تأويلية الألم، أو العلاج بالنكاية

تأويلية الألم، أو العلاج بالنكاية

استلهمنا هذا العنوان من المنجز السردي «نكاية في الألم»، للكاتبة والإعلامية أسمهان عمور، الصادر حديثًا عن مطبعة سليكي أخوين بطنجة. منذ الوهلة الأولى ندرك أنه عنوان مربك للحدوس التأويلية؛ إذ لا يسعفنا التفسير المعياري في الظفر بلُبِّ المعنى؛ فهل الألم هو موضوع هذه السرديات وثيمتها أم إن النكاية هي باعثها ومحركها؟ هل الألم منذور للحظة تاريخية فارقة؟ أم إنه حدث خارج التاريخ ويتعالى على الزمن الفيزيائي ليندمج بالزمن النفسي؟ هل نحتفي بالألم أم ننتصر لفعل التشفي الذي يرشح عنه لفظ النكاية؟

أمام هذا الإحراج التأويلي ينبغي أن نقر بأننا في مواجهة عمل نزاع نحو الاحتجاب الدلالي؛ حيث نعثر على علامات الفجيعة، ولكننا نلفي أيضًا نكاية في هذه الفجيعة وإغاظة لها وإبطالًا للعنتها. وهذا أسلوب نفسي مخاتل يعبر عن شخصية قوية تستطيع مراوغة الألم والاستهزاء بجبروته، ويعكس الكون التخييلي للمبدعة أسمهان عمور. والنكاية هي عرض من أعراض إرادة القوة وفق تعبير نيتشه، فعلاقة أسمهان عمور بالألم علاقة تأويلية ووجودية؛ لأنها استطاعت أن تصنع منه رؤية جديدة، كما استطاعت أن تجيب عن السؤال الفلسفي: لم الألم؟ الذي طرحه نيتشه في جينيالوجيا الأخلاق وظل الجواب عنه معلقًا؛ لأنه يصعب على الإنسان أن يدرك كيف يمكن له التماس السعادة عبر الألم.

الألم كشرط للوجود

إن القلب المنذور للألم، يكتسب مناعة ضد الألم، على نحو يصبح معه التألم تأملًا في الطريقة المثلى للخروج من الجسد المُعنّى واستنهاض الهمة لمواجهته مواجهة جسورة. وهي أعلى مراتب الإدراك الروحي لفلسفة الألم، وتجربة غنوصية تجعل الحياة ذات معنى؛ فلا معنى للحياة إلا بالألم محايثًا للذة وملازمًا لها. وهذا ما عناه بعض فلاسفة اليونان عندما قالوا: إن الإنسان لا يعرف سوى خير واحد هو اللذة وشر واحد هو الألم.

أسمهان عمور

تصدر أسمهان عمور في تجربتها عن سردية فلسفية تمنح الألمَ توصيفًا جديدًا يُخرِجه من دلالة الانكسار ليحلق به في أفق رحيب يشي بالحياة بعد موت، وينتشل الإنسان من الإنسان. وإذا استلهمنا عبارة نيتشه، نقول: إنها إنسان مفرط في إنسانيته؛ أي أنها تحاول أن تنقل كل ما يدور في المجتمع، تتألم في صمت داخلي، غير أنها تنزع وشاح الألم عبر الكتابة والبوح، بأسلوب عربي مبين ينبئ عن تمكن من ناصية اللغة العربية، وعن كفاية لسانية وموسوعية، تسعفها في تفكيك الواقع برؤية متبصرة تفتت المشاهد وتعيد تجميع شظاياها، بلغة سردية هي أقرب إلى الحِكَم الفلسفية والتأملات الصوفية.

هكذا تغدو النكاية طقوسًا للتطهير والمحو، محو سلطان الألم عبر الاستخفاف به والهزء من مفعوله. والنكاية في الألم هي المعادل الموضوعي للإحساس باللذة؛ لأن الخلاص الروحي ونشدان الحرية شرطه الضروري هو العبور عبر جسر الألم، على حد تعبير الفيلسوف بيرداييف (1874- 1948م). لكنه عبور منذور لمحكي الانتصار الذي يمحو محكي الانشطار، رغم أن الألم بمنزلة شرط وجود تتخلق معه العوالم السردية لأسمهان عمور. أنا أتألم؛ إذن أنا موجود، على حد تعبير ميلان كونديرا الذي عمل على إعادة استنبات الكوجيتو الديكارتي وتبيئته أدبيًّا.

