بفخر لا مثيل له، المسار الذي قطعته بوصفها ناشطة نسوية، فضلًا عن التضامن النسوي في محيطها، الذي تجسد فيما حُشِدَ من نساء لأجل القضية الوطنية. هذه «الأنا» الأنثوية، التي يدعمها توسع دائرة إشعاعها، والمفتونة بفذاذتها، التي تدفعها إلى مرتبة «الفاعل التاريخي»، تعيد رسم معالم هوية جديدة تناضل من أجل تحرير نفسها من الوصاية الذكورية.

إنها هوية تتشكل من خلال الحدث التاريخي وعبره. وفي الواقع، لا تُشكلُ المذكرات هنا، فقط شهادة أصيلة، تعيد بناء الحقائق التاريخية، التي من المحتمل أن تتعرض إلى التزوير أو الطمس من خلال مؤسسة التاريخ الرسمي. بل يحظى النص المُذكراتي بسلطة أيديولوجية حقيقية؛ لأنه يسلط الضوء على صوت امرأة قوية تُجادل الخيارات السياسية والمخططات الأيديولوجية في عصرها. فكاتبة المذكرات، في مراسلاتها مع سعد زغلول المدرجة طي المذكرات، تقلب قيم التراتبية الذكورية، حيث يعلو صوتها في نبرة من التفوق الواضح، على صوت القائد، المنتقد والمتموضع في سياق المكائد. وتُحبط التجاوزات السياسية التي تُغلب المصلحة الشخصية للرجال على القضية الوطنية النبيلة. وبالتالي، تمكينها من المساهمة في حركة التحرر الوطني ومنحها مرئية تاريخية مشروعة، مما رفعها إلى مرتبة المواطنة.

هدى شعراوي

ومنذ سنة 1923م، بلغت هذه المرئية مستوى جديدًا، وأصبحت ذات بعد عالمي. ونالت الاعتراف، خارج الحدود الوطنية، بمكانتها زعيمةً نسويةً، حيث مثلت كل من هدى شعراوي صحبة نبوية موسى وسيزا النبراوي مصر في مؤتمر الاتحاد النسائي العالمي الذي عُقد في روما سنة 1923م. حيثُ كن سفيرات المرأة الشرقية لدى المجتمع النسوي الغربي. وكان الهدف الأسمى لهذه الرحلة هو إزالة الغموض والصورة النمطية المُحيطة بالمرأة الشرقية، والتعريف بالقضية الوطنية، والعمل من أجل إرساء السلام العالمي.

وبهذه المناسبة روت لنا كاتبة المذكرات كيف خطرت لها فكرة تصميم علم لبلادها، حيث كان الهلال متشابكًا مع الصليب، وكوفئت هذه الفكرة الرائعة بوضع العلم المصري بجانب منصة الوقوف وعلى يسار العلم الإيطالي. وفي وطنها، استُقبلت هدى شعراوي كبطلة نسوية، وأسست أول جمعية «الاتحاد النسائي المصري». وفي سنة 1928م أصدرت مجلة باللغة الفرنسية: «l’égyptienne» للتحدث عن أوضاع المرأة المصرية وما تشهده من تطور. وواصلت هدى شعراوي مناصرة القضية النسوية، من خلال مزيد المشاركة في المؤتمرات النسوية العالمية: فيينا، واشنطن، برلين، باريس… وهو ما جعلنا بذلك نشهد نهضة حقيقية للمرأة العربية الحديثة.

التفاوض بشأن السلطة الرمزية

ماذا تعني كتابة المذكرات بالنسبة لامرأة مثل هدى الشعراوي؟ هل هو ببساطة تأثير المرآة حيث تنعكس التجربة على فعل الكتابة؟ أم إن عملية التدوين هذه ستؤهلها لأنْ تكون الشاهدة البسيطة التي تدلي بشهادتها للتاريخ؟

في الواقع، الكتابة هي فعل. وهذا الفعل ليس أمرًا ساذجًا أو اعتباطيًّا على الإطلاق، بل هو فعل مقنن اجتماعيًّا وثقافيًّا. فطيلة حقبة طويلة، في المجتمعات الأبوية، لم يكن الدور الأساسي للمرأة هو الكتابة، بل كانت في أحيان كثيرة ممنوعة من ذلك. فضمن بنية الهيمنة الذكورية(8)، تمنح علاقات القوة، التي تحكم توزيع الأدوار الاجتماعية أو ما يعرف بالأدوار الجندرية، الرجل امتياز الكتابة والبلاغة، وتقرن المرأة بصفتي الصمت أو الثرثرة. فالكتابة بذلك هي امتياز ذكوري محض، عادة بوصفه آلية ناقلة لسلطة ذات أهمية كبرى تُعرف بـ«السلطة الرمزية»، التي يُشبهها بيار بورديو بالقوة شبه السحرية، ويُعرفها بقوله: إن لها «القدرة على تشكيل المعطى عن طريق العبارات اللفظية، ولها القدرة على الإبانة والإقناع، وإقرار رؤية مخصوصة حول العالم أو تغييرها، ومن ثم هي قدرة على تحويل التأثير في العالم»(9).

