يتيح كتاب «نسج الريح: قراءات نقدية في السرد»، الصادر حديثًا عن دار أدب للنشر والتوزيع، بالرياض، الإطلالة على جانب حيوي من جهود الناقد الدكتور عبدالعزيز السبيل في مجال النقد السردي. ويتجلى ذلك عبر الاهتمام بالنظرية السردية، وبمفاهيم السرد والسرديات، والاهتمام بأجناس سردية بارزة (القصة القصيرة، والرواية) نظريًّا وتاريخيًّا وتطبيقيًّا.
وعلى الرغم من أن الكتاب في الأصل مقالات نُشرت في الصحافة السعودية في تسعينيات القرن الماضي وفي السنوات الأولى من الألفية الثالثة، فإن الكتاب يبدو مترابطًا، تتكامل فصوله لترسم لوحة مشرقة من لوحات السرد العربي الحديث؛ ذلك لأن مؤلفه، فيما يبدو، قد اتبع خطة للعناية بالسرد وبعلاماته ونصوصه، وظل وفيًّا لخطته على مدار السنين، وهو ما انتهى بالمقالات إلى هذا الكتاب الحيوي الذي يمنح القارئ إطلالة نقدية ثمينة على السرد العربي في المملكة العربية السعودية، في مراحل النشأة والتأسيس، وفي مراحل التطور والنضج، وصولًا إلى المراحل الأخيرة التي قويت فيها التجربة ودخلت مراحل من التحديث والتجريب.
تبسيط النقد دون تفريط
يدل الكتاب، من جهة أولى، على مواكبة الناقد الدكتور عبدالعزيز السبيل للإنتاج القصصي والروائي السعودي، وعلى اهتمامه به منذ عقود عدة، وما الكتابة النقدية في الصحف الذائعة إلا لون من ألوان هذا الاهتمام وتلك المواكبة، وما يختبئ وراءها من دعم مؤيد لهذا الإنتاج الإبداعي، ومن وعي بدور السرديات في حياة المجتمعات المعاصرة. ومن جهة ثانية يطلعنا الكتاب على ثقافة نقدية وعلى متابعة واسعة للنقد السردي العربي والعالمي، وكذلك على حركة القصة والرواية في العالم العربي. فلا يعني اهتمام المؤلف بالإنتاج السعودي أنه يفصله أو يستقل به عن محيطه العربي، بل هو شديد الحرص على تقييم هذا الإنتاج ونقده ضمن رؤية موسعة تجتهد في موازنته مع ما يقابله أو يوازيه من الإنتاج العربي، ووضعه في سياقه الموسع، نظرًا للتقارب والتشابه في كثير من الظواهر المرتبطة بذلك الإنتاج.
وعلى الرغم من تعدد فصول الكتاب إلى خمسة عشر عنوانًا، فإننا بعد الفراغ من قراءته نجدها تتجمع في دوائر واضحة. تبدأ بالدائرة النظرية التي تضم المقالات الأولى المهمة التي تقدّم إطارًا نظريًّا شديد الكثافة والفائدة. وهناك دائرة تاريخية تشمل التأريخ للقصة القصيرة وللرواية السعودية، وتقدم إطلالة شاملة على مراحل تطورها في قراءات شاملة تتخذ من البعد الزماني وتتابع المراحل والأجيال أساسًا لضبط المراحل.
وتنصرف بقية المقالات إلى القراءة التطبيقية التي تتركز معظمها في قراءات نقدية نصية لقصص وكتابات سردية محدّدة، وتكشف عن طاقة تحليلية رفيعة، وعن قارئ حصيف شديد الإصغاء للنص السردي، ولأصوات الرواة وحركة الشخصيات. أي أننا هنا أمام تجليات الثقافة السردية الحديثة للمؤلف عبر أثرها العميق في القراءة النقدية التي تسبر النص وتتعمق في أبعاده، وتكشف طبقاته الفنية والدلالية، ولا تسهو عن ربطه بالحركة الثقافية والمجتمعية وبمجمل التحولات الحضارية التي تقف وراء كثير من هذه القصص المختارة للتحليل.
يكتب السبيّل كتابه/ مقالاته بأسلوب واضح، دقيق، يجمع في نسيج واحد بين الكثافة والإيجاز والإمتاع. ومن البيّن أن اقترابه من عالم الصحافة والحياة العامة مبكرًا قد أسهم في تكوين هذا الأسلوب؛ ذلك أن مثل هذه التجربة تعلّم الكاتب كيف يقترب من القارئ العام، ويبذل الجهد في تبسيط المعرفة، ويخلّص النقد من المصطلحات والعبارات الصعبة التي تشيع في كتابات بعض النقاد الأكاديميين، وتغمض على القارئ العادي وأحيانًا المتخصص.
ولذلك فإن مقالات السبيّل تشدك وتدعوك لمتابعتها، حتى لو لم تقرأ الأعمال والنصوص التي يكتب عنها. فهو يوضح لقارئه خلفيات العمل وسياقاته، ويبين هويته المضمونية والفنية، ويقتبس فقرات منه، تجعل المقال النقدي مكتفيًا بذاته، ومكتملًا، ومفيدًا، حتى لو لم يكن النص الإبداعي المقصود متاحًا.
الرواية الأولى: إعادة نظر
السمة الأخرى التي تراءت لنا بين ثنايا هذه المقالات أن السبيّل يحرص على أن يكوّن صورة شاملة عن مادته وموضوعه، عبر تعدّد المراجع والموارد والآراء التي يعرضها. ثم هو يوازن بينها، ويقتبس أبرز ما فيها، ثم يصدر أحكامًا تتميز بالاعتدال والرويّة، متفقًا أو مختلفًا مع من سبقوه، أو مصححًا ومستدركًا على ما ذهبوا إليه، خصوصًا في المقالات النظرية والتاريخية التي تقتضي ضروبًا من التتبع والمراجعة للآراء والاجتهادات السابقة.
ومن أمثلة ذلك تعديله لما ذهب إليه عدد من النقاد ومؤرخي الأدب بخصوص الرواية الأولى في الأدب السعودي، فقد شاع أنها رواية عبدالقدوس الأنصاري «التوأمان»، في ثلاثينيات القرن الماضي، وقد تبين له أنها ضعيفة ومرتبكة رؤية وفنًّا ولا تستحق هذه المكانة التأسيسية. وذهب إلى أن رواية أخرى هي الأجدر بهذه المكانة وهي رواية بعنوان «الانتقام الطبعي» لمحمد الجوهرجي التي نشرت أول مرة عام 1935م. وهي لأسباب فنية في رأيه «تستحق بجدارة أن تمثل بدء الرواية في المملكة العربية السعودية».
وتبعًا لما سبق، لا يميل السبيّل إلى المبالغة في رسم صورة غير دقيقة للحركة القصصية والروائية، فيأخذ على محمد الشنطي وخالد اليوسف أنهما بالغا في إحصاء كتب كثيرة ضمن بحثهما عن نشأة الرواية وتطورها في الأدب السعودي، وأن كثيرًا منها لا يستحق الاهتمام ولا التوثيق لتطامن المستوى الفني؛ ذلك أن الأدب والفن ليسا بالكثرة أو بالكم، وإنما بالإبداع والفرادة والتميز.
وتُظهر مقالة المؤلف حول الكاتبة السعودية الراحلة نثار يحيى زكريا (1925-2017م) مساندته لأدب المرأة ومتابعته للإنتاج النسوي السعودي. فقد كشفت هذه المقالة عن رائدة ومثقفة عربية شبه مجهولة للقارئ العربي، اتجهت مبكرًا للدفاع عن المرأة وموقعها الاجتماعي والثقافي، وضرورة أن تحقق ذاتها وأن ينظر باحترام لأدوارها المتشعبة. وقد كتبت الراحلة مقالاتها وكتاباتها المبكرة موقعة بالحروف الأولى من اسمها، وهو ما يضعنا أمام ظاهرة الأسماء المستعارة للكاتبات العربيات خصوصًا في النصف الأول من القرن العشرين؛ بسبب عدم تقبل المجتمع ظهورَ المرأة صراحة في الحواضن الثقافية والإعلامية، ومعاداته للنساء المثقفات اللواتي ينافحن عن مكانة المرأة ويطالبن بحقوقها.
يذكّرنا المؤلف بعدد من الكاتبات السعوديات اللواتي استعملن أسماء مستعارة في مراحل من حياتهن الثقافية من مثل: سميرة بنت الجزيرة (سميرة خاشقجي)، وغجرية الريف وغيداء المنفى (هيا العريني)، والخنساء ونداء (سلطانة السديري)… وهذه الظاهرة جزء من ظاهرة عربية واسعة ضمن محاولات المثقفات الأوائل للتحايل على القيود التي أحاطت بهن، وهي صورة من صور مقاومة الرائدات العربيات للضغوط الاجتماعية التي لم تنفك بيسر أو دون تضحيات على مر السنين والعقود الحديثة.