للوهلة الأولى تبدو أن هناك بياضات وفجوات تفصل كل مذكرة عن الأخرى، ولا سبيل إلى رتقها ضمن نسق موضوعي واحد، وهو ما قد يوهم القارئ بأنها تجربة ذاتية لا يوجهها خيط ناظم؛ فهي أشبه بشذرات قولية لا تكفي جرعاتها للارتواء الدلالي، أو هي مقاطع سردية متناثرة في ثنايا الكتاب، تصور عالمًا من التناقضات في مجتمع كسيح لم يستطع التخلص من إصار الفردانية وأوزار «الإنسان السائل» -بتعبير باومان- الذي فقد بوصلة الضمير الأخلاقي ونأى عن الفطرة السليمة. ولكن تأطير هذه المذكرات داخل أحيازها الزمنية، خلال جائحة كورونا وما خلفته من ندوب نفسية جراء مناحات الفقد التي أضحت مشهدًا مألوفًا، يمثّل المتغير الذي نحتكم إليه للتصديق على ثيمة الألم. كما أن الرغبة الحثيثة في قهر الألم المستبد بالنفس العليلة يتولد عنها أمل تترجمه النكاية؛ وهو ما يعيد ملء الأحياز التي بدت بيضاء للمتلقي بعد أن أدرك أنه أمام مفارقة دلالية عنوانها اللذة والألم.

هكذا تنحت أسمهان عمور تجربتها في الكتابة، مخلخلة أفق انتظار المتلقي ومستدرجة إياه للإيقاع به داخل عوالمها السردية التي قدت من الألم ونقيضه، وهو ما ضمن لهذه المذكرات وحدة الموضوع، رغم عناوينها التي تبدو غير متجانسة (شارع باتريك لومومبا، أهرمومو، أنا والحسين، عرائس أم فرائس، أحاسيس معلبة في أقصى درجات التبريد، لا تحالف مع الشيطان، العقد الذي انفرط…).

الإنسان في أبعاده المختلفة

هي تجربة عابرة للحدود، تتضايف فيها المواقف في مجتمع يموج بصنوف من المفارقات التي ولَّدَت لديها وعيًا شقيًّا جعلها تتفاعل مع الأحداث عبر الفضح والكشف تارة، والتعبير المشوب بغصة ومرارة تارة أخرى، وعبر اقتناص لحظات من الفرح نكاية في المأساة وانتصارًا للحياة؛ فمن داخل الردهات المعتمة تنبجس خيوط سليلة تزرع النور وتنثر الفرح. لا تكتفي أسمهان عمور بالوقوف عند البنيات السطحية للمجتمع، بل تعمد إلى فك ترميزه الثقافي لتحصيل المعاني الثاوية في غيب البنية العميقة؛ حيث يكمن الهامش والمنسي واللامفكر فيه.

يسري في روح عمور النفس السوسيولوجي والأنثروبولوجي الذي يكشف عما احتجب من تمظهرات سلوكية تحدد هوية الأفراد وأنماط تفكيرهم. ولعل انهمامها بالإنسان في أبعاده المختلفة نابع من تجربتها الإعلامية الطويلة التي خبرت فيها الناس وعايشت آلامهم وأحزانهم وتقاسمت معهم لحظات الفرح، كما التقطت التمثيلات الرمزية المؤسسة للفعل الاجتماعي والمتولدة عن اللغة واللباس والسلوك وأعادت إنتاجها تأويليًّا؛ كما هي الحال في السردية التي عنونتها بـ«بيت تشي جنباته بالعقم»؛ حيث تصف الكاتبة جنبات البيت الموجود في أحد الأحياء الراقية وحديقته الخضراء التي زرعت فيها الكراسي، وذاكرة صاحب البيت التي تستدعي تفاصيل مرحلة وظيفية لا تغيب عن متناول الإدراك، ونقوش الصانع المغربي الأصيل…

لكنها سرعان ما تؤول الفضاء متسائلة عن جدوى العيش في بيت يشي بالعقم: «لماذا ظل الرجل وحيدًا في هذا البيت واسع الجنبات؟ لِمَ انتهى به العمر عاجزًا عن مد بصره إلى كل ما زيَّنَه به؟ لِمَ عزف عن الارتباط وتمديد السلالة؟ هو الذي أصبح نهمًا للكلام، شَرِهًا للأحضان؛ كي يكسر رتابة العمر في بيت تشي جنباته بالعقم».

وحاصل القول: إن منجز عمور «نكاية في الألم» هو حفر في مجاهيل المعيش وتثوير لسؤال المعنى، ووصفة سحرية لفن العيش داخل حياة موسومة بصراع الهيمنة وانتزاع المكانة، ولقد استطاعت الكاتبة أن تقاسمنا تجربتها الشخصية والمهنية بأسلوب راقٍ ولغة سامقة، وبأفق إنساني متفائل رغم الجراحات التي أثخنت الجسد والروح، كما عبرت عن قوة تحملها للأَرْزاء غير عابئة بتداعياتها، قاذفة بالبياض على السواد فيدمغه فإذا هو زاهق.

الإنسان الأخلاقي، في حاجة إلى اعتراف يصون الهوية

الإنسان الأخلاقي، في حاجة إلى اعتراف يصون الهوية

مفهوم الوجه وعلاقته بالهوية

لا يقتصر النظر إلى الوجه على مظهره الفيزيقي الذي ترشح عنه الإيماءات والنظرات والتقاسيم، بل ينصرف إلى بُعده الماورائي المجرد الذي يعكس حلول اللامتناهي في المتناهي. وبذلك يكون التعريف الفينومينولوجي لهوية الوجه قاصرًا ومغرقًا في السلبية؛ لأنه يكتفي فقط بالصورة المعيونة للوجه التي لا تتكشف عنها أسراره الداخلية؛ فيما هو صورة ناطقة عن الأنا في كليتها ومعانيها العميقة التي تجعل وجودي في خدمة وجود الآخر، كما تجعل هوية الآخر في خدمة هويتي.

وهنا تحضر أخلاقيات الوجه التي عبرنا عنها بالتواجه، الذي يخرج التواصل من دائرته الأنانية الضيقة إلى فضاء أرحب يرشح بمعاني الغيرية ويحقق شروط الإنسية المبنية على المخالقة والتعاطف؛ لهذا يغدو مفهوم الهوية الثابتة والذات المنعزلة عن غيرية الآخر مفاهيم خارجة عن إطار الهوية الكونية التي تجعل ملامح الآخر لا تتحدد إلا في علاقتها المحايثة للآخر باعتباره ذاتًا لا موضوعًا، روحًا لا جسدًا. وبذلك تصبح العلاقة بين الأنا والأنت علاقة إيتيقية متكافئة؛ بل تصبح الغيرية شرطًا لإثبات الإنية انطلاقًا من الوجه الذي يتجاوز نظرتنا الحسية إليه بوصفه مجرد ملامح فيزيقية(1)، إلى اعتباره يتحدد خارج نطاق علاقة الذات بالموضوع.

من ربقة الاعتراف إلى أنس التعارف

لتحقيق هذا العبور المفهومي، كان لا بد من صوغ نموذج تواجهي جديد يتجاوز عقلانية هابرماس التي تنتصر ضمنيًّا للقادر على انتزاع الاعتراف بعد مواجهة غير متكافئة أخلاقيا، لتعيد توليد الفردانية والإنية، وهو نموذج يتخطى أيضًا القصور الذي يعتري أخلاقيات ليفيناس الموغلة في الاعتراف المجحف على حساب التعارف المتأسس على المخالقة.

إن المبادئ الأخلاقية التي اقترحها هابرماس تجعل من عملية التفاوض ذات بعد تداولي يعترف بجميع الأطراف الفاعلة في سيرورة الحوار، كما يقر كل واحد، في دورة النقاش هذه، بالمحصلات والنتائج التي تلزم جميع الأفراد بمآلاتها التي تقبلها الجماعة وتقر بمعاييرها إقرار تسليم؛ لأنها محل إجماع وتوافق. لكننا، ههنا، لا نعدم النقد الذي وجه إلى هابرماس في مفهومه للفضاء العمومي ذي الخلفية البرجوازية الليبرالية، مكرسًا في ذلك نزعته الإقصائية للفضاء العمومي المضاد والممانع، بلغة أوسكار نغت(2)؛ وهو فضاء يمثل لا شك الأصوات المبحوحة التي تنادي بالتخلص من ربقة القيود التي تفرضها عقلانية هابرماس.

إن الانتقال إلى النموذج المرغوب الذي يتقوم بأخلاقيات التواجه لا المواجهة وبأدبيات التعارف لا الاعتراف، يجد مسوغاته في انبناء الأول على الصراع الحتمي والمفضي إلى محو الآخر، ووسمه بالعجز عن الاندماج في بوتقة الكونية، وفي تعلق الثاني بشرط المخالقة الذي هو المعادل الموضوعي للفطرة الإنسانية السوية؛ إنه اختلاف في التكوين الأخلاقي لكليهما، بين مفهوم يتولد عنه التنافر والتباعد وآخر يتخلق من نسغه الائتلاف والتشارك. بهذا الفهم الأقوم يمكننا الخروج من مأزق الهوية وانشطار الذوات للتحليق في فضاء العيش المشترك والقطع مع ذئبية الإنسان الساعي إلى السيطرة والإخضاع اعترافًا لا تعارفًا، وإقصاء لا إشراكًا، وانفصالًا لا استقلالًا.

شارل تايلور

إنه مأزق سالب للهوية الإنية مهما غلف بمفاهيم الديمقراطية والحرية والمساواة التي تظل سابحة في إدراك محدود؛ لأن نقد العقل الأداتي المرتكز على التصور التقني في العصر الحديث لم يقو على إخراج الإنسان من نزعته الليبرالية المتوحشة على الرغم من الاستعاضة عنه بالعقل التواصلي الذي يضبط الممارسة التواصلية وينزع عنها صفة الأداتية، ويبيئها داخل المجال العام أو داخل نسق اجتماعي موسوم بالحركية والتوثب والصراع البيني المنتج. وسرعان ما انكشف زيف العقل التواصلي بعد تجريده من نزاهته الأخلاقية وسقوطه في مغبة السياسة القائمة على ازدواجية المعايير وتجزيء مفهوم الكرامة الإنسانية التي تنتصر لعرق على حساب عرق آخر(3)، وتبين ولاءه المفضوح للمركزية الغربية في «حوارها» مع الآخر أو «اعترافها» به اعتراف القوي بالضعيف بعد أن يجرده من وجوده وهويته ويذيبه في نسقه الأخلاقي المتهافت، فتفقد الحياة معناها، ولا سبيل إلى استعادة المعنى الهارب إلا بامتلاك القيم، وفق تعبير فرانكل، للتخفيف من متاعب بحث الإنسان عن المعنى(4).

إن النزعة الفوقية للفلسفة الأخلاقية الغربية، ممثلة بهابرماس، تجعل من الصعب تجاوز النظرة الصدامية التي تغلف باعتراف يؤدي في النهاية إلى توسيع مآزق الهويات المحلية الخاضعة لجبروت الهوية الكونية؛ مما ينجر عنه انفراط العلاقة بين الإنية والغيرية وسقوطها في المحو والاستلاب. ولذلك فهو تواصل ميال للتعقيل والتعقيد، وفق تعبير شارل تايلور الذي يدعو إلى العيش في إطار من الأخلاقيات المتباينة وإنْ وحدها دليل أخلاقي معيار، وفق تراتبية في الخير لتحقيق الهوية الأخلاقية الأصيلة والمتمايزة عن الهويات الأخرى(5)؛ فأن تعترف بالآخر يعني ضمنيًّا تغذية الأنا في طموحها نحو السلب وفي رغبتها في صهر الآخر ضمن النسق المتعالي للأنا بمبادئه وقيمه الأخلاقية.

الهويات والوجود المستقل

كان لا بد من إعادة صياغة فلسفة الاعتراف بعد أن افتقدت لمقومات النجاعة التواصلية، وتعويضها بفلسفة التعارف التي تبقي على الشرط الأخلاقي، وتجعل التواجه مبنيًّا على التذاوت والحفاظ على مسافة التفاوض بما يكفل للهويات وجودها المستقل عن الهوية الكونية السالبة، وبما يضمن تحقيق الاجتماع الإنساني المبني على الأخوة الإنسانية التي مؤداها المحبة، والعدل، والتسامح، والتكافل، والتساوي في الحقوق والواجبات، والعبور من القوة التهديدية إلى القوة التكاملية المبنية على قاعدة الوحدة الإنسانية في ظل التنوع والتعدد الذي هو مدعاة للاختلاف، ومن ثم التعارف بين من هو مختلف؛ لأنه لا تعارف في نطاق التماثل والتطابق (وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا) [الحجرات 13]، تعارفًا حضاريًّا يتقوم بالسلم والتكريم والتشارك والتدافع والتثاقف للوصول إلى حياة بشرية ذات معنى يتوسع فيها مفهوم الأخلاق ليتحول إلى أنطولوجيا أخلاقية وفق تعبير شارل تايلور، وينزع عنه التقعيد الذي يكبل الأخلاق بدليل محنط، ويجعلها خاضعة لسلطة العقل الخالص في حل عن أي إحساس(6). فالكرامة العقلانية سرعان ما تعبر عن تهافتها عندما تخاصم الهويات الأخرى وتتجنى على التعدد الثقافي رغم ما تحاول تثبيته من أخلاق معيارية.

لهذا اقترح ريكور فكرة المحبة تجسيدًا لمفهوم التعارف الذي يعادل مفهوم السلم وينأى عن فكرة الصراع من أجل البقاء(7)، وقد سايره في ذلك أكسل هونيت الذي ربط الاعتراف بثلاثة أنماط: «هكذا تحفز تجربة الحب الثقة في الذات، وتجربة الاعتراف القانوني احترام الذات، وتجربة التضامن تقدير الذات»(8). ومنه ننتقل من حالة الاستفراغ الثقافي للذات إلى حالة الامتلاء عبر التشارك الديمقراطي في تدبير الفضاء العام وتحقيق العدالة الاجتماعية.

طه عبدالرحمن

ولا يمكن خلق تواجه ثقافي متناغم إلا بإعمال شرط المخالقة في تماهٍ مع الخاصية الأخلاقية، بتعبير طه عبدالرحمن(9)، التي تزداد بها إنسانية الإنسان على المستوى التعاملي، إلى جانب الخاصية العقلانية ذات الارتباط بما هو تواصلي. وهذا التهذيب الذي ينطوي على التأدب هو مدعاة الحفاظ على الخيط الناظم للتواصل، الذي يسمح بتبادل الانتفاع، ورفض التمركز حول الذات حتى نبقي على الهدف والعلاقة معًا (رابح/ رابح). أما التخلق، «فمقتضاه أن يأتي المتكلم بفعل القول على الوجه الذي يبرز به دلالته البعيدة، فضلًا عن اعتبار دلالته القريبة ويقوي أسباب الانتفاع الآجل به، فضلًا عن اعتبار الانتفاع العاجل به»(10).

وهذا الضرب من التهذيب يجعل عملية التواصل قائمة على التفاعل الذي مؤداه جلب الخير ودرء الشر؛ وهو منتهى الإنسانية التي تزيد من اعتبار الآخر على اعتبار الذات، وهو، أيضًا، جوهر العلاقة التخاطبية/ الفاعلة، المبنية على الذات المتعاملة التي تتناسل منها الذات المتأدبة والذات المتخلقة المتوسلة بالفطرة والإحسان، بعيدًا من التقنينات المعيارية وانحشارًا في وعي أخلاقي يسم الحياة بالمعنى الحقيقي الذي يتأسس على القيم بوصفها أخلاقًا هادية تصنع الإنسان الائتماني وتجدد روحه التي طالها الصدأ وتبوئه رتبته الإحسانية بما هي مرتبة لا يبلغها إلا من حصل فعل التزكية وتشرب القيم بوصفها معانيَ نؤتمن عليها كما نؤتمن على الودائع السرية(11)؛ إنها ارتداد إلى الفطرة الإنسانية السوية وأوبة إلى التربية الروحية والوجدانية.

يقول طه عبد الرحمن: «ولا يخفى على ذي لب أن القيم هي المعاني الروحية التي أعطيت للإنسان لكي يتمكن من العروج بروحه إلى عالم الملكوت»(12)؛ إذ لا يمكن العبور إلى عالم المطلق إلا بركوب مطية القيم التي هي السبيل إلى معانقة عالم الملكوت بوصفه تجلّيًا روحيًّا يتسامى عن عالم الأغيار. ولما كان ذلك كذلك، تحقق مفهوم المخالقة الذي يؤثر في ماهية الإنسان ويجعلها تضيق وتتسع وفقًا لفعل التخلق والتزكية.

إن الإنسان الأخلاقي المكرم بالقيم هو المعول عليه في انتشال البشرية من نزعتها الذئبية للوصول إلى مرتبة الإحسان وتحقيق المخالقة التي لا تتعارض مع الفطرة السوية، وهو المسؤول عن الانتقال من معيارية الاعتراف وتقنيناتها العقلانية إلى أخلاقيات التعارف الائتماني بسموها الروحي الذي تقوده المحبة والتعاطف.


المصادر والمراجع:
(1) Lazare Benaroyo, Le visage au-délà de l’apparence, Levinas et l’autre rive de l’éthique, Articolo Sottoposto a peer review.Ricevuto il 23/6/2024.Accettato il 1/3/2015 , P 218.
(2) Oscar Negt, L’espace public oppositionnel, Payot, Paris, 2007.
(3) الحديث هنا عن البيان الذي أصدره يورغن هابرماس وآخرون تعليقًا على الحرب ضد حماس، وتحيز هابرماس الواضح للدفاع عن السردية اليهودية التي «تدافع» عن نفسها ضد من يحاول محو الوجود اليهودي. يقول في البيان: «ترتبط الروح الديمقراطية لجمهورية ألمانيا الاتحادية، المفطورة على الالتزام باحترام الكرامة الإنسانية، بثقافة سياسية تعد الحياة اليهودية وحق إسرائيل في الوجود عنصرين أساسيين يستحقان حماية خاصة في ضوء الجرائم الجماعية التي ارتكبت خلال العهد النازي».
(4) فيكتور إيميل فرانكل، «إرادة المعنى، أسس وتطبيقات العلاج بالمعنى»، مرجع سابق، ص 70.
(5) Charles Taylor, « «Vive dans le pluralisme, Entretien avec Charles Taylor », in Esprit, Comprendre le monde qui vient, n 408, Octobre 2014, p 28.
وينظر أيضا:
–  Charles Taylor, Rapprocher les solitudes, Ecrits sue le fédéralisme et le Nationalisme au Canada, Presses de l’Université Laval, 1992, p139.
(6) محمد الشيخ، «الدين والدنونة والأخلاق»، مجلة التفاهم، عدد 48، السنة الثالثة عشرة، ربيع 2015م، ص 107-108.
(7) Paul Ricoeur, Parcours de la reconnaissance, Folio, Editions Stock, 2004, p 343.
(8) أكسل هونيت، «الصراع من أجل الاعتراف، القواعد الأخلاقية للمآزم الاجتماعية»، ترجمة جورج كتورة، المكتبة الشرقية، بيروت، 2015م، 311.
(9) طه عبدالرحمن، «اللسان والميزان أو التكوثر العقلي»، (المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط 2، 2006م)، ص220.
(10) المرجع نفسه، ص 223.
(11) للتوسع أكثر في مفاهيم الائتمانية والإنسان الائتماني؛ ينظر: طه عبدالرحمن، «دين الحياء»، الجزء 1، من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت 2017م، ص 71.
(12) المرجع نفسه، ص 71.