وبالتالي فإن الكتابة هي أحد مظاهر الانتظام الأيديولوجي، بل حتى المُناورة؛ إذ تهدف إلى الإحاطة بأنماط التمثلات الاجتماعية السائدة، وذلك في علاقة محددة المعالم، بحسب بورديو، حيث يكتسب المهيمن صاحب السلطة طابعًا شرعيًّا في نظر الخاضعين له.

إن أخذ المرأة القلم والشروع في تدوين مذكراتها ليس مجرد بروز وانكشاف بالنسبة إليها، بل هو ضرب من التحدي التاريخي الجسور؛ لأنه يفترض الإطاحة بنظام اجتماعي مستفحلٍ. والأكثر من ذلك، أنه يُظهر روح التمرد الأنثوية، التي تغامر بالتفاوض، ومحاولة إعادة تقييم موازين القوى بين الجنسين. وبما أن القوة البلاغية المولدة للسلطة تبقى، حسب بورديو، محصورة في علاقة مؤسساتية، وليس في أداء لغوي فقط، فقد لحظنا أن الملفوظ التذكري لهدى شعراوي كان يواجه باستمرار «معامله الرمزي السلبي»: هل يمكن للكتابة النسائية تأكيد ذلك على نحو كامل وسلمي من دون أي تحفظ على هذا النحو في بنية ذكورية مهيمنة لا تزال غير معترفة بأي شرعية أنثوية؟ من هنا يأتي واجب الإقناع والسعي إلى إيجاد هذه الشرعية المنتهكة والمتنازع عليها في الخطاب نفسه.

وهو ما يُفسرُ إدانة الكاتبة لانحراف التواطؤ الذكوري. وبالفعل فبعد تشجيع النشاط النسوي والإشادة به، انقلب الزعماء السياسيون بأن رفضوا حق المرأة في التصويت أو تعديل الدستور، وهذا ما يجعل من النشاط النسوي في عرضة دائمة للسطو أو المصادرة أو المنع. ويُمكن في هذا السياق قراءة صراع الأفكار بين سعد زغلول وهدى شعراوي على أنهُ صراع رمزي حول سلطة ما، تجعل من الحوار أمرًا غير ممكن.

إن الممارسة الكاملة للسلطة الأنثوية الرمزية ظلت دائمًا رهينة هشاشة السياق التلفظي النسائي، وتهميش بنية الهيمنة الذكورية له. إن مواجهة المكائد الذكورية المُضمرة، بما يتجاوز الإجماع الوطني، غذت التحدي النسوي، وستجعل كاتبة المذكرات تُعيد اكتشاف إمكاناتها الحقيقية وحدودها، والعمل على نحت صورة رومانسية لأيقونة قومية نقية وشديدة. وقد وظفن «جان دارك» توظيفًا إستراتيجيًّا مثل الاحتفاء بتمثيلية نسائية عالمية عابرة للحدود الجغرافية والثقافية. ويعمل الفضاء الكتابي هنا كعالم ضد، وبديل للعالم الحقيقي المسكون بالعنف الذكوري؛ ليشكل ملاذًا أنثويًّا آمنًا، حيث تستخدم الكاتبة عبقريتها الاحتجاجية للتغلب على مظاهر الوهن والسلبية الأنثوية التي تغمرها، ومحاولة التأسيس لهوية أنثوية بديلة سمتها الإيجابية، التي تستخدم التراكم الأنثوي المرجعي الذاتي، لتشكل نفسها كثقافة فرعية، تفتح في بنية الهيمنة الذكورية ثغرة قادرة على إعادة النظر في مجال التمثيلات الاجتماعية السائدة.

خاتمة: بين الفخر والحرمان

تكشف مذكرات هدى شعراوي، والكتابات السيرية الذاتية لمن جايلْنَها، عن شعور عميق للمرأة بالضيق القاتل على المستوى العلائقي والحميمي. وفي الواقع، فإن الرؤية «الذكورية» للعالم أدت بشكل أو بآخر إلى زعزعة استقرار زخم النساء المتحررات واندفاعهن، حيث كان يُنظر إليهن أحيانًا على أنهن منافسات شرسات، وأحيانًا ككائنات مُسخت أنوثتها. وقد أسهمت إعادة توزيع الأدوار الاجتماعية إلى إرباك معايير الهويات الجندرية: المذكر/ المؤنث.

بل أدت إلى زعزعة استقرار الرجال أنفسهم، حيث واجهت النساء مأزقًا: بين الخضوع إلى أنوثة تقليدية، عفا عليها الزمن، عمقت من حيرتهن، وبين تبني هوية جديدة مُتطورة، ولم يعد أمامهن من خيار. وهو ما أفرز نماذج نسائية مختلفة: نساء متحررات، نساء ممزقات حائرات، يواجهن قصصًا من الاغتراب: هدى شعراوي لم تعش أبدًا مرحلة هناء مع زوجها، ونبوية موسى اتخذت مظهرًا ذكوريًّا رافضة الزواج، بينما رأت نوال السعداوي أن الأنوثة هي أسوأ لعنة يمكن أن تلحق بها. وأما الفلسطينية فدوى طوقان (1917- 2003م)، فقد مارست ضربًا من الرقابة الذاتية على نفسها في سيرتها الذاتية، والجميلة مي زيادة كادت أن تنهي حياتها في مصحة، حيث عاشت وحيدة بلا زوج، وبلا أطفال عندما انسحب عظماء القرن من صالونها وحياتها، ولم يتركوا لها سوى سراب صورة شاعرية، لا يمكن إلا أن تجعل من طريقها الحتمي نحو الشيخوخة والموت أمرًا لا يطاق.


المصدر:

Des lettres et des femmes.. la femme face aux défis de l’histoire, éd.Peter Lang AG, I nternatioal Academic Publishers, Bern 2013, (Coll.Espacios Literarios en contacto, dirigée par Anels Santa).


هوامش:

(1) هدى شعراوي، «مذكرات رائدة المرأة العربية الحديثة هدى شعراوي»، دار الهلال، 1981م.

(2) صحفية وكاتبة نسوية مصرية، كانت توقع مقالاتها باسم «باحثة البادية»، أثرها الأكثر شهرة معنون بـ «نسائيات»، نُشر الجزء الأول منه سنة 1910م والجزء الثاني سنة 1925م.

(3) بدأت نبوية موسى نشر مُذكراتها انطلاقًا من سنة 1937 م في مجلة الفتاة، ثم جمعت هذه النصوص لاحقًا ونُشرت ضمن الكتاب الـمُعنون بـ «تاريخي بقلمي».

(4) ألفت «مي زيادة» ثلاثة كتب ببليوغرافية: (باحثة البادية، 1920م)، (عائشة التيمورية، 1926م)، (وردة اليازجي، 1926م).

(5) سيرتها الذاتية تحمل عنوان «حملة تفتيش أوراق شخصية»، مكتبة الأسرة، 2004م.

(6) أثرها السيريّ الذاتيّ يقعُ في ثلاثة أجزاء، ويحمل عنوان «أوراقي.. حياتي»، دار الآداب، 2000- 2001م.

(7) المبدأ النهائي لهذه العلاقات المفردة التي لا حصر لها من الهيمنة/ الخضوع، التي تختلف في شكلها اعتمادًا على التموقع في الفضاء الاجتماعي للفاعلين المعنيين -أحيانًا هائلة ومرئية، وأحيانًا مجهرية وغير مرئية تقريبًا، وبناء على ذلك، فهي إما أن تكون قائمة على التجانس والاتحاد من الجانب الأسري- وإما قائمة على الانفصال والتوحد، في كل من العوالم الاجتماعية، لكل من الرجال والنساء، وبالتالي يحافظون بينهم على خط الحدود (الصوفية) الهلامية الدقيقة الذي تحدثت عنه فيرجينيا وولف.

(8) Pierre Bourdieu, La domination masculine, Paris, Seuil, 1998, p.115.

(9) لمزيد الاطلاع على الكتابات النسائية العربية في عشرينيات القرن الماضي، انظر المؤلف الجماعي: «النساء العربيات في العشرينات: حضورًا وهوية»، تجمع الباحثات اللبنانيات.

المنشورات ذات الصلة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *