على رحابة النص المحفوظي -إبداعًا تنوع بين كتابة الرواية والقصة والمسرح، وكذلك بعض شهادات أدلى بها نجيب محفوظ حول حياته وعلاقته بالكتابة ورؤيته للعالم ونظرته في الحياة، وبقدر ما يُتَاح للبحث النقدي عن محفوظ وفرة من المصادر وتنوع في المداخل البحثية- على قدر ما تكون الصعوبة في الإلمام بجوهر التجربة المحفوظية، وإضافة جديدة للكتابة النقدية عنه.
من الأطروحات النقدية التي تُنقِّب بدأب وبوعي، وتتناول زوايا رؤية جديدة في فحص المشروع المحفوظي- استكشافًا لما وراء الإبداع المحفوظي من بواعث مُحرِّكة وروافد فكرية وسياقات اجتماعية وظروف سياسية، تضافرت معًا لتُسهِم في تشكيل هذا التكوين الفريد- كتاب «سردية نجيب محفوظ»، للناقد المصري الدكتور محمد بدوي، (القاهرة، دار المعارف، سلسلة اقرأ، 2025م).
هذا الكتاب يمكن أن يكون مدخلًا نقديًّا مهمًّا ومختلفًا عن كثير من الطروحات البحثية في قراءة المشروع المحفوظي، وتحسس دوافعه الكتابية واستجلاء عوامل تشكيل شخصية محفوظ. يأتي هذا الكتاب الوجيز ليكون حفرية نقدية في أخاديد التكوين المحفوظي، تبيانًا لما وراء الكتابة وخياراتها النوعية وأساليبها الفنية من علل فكرية وفروض وجودية وتاريخ حياتي وظروف اجتماعية، تضافرت في تشكيل شخصية الكاتب وتكوينه الذاتي.
في كتابة محمد بدوي يتمركز الموضوع، هدف الدراسة، كغاية تستخدم عديدًا من المناهج من أجل خدمته، فتعلو عند بدوي منهجية قرائية فوق الالتزام بمنهج واحد في البحث والقراءة، هذه المنهجية تتبع منطقًا بحثيًّا يوظِّف ما يراه الناقد ملائمًا لموضوع بحثه من إجراءات منهجية تستثمر غير منهج؛ تلبية لأغراض قراءته وإشباعًا لحاجات الموضوع المدروس، فتجمع قراءة محمد بدوي النقدية بين قراءة الخطابات الثقافية من ناحية، والتحليل التقني للنص من ناحية أخرى، في سبيكة منصهرة العناصر المنهجية، ويتجاوز النص الأدبي إلى قراءة الخطابات الفلسفية التي ارتبط بها النص الجمالي وكانت منبعًا مهمًّا من منابع التكوين المحفوظي.
سحر السرد والقراءة التاريخانية
في فصل بعنوان: «محاولة لفهم البدايات»، يتعرض الناقد الدكتور محمد بدوي لتاريخ وقوع محفوظ فيما وصفه بـ«سحر السرد». يورد نصًّا من مجموعة «حكايات حارتنا»، عن «يحيى مدكور» صديق ذلك الصبي (محفوظ) وزميله الذي كان أمهر لاعب كرة في المدرسة. وجد محفوظ معه قصة بعنوان: «ابن جونسون»، فاستعارها منه، لينشأ مع الزمن علاقة حب تربط الصبي بالقراءة، التي تطورت إلى رغبة في «التأليف». تدرج محفوظ من الوقوع في سحر السرد إلى محاولة إنتاج ما سحره. ويفسر بدوي اختيار محفوظ للكتابة بوصفها ملاذًا نفسيًّا يحقق رغبات الذات، فيما أسماه «سلطة الكتابة»، حيث يفعل الكاتب في أصدقائه ورفاقه ما كان يرغب فعله في الواقع ولا يستطيعه.
