المقالات الأخيرة

وصفتان لتطوير علومنا السلوكية: الاطراد والتجريب

وصفتان لتطوير علومنا السلوكية:

الاطراد والتجريب

العلوم السلوكية Behavioural والذهنية Cognitive تطورت تطورًا مذهلًا في العقود الماضية، وانتقلت من كونها: تأملات فلسفية أو خواطر نفسية أو شذرات أدبية حول «الطبيعة البشرية»، إلى علوم متحاقلة (=بينية) تعتمد على: البيانات الدقيقة والملحوظات المتراكمة والأدلة الصلبة، بما في...

«رغم أنهم قد أحبوا، فـإنهم قتلوا أحبــــابهم»

«رغم أنهم قد أحبوا، فـإنهم قتلوا أحبــــابهم»

في بداية علاقتي بالكتابة، كانت جملة «اقتل أحباءك» أو «اقتلوا أحباءكم»، Murder your darlings التي سمعتها على لسان العديد من أصدقائي الكتاب، وتعبر عن اتجاه متقشف في الكتابة من دون زخارف جمالية، والتي قالها الروائي الأميركي وليم فوكنر لإرنست همنغواي، سواء في سياق مباشر...

العبودية الفكرية الحديثة: بين أوهام التحرر وهيمنة الخطاب الدولي قراءة في تواشج القانون والمعرفة والسلطة

العبودية الفكرية الحديثة: بين أوهام التحرر وهيمنة الخطاب الدولي

قراءة في تواشج القانون والمعرفة والسلطة

في عالم اليوم، يعيش الإنسان حالة متناقضة من الحرية المقنّعة؛ فهو يخال نفسه حرًّا بينما تتسلل القيود الخفية إلى وعيه عبر الخطاب المؤسسيّ، والشاشات، وسائل الإعلام، والشبكات الاجتماعية، والبرامج التعليمية، والقوانين الدولية التي تُعرض كمعايير مطلقة. هذه الظاهرة، التي...

«كيفك أنت زياد الرحباني» لإبراهيم عبدالفتاح طفل ينظر إلى العالم من نافذة مائلة

«كيفك أنت زياد الرحباني» لإبراهيم عبدالفتاح

طفل ينظر إلى العالم من نافذة مائلة

تصنف منشورات بتانة كتاب «كيفك أنت زياد الرحباني» للشاعر إبراهيم عبدالفتاح، الصادر حديثًا، أنه كتاب «سيرة». فهل كتب الشاعر المصري سيرة الموسيقار الراحل؟ أم إن إبراهيم عبدالفتاح يكتب سيرته التي ربما تقاطعت في بعض جوانبها مع حياة زياد الرحباني؟ انتفت تساؤلاتي بعد قراءة...

حين يُنصت الشعر إلى نفسه… ويطمئن العالم

حين يُنصت الشعر إلى نفسه… ويطمئن العالم

ما مستقبل الشعر؟ لا يسأل المرء عن مستقبل ما لم تتزعزع ثقته به، ولا يتأمل مصير ما لم يُخَيَّل إليه أن الظلال بدأت تُزاحم الضوء؛ لذلك يبدو سؤال مستقبل الشعر أشبه بقلق طارئ، أو رعشة خاطفة تصيب يدًا تمسك بقنديل لم يُطفأ يومًا، حتى حين بدا وهجه ضعيفًا في أعين من ظنوا أن...

«طائر تخطئه الطلقات» لمحمد الدميني.. طائر القصيدة في فضاء العالم

أفق القراءة في ضوء الموجّهات النصية

بواسطة | مارس 1, 2026 | قراءات

لا يكفي القتل

لنعرفَ كم بقي لنا من حياة

تلك حياتنا الناقصة

التي ادّخرناها

بلا سبب.

