إسبانيا تشهد تدشين «رياض الشعراء في قصور الحمراء»
تركي الفيصل: ما أحوجنا اليوم إلى قيم التعايش التي سادت في الأندلس
بواسطة الفيصل | يوليو 1, 2025 | جوائز
في قلب الحضارة الأندلسية تقف الحمراء شامخة، حيث يتشابك الشعر مع المعمار، ويهمس الحرف العربي لجدران القصور، كما لو كان صدى خالدًا. في مدينة غرناطة جرى تدشين كتاب «رياض الشعراء في قصور الحمراء»، الذي كان خلاصة تعاون علمي وثقافي بين الدكتور عبدالعزيز ناصر المانع، أستاذ اللغة العربية بجامعة الملك سعود بالرياض، والبروفيسور خوسيه ميغيل بويرتا فلتشث، أستاذ تاريخ الفن بجامعة غرناطة وعضو الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة.
الكتاب، الذي تُرجم وطُبع بدعم من جائزة الملك فيصل، وبالشراكة مع هيئة قصر الحمراء وجنة العريف ودار النشر «Edilux»، يجمع لأول مرة نحو مئة قصيدة نُظمت لتُخلَّد على جدران قصر الحمراء، لم يبقَ منها اليوم سوى الثلث المنقوش، فيما تلاشت بقيتها مع تعاقب الأزمنة. لكن هذا الكتاب لم يكتفِ بجمع النصوص، بل قدم دراسة تحليلية شاملة، تضمنت خرائط توضيحية وصورًا عالية الجودة ونصوصًا شارحة، إضافة إلى تعليقات لغوية وإحالات إلى المصادر العربية التي وثقت هذا الإرث الفني الفريد، في محاولة لفهم كيف تماهت القصيدة العربية مع جدران الحمراء، وكيف ظلّ الشعر حيًّا في الحجر، ناطقًا بلغة الجمال.

شعرٌ يتكئ على التاريخ
شهد حفل تدشين الكتاب، الذي أقيم في مايو الماضي، كلمة لصاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية. أشار في مستهلها إلى رمزية المكان الذي احتضن الحفل؛ إذ قال: «يسعدني اليوم أن أكون معكم في هذا الصرح العالمي، نادر المثال في هذا العالم، وأحد معالم تراثه، ليس لجماله، وفن هندسته، وعراقة تاريخه فحسب؛ بل لما يُمثله من رمزية ثقافية، جمعت بيننا نحن العرب والمسلمين وإسبانيا. وأشكر بهذه المناسبة جائزة الملك فيصل، وإدارة الحمراء، وجنة العريف الذين أتاحوا لنا فرصة هذا اللقاء لتدشين صدور كتاب «رياض الشعراء في قصور الحمراء». وأضاف الأمير أن الكتاب الذي يستحق عقد مثل هذه المناسبة العزيزة، «يستحضر عبق هذا القصر، وتاريخه الثقافي، من خلال الشعر الذي ازدانت به جدرانه وقاعاته». ويلفت الأمير تركي أن «الكتاب يقدم لمحة عن تاريخ الحمراء وقصور الحمراء وبُنَاتها، والأشعار الجدارية لقصور الحمراء؛ أحوالها وشعرائها، إلى جانب نبذة عن تاريخ قراءة النقوش الشعرية للحمراء». وأوضح الفيصل «أن هذا اللقاء كان يمكن أن يكون في الرياض ليتم التدشين، ولكن لما استشارني الدكتور عبدالعزيز السبيل أمين عام جائزة الملك فيصل، واقترح أن يكون اللقاء في غرناطة، رأيت أن يكون هذا الحفل في مدينة غرناطة العزيزة، وفي هذا القصر خاصةً، تقديرًا للجهود التي تبذل للحفاظ على وهج هذا الإرث المجيد المشترك فيما بيننا، الذي يزوره الملايين من سكان هذا العالم، ويرون قيمة هذا الإرث المشترك».
وتابع الأمير تركي قائلًا: «منذ خمسة وستين عامًا، وقعت عيناي على هذا الصرح الأسطوري في جماله، والتاريخي ببهائه، فرأيت تلك الجنة التي تغنى بها العرب ماضيًا وحاضرًا، لكنها في ذلك الوقت كانت لا تزال تحتاج إلى العناية التي تليق بها. ولا يزال العرب يتغنون بشعر لسان الدين ابن الخطيب العلَّامة الأندلسي والغرناطي البارز وهو الشاعر، والكاتب، والفقيه، والمؤرخ، والفيلسوف، والطبيب، والوزير في هذا القصر، وشوقه لغرناطة بعد أن هاجر منها إلى فاس؛ إذ يقول في إحدى قصائده:
جادَكَ الغيْثُ إذا الغيْثُ هَمى
يا زَمانَ الوصْلِ بالأندَلُسِ
وهذا قد انطبق عليَّ؛ إذ زرتها بعد ذلك مرات عدة، وقد ازدانت، واعتُني بها وبالإرث الذي عليه قامت، وتقوم اليوم، على نحو يليق بها، كما نراه اليوم. وها نحن اليوم نستمر بالوصل بالأندلس الذي لم يتمكن منه ابن غرناطة لسان الدين ابن الخطيب؛ إذ اغتيل في سجنه في فاس سنة 776هـ/ 1374م، لكنه خلدها في شعره. وما زلت أُوخَذُ بروعة المعمار الفني، وبرقة البراعة التي أتت بالماء من الأسفل إلى الأعلى لتروي جنانه، وبمد أنابيبها إلى تحفة قاعة الأسود الاثني عشر التي يصبُّ من كل واحد منها الماء كل ساعة من اليوم».
وتطرق الفيصل في كلمته إلى البعد العمراني لهذا القصر والإبداعات التي فيه، حيث عدّه الشعراء العرب لؤلؤة في زمردة، وهو ما أكده الروائي الأميركي الشهير واشنطن أيرفنغ الذي ألَّف كتاب «حكايات الحمراء» في عام 1832م؛ حيث وصف أيرفنغ هذه الزمردة، أي غرناطة بأنها: مدينة بالغة الفتنة والجمال، تقع في أروع موقع طبيعي رآه في حياته، فأضفى في حكاياته التي جمعت بين الوصف، والأسطورة، والأحداث التاريخية الحقيقية، بُعدًا رومانسيًّا لفت نظر العالم لهذه التحفة البشرية، بأبطالها العرب والإسبان.
كما تحدث الأمير تركي أيضًا عن الجانب القيمي الذي مثله هذا القصر؛ إذ امتزجت فيه القيم الإنسانية باندماج الفئات المجتمعية كافة في غرناطة، مؤكدًا أن «قصر الحمراء ليس مجرد هيكل مادي مع أهميته، ولكنه شهادة حية على تاريخ غرناطة المتنوع والمتعدد الثقافات. إنه مكان تلاقت فيه في حقبة ازدهاره الثقافات المختلفة. عاش فيه المسلمون والمسيحيون واليهود جنبًا إلى جنب. وقد أثر هذا التعايش في جميع جوانب الحياة اليومية. فعلى الرغم من الخلفيات الثقافية المختلفة، فقد نجح مجتمع الحمراء في إيجاد بيئة غنية بالابتكار والفنون. تتجلى مظاهر هذا التسامح في الفن والموسيقا والعمارة والأدب، في جو من الانفتاح الفكري. وتُعَدّ الزخارف والنقوش الموجودة في قصر الحمراء دليلًا على تأثير الثقافات المتنوعة في إنشاء الفنون العربية الإسلامية، وهو ما يؤكد أن التبادل الثقافي هو أحد عوامل نجاح ازدهار الثقافات والحضارات». ويمضي الأمير تركي قائلًا: «ما أحوجنا اليوم إلى تلك الروح التي تعايشت من خلالها الثقافات المختلفة، لقد كانت قيم التعايش والتسامح التي سادت في الأندلس قرونًا عدة هي ما ينبغي استعادتها في عالمنا اليوم. ولهذا لا غرابة في أن المملكة وإسبانيا كانا شريكين رئيسين في الدعوة إلى الحوار بين الأديان والثقافات والحضارات التي أدت إلى تأسيس تحالف الحضارات، وفي تأسيس مركز الملك عبدالله العالمي للحوار بين أتباع الديانات والثقافات؛ إذ إن إرث الدولتين ومواقفهما يقوم على ترسيخ مثل هذه القيم الإنسانية».
وحول واقع العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإسبانيا، أشار الفيصل إلى أنه «لا حاجة هنا لتأكيد عمق العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإسبانيا، فهي علاقة تاريخية راسخة، تقوم على التفاهم والتعاون المشترك بين البلدين في المجالات كافة؛ السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والاستثمارية، والثقافية، والإنسانية. وتؤكد قيادات البلدين على الدوام، أهميةَ هذه العلاقات، وأهميةَ تعزيزها، على نحو يخدم مصالح الشعبين والبلدين». واختتم الأمير كلمته بطرفة لطيفة؛ إذ قال: «لقد تعلمت من صديقي الكوبي، وهو من أصل إسباني واسمه جوستافو دي لوس رييس، عبارة باللغة الإسبانية كان يمازحني بها وهي: «HAY MoRosen la costa»، وهي العبارة التي كان يطلقها الإسبان عندما كانوا يرون المحاربين العرب ينزلون على شواطئ إسبانيا، وذلك في السنين الغابرة، ولكننا اليوم ها نحن العرب قَدِمنا إلى تلك الشواطئ لنُحيي ذكرى التعايش الحضاري الذي رسم الوجود العربي ذلك الحين، والذي يتجدد اليوم، ليس فقط في قصر الحمراء وإنما في كل إسبانيا».

احتفاء بالتاريخ والجغرافيا والثقافة
الأمين العام لجائزة الملك فيصل الدكتور عبدالعزيز السبيل، استهل كلمته في حفل تدشين الكتاب، بتحية الحضور، ناقلًا تحيات صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل رئيس هيئة جائزة الملك فيصل، الذي يوجه دومًا إلى مواصلة العمل من أجل تحقيق أهداف الجائزة التي تحتفي بالعلم والعلماء، وتُعلي من قيمة منجزهم العلمي وتقدمه للأوساط الأكاديمية والثقافية. وأشار السبيل إلى أن الجائزة، وخلال مسيرتها التي امتدت سبعة وأربعين عامًا، كرمت نحو ثلاث مئة فائز وفائزة من خمس وأربعين دولة، في فروعها الخمسة: خدمة الإسلام، والدراسات الإسلامية، واللغة العربية والأدب، والطب، والعلوم، مؤكدًا أن هذا الاحتفاء لا يتوقف عند حدود التكريم بل يتجاوزه إلى توثيق مسيرة هؤلاء العلماء وإيصال أثرهم إلى الإنسانية.
وأعرب الأمين العام عن سعادته بهذا الحضور النخبوي، مثمنًا لسفيرة خادم الحرمين الشريفين لدى إسبانيا وفريق السفارة، تعاونهم الكبير. وأثنى السبيل على هيئة حماية قصور الحمراء ومديرها السيد رودريغو رويث خيمنث؛ لما قدموه من تسهيلات أثناء إعداد الكتاب والتحضير للمناسبة، وخص بالذكر السيد أغوسطين نونييث الذي صوَّر الكتاب ونشره، معبّرا عن امتنانه العميق للبروفيسور خوسيه ميغيل الذي قدّم جهودًا استثنائية خلال مراحل العمل كافة.
وفي حديثه عن مضمون الكتاب، شدد الأمين العام على أن الاحتفاء بـ«رياض الشعراء في قصور الحمراء» هو احتفاء بالتاريخ والجغرافيا والثقافة معًا، «حيث يستمد قيمته من أنه تعانق جغرافي ثقافي بين الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية وقصور الحمراء، هذا الأثر الذي بقي شامخًا لقرون عديدة، يروي لنا حكاية التاريخ والثقافة والتواصل بين الشرق العربي والأندلس، أسلاف بناة هذه القصور خرجوا من الجزيرة العربية، التي غدت الرياض اليوم قلبها النابض، وتحضر الرياض في غرناطة. ففي قصور الحمراء يوجد قصر الرياض السعيد الذي يحتضن نافورة الأسود، وفي المنطقة الممتدة من جنوب قصر الحمراء حتى نهر شنيل كان يوجد قصر نجد الذي سجلته المصادر التاريخية، وقصائد الشعراء». واستحضر السبيل نصًّا شعريًّا لابن الجياب الغرناطي يصف فيه قصر نجد، هنا مقطع منه:
بوأتهم من قصر نجد منزلًا
كالشمس نورًا واعتلاءَ مكانِ
يا قصر نجد، أنت أكرم منزلًا
فلقد شفعت الحسن بالإحسانِ
فافخر على كل القصور، وإن تشأ
فافخر على الأمصار والبلدانِ.
وأكد السبيل أن هذا الامتداد الحضاري «لم يكن مجرد عمارة وجمال فحسب، بل كان أيضًا عقلًا مشتغلًا بالعلم والفكر والفلسفة والطب والنجوم، فمن رحم هذا المكان خرج الزهراوي، وابن البيطار، وابن رشد، وابن طفيل، وعباس بن فرناس، ولسان الدين ابن الخطيب. وفي هذا الامتزاج بين المشرق والأندلس نشأ فن شعري فريد هو فن الموشحات الأندلسية، الذي شكّل جسرًا بين ثقافتين، وتحوّل إلى لغة عالمية تتكامل فيها المعرفة والذوق. ولم يكن زرياب مجرد موسيقيٍّ من بغداد، بل كان حاملًا لفن رفيع نما وازدهر في الأندلس حين التقى بثقافة جديدة، فابتكر منها طرازًا عالميًّا». وشدد السبيل على أن الحاضر لا يُبنى دون وعي عميق بالتاريخ. «ورغم ما شهدته هذه الأرض من صراعات، فإن الحكمة تقتضي أن نتجاوز الماضي بآلامه، ونَتَّجِه إلى المستقبل بآماله، ونبني ثقافة إنسانية تقوم على التفاهم والاحترام والتعاون، ثقافة تدرك أن الحضارات تتكامل لا تتفاضل، وأن الإنسانية تصعد حين يتعاون أهل الفكر والعدل والجمال».
وفي ختام كلمته، وجّه شكره الكبير للمؤلفَين البروفيسور عبدالعزيز المانع والبروفيسور خوسيه ميغيل، اللذين قاما بتوثيق تاريخ هذه القصور وآثارها الأدبية. وأكد أن كل من يقرأ هذا الكتاب أو يزور هذه القصور، سيدرك أن ملوك غرناطة كانوا يتطلعون إلى الخلود؛ «ولذلك نقشوا أسماءهم وقصائدهم على الجدران والنوافير، وكأنهم يطلبون من التاريخ أن يذكرهم. وقد تحقق لهم ذلك، فها هي أسماؤهم تُستعاد، ومنجزهم يُحتفى به، وذاكرتهم تُروى». كما جدد الشكر لصاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، «على دعمه المستمر وتوجيهاته الحكيمة لمسيرة الجائزة».

الخلود في القصائد
الكلمة التي ألقتها صاحبة السمو الأميرة هيفاء بنت عبدالعزيز بن عياف آل مقرن، سفيرة خادم الحرمين الشريفين لدى مملكة إسبانيا، خلال حفل تدشين الكتاب، عكست عمق العلاقة بين المكان والشعر في هذه التحفة الفنية. فهي تحدثت عن قصر الحمراء الذي لا يزال يهمس بشعرٍ خالد، فقالت: «في هذا المكان الساحر، في قلب الحمراء التي لا تزال تهمس بالشِّعر، وتروي للعالم سيرة حضارةٍ عظيمةٍ نُسجت من ضوء الكلمة، وعبقرية المعمار، نحتفي اليوم بتدشين كتاب «رياض الشعراء في قصور الحمراء»، وهو ليس مجرد كتاب، بل هو عودة نابضة إلى ذاكرة المكان، وإحياء لجماليات الشعر العربي، المنقوش على جدران التاريخ. هذا العمل البديع هو ثمرة تعاون علمي وثقافي بين قامة عربية أدبية متمثلة في الأستاذ الدكتور عبدالعزيز بن ناصر المانع، الفائز بجائزة الملك فيصل، وبين العالم الإسباني البارز الأستاذ الدكتور خوسيه ميغيل بويرتا فلتشث، عضو الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة بغرناطة، والمتخصص في فنون الحمراء وتاريخها»، وتابعت: «استطاع المؤلفان، بتكامل معرفتهما، أن يعيدا ترتيب المشهد الشعري، داخل قصور الحمراء، فربطا النص بالمكان، والحرف بالحجر، والمعنى بالتاريخ. فجاء الكتاب عملًا توثيقيًّا بصريًّا وعلميًّا بالغ الدقة، يقدم لأول مرة خرائط شعرية، توضح مواقع النقوش الأصلية، مفسّرةً ومدعومة بصور فنية عالية الجودة».
ومضت الأميرة هيفاء قائلة: «حين نفتح صفحات رياض الشعراء، فإننا لا نقرأ قصائد منقوشة فحسب، بل نفتح نوافذ على زمنٍ كانت فيه الكلمة منارة، والشعر قانونًا للجمال، والقصور مرآةً لأرواح من سكنوها ومرّوا بها، ولعلي أستحضر هذين البيتين اللذين أثَّرا في قلبي شخصيًّا عندما قرأتهما:
فلم نَرَ قصرًا منه أعلى مظاهرا
وأوضح آفاقًا وأفسح ناديا
ولم نَرَ روضًا منه أنعم نظرة
وأعطر أرجاءً وأحلى مجانيا
فلتكن هذه المناسبة انطلاقةً جديدة نحو مزيد من الشراكات الثقافية بين المملكتين الصديقتين، ومزيد من المبادرات التي تُعيد للكلمة مكانتها، وتوثّق ذاكرتنا الحضارية، حيثما وُجدت، وأن نواصل المسير في خدمة الثقافة الإنسانية التي توحّد ولا تفرّق».
كما عبرت عن تقديرها لكل من دعموا هذا المشروع ليرى النور، فقالت: «نخصّ هنا بالشكر والتقدير صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، على رعايته الدائمة للمشروعات العلمية والمعرفية التي تسهم في خدمة التراث العربي والإسلامي، وتوثيق جسور الحوار الحضاري بين الشرق والغرب». كما توجهت بجزيل الشكر والعرفان إلى سعادة الدكتور عبدالعزيز السبيل، الأمين العام لجائزة الملك فيصل، «على احتضانه لهذا المشروع منذ بدايته، ومتابعته الحثيثة التي مهدت الطريق لإنجازه بهذا المستوى الرفيع». وشكرت أيضًا السيد رودريغو رويث، مدير هيئة حماية قصور الحمراء، «على جهوده المخلصة وتعاونه المثمر الذي كان له الأثر الكبير في تسهيل الوصول إلى هذا التراث الفني الفريد، وتقديمه للعالم بلغة جديدة».
قصة الكتاب
أعقب الكلمات، جلسة حوارية، شارك فيها الدكتور عبدالعزيز المانع، والدكتور خوسيه ميغيل بويرتا فلتشث، والدكتور صالح عيظة الزهراني، وأشرفت على إدارتها الدكتورة باربرا بولويك غاياردو التي قالت في مستهل تقديمها للجلسة الحوارية: إن هذا الكتاب «يعدّ جوهرة تعبر عن الحمراء وقصورها وجنانها، كما أنه تحفة ازدانت بها الحمراء في عهد دولة بني الأحمر، وتكريم للغة العربية وجمالها». خلال مداخلته، قال الدكتور المانع: إن «لهذا الكتاب قصة، ففي عام 2016م أتحفني صديق عزيز بنسخة من كتاب (Reading the Alhambra) «قراءة قصر الحمراء»، ألّفه البروفيسور خوسيه ميغيل، وقد اعتنى فيه بكل دقائق النقوش في الحمراء، من أحاديث وقرآن وحِكَم وأمثال، لكنه عندما جاء إلى الشعر؛ ذكر أمثالًا منه فقط، وقد لفت نظري وأثار انتباهي في هذا الكتاب أنه يحتوي على مادة علمية جديرة بالنشر بعد استكمال تلك الدواوين والمصادر الأدبية الأندلسية. ولكن قبل البدء في هذا العمل، الذي كنت سأقوم به وحدي، وجدت أمامي عائقين قانونيين؛ أولهما أخذ الإذن من المؤلف، وثانيهما أخذ إذن ناشر الكتاب، فشرعت في إيجاد وسيلة للتواصل بهما لأخذ الإذن منهما من خلال الدكتور صالح الذي قال لي: «إن البروفيسور خوسيه سيأتي للرياض خلال الأسبوع القادم، فسعدت سعادةً لا حد لها». وأوضح المانع أن البروفيسور خوسيه قد سمح له باستعمال كل المادة العلمية الموجودة بالكتاب، وأنه وعده بإرسال إذن الناشر عندما يعود إلى غرناطة، وقد فعل. وقد ظل المانع على تواصل مستمر مع البروفيسور خوسيه لأخذ رأيه في بعض الأمور، لكن الأمر تجاوز ذلك إلى حد الاشتراك في العمل، وشدد على استفادته منه كثيرًا، وصولًا إلى خروج هذا الكتاب إلى النور. وأكد المانع أن شعر الحمراء يختلف كثيرًا عن غيره؛ لأنه شعر عصره المتأخر، وكان الأمير يأمر الشعراء بنقش الشعر على جدران الحمراء. هناك قصائد مديح لأجل العطاء والمنح، وهناك قصائد في الرثاء. أي فسيفساء شعرية متنوعة.

مرجع علمي ورمز للمحبة
البروفيسور خوسيه ميغيل بويرتا فلتشث أشار خلال مداخلته، إلى أنه قد نشر فقط 44 قصيدة في كتابه «قراءة قصر الحمراء» فيما نشر المؤلفون السابقون الذين تناولوا هذا الموضوع 30 قصيدة فقط، وذلك بسبب تلاشي القصائد من بعض الأماكن الرئيسية للقصور، إضافة إلى انهيار ودمار بعض المباني مما حال دون وصولها إلينا. وأوضح أنه قد توصل بمساعدة الدكتور المانع إلى 70 قصيدة بعد مراجعة الوثائق والدواوين المنشورة في مختلف البلدان العربية، مشددًا على أهمية الكتاب الذي يعدُّه مرجعًا للباحثين، «ناهيك عن كونه رمزًا للمحبة بين البلدين؛ إسبانيا والسعودية، إضافة إلى إمتاع القراء الباحثين شعريًّا، وكذلك جمال الخط العربي؛ لأن في الحمراء بعض نقوش وأساليب الخط العربي غير المنتشرة في مناطق أخرى». ولفت البروفيسور خوسيه إلى أن الشعراء في غرناطة آنذاك «قد تعلموا -بلا شك- الشعر الجاهلي والشعر العربي الكلاسيكي مثل شعر المتنبي وأبي تمام، ولكنهم عندما جاؤوا لتطبيقه، فإنهم خلقوا لأنفسهم شعرًا جديدًا وهو شعر القصور، مختصرًا ويمكن نقشه على الجدران، فكانت أطول قصيدة منقوشة في قصور الحمراء مؤلفة من 25 بيتًا شعريًّا فقط. وكما أبدعوا في العمارة فإنهم أبدعوا في الشعر، مما خلق مزيجًا نادرًا في الفن يجمع بين العمارة والأدب».
أما الدكتور صالح عيظة الزهراني، أستاذ الأدب العربي والخبير في الدراسات الأندلسية، فقد أشاد بالكتاب الذي يُعَدّ أحدث الكتب المنشورة عن قصور الحمراء، ولفت إلى أن قيمته «تكمن في أنه يعطي للباحثين والأكاديميين مرجعًا علميًّا ذا قيمة عالية ودقيقة؛ لأنه أُنجِزَ على مدار سنوات طويلة، كما يعطي رؤية عامة عن كل الشعر الذي ازدانت به جدران قصور الحمراء آنذاك، كما يساعدنا على استرجاع جزء كبير من هذا الإرث الشعري والأدبي الذي كاد أن يختفي». كما تحدث الزهراني عن أهم المظاهر التي ميّزت الشعر في تلك الحقبة، وأن أهم المظاهر في رأيه هي تأنيث الجمال، حيث كان الأندلسيون يعتبرون المرأة منبع الجمال.
0 تعليق