المقالات الأخيرة

وصفتان لتطوير علومنا السلوكية: الاطراد والتجريب

وصفتان لتطوير علومنا السلوكية:

الاطراد والتجريب

العلوم السلوكية Behavioural والذهنية Cognitive تطورت تطورًا مذهلًا في العقود الماضية، وانتقلت من كونها: تأملات فلسفية أو خواطر نفسية أو شذرات أدبية حول «الطبيعة البشرية»، إلى علوم متحاقلة (=بينية) تعتمد على: البيانات الدقيقة والملحوظات المتراكمة والأدلة الصلبة، بما في...

«رغم أنهم قد أحبوا، فـإنهم قتلوا أحبــــابهم»

«رغم أنهم قد أحبوا، فـإنهم قتلوا أحبــــابهم»

في بداية علاقتي بالكتابة، كانت جملة «اقتل أحباءك» أو «اقتلوا أحباءكم»، Murder your darlings التي سمعتها على لسان العديد من أصدقائي الكتاب، وتعبر عن اتجاه متقشف في الكتابة من دون زخارف جمالية، والتي قالها الروائي الأميركي وليم فوكنر لإرنست همنغواي، سواء في سياق مباشر...

العبودية الفكرية الحديثة: بين أوهام التحرر وهيمنة الخطاب الدولي قراءة في تواشج القانون والمعرفة والسلطة

العبودية الفكرية الحديثة: بين أوهام التحرر وهيمنة الخطاب الدولي

قراءة في تواشج القانون والمعرفة والسلطة

في عالم اليوم، يعيش الإنسان حالة متناقضة من الحرية المقنّعة؛ فهو يخال نفسه حرًّا بينما تتسلل القيود الخفية إلى وعيه عبر الخطاب المؤسسيّ، والشاشات، وسائل الإعلام، والشبكات الاجتماعية، والبرامج التعليمية، والقوانين الدولية التي تُعرض كمعايير مطلقة. هذه الظاهرة، التي...

«كيفك أنت زياد الرحباني» لإبراهيم عبدالفتاح طفل ينظر إلى العالم من نافذة مائلة

«كيفك أنت زياد الرحباني» لإبراهيم عبدالفتاح

طفل ينظر إلى العالم من نافذة مائلة

تصنف منشورات بتانة كتاب «كيفك أنت زياد الرحباني» للشاعر إبراهيم عبدالفتاح، الصادر حديثًا، أنه كتاب «سيرة». فهل كتب الشاعر المصري سيرة الموسيقار الراحل؟ أم إن إبراهيم عبدالفتاح يكتب سيرته التي ربما تقاطعت في بعض جوانبها مع حياة زياد الرحباني؟ انتفت تساؤلاتي بعد قراءة...

حين يُنصت الشعر إلى نفسه… ويطمئن العالم

حين يُنصت الشعر إلى نفسه… ويطمئن العالم

ما مستقبل الشعر؟ لا يسأل المرء عن مستقبل ما لم تتزعزع ثقته به، ولا يتأمل مصير ما لم يُخَيَّل إليه أن الظلال بدأت تُزاحم الضوء؛ لذلك يبدو سؤال مستقبل الشعر أشبه بقلق طارئ، أو رعشة خاطفة تصيب يدًا تمسك بقنديل لم يُطفأ يومًا، حتى حين بدا وهجه ضعيفًا في أعين من ظنوا أن...

نون النسوة:

بين السيرة الذاتية والقص الإبداعي

بواسطة | مارس 1, 2026 | قراءات

تتحقق نون النسوة عبر تأمل الشروخ النفسية في مرايا الانكسار الجمعي، لكن تكاملها يقترن بتحرير الرجل من قبضة الاستلاب الديني والطبقي والسياسي، الذي ما فتئ يتعرش حول كينونته فيصدعها بمفاهيم هجينة تغربه عن ذاته، فينساق خلف اضطهاد المرأة وتحجيمها. وتطرح صيرورة السير الذاتية للمبدعات احتواءً روائيًّا مرنًا، يحترم خصوصية الرجل بوصفه شريكًا في إيصال القيمة الأخلاقية الإنسانية إلى عتبة المثالية، وفي الوقت نفسه يسعى نحو توضيح أبعاد مأزق الخذلان الذي تسقط فيه المرأة، بتأثير الانسياق العام خلف التبجح الفارغ بالأنا الفردية.

معانقة الأمل

تستدعي تجربة إيزابيل أليندي التي خرجت من عباءة الموروث الشعبي المضمخ بتضحيات الأبطال، مفهوم اجترار الأفكار ذاتها سواء على الصعيد النسوي البحت، أو على المستوى الإنساني العام. وعلى الرغم من أن نصوصها الحديثة تذخر بمقومات تاريخية تؤطر نضال الإنسان إزاء عصف الأقدار، فإنها تفشل في تجاوز كثافة الزخم الإبداعي في روايتها الأولى «منزل الأرواح»، التي تؤسطر تجربتها الشخصية بين حدي قسوة الإلغاء وقوة الأمل.

أما سيرتها الذاتية «باولا» فتحمل بين طياتها قيمة تشاركية عالية مع القراء، تعادل معاينة جحيم الآلام المترافق بمحنة احتضار ابنتها الوحيدة. كما أننا لا ننكر دهشتنا إزاء براعة استعراضها لمأزق الهوية عند الحفيدة مايا عبر إسقاطه على أزمة جيل المراهقين في أميركا وتمزقهم بين المفهوم الخاطئ للحرية وإدمان المخدرات، كنتيجة حتمية لترديهم في بوتقة الفراغ.

ومع أن أليندي لن تفارق جنبات «منزل الأرواح»، بل ستدأب على إلباس شخصياتها القديمة ثيابًا جديدة، وتدفعها نحو معانقة الأمل ذاته بقيامة الإنسان مع إشراقة كل رواية، إلا أننا نقبل دومًا على استطلاع تلك الألفة التي وثقتنا بها، كما نفعل حين نعيد مشاهدة فِلْم أحببناه عشرات المرات، لا لشيء سوى معايشة الزخم العاطفي والإنساني نفسه الذي ألفناه، وهو ما ينطبق على قراءة روايتها الأخيرة «سفينة نيرودا».

يمكن أن نلحظ في رواية «الابنة السرية» تطبيقًا عمليًّا للدرس المستمد من مذكرات مواطنتها «كينيزي مراد»، التي تخبطت بين جنسيتين، فلجأت إلى الصحافة لبناء جسر يصل نمطين حياتيين يصوغان هوية مزدوجة. فترتبك بطلتها أوشا بين جذورها الهندية ونشأتها كطفلة متبناة لطبيبة أميركية وطبيب هندي. وهذه الازدواجية تنعكس في تغيير اسمها، من أوشا المقترن بأمها البيولوجية ويعني الفجر، وآشا الذي أطلقته عليها أمها بالتبني، ويعني الأمل؛ لتتخبط طوال مراهقتها بين الحنين لأقرانها الذين يشبهونها في الشكل واللون والهوية، وبين عالم متحرر فكريًّا يقبل الاختلاف ويراه مدخلًا للتميز. ومجددًا تنهض الصحافة كجسر يرمم الثغرات في الهوية ويستطيل ليصبح صرخة لأنين المنسيين في أكواخ الصفيح.

وحين يتجاور مستنقع الأمل المتجلد لدى أروندهاتي روي مع الفقر المقدس الذي تصدره الهند نحو العالم بأسره، حسب تعبير نايبول، تبرز «الابنة السرية» كي تسرد قوة الروح الإنسانية، من خلال شخصية سليلة الموءودات أوشا. ومشروع الضحية يتحول إلى فعل إيمان بفجر جديد تدشنه مع شقيقاتها في أكواخ الصفيح التي تحمل اسم دارافي، حيث يعيش ما يزيد على مليون شخص ضمن مساحة لا تتعدى الكيلو مترين، وتضم كثيرًا من المصانع والمنتوجات التي تحمل عبارة صنع في الهند.