محمد الدميني

يمكن للقراءة النقدية أن تعد ديوان الشاعر محمد الدميني «طائر تخطئه الطلقات»(1) إضافة أخرى تعضّد اليقين الخاص بقصيدة النثر، ودخولها مناطق جديدة عبر رؤى متقدمة وزوايا نظر مبتكرة، تحفز على التحليل والتأويل أيضًا. وتلك مناسبة قراءة ومتعة لا تمنحها نصوص كثيرة. بل يمكن أن نعد قصائد الديوان إشارة إلى غنى المنظور في الكتابة الجديدة، وإيغالها في محاولة فهم العالم، وتفسير ما يجري على سطحه عابرًا أو يوميًّا. لكنه يمثل لشاعر ذي بصيرة استدلالًا على العدل المفقود والحرية المنشودة، وعناء الذات في موازنة الرغبة والواقع.

نستذكر في هذا المقام ما صرح به الشاعر إيف بونفوا حول قدرة الشعر على «إنقاذ العالم. وهو وسيلة من وسائل الصراع ضد فناء الإنسانية»(2). مهمة قد تبدو ضربًا من الطوباوية في أيامنا هذه، لكنها في استرجاع مكانة الشعر ونفوذ اللغة وموقع القصيدة في الوجدان الجمعي تشير لممكن لا نراه مستحيلًا.

بدءًا من العتبة العنوانية يُدخلنا الدميني في تصور ذلك الصراع بين الشعر والفناء. ثمة طائر لا تناله الطلقات، بل تُخطئ هدفها، وتضل طريقها نحوه لإسكاته وموته.

سوف ينفتح التأويل بطاقةٍ مفرطة لتصور ذلك الطائر. هو الشعر أو القصيدة في إحدى ممكنات القراءة التأويلية. فضاء الكتابة يمنح القصيدة مقومات حياتها. تحتمي به لدرء الموت. عنونَ شاعر ذو بصيرة هو صلاح عبدالصبور أحدَ كتبه النثرية «حتى نقهر الموت». وفي كتاب آخر يُعنون «.. وتبقى الكلمة»(3). ليس سوى الكلمات التي تتحصن وراءها الروح، وتتمسك بأهداب الحياة التي يحلم بها البشر. والشعراء هم رسل تلك المهمة، والعناد والخلاص من الموت غبَّ حياةٍ ادخرناها «بلا سبب» كما يقول الدميني في المقتبس الذي صدَّرنا به هذه الدراسة.

القصيدة التي اتخذ الشاعر عنوانها عنوانًا للديوان «طائر تخطئه الطلقات»، فأعطاها امتياز قراءة مضاعفة، تسمّي الطائر الذي نحن منغمسون في شهية تأويله(4):

«كان يرمي نباله في الوادي/ ليصطاد طيف امرأة/ ويتهيأ للحب/ الذي بدا دائمًا/ كطائر تخطئه الطلقات».

فهل للتأويل من فسحة بعد بيان قصد الشاعر؟

المقصدية هنا لا تلغي التوسيعات التي تشجع عليها القراءة. ففي باطن النص وطيّاته كثير مما يمكن التدقيق فيه مذكورًا أو مسكوتًا عنه. وقد لا تتطابق آفاق القراءة مع أفق النص أو قصد الشاعر. وذلك من متع القراءة وغناها. وما يمكن نعته بديمقراطية الحداثة وتعويلها على حرية القارئ وفهمه وإدراكه، وإكماله لوجود النص جماليًّا بالفعل، بعد وجوده فنيًّا بالقوة في حال كتابته.

إن الظرفية لا تُفقد الديوان وحدة الرؤية والبحث في أعماق الأشياء، ولا التوقف عند وجودها اللحظي الظاهر. وقراءة قصيدة «قطط كورونا» مثلًا، تهيئ القارئ لتسلُّم مشاهد العزلة البشرية التي صنعها الوباء، وكشف هشاشة الإنسان وضعف مدركاته وإمكاناته، برغم هالة العلم والمدنية التي وسمت الحياة. لكن التدقيق في القصيدة لا يرينا الكورونا إلا هامشًا، أما المتن فهو الوجود الإنساني الهش. القطة وجدت هنا تقود المطالعة الشعرية للوباء وسياقه المأساوي. حيوان آخر يلبد في عمق النص ليرشد القارئ إلى الدلالة. يبدأ بها استهلال القصيدة. عزلتها هي التي اختار الدميني أن يرسم بها لوحة الخلاء والوحشة والخوف، بين طيات المشهد:

«في ضباب كورونا/ حيث الشارع الذي هجرته القطط/ وتقافزت فوق سور منزلي/

بحثًا عن الشمس/ أستيقظ مبكرًا/ وأستنجد بالشياطين لأسترد نومي».

