قسم الباحث اليمني في علم الاجتماع، أحمد حسن الزراعي، كتابه «سکونیة المجتمع وحركيته في الروایة الیمنیة» إلى أربعة فصول محکمة الرؤية والبحث والمنهج الأکادیمي الرصین في معیاریته النقدیة وأدواته الحدیثة. واستهل الفصل الأول بسردیة البدايات کمدخل نظري حول نشأة الروایة الیمنیة متلمسًا مجری السرد الروائي في أطوار بدایاته الأولی. والکتاب الصادر عن الهيئة الیمنیة العامة للکتاب، يحیل إلی رؤية تستجلي «مثاقفة الآخر» تبعًا للشکل الروائي وطبیعته وثیماته، مستنتجًا علاقة الروایة بالنقد الأدبي، ومقتفیًا عبرها سیاقات ومراحل الروایة العربیة.
من ركود المجتمع إلى الوعي بالغربة
في الفصل الثاني یقتفي موضوع نشأة الروایة في الیمن، وذلك بفحص عینات سردیة تحت مجهر النقد والرؤية، مستکشفًا أزمة الواقع الاجتماعي وسکونیته -کما في روایة «سعید» لمحمد علي لقمان، التي کتبت في عدن عام 1939م- وما ترتب علی رکود الواقع وأزمة «البطل»، معاینًا المنحی السردي عبر توحد الشخصیة بمأزق الجماعة.
«فهذا سعید بطل الروایة يتوحد بمأزق مجتمعه، ويركز اهتمامه بالوحدة ومحیطه العربي والإسلامي. وکشخصیة محوریة في الروایة يری في رکود المجتمع وسکونه مظهرًا من مظاهر الفشل التربوي. وکبطل یقف علی النقیض لرکود مجتمعه؛ فذاته النابضة بالطموح تحاول الانتصار للمبادٸ التي عاش من أجل تحقیقها». (ص 34).

أحمد الزراعي
یعمل أحمد الزراعي علی فحص عینات وعناوین لروایات یمنیة أخرى، منها رواية «یومیات مبرشت» للطیب أرسلان، بوصفها عملًا سردیًّا یعکس أزمة التحول، وتصور مأزق المجتمع والتهریب کظاهرة تمس علاقة وسیرة بطلها وصورة المجتمع. كما يتوقف عند «مأساة واق الواق» لمحمد محمود الزبيري، بوصفها تجربة سردية مبكرة تفكّر في الحلم وتستخدم الخيال بوصفه وسيلة لقول ما يعجز الواقع عن قوله، وللتعبير عن مأزق اجتماعي وسياسي عميق.
في الفصل الثالث يركّز الزراعي على وعي الذات المغتربة في الرواية اليمنية، متخذًا من رواية «يموتون غرباء» لمحمد عبدالولي نموذجًا أساسيًّا للتحليل. هنا تبرز الهجرة لا بوصفها حدثًا مكانيًّا فحسب، بل بوصفها تجربة وجودية تكشف هشاشة العلاقة بين الفرد والمكان، وتعرّي معنى الانتماء والاقتلاع والخسارة.
يحلّل الباحث سوسيولوجيا الغربة في وعي البطل، ويبيّن كيف تصبح الهجرة محاولة لتجاوز محنة المكان، لكنها في الوقت نفسه تعمّق الإحساس بالفقد والاقتلاع. فالمكان الجديد ليس خلاصًا كاملًا، بل فضاء مؤقت لحركة الجسد، فيما تظل القرية- في الذاكرة- «حاضنة الحلم» ومركز الحنين. ويستثمر الزراعي هنا حدسه الأنثروبولوجي في تفكيك دلالات المكان والانتقال والعودة، وفي قراءة العلاقة بين الجغرافيا والهوية في المتن السردي.
وفي سیاق من مجری حرکة المجتمع في النص الروائي تفضي استنتاجات البحث إلى صدمة شخصیة «عبده سعید» بالجسد؛ إذ يتحول الجسد المريض إلى استعارة للوطن المتصدّع، والوجع المزمن إلى علامة على مجتمع أنهكته الحروب فلم یعد «یتداعی لأجله بنیان المجتمع المرصوص» بالسهر والحمی بعدما ناله کثير من الضعف والجوع والشتات والتصدعات والمؤامرات والحروب والصراعات، وبعد اكتشاف البطل لفداحة الواقع الذي یعیش. هنا يصبح السرد اليمني -في كثير من نماذجه- كتابة عن الجرح المفتوح، وعن واقع لم يبرح مآزقه القديمة، لكنه يواصل إعادة إنتاجها
بأشكال جديدة.
الرواية اليمنية وسؤال الحاضر
وتقود هذه القراءة إلى خلاصة مهمة: الرواية اليمنية، منذ عقود، تكتب عن «الآن» بقدر ما تكتب عن الماضي، وتعيد مساءلة الحاضر عبر استدعاء البنى العميقة للأزمة الاجتماعية والسياسية، في تداخل واضح بين البعد الإبداعي والبعد السوسيولوجي، وبين التخييل والهمّ الأيديولوجي، كما يتجلى -على سبيل المثال- في تحليل شخصية «السكرتير» وغيرها من الشخصيات ذات الحمولة الرمزية.
أما الفصل الرابع والأخير فيتعمّق في مقاربة حركية المجتمع وتجاوز الثقافة المغلقة، متخذًا من رواية «الرهينة»، لزيد مطيع دماج، نموذجًا مركزيًّا. وهي الرواية التي حظيت بمكانة بارزة في الثقافة العربية، واختيرت ضمن أفضل مئة رواية عربية.
يمضي أحمد الزراعي في دراسته السوسيولوجية نحو إثراء جوانب تُقارَب للمرة الأولى في البحث حول الرواية في اليمن، وذلك من خلال رسالته للماجستير في علم اجتماع الأدب، التي حملت عنوان الكتاب ذاته، حيث تقترب بتفصيل أكبر من معاينة واستنتاج دلالات حضور البعد الأيديولوجي في الرواية.
إلى جانب البعد السوسيولوجي لشخصية الدويدار، التي تحضر في سياق أحداث الرواية، تبرز شخصية «الرهينة» بوصفها الشخصية المحورية والبطل الذي عرفه الناس وعاش بينهم مِن كَثَبٍ، كشخصية وطنية في الواقع اليمني، متمثلةً واقعيًّا في الشاعر اليمني الراحل أحمد قاسم دماج، الذي يُعَدُّ أحد أبرز المثقفين الكبار، ممن حافظوا على اتساقٍ بين مواقفهم وقضايا مجتمعهم وتجاربهم وكتاباتهم حتى الوفاة.
وضمن أبعادٍ أخرى لافتة في متن الدراسة، جاء التركيز في الفصل الأخير على البعد السوسيولوجي لفعل الإبداع وشعريته، مع التركيز على (المكان والزمان) بوصفهما بُعدين أساسيين في الرواية، متنًا وهامشًا.
كما اختتم الباحث الزراعي صفحات كتابه بإضاءةٍ لمسردٍ مهم حول ببليوغرافيا الرواية اليمنية، أحصى فيه عناوين وتواريخ روايات يمنية صدرت منذ عقود طويلة، وغدا معظمها اليوم مصادر ومراجع لا غنى عنها لكل من يشتغل في مجال السرديات اليمنية الحديثة والمعاصرة، أو تلك التي أسست ووضعت اللبنات الأولى لسياقات ظهور القصة والرواية اليمنية في أطوارها المبكرة، وسياقات الحكاية وتطوّر خطابها السردي منذ نشأة الرواية اليمنية وتحولاتها حتى اليوم.
وأحالت الدراسة في الختام إلى مصادر ومراجع وهوامش، وإحالات وازنة لعناوين وكتب وبحوث ومؤلفات وتواريخ وثيقة الصلة بموضوعها من زوايا شتّى.
0 تعليق