‌كان يمكن لقدر آشا أن يجعلها إحدى نساء دارافي، فتواجه الامتهان الجسدي أو ذل الفقر، وأن تكرر عمل أمها البطولي حين حضنت وليدتها ومضت إلى العاصمة دلهي سيرًا على الأقدام كي تحظى ابنتها بالمستقبل. وما يبدأ كحاجة مبررة لمعرفة الوالدين البيولوجيين، ويتحول إلى دافع إبان جموح المراهقة للتنمر على الأم الأميركية ينتهي بالسقوط في فخ العواطف، ويتضح أنه ترف حضاري ما كانت لتجرأ على الحلم به لولا نشأتها الأميركية؛ لذلك حين تجتاز بعين الصحفية حَدَّي الحياة الهندية المقسمة طبقيًّا تدرك كم في التخلي المرتبط بوَأْدِ الحياة من قسوة وكم تخفي البسالة المجترحة من عمق الشقاء والحرمان قهرًا وتحدّيًا وإصرارًا على الحياة.

بدأت آشا رحلتها نحو معاينة الذات بالبحث عن أسرتها لينتهي بها المطاف باكتشاف أسرة والدها بالتبني، التي تتشارك فيها نساء العائلة المؤازرة العاطفية. وهذا البعد يتوج باختيار الجدة للحفيدة المتبناة لتنوب عن والدها الغائب في أميركا بإشعال المحرقة، التي تجسد طقس الاحترام الأخير المترتب على ابن الميت. بذلك تتحدى الجدة القانون الصارم الذي يعطي الذكر الأولوية في كل شيء، فيصبح رد الاعتبار للفتاة المحكومة بالوأد مسألة عائلية تضع حدًّا لاحتجاج الابن الثاني في الأسرة على تفضيل آشا.

في مملكة الانفصام

اختبرت الصحفية الفرنسية دلفين مينوي ذات الأصول الإيرانية النمط الحياتي المحكوم بالازدواجية، حين عاشت في إيران طوال عشر سنوات، فرصدت من خلال عملها مراسلة فرنسية التحولات الخفية التي كانت تطرأ على المجتمع الإيراني، وتنقله من ثورة الخميني عام 1979م إلى تجديد انتخاب نجاد الذي اندلعت ضده مظاهرات مطالبة باستعادة الأصوات الانتخابية في إشارة إلى تزوير النتائج. وقد عنونت سيرتها الذاتية بـ«أكتب لكم من طهران» وتقصت فيها اختناقات الحياة تحت سطوة التشدد الديني والسياسي، لتضيء بعض الجوانب الاجتماعية.

تطلق «مينوي» على إيران «مملكة الانفصام»؛ لأن الأنا الظاهرة نادرًا ما تتقاطع مع الأنا المستترة، بسبب أسلوب الحياة القائم على تلقين الكذب للأطفال بوصفه مفتاح البقاء على قيد الحياة؛ لذلك تؤطر عبثية تلك الحياة على لسان المخرج المسرحي أردشير بعبارة: «لسنا في الأساس سوى دمى مفككة تتحرك دون اتساق». وهذه الدمى تعيش على حافة الخطر كي تتنفس الحياة الواقعية، وهو ما يؤمن لها نوعًا من الإثارة، يجعلها تتذوق الفن والموسيقا سرًّا، تحت تهديد مداهمة حراس الأخلاق. و«مينوي» التي وصلت إيران مع قصيدة غامضة لشيراز، غادرتها بعد اثني عشر عامًا مع قصيدة حديثة تتغنى بعشق الإيرانيين للحياة.

التغريبة الكورية

تعكس رواية باتشينكو السيرة الذاتية لحياة ثلاثة أجيال من المهاجرين الكوريين إلى أوساكا اليابانية، إبان الحرب العالمية الثانية. فتصوغ عبر ثنائية المتعة والألم، والشغف والخوف، تغريبة الكوري في المنفى الياباني، حيث عانى التنمر والإقصاء والتهميش، واتهم بأنه ابن حرام، وحجبت عنه إنسانيته، وتدنى في سلم الوظائف والأجور، ليصبح عبدًا في صورة عامل، كحال يوسف شقيق إسحاق، الذي كان يتقاضى نصف الراتب الذي يناله الياباني لقاء العمل نفسه. أما الكوري الغني فكان محكومًا بالعمل في صالات القمار المعروفة بالباتشينكو، التي تفوح منها رائحة الفقر والإجرام، وترتبط بالياكوزا اليابانية.

كتبت رواية باتشينكو بذكاء عاطفي يعكس شخصية الإنسان الكوري، وضمنت رمزية الأسماء التوراتية إيصال المعاناة الجمعية إلى عتبة القربان المقدم على مذبح الكمال والانعتاق الروحي. فبدأت المؤلفة الأميركية ذات الأصول الكورية بتسميةِ القسِّ إسحاق ابنَه الأولَ الذي لم يكن من صُلبه «نوحًا»، ثم يسمي ابنَه البيولوجي «موسى». وبينما يثمن عاليًا شجاعةَ نوحٍ في مقارعة التنمر في المدرسة اليابانية ويعتبر الفتى بركته ينسحب موسى من المدرسة ويتدرب على إدارة صالات الباتشينكو. فيما يحظى الحفيد باسم سليمان، ويعكس سلوكه الحكمة منذ بلوغه الثالثة والنصف من عمره، حين يقف مستندًا على عكازين ليتلقى التعازي في جنازة أمه كرجل بالغ، بعد أن صدمه سائق أرعن سكير وتسبب في مقتل أُمّه.

يجبل التنمر الياباني شخصيات الرواية، فيجعل موسى رجلًا صلبًا ثابت الجنان، ويدفع نوحًا لارتداء جبة الياباني، والتنكر لأصله أمام عشيقته ثم زوجته اليابانية، ويلقى بإسحاق في السجون اليابانية، فيقضي نحبه شهيد الظلم فيما تقعد الحرب شقيقه يوسف. وبينما يؤمن القس بوجود مخطط إلهي لهذا العالم، يوقن موسى أن الحياة أشبه بلعبة يتحكم فيها اللاعب؛ ليؤطر هذا الفصل بين الرؤيتين عالمين منفصلين متاخمين أحدهما للآخر. ولكن على الرغم من دراسة نوحٍ وتفوُّق سليمانَ فإن الاثنين انتهيا إلى العمل في صالات الباتشينكو، أُسوة بموسى الذي اختصر على نفسه الطريق منذ البداية. أما يوكو صديقة سليمان فتُؤْمن بأن أميركا ستكون مكانًا أفضل للجميع لأنها تقبل الاختلاف بينما لن تضم اليابان أي غريب إليها.

تبعث الروائية الكورية «هانغ كانغ» في روايتها التوثيقية «أفعال بشرية» تاريخ الأيام العشرة الدامية في مدينتها غوانغجو إبان ثمانينيات القرن الماضي، التي أصبحت مرادفة لكل إنسان يتعرض في كوريا الجنوبية لعزلة قسرية، وللسحق وللوحشية، ولكل ما يشوه بشكل غير قابل للإصلاح. فحينها زادت أعداد المنسيين في الأضرحة المفتوحة، وطافت أرواحهم بيأس حول أجسادها قبل أن تغادرها من دون أن تحظى بإجابة عن سؤال هاينريش بول «من أين يأتي العنف، وإلى أين يمكن أن يؤدي».