ومن هذا المشهد الخارجي، يدخل الدميني إلى حياته: يلجأ إلى الذاكرة: وما خبّأ في ذاكرته وقصيدته: «من تلك السنوات التي تئن في النهار/ وفي الليل يأخذها نمل القرية المجاورة/ويخزّنها لشتائه القادم».

ولا حاجة بنا لتأكيد ذلك الاستبدال في السياق السردي، حيث تنزاح صفة تخزين السنوات وذكرياتها من البشر إلى النمل الذي يسحب قوتَ غده بصبر وعناء.

وتتآزر المخيلة والذاكرة في استعادة ما يمكن أن يكون قوتًا يتغذى به الإنسان المنتظر مصيره، في لجة وباء غامض ومخيف. ويُستبدَل في خاتمة القصيدة، فيرى الدميني مصير الإنسان، ولكن بعدول شعري أوصَلَه لرؤية الفناء في شجرة التين التي يهبط الوباء المذعور متربصًا بها.

وسنرى الاستبدال ثانية في ختام نص آخر هو «زيتون» المحتشد برمزية فائقة تقتضي تأويلًا موازيًا عند القراءة، حيث نعثر على استبدال يذهب من الشهداء إلى زيتونهم الذي يبقى من بعدهم، وتخطئه الطلقات أيضًا؛ إذا ما استعنّا بالشحنة التأويلية التي منحنا إياها العنوان:

«والشهداء الذين ماتوا/ ولم ترثهم طلقة واحدة/ وعاش زيتونهم/ في تلال من الأنين».

لوحات بصرية كثيرة يقدمها الدميني لتثبيت أو تعيين اللحظة التي يقتنصها شعريًّا، وينتشلها من متوالية تراتبها اليومي؛ ليضعها في نسق تراتبي جديد داخل النص، ويربطها بالسيناريو المحكم الذي يلائم طبيعة السرد المشهدي الذي يكثر في نظم قصيدة النثر، بل غدا من أكثر مزايا شعريتها حضورًا. وفضيلة الديوان أنه ينبهنا لذلك. ويقترح ممارسته وتجريبه في الكتابة الشعرية.

هذا نصه اللافت «مرثية الصباح الباكر». سأتجاوز الثيمة الأسلوبية في تكرار «وداعًا» التي منحت التداعيات لمسة ذات دلالة على ما سيلي من أحداث يربطها التأمل المشهدي، أو زاوية النظر في السياق السردي. لقد تموضع الشاعر/ السارد في مكان يسمح له برؤية ما سيحدث. راوٍ عليمٌ وسارد كثير الحضور في قصائد الدميني. هو فاعل الحدث والمهيمن على السرد في النص.

يبدأ الاستهلال بفعل المغادرة أو حدث التوديع:

«وداعًا أيها الصباح الباكر/ وداعًا للقطرات الباردة/ التي تهبط فوق يديَّ/ وللزوجة الهاجعة بملل في سريري».

تأثيث النص

يؤثث الدميني نصه بلوازم التعيين المكاني والتحيين الزماني، كذلك بمفردات السياق فيقول: «وداعًا لندف النوم التي/ أسرقها بين حلم وآخر/ ثم أصحو/ كمن أصابته شظية عائمة».

ومن الوداعات المتكررة تلفت القراءة استدعاء الطير أيضًا: «وداعًا للعصافير المرحة/ التي تنتظر خروجي من المنزل/ لتنقضَّ/ على شجيراتي الخضراء».

أما الخاتمة فهي تحمل الذروة أو بيت قصيد النص والخلاصة الدلالية. يجترح الدميني نهاية خاصة؛ كي يدخل المشهد الوداعي الذي انتهى بلقطة مقرَّبة للمسنين في صباحاتهم، يؤدون واجبًا أبويًّا يعيد لهم الحياة، ثم يعودون فارغين لوحدتهم:

«وداعًا لجيراني المسنّنين/ الذين يهبطون كل صباح/ بملابسهم البيتية الرثة/

لكي يحملوا أحفادهم إلى المدارس/ ويزجروا المرض المتربص تحت السلالم».

لقد استخدم الفعل «يزجروا» بما فيه من صلة بالردع، أو إحالة للحيوانية الشرسة هذه المرة. ولا يقلل ذلك من اقتراحنا حول الكائنات الأخرى وتسييرها كالبشر في نصوص الدميني؛ لأنها مثل كل كائن آخر تنطوي على شر وخير. وشدة الفعل الدلالية تجسّم الصراع بين المسنين وشراسة المرض الذي يأتي في خريف الأعمار. فتبدو المطابقة الدلالية مؤثرة، حين نتبصر المطابقة بين الماضي الذي يمضي عبر الأجداد، والمستقبل القادم الذي توحي به حادثة خروج الأحفاد للمدارس، ونهاية حياة المسنين بالمرض المتربص بهم كوحش.

تلك مشارف الخاتمة. لكن جملتها الشعرية الأخيرة تكمن في المقطع التالي، حين يمزج السارد/الشاعر وجوده بوجود المسنين وانتظاراتهم …

«لقد غادرتُ وظيفتي/ وعليَّ الآن/ أن أتجرع الوقت الفارغ/ مثلهم/ وأن أقود أغنامي التائهة/ إلى البيت».

شعريات بيئية

تقترح القراءة عدة مفاتيح ممكنة للولوج إلى عوالم الدميني، وهي من عطايا قصيدة النثر التي تمنحنا نصوصه فرصة مضاعفة لتجريب سبل القراءة وطرائقها وأدواتها، فتحثُّنا مثلًا على استخدام آليات النقد البيئي وفرضياته.

تطوِّر دراسات النقد البيئي علاقة الإنسان بالمحيط فنيًّا وثقافيًّا لتتقصى إمكانات «التأويل الأخضر» بعبارة نادين سنو «وتتمدد لتشخيص التقمّص مع الكائنات التي لاحول لها»(5). ويهمني هنا أن أؤكد ابتعاد الشعريات البيئية عن الخطاب الرومانسي. فليس الاستنجاد بالكائنات الأخرى والظواهر المحيطية محاولةً لإدراجها في خطاب عاطفي سائل أو تقليدي، ينصبُّ على الجماليات الظاهرية والمستهلكة. فالحيوان والطبيعة لهما حضور بكيفيةٍ وكمية لافتتين في شعر محمد الدميني؛ حتى ليمكن لدراسة أسلوبية إحصائية أن تتوفر على رصد تلك الكائنات وتردُّدِها الدال على الرفقة الطبيعية، والعناية البيئية الموازية لاهتمام الدميني بالتفاصيل الصغرى والعاديات اليومية، لإنشاء أو تكوين العالم الأوسع المتمدد دلاليًّا في النص.

سنعود لطائر الدميني الذي تخطئه الطلقات، ولا تفوته النظرات المدققة في وجوده الشعري. ونستذكر ما قدمه غاستون باشلار حين درس قصائد لوتريامون الذي كرّس للحيوان الدوكاسي -نسبة لاسم لوتريامون الحقيقي: أسيدور دوكاس- فقد خصص صفحات كثيرة مستقصيًا ومفهرسًا ومشتقًّا لدلالات مهمة، لما أسماه إدخال الحيوان الذي تفضله مخيلة لوتريامون في المشهد الشعري(6) وظاهرة احتشاد الحيوان باسمه وطباعه التي ترمَّزت شعريًّا. ويشخص ظاهرة العصافير عنده، ويقول: إن عالم العصافير الدوكاسي شديد التنوع.. حيث يرمز العصفور للفاعلية السهلة والسعيدة. ويخلص لتأويل لافت: لا تحتاج المخيلة الحركية عند استخدامها للعصفور غير تحقيقها لمهربٍ حر(7).

والعصافير محور مهم لدى الدميني كما تبين قراءتنا، وهي تغنّي أيضًا وانقطاع غنائها ملازم لحالة اليأس والنفور عنده. وهي عصافير مرحة تسد الفراغ والخواء في نهايات الأحداث وخواتيم القصائد كما مر بنا. ويحس القارئ بألفتها في فضاء النص الدميني، وخرسها وذبولها؛ لأنه مساوٍ لموت رمزي دومًا.

وتصبح شهادة تيد هيوز عن القرابة الحيوانية للبشر عبر تاريخهم ذات دلالة مهمة. تعين في استيعاب الوجود الحيواني المطّرد في نصوص الدميني. حيث يرى هيوز أن الحيوانات هي من أقربائنا البعيدين وأحيانًا تكون نظيرة لنا(8) ويذهب للمطالبة بإعطاء المواطَنة للحيوان حماية له من القتل والصيد. وقد أشرتُ لأثر ذلك ورؤية لوتريامون في المعجم الحيواني على رؤية الشاعر صلاح فائق وحضور الحيوان على نحو مكرر ولافت وذي هيمنة على خطابه(9).

في قصائد الدميني تتنوع أصناف الحيوان. والطائر يتقدمها جميعًا بالهاجس الرمزي المحيل للحرية وعناد الفناء. وبالعتبة العنوانية التي تؤشر لموجّه قراءة مُلِحّ يمكن لذلك قراءة القصائد في ضوء المنهج البيئي: دومًا ثمة طبيعة في النصوص، وتفاصيل لمفرداتها شجر ورياح وضوء وظلام، ووقت وزهور وسواها. إنها تمشي وتتكلم وتصاب وتحب وتخيب وتمرض وتخسر.. وثمة حيوان: قطط ونمور وثعالب وغربان وماشية وغزلان وفراشات وطيور، وأغنام، ورعاة، وثعابين. إنها لا تؤدي دورها في الحكايات والأمثولات، ولا في الترميز الهش والمبتذل. إنها تسكن بين السطور وتتعايش.. ويحمّلها الشاعر عبء الدلالة. في العاصفة نسمع أنين الأشجار وهي تودع عصافيرها- قصيدة سورة النمل. وحين تفر العصافير يعرف أن الظهيرة حانت /ص68.

ويشارك الموجودات غير البشرية مصايرها. يشركها في الخسارات كما في الملذات والمتع والهناءة. ويخضع الدميني الكائنات الأخرى للصراع الذي تميزت به الحياة في شعره. ثمة صراع بين صياد وطريدة: في قصيدة نورس: هو طائر بحري يقترب من الأرض أيضًا.

وظهور النورس له دلالته على الوصول لقربه من السواحل. وهو بشرى للربابنة والمسافرين والبحارة: لكن نورس القصيدة يأتي من أحلام الشاعر وذاكرته المدرسية.

«طائر الأحلام ذاك/ يشبه قصيدة أو امرأة…/ إنه يتراكض فوق الرمل/ ويصدح بصوته الغامض».

ثم حين تلحق به نورسة يتم مشهد الخلق لهما، فيكتفيان به، وينسحب الشاعر لأن الصراع يبدأ. فتنتهي القصيدة: «بضع خطوات بيننا/ تشبه المسافة الغادرة/ بين شِباك الصياد/ وفضاء الحرية».

النزعة الإنسانية في النص جعلت الوجود البشري ممثلًا بالصياد وشِباكه المهيأة لأسر الطائر، تقابل رغبة النورسين -الذكر والأنثى- في الطيران في فضاء الحرية.

ويرد النورس مشفوعًا بالطلقات في نص آخر «نوم خال ٍمن الوساوس»: فكّرَ في أن يكون/ معمرًا كالأشجار العِظام/ حيث النوارس لا تصلها الطلقات/ وحيث الغربان/ تضجر كالغيوم الراكدة. وثمة غربان أيضًا في الديوان. غراب يعتلي عنوان النص. وثمة مرثية لفراشة ضالة.

سيناريو محبوك بجدارة

بنائيًّا نلحظ تنضيد الجزئيات والكِسَر والعاديات لصنع سيناريو محبوك بجدارة، كما في القصيدة الأولى مثلًا.. حيث الاحتفاء بالعادي. لكن وصولًا لاشتقاق المغزى منه وابتداع الدلالة. نصوص الديوان تبني مقاصدها بصبر وشيء مما يشبه المجانية التي تميز قصيدة النثر اللاغرضية. لكنها سرعان ما تقدم للقارئ رؤيتها وتورطه في البحث عن الدلالات.

ثمة تدرُّج كما في اللقطات السينمائية. بدأ بالشارع ثم الأبواب وأخيرًا ما وراء الباب، بل دخل واستشف ما وراء الباب. وهذه هي نقطة انطلاق الدلالة وتخلّقها وبدء رسالة النص للقارئ. وراء الباب تلبث الحياة. والقصيدة تقتحم الأبواب لترينا الحياة الأخرى. وهناك أمثولة أخرى. إنها قصيدة «الحقائب»:

الحقائب هائلة الدلالة… بوجودها كدالّ يشير للسفر الذي يعني هنا الانعتاق لذا ذكر: الزوجات والسفر والذكرى / 83. وقد أنسن الشاعر الحقائب ومنحها روحًا لا تدركها الأيدي المتعجلة. فهي تشيخ وتعرج في المطارات وتستلقي مهملة…

ولكن ثمة إحساس هائل بالزمن في «نهار أعمى» مثلًا. تأملات ترتفع عن الأرضي لتعليه.

أما الموت: الإشكالية الخالدة والسؤال الأزلي، فله في الديوان وجود جدير بالتوقف.

في قصيدة «الموتى» تُعْلَى المرثيةُ بعدم ذكر المرثي. وليس من موجهات قراءة تشير إليه، سوى ما تهربت لنا من ندّات وإشارات نصية إلى شيخ يتقدم للموت، ويغيب لكن حضوره طاغٍ وراسخ في الأرض. حين يُدفَن تعود له الحياة رمزيًّا فنراه في حياته مزارعًا لصيقًا بالأرض. يبدأ الاستهلال بعبثية الموت كحادثة وفعل قدري خارق. ينتهي الدفن مختزلًا بجملة شعرية موجزة وكثيفة الدلالة. فيظهر أحد الموتى:

«الذين نغادرهم عند/ آخر رفشة من معاولنا».

يصف النص الموتى بما يليق بهم في الحياة: «الشغوفون بكسر قشرة الحياة/ اليائسون من حياة ثمينة/ يتركونها لمجانين/ يخوضون في هذه الأنحاء/ المليئة بالمقابر والساخطين».

لكنه يفرد للميت رثاء يليق بكادح اختلطت حياته بالأرض ذاتها. جثته التي يناشد السارد المخاطبين أن يحملوها، تواقة أن ترى من علٍ شجيراتِ التين وهي تنشد أغنيته الأخيرة. ويناشدهم أن يغرسوا بجواره فائض أيامه الأخيرة.

يتحقق انبعاثه في الخاتمة. ذلك الميت الذي كان الغيم يختلط بلحيته. عاد كثيرًا، ونسي أن يهرم! نهاية شبيهة بنهايات نصوص الديوان التي تعدل عن الجزئيات والتداعيات؛ لتقرر الحقيقة الأخيرة الأكيدة مجازيًّا.

وفي قصيدة «مقبرة العود» التي يعرّفنا بها الهامش بكونها تقع في حي العود في العاصمة، نلتقي الموتى يحفّون بالأحياء فكأنهم اكتسبوا من المكان دلالة العود الأبدي في دورة الزمن… لكن الليل هو قرين المكان. بل هو إطار المقبرة الزمني الغريب: «في الليل/ في المقبرة التي أمام الليل/.. أفكر بالنائمين حولي/ الذين يغرقون في ألم الوحشة».

لكن النص يغرقهم في ظلام مضاعف. يمكن أن نرصده في هذه الأوصاف:

المقبرة النائمة. الليل قاسٍ لكنه ضرير. في هذا العماء.

ثم تسري عدوى الوحشة للسارد الحي فيعود لغرفته:

«وأعود إلى الغرفة/ لأرى روحي يتيمة/ وسط أحلام رفاقي الصاخبة».

الموت حاضر رمزيًّا في قصيدة «حارس المرمى». إنه يمنع الكرات من اختراق مرماه. كما يفعل الطائر في الديوان حين يحلق كي تخطئه الطلقات. ولكن المرمى يتسع ليكون مكانًا إنسانيًّا، على الحارس أن يذبَّ عنه كرات القدر التي تخترق شباكه كما الموت.

إنه «سادن الوقت الخالي». ووصفه هذا وما يليه يحرض التأويل ليحضر في القراءة فيمتد ظل الحارس؛ ليغدو الإنسان الذي يصد عن مرمى حياته ضربات القدر المميتة.

حارس خرافي يرسم له النص هذه الصورة:

«حين يتقدم على منتصف الملعب/.. يطرد عزلته من مثلث النار/ ويلقي بها/ بين حوافر الأحصنة الهائجة».

تلك الحوافر الهائجة هي معادل رمزي للموت الذي يتجنب النص ذكره، خشية التقرير. واستكمالًا لرهبته وجبروته. في نهاية النص جملة شعرية تهيئ لهذا الحارس ومرماه مصيرًا مأساويًّا. ستصل مرماه كرة خاطفة خارج الزمن تنهي كل شيء، بهدف مبكر أحيانًا: «لكن الهدف الجائر/ سيحدث/ في الدقيقة المبكرة أحيانًا/ لأن الكرة الخاطفة/ لا تعبأ بالزمن الخالي/ ولا بأدعية الأمهات».

حرفة الكتابة وطقوسها

في نص بعنوان «قصيدتي المنهوبة» يتناول محمد الدميني حرفة الكتابة وطقوسها. وترتد القصيدة إلى نفسها في أحد تعرقات الميتاشعري أو القصيدة التي تتحدث عن نفسها. وفي قصيدة النثر يجري توسيع مدى التكلم الذاتي وارتداد القصيدة للكلام عن نفسها وطرح أسئلتها على شاعرها وقارئها. فتغدو هي موضوع نفسها وذاتها هي موضوعها وشكلها أيضًا(10)!

يقترح الدميني قطة أيضًا كملهم وحارس لقصيدته التي حين لا يكتبها ينهبها منه الآخرون:

«حين لا أكتب/ يكتب الآخرون قصيدتي/ أحدق في كلماتهم/ وفي يديَّ العاطلتين».

لكنه في قصيدة تتبعها مباشرة في الترتيب الخطّي للمتن عنوانها «غراب» يوسع دائرة الميتا شعري، ويقدم اشتراطات قدرته على الكتابة في تداعيات يخدمها تكرار عبارة «لكي أكتب» وفيها حس من المشاكسة والتغريب مما يليق حقًّا بحالة الكتابة: من تلك الاشتراطات التي تمنحها الصياغة الشعرية لمحات من الغرابة والمجاز الحافز على التأويل:

«لكي أكتب/ لا بد من شظية ما/ تخترق خرسي الطويل/ غراب يفكر بالحداد/ نيابة عني/ لكي أكتب / على هذا الباب المريض أن يوصده أحد/ وأن يوقظه/ من سباته الثقيل/ وأن يمحو كل ذكرى/ كي لا تهرب هذه القصيدة من ورقتي البيضاء».

القصيدة تولد في جو خرافي وممزوج بالغرابة: الخرس المعادل للصمت يلزم أن تفجره شظية فيصرخ. وأن تظلله في جبلٍ غيومٌ شريدة. وفي تلة تنقش على يديه بهجة الشمس الغاربة. وهي تنطبق تمامًا على نصوص الدميني التي تلوذ بالشموس والفضاء والكائنات الأرضية كي تكتمل. فالطبيعة هي المهاد، والسيرورة، والمآل بالضرورة.

في الختام:

إلي أين أخذتنا قراءة نصوص محمد الدميني؟

إنها مثال حي لعدوى النص في القراءات النقدية. فقد فتحت لنا تلك النصوص آفاق تأويل وجود الكائنات الأخرى حيوانية وطبيعية ورمزيّتها وبحثها عن الحرية في فضاء العالم ومتونها النصية. واستعين بفرضيات النقد البيئي الذي نقل الدراسات والتحليل الثقافي إلى الربط بين الطبيعة والثقافة المتمثلة بالأدب(11).

واستنجدنا بالمقاربة البيئية وآلياتها وتأويلاتها من أجل ذلك.

كما رصدنا التفاصيل اليومية وما يبدو عاديًّا خاضعًا للمعاينة البصرية. وتحويل ذلك بمشهديّة نصية، يقترب العمل فيها من التقنية السينمائية، والربط بين الحركات والتحولات برابط السيناريو المتقن.

ودعتنا النصوص لنتلمس الوجود الميتاشعري، حين يجعل الدميني قصيدته تتحدث عن نفسها أو وجودها النصي. وهو مبحث جديد في نقد قصيدة النثر. وباب للكتابة الشعرية أيضًا. ولكم كان ذلك كله وسواه يتحصل في بنية سردية، فقد أولينا لموقع الشاعر السارد أهمية في القراءة وتتبع وجوده النصي.

ولا يفوت القراءة رصد الموقف التأملي للدميني الذي لم يستغرق تجريديًّا في تفلسف جاف، بل أخضع موقفه من الزمن وحركة الحياة وجودًا وغيابًا بتسميات الموت أو الفراق والوداع والاغتراب، لرؤية شعرية، وزوايا نظر تسحب الرؤى والتأملات لنسيج القصيدة وهويتها الشعرية، كما هو حاصل في السرد الذي يتخذ وجهته الشعرية عدولًا وانزياحًا وتحولًا وترميزًا؛ كي لا تناله برودة القص أو تستغرقه تفاصيل السرد التقليدي ونثريته.


هوامش:

(1) محمد الدميني: طائر تخطئه الطلقات، منشورات المتوسط 2025م.

(2) إيف بونفوا: الشعر قادر على إنقاذ العالم. حوار مع ماماشاسيري. ترجمة عبدالعزيز بومسهولي. مجلة البيت، بيت الشعر في المغرب، العدد 4/5، الدار البيضاء، صيف وخريف 2004م، ص53.

(3) صلاح عبدالصبور: حتى نقهر الموت، دار الطليعة، بيروت 1966م. وله أيضًا في الرهان على الخلود بالكلمات ودحر الفناء: (وتبقى الكلمة) دار الآداب، بيروت 1970م. وهما كتابان نقديان.

(4) القصيدة في ديوان الدميني ص52.

(5) نادين سنو: دراسة الأدب العربي الحديث بيئيًّا. ضمن كتاب: النقد البيئي- مقدمات-مقاربات- تطبيقات. إعداد وترجمة نجاح الجبيلي، ص230، 236).

(6) غاستون باشلار: لوتريامون. ترجمة حسين عجة. دار الروسم. بغداد، 2015م، ص39.

(7) نفسه. ص51.

(8) يفون ريديك: تيد هيوز والنقد البيئي والشعريات الإيكولوجية. ضمن كتاب: النقد البيئي. سابق، ص 308.

(9) حاتم الصكَر: القصيدة دون شعر كثير- تمثيلات الخيال السريالي في تجربة صلاح فائق. دراسة ومختارات، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد 1925م، ص30. دببة في مأتم. أحد دواوين صلاح المكرس لحضور الحيوان في القصيدة باطراد ودلالات متنوعة.

(10) لي تجربة أولى في مقاربة الميتاشعري تطبيقًا على نصوص من قصيدة النثر لأربعين شاعرًا عراقيًّا، يتأملون القصيدة من داخلها، ويدعونها تتكلم إلى نفسها دون غرض خارجي. كتابي: إيكاروس محدقًا في شمس القصيدة- الميتاشعري في نماذج من قصيدة النثر العراقية. اتحاد الأدباء والكتاب في العراق. بغداد 2024م.

(11) تنظر: عبير جودت عبدالحافظ: النقد البيئي ونظرية الأدب، دار كنوز المعرفة، عمّان، 2023م، ص69.

المنشورات ذات الصلة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *