كان من حسن حظي، والحظ قرين المصادفة، أن حظيت، في المرحلتين الابتدائية والثانوية، بمعلمين تميّزوا بالمسؤولية واتساع المعرفة. كانت المرحلتان تنفتحان على زمن آتٍ وخيار منتظر وخيالات ملونة. توسدت اللغة العربية، في زمن غير هذا في المرحلة الأولى، مكانًا مريحًا؛ إذ اللغة مقدسة تحكم العقل وتعبّر عن البصيرة، ويستدعي الاحتفاء بها «عيون الأدب»، بلغة المربي الأنيس، الذي كان يعطف «العبرات» على المنفلوطي و»النبيّ» على جبران خليل جبران، ويتأنّى ويشحن ذهنه قبل الوصول إلى «أيام» طه حسين. كان يعطف ما يشاء على ما يشاء ويعد التلاميذ النابهين بمستقبل مريح حسن الهندام.
في المرحلة الثانوية قَلَبَ الزمان لنا «ظهر المِجَنّ»، التوصيف الذي لازم المربي الأنيس، نَأَتْ «عيون الأدب»، وأخذت لغة أجنبية، إنجليزية كانت أو فرنسية، مكان اللغة العربية وجاءت بأسماء وعناوين لا عهد لنا بها، غريبة الرنين وتأتي بمتخيل جديد، حال روبرت لويس ستيفنسون و«جزيرة الكنز»، وهيرمن ميلفل و«موبي ديك»، وشارلوت برونتي و«جين إير»، أو غراهام غرين و«رجلنا في هافانا»….
الرواية الناجية
أستاذ اللغة الإنجليزية في مطلع المرحلة الثانوية كان فلسطينيًّا طويل القامة رمادي الشعر، «حيفاويًّا قُح» كما كان يقول، يمر على عناوين روايات كثيرة ويتوقف أمام: «رجال وفئران» وكاتبها الأميركي جون شتاينبك ويقول: هذه روايتي المفضلة وشتاينبك روائي عادل يقف مع المضطهدين وينصر المستضعفين. كان ذلك في نهاية خمسينيات القرن الماضي، قبل أن يفقد صاحب رواية «عناقيد الغضب» ولده في حرب فيتنام ويغيّر تصوراته عن العالم…
كان المعلم الفلسطيني يرفع رواية: «رجال وفئران» ويقول: تبيّن هذه الرواية أن الجسد الهائل بلا عقل لا يفضي إلى خير وأن العقل الرشيد بلا قوة يورّث الحزن والأسى. ويكمل: يمكنكم أن تطبّقوا هذه القاعدة على عالمنا وأن تخرجوا بخلاصة نافعة: كيف نستعيد حقوقنا المنهوبة وننتصر على الذي انتصر علينا، ومتى نجمع بين القوة والعقل معًا؟
بعد الثناء على الرواية ومؤلفها والحكمة الثاوية بين سطورها، اجتهد التلاميذ في الحصول عليها مترجمة إلى العربية، ترجمة لم ينظر إليها الأستاذ الفلسطيني بعين الرضا، وطلب من تلاميذه أن يقارنوا، إذا استطاعوا، بين الترجمة والأصل الذي لم يكن متوافرًا إلا بمشقة تجاوزها بعضٌ، وكنت منهم؛ إذ أسعفني الحظ في العثور على نسخة من الطبعة الأولى، ما زلت أحتفظ بها إلى اليوم. كانت من الكتب القليلة التي حملتها من دمشق إلى عمّان، تغالب السنين بغلاف خارجي، يثير الفضول والتأمل، حمل صورة شخصين؛ أحدهما تائه الملامح، والثاني قطّب حاجبيه وينظر إلى الفضاء بشجن، تتساقط عليهما أوراق صفراء متكسّرة، أو هكذا بدت لي، ولا تزال في مخيلتي كما بدت، بعد أن تهرّأ الغلاف إثر إصابة الكتاب بشظية قذيفة من تلك التي كان يتقاذفها أهل دمشق في عام 2011م وما تلاه.