مشروع ثقافي متكامل
لقد طوّف الناقد عبدالعزيز السبيل في مسيرة القصة القصيرة والرواية السعودية، وإلى جانب عشرات الأسماء الرائدة، التي وردت في القراءات البانورامية والتاريخية، فقد وقف عند تجارب قصصية وسردية بعينها وقفات متأنية متعمقة، تدل على خبرته في قراءة النص السردي، وعلى ضروب من القراءة الفاحصة لأبعاده وعناصره، وذلك في قراءاته قصص مختارة لكل من: إبراهيم الناصر الحميدان، وحسن النعمي، ومحمد علي الشيخ، وتركي ناصر السديري، وجارالله الحميد، ومحمد علي قدس وغيرهم.
أما قراءة السبيّل للكتاب السردي للدكتور عبدالله الغذامي «حكاية سحارة» فهي قراءة حديثة جمعت خيوطًا متعددة. فلقد حلل المؤلف سيمياء الغلاف والعنوان وعتبات الكتاب، رابطًا بين جهد الغذامي السارد، وجهد ابنته الفنانة التي أنجزت رسوم الغلاف وتصميمات الكتاب. وهذه القراءة السيميائية تدل على اجتهاد السبيل في الإفادة من الاتجاهات الحديثة التي تفتح الباب واسعًا أمام قراءات تأويلية تُعنى بما سماه جيرار جينيت بالعتبات، وشدّد على وظائفها في قراءة النصوص وتفكيك أعماقها.
وإلى جانب وعي السبيّل بالأبعاد السردية الشعبية للكتاب، وتقصّده التعالق مع نوع سردي عربي قديم هو (تكاذيب الأعراب)، فإنه لم يكتفِ بالتحليل السردي الاعتيادي، وإنما أضفى على حكايات الغذامي أبعادًا تبدو أقرب إلى السيرة والتجربة الذاتية، مبينًا تعالق بعض هذه الحكايات مع مكانة الغذامي ومسيرته في حركة الحداثة العربية في السعودية، وما شهدته هذه الحركة من مواجهات مع التيارات التقليدية خصوصًا في ثمانينيات القرن العشرين، وأن بعض حكايات الكتاب ليست إلا تمثيلًا موازيًا لبعض القصص الحقيقية، وليس التكاذب أو التخييل إلا سبيلًا فنيًّا للتعبير عنها والإفادة منها وتحويلها إلى مادة تستعاد لتأريخ معركة الحداثة.
يضاف هذا الكتاب إلى رصيد ثمين للدكتور عبدالعزيز السبيل (مواليد القصيم 1955م) مما تمثل في مؤلفاته وترجماته وبحوثه السابقة مثل: «الشعرنة بين السياسة والشعر»، و«الغذامي الناقد» 2002م، و«عروبة اليوم»، و«رؤى ثقافية» 2010م، و«أزمة الموروث الثقافي»، و«المثقف المؤسسة السلطة» 2011م، و«السرد والشعر: رؤى نقدية» 2019م، إلى جانب ترجمات بارزة منها: «تاريخ كمبريدج للأدب العربي» 2002م، وشارك في ترجمة مختارات ونصوص قصصية إلى الإنجليزية منها: «أصوات التغيير: قصص قصيرة للكاتبات السعوديات» 1997م، و«أصوات جديدة في السعودية: القصة القصيرة» 2014م. وأما جهوده في التعليم الجامعي وإدارة الثقافة وهندستها وتنظيمها في السعودية والعالم العربي فهي جهود لا تخفى على المتابع، وما زال حتى اليوم يواصل دوره الثقافي التنويري عبر الكتابة والإدارة وتأسيس المجلات وتنظيم الفعاليات الفكرية، والمشاركة في المجالس واللجان الرفيعة، وقد عمل أستاذًا جامعيًّا في جامعة الملك عبدالعزيز، وجامعة الملك سعود، وترأس مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، وعمل وكيلًا للشؤون الثقافية بوزارة الثقافة والإعلام، وما زال يواصل مسؤوليته أمينًا لجائزة الملك فيصل العالمية. إنه باختصار مثقّف الحِراك الذي يرى الثقافة في حركتها لا سكونها، ويراها قابلة للتجدد وللتأثير وللإسهام في تنمية المجتمعات كلما استمرت في المواجهة والحركة والصمود.
0 تعليق