وفي إطار توظيف محمد بدوي للقراءة السوسيوثقافية يتناول نظرة الأسرة المصرية المزدوجة للقراءة في بدايات القرن العشرين، بوصفها «تسلية بريئة» تقع تحت رقابة الأسرة وتجري في حماية «البيت». ويستعين بدوي بالنص الروائي المحفوظي، «الثلاثية»، جلاءً لنظرة أفراد أسرة السيد أحمد عبدالجواد لفعل القراءة الذي كان يمارسه كمال، فتتذمر الأم، «أمينة»، في «قصر الشوق»، من ابنها «كمال» الفتى المهذب الذي يسمع حكاياتها الساذجة بحب؛ لأنَّه في وقت العطلة يجلس طوال يومه ناظرًا في كتبه. أما «ياسين» فيقرن القراءة بالنحافة، فيجلي بدوي وعي الشخصية، شخصية «ياسين»، بفعل القراءة، مبرزًا الفارق الجوهري بين «ياسين» و«كمال» في علاقة كلٍّ منهما بالقراءة: «كلاهما يقرأ القصص، لكن القراءة لدى ياسين تظل متعة من المتع المتاحة، وقد تتغير ظروفه وأحواله، فيكف عنها. ولذلك حين رأى كمال وقد أوغل فيها، أرجع نحافته إليها. كأنَّ ما يمتصه القارئ من الكتب مساوٍ لما يفقده من وزنه الذي يخف؛ لأنَّه صار مؤرَّقًا بالأسئلة والهواجس. ولذلك يقف واحد من القارئين على تخوم التلقي المتصل باللذة والفضول، فيما يمضي الثاني ليكون كاتبًا». (ص20). أما نظرة الأب، السيد أحمد عبدالجواد لابنه كمال في تعلقه بالأدب، بأنَّه «بدأ الأمر مجرد لعب عيال فتحول إلى جد». «لحقته حرفة الأدب» تعبير ينطوي على الإشفاق والقلق؛ لأنَّ معناه أنَّ من لحقته «اللعنة» سيصبح «أديبًا». وفي الحوار العاصف بين السيد وكمال بشأن المدرسة العليا التي سيلتحق بها، يقرن ثقافة الفكر بـ«فن الحواة والقرة جوز وفتح المندل ونبين زين» (ص15).
يستعين بدوي بالنص الروائي المحفوظي استشهادًا على النظرة المزدوجة للقراءة في المجتمع المصري حتى عهد متقدم من القرن العشرين، بين قبولها كتسلية بريئة، والارتياب فيها والاستخفاف بها وعدم قبول التعمُّق في قراءة الأدب أو ممارسته. يوظِّف محمد بدوي أسلوب القراءة التاريخانية الجديدة التي تسعى لتمثُّل واقع اجتماعي تاريخي في حقبة ما من التاريخ، بالرجوع إلى مصادر فنية ونصوص أدبية، استنتاجًا من وقائعها وأحداثها شكل المجتمع ومعرفة مواقفه واتجاهاته وطرائق تفكيره في مختلف الأمور، في عملية استخلاصية لروح الثقافة السائدة والبنى الاجتماعية المهيمنة في تلك الحقبة.
ويلتقط بدوي تأثير التجاور النوعي للفنون، في دور نوع الفن السينمائي كفن يمثل الزحف الحداثي في الفنون ومحاولة الطفل نجيب محفوظ -بأثر تعلقه لما شاهده في سينما قريبة من منزله في حارة بيت القاضي- تقليد ما شاهده من مشاهد تمثيلية في السينما ما تسبب في محاولته تمثيل دور البطل، الطبيب الجراح بأن أعطى خادمة الأسرة الطفلة دور المريضة، ثم أرقدها على الأرض، وأمسك بشفرة الموسى عوضًا عن مشرط الطبيب. وبدأ عمله فأصاب الطفلة التي صرخت بعدما نزفت دمًا، فتلقى محفوظ عقاب تقمُّصه.
ويستنتج محمد بدوي من النص الإبداعي المحفوظي، كما في شخصية شاعر «مقهى كرشة» الذي يضع تحت إبطيه ربابة وكتابًا، في إشارة إلى تحوُّل في طريقة إنشاد شاعر المقهى لنصه؛ من نص مفتوح، حر، قابل للإضافة أو الحذف منه -في كل مرة ينشده فيها وفقًا لطقوس التلقي التفاعلي مع جماهير المقهى- إلى نص مغلق، مقيد في كتاب. وهو مظهر من مظاهر الحداثة، يتمثل في نوع من الرقابة على النص وضبطه تحريريًّا. يستنتج بدوي إفادة محفوظ من مثل هذه السرود الشفاهية في سمة الإثارة والتشويق، مع تمايزه عنها فيما يتسم به الأدب الجاد من عمق الشخصيات، بتحليل الطباع وكشف دواخل النفوس، ورصد فعل الزمن ومفارقاته، وخلق صورة للعالم تتأمل ما فيه من أفكار ورؤى.