أنظرُ الآن إلى الصفحة ما بعد الأولى من «الرواية الناجية» وأقرأ اسم دار النشر: «أرى اسم المؤلف وعنوان الرواية: «John Steinbeck: of mice and men» يليهما، بعد فراغ، رسم شبه دائري انغلق على برج كتب فوقه: Tower books، يتبعه:the world publishing company- Cleveland and new York.. قد تبدو السطور الأخيرة، باللغة الإنجليزية نافلة أو ماسخة، بيد أن حنينًا لا يزال يشدّني إلى كتاب اشتريته، بعد عناء مستذكرًا نقودًا مكثت محفوظة مدة قبل أن «يُضحّى بها» في سبيل كتاب غريب العنوان طبع في آذار عام 1947م، وتعود حقوق طبعه إلى عام 1937م، كما جاء في الصفحة التي أعقبت اسم المؤلف وعنوان الرواية. يتكشّف الحنين المشار إليه في الصفحة الأولى، التي كُتب في أعلى زاويتها اليمنى، وبقلم رصاص: F.D, 1958. يشير الحرفان إلى اسم القارئ والعائلة، اللذيْن عبّرا، في ذاك الزمان عن أوهام شاب، لم يبلغ العشرين، حلم بمكتبة كبيرة، باللغة الإنجليزية تحديدًا، عززه طموح ناعم الملمس، تائه الملامح ظنّ في لحظة ما، أن الكتب الغريبة الأغلفة تُفضي إلى الجنّة، قبل أن يدرك أن حيرة الأرواح تستعصي على الشفاء.
ثنائية المأساة والمفارقة
سردت رواية شتاينبك حكاية رجلين ألجأهما الشعور بالوحدة إلى صداقة لا سبيل إلى انفكاكها إلا بالموت. صحبة تمتدّ في وجودهما امتداد المعصم والساعد؛ لا تقبل البتر ولا تحتمل الإضافة. أشبه بالعين والبصر، فإن أصاب العين قذى سقط البصر في بداية الطريق. والصحبة الغريبة قوامها مفارقة ساخرة، باكية، فغياب التكافؤ يشد «الكبير» إلى الصغير بوثاق من مسد. الأول منهما (ليني) هائل الحجم ضعيف الحكمة، يخطئ في الحركة والسلوك عاجزًا عن التعبير عن مقاصده، يعتمد على آخر (جورج) قليل القامة، تقريبًا متوازن الحركة والفعل والسلوك، يسدّد خطواته ويصوّب أفعاله، فكأن في الأول عاهة تساوي حجمه وخللًا من ضخامته، يقف عثرة في وجه صاحبه الذي يسيّره ويؤمّن له سير حياته.
تأخذ العلاقة بين الطرفين شكل تبعية مطلقة، يعملان في المزارع ويضمن قليل القامة الحصول على العمل، في حين يكون على الهائل الجثة تعطيله؛ ذلك أن حجمه الهائل يُنفِّر الآخرين منه ويسببّ العطالة والهرب. إنه خلْق أقرب إلى المصيبة «والكارثة». ولهذا يكون على العاقل النحيل أن يضمن سبل العيش وأن يردع حماقة صاحبه، التي تجلب دائمًا «الأذى» وغضب الآخرين.
يتكفّل العاقل بتصويب وحصار أفعال صاحبه الأحمق، والتعايش مع عبث الأقدار الذي وضع في طريقه ما يعطلّها، وأملى عليه أن يلهث ليحاصر حماقات إنسان مأفون، لا سبيل إلى إصلاحه أو تعليمه تمييز الخطأ من الصواب.
في موضوع الرواية ما يستدعي ثنائية: المأساة والمفارقة أو: المفارقة المؤسية؛ إذ سعيُ العاقل إلى الخير يجلب له المشقّة، وإذ عشوائية الجسم الهائل الأطراف تصيّر السخرية بلاءً متوالد الحركة، بقدر ما أن حِرْص العاقل على حماية حياة الأحمق يجبره، في النهاية، على إطلاق الرصاص عليه، كي لا يُنكّل به زوج امرأة «مغناج»، حاول «ليني» تمسيد شعرها «وانزلقت» يده إلى عنقها وغادرت الحياة. ذلك أن أصابع الأحمق تكسر ضلوع من تداعبه في لحظات «اللهو المستحيل». أدمن الأحمق على «مداعبة فئران» مازجًا، دون أن يدري بين المداعبة والقتل، أكان المداعبُ فأرًا أو أرنبًا أو امرأة رَخْصَة الجسد جميلة المحيا. فالمدعو «ليني» حباه الله جثة واسعة الامتداد تصيّر اللمس الهيّن مدخلًا إلى الهمود ومفارقة الحياة.
سؤلان يسكنهما عبث الوجود: ما الذي حكم على إنسان بريء بحمل جثة قاتلة؟ ولماذا وضعت الصدف الظالمة في طريق إنسان طيّب مخلوقًا معتوهًا؟ صدف صيّرت الأول قاتلًا والآخر قتيلًا، وهما إنسانان لم يطلبا من الحياة كثيرًا، عملا وانتقلا من مكان إلى آخر حالميْن بمبلغ قليل من المال يسمح لهما بشراء فدانيْن من أرض بخسة الثمن تقيهما شر الحاجة إلى الآخرين وتربية «أرانب» بدلًا من «صيد الفئران»!

عالم شتاينبك
كان معلم اللغة الإنجليزية يقول لنا: عالم شتاينبك رحيب واسع الأرجاء، لا مكان فيه للضيق والجدران المقفلة. آية ذلك عناوين رواياته المتعددة، التي تحيل ظاهريًّا على البساطة والبراءة. فأول رواية قرأتها له كان عنوانها «خميس عذب» صدرت عن دار العلم للملايين في بيروت، ربما، سردت أحوال صِبْيَة جمعوا بين المكر واللعب وارتياد أمكنة مفتوحة. تلتها رواية «المُهر الأحمر»، حيث المكان لحيوان أليف «يمرض ويتوالد ويموت»، كأنه مرآة لبني الإنسان أعقبتها رواية «اللؤلؤة»، الصغيرة الحجم، التي أفصحت عن أشواق الإنسان وعذاباته؛ إذ «حجم اللؤلؤة المشتهاة» يمنع بيعَها، فيضحي بها صاحبها وتعود إلى أغوار البحر.
تحضر الطبيعة، البعيدة عن دنس الإنسان، في عناوين شتاينبك جميعًا: «مراعي السماء» حيث السماء وفضاء لا متناهٍ ترتع فيه مخلوقات واسعة التنوع، و«الوادي الطويل»، والوديان لا تقربها الأرواح البليدة إلا نادرًا، و«شرقي عدن» إذ «عدن» مجاز لأرواح غاضبة تبتغي السعادة وتسقط في العذاب، و«أفول القمر» حيث الحرب وشقاء الأرواح المتحاربة؛ كانت الحرب العالمية الثانية هناك. ثم «نحو إله مجهول» وذلك البحث الطويل في مسارب الحياة لا يهب معنى واضحًا… و«السيارة الشاردة» لا تتقدم إلا لترجع وراء، ولا تريح من التعب. إلا وأتت بتعب أشد.
ربما كان حديث معلمنا عن «عالم شتاينبك الفسيح الأرجاء» صحيحًا، وإن كان بحاجة إلى تعديل وتحوير؛ إذ في كل عالم جملة من العوالم، وفي الفسيح زاوية مظلمة لا ترى، وفي الأرجاء الواسعة يسير إنسان كثير الأسئلة منطفئ العينين.
ما زلت أرجع إلى رواية «رجال وفئران» بين حين وآخر، سائلًا عن معنى «الفئران والرجال»، وهل كل رجل جدير بصفته، وهل الفأر وجود أم مجاز، ولماذا يشعر الإنسان الواسع الحكمة، أحيانًا، أنه يعيش في عالم ضيق نتن الرائحة، كأنه جحرٌ «للفئران»؟
تقوم جمالية «رجال وفئران» في حكايتها وفي الأسئلة الكثيرة التي توصي بها وتبقى، في الحالين، نصًّا أدبيًّا بديعًا لا يُستنفد، جمع بين سخرية سوداء وحكمة متقنعة، وحوار ساخر قوامه العبث يردد فيه أحمق أسئلة عاقل بلا إضافة، وقراءة: الطبيعة بلغة مشبعة بالدفء والحنان، تُؤنْسِن الأشجار والمياه والدروب، وتبعث على فرح غامض.
إن قارئ روايات شتاينبك يزامل شخصيات لا تُنسى؛ تتضمن صائدَ «لآلئ» فقيرًا يتطلع إلى تعليم ابنه ويفقد الهدف، وصبيًّا يبكي «مُهرًا يحتضر» ومخلوقًا جاءت به الصدف قليل الحكمة كثير الحماقة وأسئلة متداخلة تلاحق «إلهًا» يتكشّف قليلًا ويعود محتجبًا كما كان. ومخلوقات مرهقة شقية ملفعة بالغبار تبحث عن الخبز والماء في رواية مديدة الصفحات تدعى: «عناقيد الغضب»، نقلت إلى السينما ولعب فيها دور البطولة ممثل طويل القامة أخضر العينين يدعى: هنري فوندا. إذا كان في رواية «مغامرات روبنسون كروزو» مغامر مفرد يكتسح المكان، فإن في «رجال وفئران» عوالم من الصمت والضجيج والأشجار والأقدار. أثنت الرواية الأولى على المفرد الباحث عن الربح، وسردت الثانية سديم الوجود ووجوه العوالم المتعددة.
0 تعليق