وعلى الرغم من إسقاط الملاذ المألوف للغة المغيبة من سجل الضحايا، فإن «كانغ» استطاعت بعد عقود استشعار نبضهم داخل عقلها، وبناء أضرحة تخلد ذكراهم. وحاولت تلمس الهشاشة المفرطة للإنسان إزاء عصف التاريخ بهوانغجو، التي أثبتت لها أن روحه في السابق كانت مصنوعة من زجاج غير قابل للكسر. لتكتشف لاحقًا أن الكوريين لم يتثبتوا من امتلاكهم أرواحًا إلا عندما تحطموا: «وقتها تأكدنا أننا كنا بشرًا حقًّا، بشرًا مصنوعين من زجاج». وهو ما دفعها للتساؤل عن جذور القسوة في الإنسان، وهل تعود إلى الفطرة؟ وهل يمثل العنف الشيء الوحيد الذي يتشاركه الجنس البشري؟ وهل الكبرياء التي يتشبثون بها ليست سوى وهم يخفي الحقيقة الواضحة: «أن كلًّا منا قادر على أن يُختزل في صورة حشرة، وحش كاسر، كتلة لحم».

البحث عن ذاكرة جديدة

تثمن المؤلفة الماليزية من أصول صينية «يانغسي شو» الكتابات الخيالية؛ لأنها تتيح وضع جميع السرديات الشعبية والأشياء التي يكتنفها الهوس الشخصي تحت اسم البحث. وهو ما يتيح لها الاحتفاء من خلال روايتها «نمر الليل» بالأسرار التي تخيلتها مختبئة في البيوت الكولونيالية في ماليزيا، إلى جانب شغفها براقصات الصالات القديمة، وحكايا التوائم الروحية، وأساطير النمور المتحولة إلى بشر، والقطار السحري الذي يمكنه أن يحمل الإنسان إلى عالم الأموات، كالقطار في فِلْم Spirited away، وتمتين هذه التركيبة المذهلة عبر نسيج غامض متصل بجرائم القتل.

وبحسب الناقدة باتريشيا شولثيس، تتمثل مشكلة العالم الذي تصول فيه «شو» وتجول في البحث عن ذاكرة جديدة لتاريخ حافل بالإنجازات، يضعنا أمام مشكلة الشرق وهو في لحظة النهوض من ماضيه. وهو ما يرفع عملها الإبداعي إلى مصاف الروايات المكتملة من النواحي التشويقية والتسويقية.

وعلى النقيض من الفرح والبهجة لدى «شو» نصدم بالألم والمرارة في رواية «جنة العميان»، التي تشكل أيضًا نمطًا إبداعيًّا من السيرة الذاتية. حيث تؤطر الكاتبة الفيتنامية «ديونغ تيو هوانغ» تعب الكادحين ممثلًا بتشين من محاولة تحقيق الجنة على الأرض، التي لم يعرفوا بسبب ذكائهم المحدود جدًّا مما كانت تتألف ولا كيف سيتوصلون إليها. وحين استيقظوا من أوهامهم لم يتبقَّ لهم سوى فتات الحياة، مجسدة في بعض البذور المرمية في الطين، فأسرعوا لالتقاطها بأي ثمن كان، لتتخلق مأساتهم كذكريات مريرة عند أبنائهم، عمقت الشرخ بين الطموح المُتّقِد والواقع المجبول بالشقاء؛ لذلك تختصر الحكمة الشعبية «لم يكن لنقود الجحيم قيمة إلا في سوق الوجود» معاناة الشعب الفيتنامي إبان محنة الجنة الماركسية.

هذه الجنة طاردها الحمقى أمثال تشين الذي نال منصبًا قياديًّا في الدولة عقب ملاحقته لمالكي الأراضي الزراعية، فتسبب في ترمل أخته الوحيدة وتيتم ابنتها هوانغ، وفي إذلال جدتها لأبيها وعمتها. ويكشف مصطلح جنة العميان أيضًا عن الحمق الذي يستتر بمظاهر الاحتفاء الأجوف بالنسب، والمتمثل في العمة التي نذرت شبابها كي تسترد مكانتها الطبقية وتبني إرثًا لابنة أخيها الجائعة هوانغ، فيما انشغلت أم الفتاة بالكد والشقاء لتأمين الطعام لشقيقها تشين وولديه الجائعين، ضمانًا لاستمرار السلالة. وبالتالي، يقترن مصطلح الجنة الماركسية بجنة غير المبصرين، التي تتساوى مع المكانة الطبقية المنتزعة عبر الحرمان والشقاء؛ لذلك ترفض هوانغ الإرث وتتطلع إلى مستقبلها الخاص، فرعاية الأزهار الذابلة فوق قبر العمة لن تورثها سوى السقم والخواء.

فتح الباب المغلق

تخط الروائية الإيطالية «إيلينا فيرانتي» تجربتها الذاتية كزوجة مهجورة في روايتها «أيام الهجران»، فتسقط على عاتق أولغا هاجس المرأة المبدعة التي تتوق إلى كتابة قصص نساء الكلمات التي لا تقهر، لا دليل الزوجات المقهورات، اللواتي احتل الحب الضائع وجدانهن. ولأن المستقبل بدءًا من نقطة معينة يمسي الحاجة إلى عيش الماضي مجددًا، تحتم عليها تعلم تصريف الأفعال، فدارت الرواية بين انكسار «آنا كارينينا» وعقدة «لوليتا». وظهرت في خلفية المشهد الأم التي تعرج في رواية «صديقتي المذهلة» وخوف الابنة من التحول إلى صورة عنها، لتتخلق مجددًا في هيئة زوجة مهجورة، دفعها ألم الفقد الكبير للانتحار، فلازم شبحها أولغا طيلة ثلاثة عقود، خشية التحول إلى مسكينة، حتى أصبحت امرأة ترحل عن نفسها عند خيانة زوجها لها مع لوليتا صغيرة.

أربعة أشهر من التوتر والألم المرافق للهجر جعلت أولغا تدرك أن الكتابة الحقيقية تبدأ من الأم، فتستحضر طفولتها وهي تصغي من تحت الطاولة إلى ثرثرة النساء عن المسكينة. ثم تطوي الصفحة وتبدأ من جديد لاستخراج المعنى بمعزل عن الانفعالات اللاعقلانية التي أطرتها بنموذج آنا كارينينا. فيكشف انسياقها خلف مقولة «النجاح هو قدرة إدارة المؤكد بدقة الحساب» عن ثمن تنازل المرأة عن تفردها الشخصي تحت غطاء التوافق مع الزوج الوسيم.

تدرك أولغا المصيدة التي تخبطت فيها، حين حبست وجودها داخل الطقوس التي كان يقدمها لها ماريو بمحبة زوجية حذرة، فأوكلت قيمتها الذاتية إلى ثنائه، وحماسته، وربطتها بمسيرة حياته المزدهرة على حساب تفانيها، حتى ظنت أنها لن تستطيع العيش من دونه، على الرغم من عدم شعورها بأنها لم تعد حية معه. في المقابل، لم يتحلَّ ماريو بقدرات استثنائية، فاقتصرت موهبته على إدراج كل حركة من حركاته في المكان المناسب، وضمن الشبكة الآمنة نفسها، وهو الأمر الذي سربل أولغا بحسرة الفقدان العنيفة، وقلق السقوط خارج نسيج الثوابت، لتجد نفسها مجبرة على تعلم الحياة بغياب الثقة في قدرتها على ذلك.

