لا يزال فن شادي عبدالسلام (1930-1986م)، يثير الاهتمام داخل مصر وخارجها. ولا تزال أعماله مادة غنية للباحثين والدارسين وأساتذة الفن في مختلف المعاهد والجامعات العلمية. وعلى الرغم من ذلك فإن أفلام شادي عبدالسلام، المخرج والسيناريست ومصمم الأزياء والديكورات، لم تستنفد بعد معانيها. بل إنَّ تراث عبدالسلام قد بدأ يغشاه النسيان. على الرغم من أنَّ غاية هذا التراث لم تكن إلا رفع النسيان عن الهوية المصرية الفرعونية وإعادة دمجها في الوعي الجمعي المصري المعاصر. وربما بسبب استشعارها خطر هذا النسيان احتفلت وزارة الثقافة المصرية يوم الحادي عشر من ديسمبر 2024م بفن شادي عبدالسلام.
يسلط هذا المقال الضوء على أحد أهم أفلام شادي عبدالسلام: «المومياء: يوم أن تُحصى السنين» إنتاج 1969م. يفكر عبدالسلام بأفلامه، عمومًا، وبفِلمه هذا خصوصًا في قضايا مثل الهوية والذاكرة والنسيان. وهي قضايا كانت مثار جدل كبير بين أقطاب النهضة المصرية أمثال: طه حسين، والعقاد، وتوفيق الحكيم؛ حتى إنَّ نجيب محفوظ في أوج حماسه، آنذاك، كتب ثلاث روايات مستوحاة من تاريخ مصر الفرعوني: «عبث الأقدار» 1939م، «رادوبيس» 1943م، «كفاح طيبة» 1944م. وربما تكون مثل هذه التساؤلات قد طفت على السطح مرة أخرى في أثناء هزيمة عام سبعة وستين، قبيل إنتاج فِلم «المومياء» مباشرة. فجذبت، من جديد، قوس الهوية على اتساعه.
الفِلم مَبْني على قصة حقيقية أبطالها قبيلة (عبد الرسول) في الدير البحري جنوب مصر الذين عثروا على مخبأ مومياوات الأسرة الحادية والعشرين المجهول، وتستروا عليه لسنواتٍ طويلة بهدف الاتجار في محتوياته. غير أن سرهم كُشف عام 1881م وقُبِضَ عليهم، ونُقِلَت محتويات المخبأ كاملة إلى المتحف المصري بالقاهرة. يوظف شادي عبدالسلام هذا الحادث حيث البحث عن مخبأ المومياوات يغدو بحثًا عن الهوية المصرية القديمة.
بداية الفِلم والإلحاح على التذكر
يفتتح فِلم «المومياء» قصته بصوتٍ مهيب يتمتع بنبرات خاصة يتردد صداه كأنه صوت الأبدية يتلو السطور الأتية من كتاب «الموتى»:
«لكَ الخشوع يا رب الضياء. أنتَ يا من تسكن في قلب البيت الكبير. يا أمير الليل والظلام. جئت لكَ روحًا طاهرًا. فَهب لي فمًا أتكلم بهِ عندكَ. وأسرع لي بقلبي. يوم أن تتثاقل السحب ويتكاثف الظلام».
وهنا، بالضبط، يتوقف الصوت الجليل، وتتغير نغمته ويزايله الصدى فنعرف فيه صوت الضابط أحمد أفندي كمال الذي يُكمل بصوته الآيات قائلًا:
«أعطني اسمي في البيت الكبير، وأعد إلى الذاكرة اسمي يوم أنْ تُحصى السنين».

هذي المراوحة، في مفتتح الفِلم، بين صوتين أحدهما مظهر للجلال القادم من الماضي، والآخر مظهر للفاني فينا، يُوقعان في خيالنا اتصالهما المنفصل. فهما معًا الماضي المُلتبس بالحاضر، أو حاضر الماضي الذي نعيشه دون أن نفرق في معاناته بينهما. فكأن الصوت الأول يتردد صداه من الأبدية فيتصل ويتواصل في صوت الضابط. مثلما تتصل في شخصهِ مهمة البحث عن مخبأ المومياوات المفقود. فهو الذي سيتمكن من استرداد الوديعة الثاوية في بطن الجبل في الدير البحري. أعني مخبأ الأسرة الحادية والعشرين الذي أيأس الباحثين عنه من العثور عليه.
ثم إننا سنلحظ، من ناحية أخرى، أن السطور التي أكملها الضابط بصوته حريصة كل الحرص على تذكر الاسم، مفتاح سر التاريخ الشخصي للمتوفى. فالروح التي لا تنجح في تذكر اسمها في العالم الآخر تظل هائمة بلا مستقر ولا مثوى. ولكنها تظل، فوق هذا، بلا هوية. قد لا يتذكر الميت اسمه حال بعثه، وبالتالي لن يعرف من هو. سيكون مجرد جسد بلا رأس، بلا ذاكرة؛ لذلك فالمصري القديم مهموم بشيئين جوهريين: استرداد قدرته على الكلام «فَهب لي فمًا أتكلم بهِ عندك»، واسترداد هويته «وأعد إلى الذاكرة اسمي، يوم أن تُحصى السنين». ونحن نعلم أن اسم العلم يقع في القلب من الهوية الشخصية. ولا نستطيع أنَّ نتصور، من ثمَّ، شخصًا بلا اسم. فبدون الاسم يصبح وجود الشخص في حكم المعدوم.
وبقراءة البردية في مفتتح الفِلم، وبالتناوب بين الصوتين: صوت الماضي من ناحية وصوت الحاضر من ناحية أخرى، أصبح النشيد لا دعوة لبعث الميت من مرقده، ولا مجرد دعوة لعودة ذاكرته إليه وحسب. إنما دعوة لأحفاده المتفرجين المصريين إلى اليقظة من غفلة السُّبات الذي طال عليهم بنسيان حضارة أجدادهم وتاريخهم الطويل. فكأن البردية نداء لإيقاظ الذاكرة الجمعية ككل من غفلتها، ودعوة إلى استرداد الهوية المصرية القديمة. وكأن الفِلم ككل دعوة إلى جذب هذي الهوية إلى حاضرنا وبعثها من مرقدها.
غير أن البداية الدرامية للفِلم تبدأ بموت شيخ قبيلة «الحُربات» الشيخ سليم، الرجل الذي كان يحتكر وأخوه سر مخبأ مومياوات الأسرة الحادية والعشرين. وهو الرجل الذي كان يتولى بيع قِطع من محتويات الخبيئة لصالح قبيلته. وبموته انتقل سر الخبيئة، وسر الاتّجار بها إلى ابنيه. غير أن الابن الأكبر والوريث الشرعي يتنصل من الإرث، رافضًا أن يعيش «عَيش الضِّباع» كما قال. فيثور نزاع بين الابن الأكبر الذي يرفض خلافة أبيه على السر، وبين عمهِ الذي يُغضبه تمرد ابن أخيه، وأمه التي تَعُدّ موقفه إقلاقًا لراحة أبيه الذي تُوفي توًّا. ومن ثمَّ يتشتت شمل بيت شيخ القبيلة وورثته وتُنتهك حرمته، حرمة البيت المالك. وما إنْ تُشيع الجنازة حتى ينفرط عقد القبيلة ويسري فيها وعيد ملوك الأسرة الحادية والعشرين بالهلاك كما نقشوه على توابيتهم. ويصبح انفضاح سر القبيلة هو عين انكشاف سر المخبأ المجهول منذ آلاف السنين.
أصبح العمُّ الغاضب الذي يهدد ويتوعد، والابن الأكبر الثائر يختصمان في حضرة الأم، زوجة شيخ القبيلة المتوفى، وعلى مسمع من الابن الأصغر «ونيس». فكأن المشهد يحاكي مشهد خصومة «إيزيس» مع أخي زوجها «ست» الشرير. ولو دققنا النظر في المشهد فسوف يسترعي انتباهنا جِلسة الأم (الفنانة زوزو حمدي الحكيم) على كرسي يتخذ سَمتْ كرسي المُلك، بينما يختصم بين يديها الابن وعمه الشرير. ولا سيما أن العم الغاضب قتل ابن أخيه الثائر وألقى بجثته في النيل، كما فعل سِت الشرير مع أخيه أوزوريس. ولا يفلت من قبضته إلا «ونيس» ابن أخيه الأصغر الذي يساوي «حورس» في العقيدة الفرعونية القديمة، الذي يحمي ويحفظ. لكن قبل ذلك كانت الأم قد لعَنت ابنها الأكبر؛ لأنه فضح سر أبيه شيخ القبيلة المتوفى توًّا، فأقلق راحته في نومه الأبدي، وحرمه من الراحة.
مع افتضاح سر الأب وإقلاق راحته في نومه الأبدي تبدأ الراحة تعرف طريقها إلى المومياوات التي انتُهكت حرمتها وأُقلقت راحتها على يد شيخ القبيلة بانتزاع أجزاء منها وبيعها للتجار. وتبدأ -في الوقت نفسه- تتكشف خيوط التعرف إلى مخبأ المومياوات المجهول منذ آلاف السنين. فكأن المومياوات قد اقتصت لنفسها من الشخص الذي انتهك حرمتها.

عين حورس
لنلحظ أن تِتر بداية الفِلم تتصدره صورة لتمثال إحدى عينيه مطموسة. وتقول الأسطورة: إنَّ العين المطموسة هي عين حورس ابن إيزيس وأوزوريس التي فقدها في أثناء صراعه الطويل مع عمه سِتْ الشرير. العين نفسها التي استخرجها العم الشرير أخو شيخ قبيلة «الحُربات» من تابوتها بهدف الاتّجار بها. وهي العين التي توضع، عادةً، في توابيت الموتى بهدف صونها وحمايتها من المتطفلين والمعتدين. وبسرقتها من التابوت يبدأ مفعول سحرها في السريان فتحلّ اللعنة على قبيلة «الحُربات» ويتشتت شملها، ولا ينجو منها إلا «ونيس» الابن الأصغر الذي يرشد عن مكان الخبيئة في نهاية الفِلم. هي نفسها العين التي قال عنها الابن الأكبر: «قطعة من الذهب هي لك، ولكني أراها عينًا تلاحقني».
صراع الذاكرة والنسيان
تنفرد مشاهد في فِلم «المومياء» بحوارات تدور حول الهوية المصرية القديمة. ففي حوار «ونيس» مع الغريب يتحدث هذا الأخير عن «الأفندية» الذين جاؤوا من القاهرة للبحث عن أناس يقولون: إنهم يعيشون على أطلالهم، وإنهم أجدادهم. غير أن كلمة الأجداد تثير في نفس «ونيس» انفعالات شتى يضطرب لها عقله. فهو لا يعرف في الفراعنة أجدادًا له، على الرغم من أنه قضى طفولته بين أطلالهم. إنهم حتى وقت قليل مضى لم يكونوا بالنسبة إليه أكثر من حجارةٍ أو خشبًا، لا تزيد شيئًا على حجارة الجبل الذي يحيون بين هِضابه وسفوحه. فإذا هم فجأة يتكلمون وإن لم ينطقوا سواء بأحوالهم البادية في آثارهم، أو بلغتهم التي نقوشها على معابدهم وتوابيتهم، أو من خلال «الأفندية» الذين أتوا إلى ديارهم بحثًا عنهم.
غير أنَّ ما يشبه لحظة التنوير تغمر «ونيس»، البطل الذي كان لا يزال يجد صراعًا في نفسه حول حقيقة القدماء، فيصرخ فجأة قائلًا: «كفى. لقد جعلت الأحجار حية أمامي». هذه اللحظة هي التي حملت البطل -في نهاية الفِلم- على الإرشاد عن مخبأ المومياوات، منحازًا بذلك إلى واجب الحفاظ على تراث الأجداد ومتحملًا مسؤوليته تجاههم لكونه حفيدًا من أحفادهم. ولم يكن الثمن الذي دفعه «ونيس» قليلًا في سبيل النهوض بهذا العبء. فإرشاده عن مخبأ المومياوات فضح لسر قبيلته والتضحية بها وبمكانته منها، هو الذي كان مرشحًا لخلافة والده على مشيخة القبيلة؛ حتى إنَّ «ونيس» يغدو أقرب إلى مُختار أو مُصطفى اختارته الأقدار للاضطلاع بهذه المهمة. فهو الوحيد من بين قبيلة «الحُربات» الذي عرفنا له اسمًا شأن كل المصطفين الذين تُعاد تسميتهم من جديد، أو نعرف لهم اسمًا على حين نجهل أسماء الآخرين.

سحرية الصورة
تتميز الصورة في فِلم «المومياء»، بما يشبه السحر. فأنتَ إنْ نظرت إليها من زاوية فسترى فيها وجهًا، وإن نظرت إليها من زاوية أخرى رأيت فيها وجهًا آخر. فوجوه أبطال الفِلم وهي تتحرك وتفعل في حاضرها تبدو لك مثل وجوه فرعونية تتحرك وتفعل في ماضيها البعيد. الضابط أحمد أفندي كمال عندما يلمح «ونيس» واقفًا، مثلًا، يقول عنه: إنه مثل «تمثال عادت إليه الحياة». وهناك مشهد آخر يظهر خلاله جسد «ونيس» ببطء من وراء الجبل كأنه مومياء تشق الصخر وتطل برأسها. لكنه يبدو أيضًا بظهوره شيئًا فشيئًا من خلف الجبل، ثم تواريه خلفه شيئًا فشيئًا مرة أخرى، وكأنه قرص الشمس في شروقه وغروبه. وقرص الشمس أو (رَع) هو المعبود الأساسي في مصر الفرعونية. وربما أراد المُخرج أن يضعنا في قلب الحياة الفرعونية المقدسة من خلال تمثيل حركة شروق وغروب الشمس.
كما تبدو نسوة قبيلة (الحُربات) وهن متشحات بالسواد، ومن خلال لقطة «زووم أوت»، وكأنهن أهرامات صغيرة متناثرة فوق رمال الجبل مختلفة الأحجام (مشهد الجنازة مثلًا). ويبدو شيوخها وهم منتصبون متكئون على العصي وكأنهم تماثيل فرعونية منتصبة في أماكنها. إن المراوحة في التصوير، بين التصوير مِن بُعد (زووم أوت) والتصوير مِن قُرب (زووم إن)، قد حوَّل الشخصيات في بعض الأحيان إلى مجسمات تحاكي بصريًّا التماثيلَ الفرعونية المَرئية من مواقع مختلفة.

الصورة اللغة
لم يحاول شادي عبدالسلام أن يفرض أفكاره على أبطال الفِلم، وبالتالي على المتفرجين. فقد ترك عبدالسلام للصورة حرية أن تحل محل الكلام في كثير من الأحيان. إن الصورة، لا الكلام، هي اللغة الناطقة في أفلام عبدالسلام، ولا سيما فِلم «المومياء». ولم يكن ذلك بعيدًا من المغزى الذي يريد عبدالسلام توصيله. فالصورة إن أصبحت هي لغة فِلم «المومياء»، الباحث عن الهوية، مثلما أن اللغة المصرية القديمة لم تكن حروفًا، بل صورًا. واستبدال الصورة بالكلام في الفِلم هو شكل من أشكال استرداد الهوية المصرية القديمة في أكثر تجلياتها وضوحًا وعمقًا. ألا تتجلى الهوية -أولًا وأخيرًا- في اللغة وباللغة؟ فكأن الفِلم ناطق باللغة المصرية القديمة حالًا، وإن لم يكن ينطق بها واقعًا.
وتأكيدًا لهذا المعنى ابتعد عبدالسلام من المنولوجات الداخلية، والاسترجاعات. بمعنى أننا لا نطلع في أغلب الأحيان على سرائر الشخصيات، فلا نستمع إليها وهي تفكر أو تتذكر أو تصارع. إننا مدعوون، طوال الوقت، إلى قراءة انفعالات الشخصية وردود أفعالها من الخارج لا من الداخل. الأمر الذي يقلل من فرص توجيه المخرج للمتفرجين، أو إملاء أفكار أو مواقف عليهم من هذا المنظور أو ذاك. ولا نستطيع أن نستثني من ذلك إلا شخصية «ونيس». فهو الوحيد الذي أطلع المتفرج على ما يدور في باطنه، حيث استمعنا إليه وهو يفكر عندما علم بسر أبيه قائلًا:
«ما هذا السر؟ جعلتني أخشى النظر إليك يا أبي. ما مصيري الآن؟ ما هذا السر؟ العلم به ذنب والجهل به ذنب أكبر».
وبقدر ما يكون السر ثقيلًا وصادمًا بقدر ما يستفز التفكير ويدفع إلى التأمل بحثًا عن مَخرج. ومن ثمَّ لا نستطيع أن نَعُدّ هذا الكشف عن سريرة «ونيس» من قبيل توجيه المخرج للمتفرجين نحو وجهة بعينها. إنه هنا خيار يصب في مصلحة الدراما لا أكثر ولا أقل.
مركزية جغرافيا الدير البحري
سوف يلحظ المتفرج استقلال أهل الجبل في الفِلم بحياتهم بعيدًا من الوادي. فهم يعدُّون الجبل، بكل ما يحويه، ملكًا لهم. ولا يصفون أفندية القاهرة إلا بصفات مثل الغرور والتكبر. بل إن كل وافد على المكان يُعَدّ، من وجهة نظرهم، دخيلًا غير مُرحَّب به. ولذلك لا نرى من أفندية القاهرة أكثر من سفينة تحط على شاطئ النيل المُحاذي للجبل كما يحط الغزاة الفاتحون. فهم لا يفارقون مكانهم على سفينتهم، يتخذونها مستقرًّا يغدون ويروحون إليه ويحرسونه برجالهم المسلحين. وأول شيء فعلوه عندما اقترب «ونيس» من سفينتهم هو أنهم أطلقوا رصاصة تحذيرية في الهواء، وقبضوا عليه واقتادوه إلى رئيس حملتهم. إذن أهلُ الجبل بالنسبة إلى الأفندية لا يُؤمَنُ جانبهم. وكذلك أهل الجبل يعدُّون الأفندية، بدورهم، دخلاء غير أهل للثقة أو التعاون. يتبادل الطرفان، على ما يبدو، الشك واصطناع الحذر. فأهل القاهرة لهم عالمهم، وكذلك أهل الجبل.
ولكن أحداث الفِلم كلها تجري فوق جغرافيا الدير البحري، فوق رمال الجبل الذي تنتمي إليه قبيلة (الحُربات). وفوق هذا الجبل تتناثر المعابد، ويستقر مخبأ مومياوات الأسرة الحادية والعشرين. وفي المقابل تتوارى القاهرة، مركز الحكم، بعيدًا من الأنظار. فلا نرى منها إلا الأفندية الذين أتوا بهدف العثور على المومياوات المفقودة. يصبح الدير البحري بجغرافيته وآثاره وناسه هو المركز، في مقابل تواري القاهرة بعيدًا، وتحولها إلى هامش. فالجنوب يعود مركزًا تتجه البوصلة نحوه كما كان زمن الفراعنة، بينما يتراجع الشمال إلى الأطراف.

دور الأزياء
اختيار الأزياء وتصميمها يحكي قصة عن العزلة التي يحياها أهل الجبل وقسوة حياتهم وغياب التنوع الثقافي. فالاختلاف بين طُرز الملابس محدود في الفِلم ومحكوم بشروط حِرص سكان الجبل على عدم الاختلاط بمن يسمونهم الأغراب ونفورهم منهم. سيلاحظ المتفرج أن ملابس رجال قبيلة (الحُربات) عبارة عن قطعتين جلباب قاتم اللون من أعلى تحته جلباب أبيض وطاقية مع عِقال أبيض أو بدونه للشباب. وهو ما يشير إلى أصولهم الرعوية. يظل الجلباب القاتم اللون هو الثابت في أزياء رجال القبيلة، بينما تتنوع ألوان الجلايب من تحته بحسب كل واحد. أما نساء القبيلة فملابسهن سوداء تمامًا. ونحن لا نعرف ما إذا كانت ملابسهن سوداء هكذا بفعل الحِداد، أم بفعل العادة. ولا نرى تنوعًا في ملابس النساء في الفِلم، اللهم إلا في ملابس فتاتين وافدتين على الجبل منهما زينة (تلعب دورها الفنانة نادية لطفي). نستطيع أن نلمس في ملابسهما تنوعًا في الألوان والحلي، ربما لأنهما وافدتان، وربما لأنهما تلعبان دور فتاتي هوى.
أما الأفندية، فكانوا يرتدون زي رجال الشرطة الموحد بلونه الأبيض الذي يدل على السلطة، ويعكس لونًا من ألوان الاستنفار والتأهب إزاء أي خطر أو طارئ. بينما تميز زي التاجر (أيوب) برفاهية التجار. فقد ارتدى عباءة تحتها جلباب مطرز مزين بأزرار من القماش عند الصدر بالإضافة إلى شال أحمر يبدو أنه من الحرير. وتشير ملابسه إلى الثروة التي حصّلها من الاتّجار في الآثار. على حين تميّزت ملابس مراد، صبي أيوب التاجر، بجلباب يستقر فوقه بالطو وطاقية تختلف عن طاقية أبناء قبيلة (الحُربات) من حيث التصميم، فتكسبه سمتًا خاصًّا بتابع أو خادم.
0 تعليق