لا أخالف الصواب إذا قلت: إن المتن الروائي العراقي، بل غالبية الحقول الجمالية، تحررت من سيطرة النسق وهيمنته بعد عام 2003م؛ إمعانًا في التماهي مع التغيرات السياسية التي طرأت في البلد، وهو ما حرّض كثيرًا من أصحاب المدونات الروائية على توظيف أفكارٍ كان من غير الممكن تناولها سابقًا. افتضاح المخبوء الثقافي جاء قيميًّا ثائرًا نتيجة تداعيات سؤال الواقع، فضلًا عن احتشاد الأسئلة الجدلية. وهنا يظهر مدى مصداقية الأديب في كيفية ترويض نظامه الثقافي ومنظومته الفكرية من جهة، وبين الحمولة التاريخية التي ترافقه من جهة أخرى، محاولًا قدر الإمكان عدم الانجرار نحو البلاغة المفرطة التي يتسلل عبر أساليبها الجزلة، أو انزياح المعنى الخارج عن المألوف، أو الرمز الأسطوري والميثولوجي، أو الاستعارة المجازية خشية من عيون الرقيب.
غير أن هناك سؤالًا يعنى بالأبعاد المعرفية والفكرية التي تربّى عليها الروائي: هل يمكنه أن ينعتق من المحاذير الموضوعة التي صارت جزءًا من تكوينه الإبستمولوجي ونشأته الاجتماعية؟ أم إن الأنساق التي شكلت وحدته الثقافية، بحسب تعبير شتراوس، عيّنت له سياقًا معينًا بات من غير الممكن أن يخالفه؟ وهل استمالة النسق وتطويعه جاء من شعور جواني، ومقدرة قيمية دالة بإزالة العقبات الناشئة التي كبّلت الروائي وقيّدت حركته داخل النص؟
الفخ الجمالي
حقيقة الأمر، ثمة تحولات سياقية أحاطت البنية الروائية العراقية من ناحية المفهوم والرؤية، ومن الضروري أن نستفهم عنها، من خلال التعاطي مع حيثيات المتون المعاصرة التي صُدّرت. وهنا يجب علينا أن نشير إلى أن النسق الثقافي لا يتعامل مع جمالية النص من ناحية محسنات اللفظ وتنميق الجملة، بقدر ما يتعامل مع تراتبية العلاقة بين الذات البشرية الأدبية، ومرجعياتها النفسية والاجتماعية، وكيفية الإفصاح عن هويتها داخل المتن وتشكيل البعد الدرامي لصناعة متن حقيقي غير ملفَّق، بل منهمك في المصير والمآل، مانحًا صورة حقيقية للروائي الذي كرّس هذه الأحداث داخل المدونة وبيان مدى صدقه أو انسلاله عن الآخر، بغض النظر عن تبعات الآخر إن كان دينًا أو معتقدًا إثنيًّا أو أيديولوجيًّا أو سلطة أبوية تكبّل توجهاته.
في كتابه «الأدب في خطر» (ترجمة: عبدالكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1، 2007م) حاول تودوروف أن يخرج النص الأدبي من قوقعة السياق الشكلاني، الذي عيّن المتن في إطار الجمالي واللساني، إلى دراسة بنية المدون وتفكيك رؤاه وفق الهدف الرئيس الذي يسعى إليه. توضح ذلك في كتاب هانز جورج غادمير «الحقيقة والمنهج» (ترجمة: الدكتور حسن ناظم، علي حاكم صالح، دار أويا للطباعة والنشر، ليبيا، ط1، 2007م) عندما أوضح أن الاعتبارية القيمية لإضاءة النص هي عدم تموضعه في الفخ الجمالي. طالب غادمير بإعادة قراءة التراث الغربي وتاريخه من جديد وفق نظام ثقافي معين لتحديد حقيقة الخطاب، وسعى إلى إخراجه من الزحام النصي ليظهر للعلن.
هذه الممارسة المعرفية الثقافية تعتمد اعتمادًا كليًّا على تثاقفات عدة ممسكة بالأديب، لكني هنا إزاء سؤال مهم حيال هذا التصدير: ما طبيعة التحول الذي يصادفنا؟ وكيف نقتفي أثره؟ وهل اجتراحات العولمة أثرت في افتضاح جوهر الأديب وبيان كنهه؟ ما الذي نريده من صاحب المدونة الروائية إزاء نوع التحول النسقي وسمته لكي نقتفي حقيقته؟ وما الغاية التي عن طريقها نستبين دلالة اللفظ ومعناه المنشطر عن وظيفته الفعلية؟ هل الخطاب التأويلي المصاحب للنسق هو خطاب لساني يعنى بمجازات اللغة ومستحدثاتها أم إنه يدرس الوحدة الفكرية التي تنزع نحو الجوهر الذي يغلّفه الأديب بالبلاغة؟ لماذا علينا أن ننقب عن هذا التحول؟ وكيف نعي مخرجاته؟ هل اعتبارية الزمان والمكان لهما انعكاسهما الواضح على ملامح النسق حال تخطيه عتبة المتن الأدبي؟
الوحدة الثقافية وتعالق الهوية
إن ملامح تشكيل الهوية الثقافية للأديب تأتي عن طريق مقومات عدة لتكوّن وحدته العضوية، بتعبير هيغل، ولعل عامل البيئة وما يشوبه من وقائع وأحداث هو أهم العوامل التي تعزز مكانة النسق وتظهره جليًّا؛ لكونها التأسيس الأول الذي يعطي تمثلات النظام الثقافي لتأتي عن طريق صورة الكائن البشري وسياقه المؤثث بالتصرف والسلوك والاعتبارات القيمية والإنسانية جميعها، وهذه الإشارة تظهر بصورة مشاعة أو متوارية في كيفية التوظيف الفني والجمالي للنص.
إن تقديم نص خارج عن السياق، ضارب في كينونة النسق، يحتاج إلى شجاعة في كيفية التعاطي مع الفكرة التي دعا إليها عصر ما بعد البنيوية، ليكون الانفلات عن السائد حاجة ماسّة في إعطاء متون أدبية غير منافقة. أود أن أتماهى مع كثير من المتون الروائية التي أنتجت في مراحل متعاقبة وأواجه مؤلفها ثقافيًّا وفق تداعيات الأوان الذي بزغ منه، وأفهرس أنساقه المتوارية لأجد مستويين لا غير جرّاء هذا التقديم لمتون منافية للواقع.
المستوى الأول
يتمثل في اعتبارية الوجود والحاجة إلى الضوء، وإن كان خافتًا، من قبل الروائي ليتماهى مع الأجندات السياسية والقرارات التي يصدرها هرم الدولة. لعلنا نتذكر ما دونته السردية العراقية قبل التغيير في كثير من العبارات التي أصدرها الحاكم في تلك الحقبة لتبقى محلّقة على مدى سنوات وتكون بمنزلة عتبات نصية أو إحالات متوهجة داخل المتن الروائي، وما أنتجتْه المَكِنةُ التعبويةُ من متون روائية أرّخت لذاكرة الرصاص، وقد حفل كثيرٌ منها في أعمال درامية لتوثق لحقبة معينة.
غير أن بعضًا من الأدباء -على قلتهم- كسروا السائد الثقافي بمخاتلتهم لعين الرقيب، وراحوا يمررون إدانتهم لهذه المرحلة. فالسخرية كانت حاضرة في كثير من الأعمال الروائية التي لم ترَ النور إلا بعد إمضاء التغيير، كذلك ثمة محاولات للتنكيل بالحرب في بعض المتون الروائية، جاءت بصورة هامشية لكنها تحولت إلى ركيزة يؤثث بها المتن فكرته؛ ذلك لأنها تعدت المحظور، وإن بدا النسق منزاحًا عن مساره الطبيعي لكونه متداخلًا في التوظيف الفني ومبتعدًا من سياقه المفاهيمي المستقر ليتجنب الوقوع في الشرك. ولعلي أنطلق من منطلق ثقافي آخر في كيفية التعاطي مع الحدث، الذي خاضه البطل وتورط فيه، وشهد مخرجاته في تلك الحقبة.
حقيقة الأمر، أجد أن هذا التحول في النمط السائد لم يكن عفويًّا بل مترقبًا، ولعلنا أمام سؤال آخر: هل التحول النسقي تحولٌ فطريٌّ أم له مسبباته الاجتماعية والنفسية والفكرية؟ ما أعنيه: هل ثمة تحول خطي نسقي معارض للتيار نتيجة المؤثرات الراديكالية التي عاشها المؤلف أم إن هذا التحول في نظامه الإبستمولوجي جاء طوعًا من دون قصد؟ وفي حال آمنا بالحالتين، كيف ستكون طبيعة اللغة وتصريف جوهرها داخل النص؟
بطبيعة الحال، إن الانقلاب الثقافي النسقي هو انقلاب فكري بامتياز، يظهر أثره في طبيعة الخطاب المهجّن والمشتبك في معيارية اللغة وكُنْه النص.
المستوى الثاني
ويتمثل في هاجس الخطاب الذي ينزع نحو التغيير. ولعلي أجد أن حيادية اللغة التي تتعاطى مع الفكرة بصورة تلم بالحدث ومجرياته بعيدًا من التزويق اللفظي والمفردة المؤولة التي تصارع المعنى هي التي تعيّن النظام الثقافي للروائي، فقد أمدتنا التجارب التسعينية في الرواية العراقية بأبعاد جدلية وتحديات سياقية، في ماهية توظيف الرمز بوصفه تأويلًا جماليًّا على حساب تكنيك الحدث واستقرار تراتبيته، من ناحية صلته بالقارئ، فضلًا عن استحضار الأسطوري والجدلي، المعني بأسئلة المصير وحقنه بالواقع بصورة غير مباشرة. قد تكون الموضة السائدة في تلك المرحلة، إضافة إلى المؤثرات المحيطة بجوانية الروائي المعلنة والمخبوءة أسهمت في ذلك، فقد بقي يصارع نسقه ويخاتله.
إن هذا التداخل منح المؤلف سياقًا معينًا مؤثثًا بالخشية والتأهب؛ لذا باستطاعتنا القول: إن الرواية العراقية قبل عام 2003م اهتمت اهتمامًا كبيرًا بالبناء وتركيب الجملة، ناهيك عن الصياغات المجازية التي دفعت بالنص إلى كونٍ من التأويل، كذلك أخذت في تفكيرها الاعتناء بملامح الشكل الأدبي وتجنيسه فضلًا عن طريقة البناء وتسلسل الأحداث من ناحية الترابط الزمني فيما بينها. بقيت الرواية العراقية على هذا النمط إلى أن تغير النظام الحاكم، ولا أعرف هل مفردة التغيير أدبيًّا جاءت من التغيير السياسي فقط، أم إن التغيير في الرؤية والمفهوم ناجم عن طبيعة الكائن البشري عبر نظرته للحياة.
إن التصورات الجوانية التي كانت تمسك بالشخصية الروائية العراقية حيال المشترطات المعنية بالكاهن أو رجل السلطة أو الحرب مختلفة بعد التحول السياسي في العراق، على الرغم من أن الأزمات ما زالت متواترة، وهو ما شكل انعكاسًا صوريًّا ومفاهيميًّا قارًّا بالنسبة للمدونة الأدبية العراقية والروائية على وجه التحديد. لعل الكاتب يكون قد تخلّص من بعض الأغلال في هذا الأوان، وصار يكتب بحرية غير مكترثٍ بما يؤول إليه الواقع، إلا أنه لم يتخلص من الأغلال كافة بصورة كاملة، فما زال النظام الثقافي الذي سوّره في السابق محيطًا به بنسب معينة متخذًا منحى جدليًّا آخر من ناحية طريقة المعالجة داخل السياق النصي، فاللص والمرتزق والأفّاك والشجاع والشرطي وما عداه كلها سمات مكشوفة الهوية، إلا أنها حال عنايتها داخل المتن تتخذ مسارات أخرى مع المحافظة على جوهرها المؤدي إلى الغاية الحقيقية.
إن الروائي المعاصر الذي خبر الحركات المتطرفة والتقلبات السياسية والأيديولوجية الكبيرة؛ استطاع أن يغيّر في المتن الروائي العراقي من ناحية ملامح التجنيس والمباشرة في الطرح التي كانت مغيبة في مفاصل جمالية كثيرة؛ لذا فإن المضمر النسقي الذي كان مندسًّا في البلاغي صار يتجول داخل النص مع التحفظ على كثير من الأفكار التي من غير الممكن أن توظف علانية؛ لذا أجد أن التحول الثقافي لم تكتمل أبوَّته بصورة جادة من ناحية تداعيات سؤال الواقع.
فاعلية السؤال المبتكر وصلته بالنسق
الأسئلة المهمة التي تطالعنا إزاء المتن الروائي الذي ظهر في عصر ما بعد التغيير هي: ما مستحدثات الأسئلة الجدلية والإشكالية التي وظفت داخل المتن السردي المعاصر؟ هل أحدثت تغيرًا على مستوى الأفكار المختلفة فضلًا عن ابتكارِ تقانات مواكبة للأوان؛ لتضفي سمة عالمة من ناحية بنية النص وتكنيك الصورة إزاء تتابعها مع المشهد، لتظهر شكلًا مختلفًا من ناحية السياق الكلاسيكي المتعارف عليه في الحقبة السابقة، أم ما زالت الأسئلة السالفة معلقة في المتن الروائي الجديد ليتناولها بصورة مغايرة ولا يستطيع الفكاك منها؟ هل ثمة ريادة من ناحية البناء الفني والمضمون؟

أحمد سعداوي
إن الاستعانة بأسئلة الواقع المغايرة التي تناسب المرحلة تحتاج إلى مشغل واعٍ، حال تضافر العدة المعرفية والثقافية النسقية في كيفية تبيان العمل الروائي من الناحية الجمالية، فمن البديهي أن تكون مساحة الحرية، وإن كانت مبتسرة، كفيلة بدحض كثيرٍ من المحاذير التي شكلت أبعادًا نفسية للمدون، على الرغم من أن مشروعية العلاقة بين الذات المتسقة مع أسئلة الواقع والمنددة بتبعاتها على الإنسان، من المفترض أن تكون مؤهلةً لهذا الاستقراء لتصوّب الحقية أو تجاورها. إذًا: ما الذي يحصل جرّاء هذا التحول الذي كفله التغيير للروائي؟
بطبيعة الحال، إن التحول النسقي الثقافي في بناء منظومة معرفية له تبعاته المتداخلة في حمولة الأديب، بغض النظر عن أجواء التحرر الذي يعيشه. في حال لو عَدَدْنا توظيف الميثولوجيا أو الاستفهامات الكونية أو الرمز هو قناع تخفٍّ يُسوِّغ للروائي مادته. وعلى نحو متصل ثمة متون روائية وُلدت في هذا الأوان غير أن رؤيتها تعافت باستدعاء الخيال المتداخل في الميثولوجي، كما في رواية «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد سعداوي الذي قَطَّعَ بطلُه جُثثَ الموتى وضمَّهم في جسد واحد.
في هذه الرواية خاصةً استطاع الروائي أن يتحرر من سلطة النسق، لكنه لم يتحرر من السياق الكلاسيكي في البناء الهرمي لمتنه، على الرغم من أنه لم يتطرق إلى الأبعاد الميثولوجية الفخمة. واستحضر رمزًا خارقًا استطاع عن طريقه أن يبتكر مكانًا مختلفًا، على الرغم من أنه تجوّل في أزقة بغداد القديمة، وعاش محنتها وتحمّل مآسيها؛ لذا أجد أن الرواية ما قبل التحول السياسي في العراق، كانت تهتم بتركيب الجملة ومبناها البلاغي على الرغم من المهيمنات الثقافية التي كان الروائي محاطًا بها. لكن الروائي بعد تلك المرحلة تجرّد بنسب متفاوتة من هذه المهيمنات، واستطاع أن يضع صورة الهامشي ركيزة مهمة في متنه.
0 تعليق