ويلاحظ بدوي أنَّ كثيرًا من روايات محفوظ وقصصه -على نقيض من السرود الشفاهية التي تأثر بها- «تجنح إلى نهايات مختلفة، نهايات منطوية على رؤية تشاؤمية، تكاد في لحظات محددة تكون تعبيرًا عما يشبه «اليأس التاريخي»، أي أنها على النقيض من الروايات الشعبية التي ينتصر في نهاياتها غالبًا، الأبطال الأخيار من العشاق وممثلي العدالة». (ص35).
تعمل عين النقد وحدقته عند محمد بدوي على تبصُّر الشكل النوعي وحداثته في علاقة نوع جديد ناشئ بنوع قديم سابق، بدارسة أسلوبية النوع التي تقرأ تاريخ النوع الأدبي وتحولاته وتجذراته وأوتاده الأسلوبية وتطوره وطفراته.
بين القصة والفلسفة
من المسائل المهمة التي تتبعها الدكتور محمد بدوي في محاولة لفهم البدايات المحفوظية، تردُّد محفوظ، في بداياته بين القصة والفلسفة، فقد راوَحَ حبُّه للكتابة بين أن يكون قاصًّا أو متفلسفًا، وقد مارس بالفعل الكتابة في الفلسفة بنشر مقالات في مجلة «الجديدة» التي رأس تحريرها سلامة موسى، توزعت بين استعراض تاريخ الفلسفة وشروح مكثفة لبعض المذاهب الفلسفية. ويبرز بدوي أسباب تعلق محفوظ بالفلسفة في بداياته، إلى الانجذاب إلى الفكر بتأثير إعجابه بالعقاد وإسماعيل مظهر، ورغبة محفوظ في بلوغ سر الوجود بالفلسفة. ويتناول بدوي كذلك تخلي محفوظ عن ممارسة الكتابة في الفلسفة لإدراكه أنَّ زاده من المعرفة الفلسفية لا يؤهله للقيام بمهمة التفلسف وصناعة مذهب فلسفي، إضافة إلى إدراكه للمأزق التاريخي المستمر للفلسفة مع الثقافة العربية، لكنَّ محفوظًا لم يتخلَّ كليةً عن الفلسفة، وإن توقف عن كتابة مقالات فيها، فقد أدرك محفوظ أنه يمكن أن تكون الفلسفة بطانة لأدبه.
ويلتقط محمد بدوي من النص الإبداعي المحفوظي الإشكالية الفكرية التي كانت تعتري وعي محفوظ بتردده بين الفلسفة والقصة، ممثلًا في الفصل الخامس عشر من «السكرية». يؤوِّل بدوي حوارًا دار بين شخصيتي «كمال عبدالجواد»، مدرس اللغة الإنجليزية بمدرسة النحاسين، وكاتب المقالات الفلسفية بمجلة «الفكر»، وبين رياض قلدس، كاتب القصة، الرجل الذي سيصبح صديقه. هذا الحوار العفوي عن الفلسفة والعلم والفن والقصة، بوصفه تمثيلًا «لإحدى لحظات وعي نجيب محفوظ بمشروعه… هي لحظة القلق والتمزُّق بين الكتابة الفلسفية، والكتابة الأدبية، قبل حسم الموقف لصالح الأدب- وفي هذا الحوار طيوف من جدال محفوظ مع العقاد». (ص ص43-44).
يستخلص محمد بدوي علاقات الشخصيات الروائية في أدب محفوظ بالمؤلف وفكره، فيرى أنَّ «رياض قلدس، القاص، يحاور كمال، المفكِّر؛ حوار رجلين كأن أحدهما يبحث عن صاحبه. ومن الواضح أنَّ رياض قلدس كشخصية روائية، يكاد يكون مع شخصيات أخرى أحد تجليات التمثيل الواقعي- على الأقل- للحظات وعناصر من خبرة نجيب محفوظ ووعيه بذاته» (ص44). يرى بدوي أنَّ «قلدس نصف تمثيل نجيب محفوظ» (ص44). ويلتقط محمد بدوي توزُّع شخصية نجيب محفوظ الكاتب في شخصيتيه الروائيتين، كمال عبد الجواد ورياض قلدس، ليتساءل: «لماذا اختار نجيب محفوظ أن يخرج من شخصية «كمال»، ويدخل في شخصية «رياض قلدس»، فيهجر الفلسفة والفكر، ويتحول كليًّا إلى القصة؟» (ص45).
يبرز بدوي توزيع نجيب محفوظ المؤلَّف لشخصية نجيب محفوظ الكاتب بين شخصيتين روائيتين، كقناع له، في توظيف لآلية «التناص» ببيان علاقة النص السردي الروائي المحفوظي بنصوص محفوظ النثرية الأخرى كسيرته وحواراته وأحاديثه. ويتتبع بدوي التوازي والتقارب المقولاتي بين الخطاب الروائي المحفوظي عبر شخصية «رياض قلدس» القاص، وخطاب محفوظ النثري في تنظيره حول الفن ورؤيته له، كما في رد محفوظ على العقاد؛ إذ «إنَّ التعريف الذي ينطق به قلدس عن الأدب يكاد يكون صياغة أخرى لما قاله محفوظ في رده على العقاد. الكائن الحديث «لا يستطيع أن يعيش في وحدة مطلقة، لا بد من النجوى، من العزاء، من المسرة، من النور، من الرحلة في أنحاء المعمورة، والنفس». هذا هو الفن، وبلغة محفوظ مع العقاد: «هذا هو الشعر الذي قامت الرواية بوراثة وظيفته في الحياة الحديثة». والفن إذن ترياق للإنسان المعذَّب الحائر الوحيد؛ لأنَّ الوجود أهم من المعرفة، ولأنَّ «المعمورة» و«النفس» يدعوان هذا الكائن إلى الارتحال فيهما، متأملًا ومتسائلًا» (ص44- 45).
يكشف التتبع التناصي في تحليل محمد بدوي للنص المحفوظي بشقيه السردي الإبداعي والنثري، مرجعيات التشكيل المحفوظي لنصه الإبداعي. وفي مقابل كشف بدوي لتوزُّع شخصية محفوظ الكاتب بين شخصيتين في نصه السردي، فإنَّه يكشف عن احتواء شخصية محفوظية في نصه السردي لشخصيتين هما: سلامة موسى والشيخ مصطفى عبدالرازق: «أما سلامة موسى فقد تجلى في شخصية أزهري مستنير، درس في جامعات باريس، وعاش في فرنسا أربعة أعوام. وحين عاد إلى مصر لم يلتحق بوظيفة، وعاش معتمدًا على عقار، يدر عليه شهريًّا خمسين جنيهًا. وشغل نفسه بثقافة الفكر، فأسس مجلة «الفكر»، وثابر على إصدارها… والشخصية عمومًا بها أصداء من مصطفى عبدالرازق، وتشي بإيمان محفوظ بإمكان وجود «إسلامي مستنير» لا يقيم تعارضًا بين الإسلام والحداثة». (ص47- 48).
يمسك محمد بدوي في تحليله السردي للنص الروائي المحفوظي بخيوط نسج الشخصيات، مثل هذه الشخصية الروائية المولَّفة من شخصيتين واقعيتين، ليكشف التحليل القرائي لمحمد بدوي باستعماله آلية التناص عن المواد الأولية الممثلة في الأفكار والهموم التي شاغلت محفوظ وأرقت فكره واستغرقت بحثه وتأمله، هذه المواد التي تتشكَّل منها العجينة السردية في القص المحفوظي.
ولا يكتفي محمد بدوي في تتبعه لعلاقة محفوظ بالفلسفة في تردده بينها والقص، بتجسد هذه المسألة الإشكالية في شخصيات محفوظية في رواياته، وإنَّما يقتفي أيضًا أثر التفكير والفلسفة كفكرة في روايات محفوظ، مثلما يتتبع كذلك حضور بعض الأفكار والمسائل الفلسفية في روايات محفوظة. يقول بدوي: إنَّه «في سنوات متأخرة، صاغ محفوظ شكه في إمكان إنشاء مذهب يحتوي حلولًا لكل ما يعيشه الإنسان من هواجس ورغبات في روايته «قلب الليل»، التي صدرت طبعتها الأولى في منتصف السبعينيات من القرن العشرين.
بمعنى أن حدسه الأول في مسألة المذهب الفلسفي، وإمكانية صوابه، قد صار قناعة ضاغطة تستلزم كتابته. ويعني ذلك أن تجربة الكتابة والوجود باعدت بينه وبين تلك اللحظة القديمة، حين كان شابًّا واقعًا في براثن فلسفة هيغل. ومن منظور هذا التحليل، تلوح هذه الرواية استعارةً واسعة تنطوي على سخرية من مفهوم «المذهب» أو «النظرة المغلقة». وفيها نرى بطلًا ذا ملامح نبوية، يثور على أبيه الرمزي الذي يذكِّر بملامح من شخصية «الجبلاوي» في «أولاد حارتنا».
هذا البطل الممتلئ بأشواق مجاوزة، تنبثق داخله رغبة محرقة بعد رحلة طويلة من التمرُّد والعشق والمغامرة، في أن يتفرَّغ للتنظير الفلسفي والسياسي، بحثًا عن نظرية ناجحة. (…) وينتهي الأمر بالبطل -على نحو دراماتيكي- إلى القتل، فالسجن، وأخيرًا التشرُّد والعيش في المزابل، يصاحبه كبرياؤه الفكاهي، وخفته، ورؤيته التبسيطية، والعلاقة واضحة بين الرغبة في سجن «الوجود» في نظرية مغلقة، ومكتملة، وكلية، وبين العنف الرمزي والمادي، بعد ذلك، كما يتمثَّل في فعل القتل». (ص67: 69).
في تقصي بدوي لحضور الفلسفة كثيمة تكون محورًا لمسعى الشخصيات وجوديًّا في روايات محفوظ، يقرأ تاويليًّا حضور المسائل الفلسفية الإشكالية، كمسألة إنشاء مذهب فلسفي يحاول تحقيق رغبات الإنسان وتبديد هواجسه، ويتتبع بدوي تطورات الأفكار المحفوظية وتحولاتها، فضلًا عن قراءة بدوي لتشكيل محفوظ نصه الروائي بعناصره المكوِّنة له كالشخصيات ومواقفها الوجودية وعلاقاتها، بعضها بالآخر، ومآلاتها المصيرية، كاستعارة كبرى تجسد فكرة مركَّبة وترمز لها، فيدرس بدوي التشكلات البلاغية للنص المحفوظ وأساليبه السردية في تكوين الدلالة وإنتاج الرمز.
إدارة القص المحفوظي وتحولاته الفنية
يلاحق محمد بدوي في دراسته لسردية نجيب محفوظ مسألة كيفية إدارة محفوظ لفنه القصصي وتحولاته الفنية في أسلوب الكتابة، كتطور لغة القص المحفوظي وعلاقة الكاتب بشخصياته وغيرها من الاستبصارات التي يقدمها بدوي؛ كشفًا لقوام تجربة محفوظ وبيانًا لأبرز ملامح التطوُّر التقني في أساليب القص المحفوظي.
يبرز بدوي التحولات التي مر بها المشروع المحفوظي، وأولها التحول النوعي من الفلسفة إلى القصة، ودور ذلك في علاقة الكاتب بالعالم، بأن «يتحرَّك بين الناس دون أن ينغمس فيهم، ومعهم؛ أن يغوص في الواقع، ثم يجفل من ثقله، من روائحه وألوانه ونثره إلى عزلته، شرنقته: البيت غير المرئي للتحديق في الفراغ، حيث يضع رأس هذا فوق جرم ذلك، ويحتفظ لهذه بجسم تلك، وتحديق عينيها، دون ملابسها، وخمار رأسها». (ص110).
ومن الالتماعات التي يقدمها بدوي في قراءة التكوين الفني للقص المحفوظي تأويله لإستراتيجيات محفوظ في تقديم شخصياته الروائية ومساحتها السردية وتنميتها أو إقصائها، كما في تحليله لإنهاء محفوظ شخصية «فهمي عبدالجواد من الثلاثية: «فلو لم يطوِّح بفهمي عبدالجواد، كيف سينمو كمال، ويكبر. كان الأب البطريرك عاشق الحياة، يدخل في خريفه. ويمارس ياسين لعبه مع نفسه ونسائه وباراته، وسيكون كمال إشكاليًّا، وهو يقطع رحلة الوعي المضطربة، فماذا سيكون دور فهمي؟ إنه عاشق خجول، وابن طيب، ومثال، ولذا سيخلو من الثقل، والحيوية. ومن الأفضل أن يؤدي مهمته، ويرحل، ليكون رحيله لاذعًا لأسرته ولنا». (ص110- 111).
وكأنَّ محمد بدوي يقرأ العقلية الإبداعية المحفوظية في تخطيط السرد وهندسته وإدارته وجلاء ألعابه «الشطرنجية»، عبر التحليل المتعمق لنوعية الشخصيات وحساب وقعها في التلقي وقياس وتوقع رد فعله، وحساب مدى الفاعلية الدرامية للشخصيات. فيقرأ بدوي إستراتيجيات الإدارة المحفوظية للقص في تحليل بنيوي لنوعيات الشخصيات المحفوظية، ويجلي تمايزاتها الدرامية، ويزن ثقلها، ويقيس إمكانية تأثيرها، حضورًا وغيابًا في البنية السردية من ناحية وفي عملية التلقي. ويتمثل محمد بدوي تشكيل محفوظ لقصه واضعًا في حسبانه الأثر الفني والنفسي في جمهور التلقي وفي استثمار لفينومينولوجيا التلقي، وتمثُّل لفعل القراءة ودوره في تشكيل الأديب لنصه وبنائه لأثره الفني.
يتابع بدوي في محور فرعي في الكتاب -يعنونه بـ«تبديل الأجهزة والشواغل»- تحولات النوع الروائي عند محفوظ وتطوُّر الأسلوب الفني لكتابته، ويفسر محمد بدوي الانتقال النوعي من كتابة الرواية التاريخية إلى كتابة رواية الواقعية الاجتماعية، بأنه استجابة لوعي الكاتب فيه وتغليبه على حماسة المواطن؛ إذ إن محفوظًا «كان قد قرر أن يكتب تاريخ مصر، فانغمس في تاريخ سكان الوادي العتيق، ليخبرهم، وينطق باسمهم، ويقص تاريخهم، وماذا يفعل وطنيٌّ تجرحه خوذات المحتلين، وغطرستهم، سوى أن يخلق سردية مناقضة لسردية المستعمر؛ أن يلوذ بالتاريخ، ذلك الزمن المتعالي عن زمن الواقع. لكنَّه ما إن يوشك أن يوغل، حتى يهزم الكاتب فيه المواطن، إذ يدرك أن عليه أن يكتب ما حوله؛ أي التاريخ غير الورقي، الذي ما زال جاثمًا وملقى هناك، متناثرًا في الحياة التي يعيشها الرجال والنساء». (ص111- 112).
يستعمل بدوي القراءة الثقافية والنقد الكولونيالي الذي يدرس آثار المستعمِر في المستعمَر، في تعليل أسباب تحول محفوظ من كتابة الرواية التاريخية -التي بدأ بها مشروعه الأدبي- إلى كتابة الرواية الواقعية، التي تتناول المجتمع المصري آنذاك، كحالة من حالات تبديل الكاتب لشواغله استجابةً لضرورات وإملاءات الواقع المحيط به. فبعدما اتخذ محفوظ الأدب في نوع الرواية التاريخية -التي تسجل أمجاد الأمة المصرية وتتغنى بماضيها العتيد- سلاحًا في مجابهة المستعمِر ودحض معطيات خطابه الاستعماري الاستعلائي، يدرك محفوظ -في تفسير بدوي- وجوب أن يكتب تاريخ اللحظة التي يعيشها مجتمعه، وهو ما حدا به إلى كتابة رواية الواقعية الاجتماعية التي تقدم صورة للمجتمع المصري، في ذلك الوقت، وتنقده، فيدرك محمد بدوي أدوار السياقات التاريخية والمجتمعية في توجيه الكاتب وتوجيه دفة الأدب، وتغليب شكل أدبي كضرورة وقتية، وانبثاق جمالي عن سياقات سوسيوثقافية.
0 تعليق