تجسدت الذروة التصعيدية في قفل الباب المغلق وعند غياب أي إمكانية للتواصل مع العالم الخارجي، لتصبح أولغا مع طفليها والكلب المحتضر محاصرة وسط هذيانها. وتتشكل مفردات الحل في تحول طفلتها الصغيرة إيلاريا إلى منبه ومحرض على اليقظة، فيؤدي تبرجها المفرط المحاكي لأمها الضائعة في هلوساتها دور مرآة تعكس بؤس وجه فاقد لبوصلته الإنسانية، ثم يعادل نخزها باستمرار بمبرد الأوراق الحبل الذي يربط الجسد بالروح في تجارب الخروج من الجسد. وهذه الخطوات مضافًا إليها موت الكلب تعيد أولغا إلى رشدها، فيستعيد ماريو مجددًا دور الرجل الطيب كما كان، وتتيقن من كونها لم تعد تحبه. وحين تدرك في أثناء جر جثة الكلب أن الحياة خفيفة، وبالتالي ينبغي عدم السماح لأحد بجعلها ثقيلة، ينفتح الباب بسهولة.

تتكئ الروائية الإيطالية بيانكا بيتسورنو في روايتها «حلم ماكينة الخياطة» على خاصية التشارك في تكوين قصة حياة، التي تميز البالغين الطبيعيين، وتتمثل في القدرة على تجميع الأجزاء وتكوينها للحصول على علاقة إنسانية؛ «فمن الصعب أن تكون إنسانًا وتنخرط في علاقات دون أن يكون لك نسخة من قصة حياتية تطفو حولك». وتربط نسيجها القصصي عبر ماكينة الخياطة، التي تمتن من خلال تفصيل الأزياء الحد الفاصل بين من يملك المال والنفوذ ومن ترك على الهامش ليكدح ويتعرض للإذلال والامتهان.

وفي الوقت نفسه، تجمع ماكينة الخياطة بين الخياطة الفقيرة والمركيزة الشابة التي خبا حبها لزوجها بفعل أنانيته المفرطة، كما أنها تحتضن حلمًا جميلًا لا يقيض له الاكتمال، لكنه لا يحول دون أن تجد مريم يوسفها النجار. وخلافًا للتوقعات لا تغرق الكاتبة شخصياتها الأنثوية في بوتقة الانغلاق على الذات، بل تحررها وتدفعها نحو مؤازرة بعضها بعد إسقاط الفارق الطبقي، لتنساب الحكايات متناغمة، ومذكرة بأجواء تورجنييف.


إحالات:

–  سفينة نيرودا، إيزابيل أليندي، دار الآداب 2021م.

–  الابنة السرية، شيلبي سومايا غاودا، الدار العربية للعلوم ناشرون 2016م.

–  أكتب لكم من طهران، دار الجمل 2019م.

–  باتشينكو، مين جين لي، دار العربية للعلوم 2018م.

–  أفعال بشرية، هانغ كانغ، دار التنوير 2020م.

–  نمر الليل، يانغسي شو، دار الرافدين 2020م.

–  جنة العميان، ديونغ تيو هوانغ، دار دال 2015م.

–  أيام الهجران، إيلينا فيرانتي، دار الآداب 2020م.

–  حلم ماكينة الخياطة، بيانكا بيتسورنو، منشورات المتوسط 2020م.


هوامش:

(1) إيزابيل أليندي، روائية تشيلية، صدرت روايتها «منزل الأرواح» في عام 1982م، وترجمتها دار الجندي عام 1982م، و«دفتر مايا» عن دار دال في عام 2014م.

(2) كينيزي مراد صحفية فرنسية ذات أصول هندية، صدرت ترجمة سيرتها الذاتية «حديقة بادلبور» عن دار ورد 2011م.

(3) أورندهاتي روي صحفية هندية ذات أصول سورية، صدر كتابها «ثمن العيش» عن دار ورد عام 2003م.

(4) ف، س، نايبول، روائي بريطاني من أصول هندية نال جائزة نوبل للآداب، صدرت روايته «بذور سحرية» عام 2004م.

(5) هاينريش بول، روائي ألماني، نُشرت روايته «شرف كاترينا بلوم الضائع» في عام 1972م.

(6) Spirited away، إخراج الياباني هايو ميزاكي عام 2004م.

المنشورات ذات الصلة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *