المقالات الأخيرة

وصفتان لتطوير علومنا السلوكية: الاطراد والتجريب

وصفتان لتطوير علومنا السلوكية:

الاطراد والتجريب

العلوم السلوكية Behavioural والذهنية Cognitive تطورت تطورًا مذهلًا في العقود الماضية، وانتقلت من كونها: تأملات فلسفية أو خواطر نفسية أو شذرات أدبية حول «الطبيعة البشرية»، إلى علوم متحاقلة (=بينية) تعتمد على: البيانات الدقيقة والملحوظات المتراكمة والأدلة الصلبة، بما في...

«رغم أنهم قد أحبوا، فـإنهم قتلوا أحبــــابهم»

«رغم أنهم قد أحبوا، فـإنهم قتلوا أحبــــابهم»

في بداية علاقتي بالكتابة، كانت جملة «اقتل أحباءك» أو «اقتلوا أحباءكم»، Murder your darlings التي سمعتها على لسان العديد من أصدقائي الكتاب، وتعبر عن اتجاه متقشف في الكتابة من دون زخارف جمالية، والتي قالها الروائي الأميركي وليم فوكنر لإرنست همنغواي، سواء في سياق مباشر...

العبودية الفكرية الحديثة: بين أوهام التحرر وهيمنة الخطاب الدولي قراءة في تواشج القانون والمعرفة والسلطة

العبودية الفكرية الحديثة: بين أوهام التحرر وهيمنة الخطاب الدولي

قراءة في تواشج القانون والمعرفة والسلطة

في عالم اليوم، يعيش الإنسان حالة متناقضة من الحرية المقنّعة؛ فهو يخال نفسه حرًّا بينما تتسلل القيود الخفية إلى وعيه عبر الخطاب المؤسسيّ، والشاشات، وسائل الإعلام، والشبكات الاجتماعية، والبرامج التعليمية، والقوانين الدولية التي تُعرض كمعايير مطلقة. هذه الظاهرة، التي...

«كيفك أنت زياد الرحباني» لإبراهيم عبدالفتاح طفل ينظر إلى العالم من نافذة مائلة

«كيفك أنت زياد الرحباني» لإبراهيم عبدالفتاح

طفل ينظر إلى العالم من نافذة مائلة

تصنف منشورات بتانة كتاب «كيفك أنت زياد الرحباني» للشاعر إبراهيم عبدالفتاح، الصادر حديثًا، أنه كتاب «سيرة». فهل كتب الشاعر المصري سيرة الموسيقار الراحل؟ أم إن إبراهيم عبدالفتاح يكتب سيرته التي ربما تقاطعت في بعض جوانبها مع حياة زياد الرحباني؟ انتفت تساؤلاتي بعد قراءة...

حين يُنصت الشعر إلى نفسه… ويطمئن العالم

حين يُنصت الشعر إلى نفسه… ويطمئن العالم

ما مستقبل الشعر؟ لا يسأل المرء عن مستقبل ما لم تتزعزع ثقته به، ولا يتأمل مصير ما لم يُخَيَّل إليه أن الظلال بدأت تُزاحم الضوء؛ لذلك يبدو سؤال مستقبل الشعر أشبه بقلق طارئ، أو رعشة خاطفة تصيب يدًا تمسك بقنديل لم يُطفأ يومًا، حتى حين بدا وهجه ضعيفًا في أعين من ظنوا أن...

النشر في العالم العربي

بواسطة | مارس 1, 2026 | الملف

صناعة‭ ‬الكتاب‭ ‬مهمة‭ ‬صعبة ومظلومة‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي

محمد‭ ‬رشاد – ‬ناشر‭ ‬مصري‭ ‬ورئيس‭ ‬اتحاد‭ ‬الناشرين‭ ‬العرب

دخلت صناعة النشر إلى العالم العربي بعد نحو أربع مئة سنة من اختراع يوهان غوتنبرغ المطبعة عام 1442م. ومن ثم هناك فارق زمني كبير تأسست فيه قواعد المهنة في الغرب، وترسخت فيه العلاقة بين الناشر والمؤلف والقارئ، حيث أصبح كل منهم على معرفة بحقوقه. أما لدينا فلا توجد حتى الآن محددات واضحة لحقوق كل طرف. فالناشر هو شخص يدير عملية النشر بين المؤلف والموزع والمطبعة، والثلاثة كل منهم منفصل عن الآخر. وأنا بصفتي مسؤولًا في صناعة الكتاب أرى أن صناعة النشر في العالم العربي ضعيفة، وتتأرجح ما بين الصعود والهبوط لأسباب كثيرة.

كان هناك رواج في صناعة النشر في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وبخاصة في مصر. فمع إنشاء محمد علي مطبعة بولاق، وبعد البعثات التي أرسلت إلى أورُبا صار هناك صناعة قوية. وكان هناك ازدهار للصناعة طوال السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات أيضًا، فكنا نطبع من الكتاب الواحد خمسة آلاف نسخة أو سبعة آلاف، وكنا نطبع من كتب الأطفال عشرين ألف نسخة، لكننا الآن لا نطبع من كتب الأطفال سوى ألفي نسخة؛ وذلك لتكاليف الألوان، أما الكتاب العادي فيطبع في أفضل الحالات ألف نسخة، وهناك بعض دور النشر تطبع خمسين نسخة.

على الرغم من زيادة عدد المدارس والجامعات والسكان على مستوى الوطن العربي، فإن عدد المطبوع من الكتاب في تراجع. وكل الحجج التي تسوِّغ ذلك هي حجج ضعيفة، من قبيل أن الجيل الجديد يفضل الكتب الإلكترونية. وهذه حجة باطلة؛ لأن الإحصائيات تقول: إن عدد المطبوع من الكتاب الورقي في أورُبا وأميركا يزيد من ثمانية بالمئة إلى عشرة بالمئة، فرغم أنهم صناع التكنولوجيا الحديثة، فإنهم رسّخوا عادة القراءة منذ الصغر فقد ارتبطوا بالكتاب. الأمر لدينا على النقيض، فلا يوجد اهتمام بالقراءة. ومن ثم فأبرز التحديات اللي تواجهها صناعة النشر في الوطن العربي هي ضعف الاهتمام بالقراءة منذ الصغر.

طبعات وهمية

هناك مشكلة أخرى تتمثل في ارتفاع نسبة الأمية. فإذا كانت نسبة الأمية في بعض البلدان تصل إلى خمسة وعشرين أو ثلاثين بالمئة، فهذا الرقم أيضًا يقلل من كمية المطبوع من الكتاب. المتعلمون أيضًا عازفون عن القراءة، فكثيرون يعتقدون أن القراءة تنتهي بتخرجهم من الجامعة. كل ذلك يؤثر في صناعة النشر ويجعل بعض الناشرين يطبعون خمسين نسخة، ويكتبون عليها الطبعة الأولى والطبعة الثانية. ولأنهم لا يملكون منافذ توزيع يرتفع سعر الكتاب؛ لأن الكمية المطبوعة محدودة. هناك أيضًا مشكلة أجهزة الرقابة، فهذا الكتاب مسموح به هنا وممنوع هناك. إضافة إلى مشكلة القراءة المتخصصة، بمعنى أن كل مثقف يقرأ حسب التوجه السياسي أو الفكري الخاص به.

هناك أيضًا ظاهرة تزوير الكتب أو الاعتداء على الملكية الفكرية. في البدء كان التزوير بطباعة نسخ ورقية، الآن هناك أيضًا التزوير الإلكتروني على شبكة الإنترنت. فكل من يقرأ كتابا ويعجبه يرفعه على موقع من فور خروجه من المطبعة. نحو تسعين بالمئة من كتب الناشرين، التي تلقى رواجًا، مقرصنة على شبكة الإنترنت. ورغم أن القانون يمنع ذلك، فإن تنفيذ القانون ليس بالمستوى المطلوب. فضلًا عن زيادة معدلات الضرائب على الكتب، فبعض البلدان العربية تفرض ضريبة القيمة المضافة على الكتاب، وتصل بعض بلدان الخليج إلى 15 بالمئة، وفي بعض الدول 5 بالمئة. هؤلاء يرون أن النشر نشاط تجاري مثله مثل السيارات أو العقارات.

مكتبات عامة

أما أخطر نقطة -لأنها من الأسباب الرئيسة في ازدهار صناعة النشر في الدول المتقدمة- فهي المكتبات العامة، فعلى الدولة أن توفر للمواطن مكتبة عامة في كل حي، بحيث يدفع الراغب في القراءة رسم نشاط بسيط، بينما تقوم الجهة الرسمية بتحمل باقي الميزانية. فالناشر الأورُبي قبل أن يصدر الكتاب يرسل ملخصًا عنه إلى المكتبات؛ ليكون على معرفة بعدد النسخ التي سيطبعها. ومن المفترض في المجتمعات الأكثر رفاهية أن تكون هناك مكتبة عامة لكل عشرة آلاف نسمة، تضم كل منها عشرة آلاف عنوان، أما في البلدان الأقل رفاهية فإن كل خمسين ألف نسمة يكون لهم مكتبة عامة. ولو حسبنا عدد المكتبات العامة على مستوى الوطن العربي فلن نجدها تتناسب مطلقًا مع عدد السكان.

في السنوات الأخيرة كلما حدثت أزمة اقتصادية في أي دولة فإن الميزانيات المخصصة للكتب سواء في المكتبات المدرسية أو الجامعية أو المراكز الثقافية، تتراجع من فورها. هناك أمر آخر يسهم في ازدهار صناعة النشر في الدول المتقدمة، وهو أن الناشر يشارك في تأليف وطباعة وتوزيع الكتاب المدرسي، وهذا يوفر عوائد له، وبالتالي يستطيع أن يغامر وينشر لوجوه جديدة. إضافة إلى أن الأجهزة المنوط بها تنفيذ قوانين الملكية الفكرية ليس لديها دراية كاملة بأهمية حماية واحترام الملكية الفكرية. كما أن ثورات الربيع العربي أخرجت بلدانًا مثل ليبيا وسوريا واليمن من خريطة المعارض والتوزيع.

نشاط خدمي

لا تعترف الدول العربية بأن النشر صناعة، وتعدّه نشاطًا خدميًّا، على نقيض الدول المتقدمة التي تعدّه نشاطا صناعيًّا، أي أنه يأخذ كل الدعم، ويهتم به في عمليات التصدير. فمثلًا في وقت كورونا، خصصت مصر نحو مئة مليار لدعم الصناعات، لم يستفد منها الناشرون المصريون. لكن في بعض الدول، مثل الإمارات والمغرب، خصصوا مبلغًا للناشرين. فضلًا عن أن مفهوم التنمية الثقافية ليس موجودًا في معظم الدول العربية. حيث ترى الحكومات أن الأهم هو التنمية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فالتنمية الثقافية بالنسبة لها هي آخر ما تهتم به، رغم أنه من المفترض أن يكون الاهتمام بالتنمية الثقافية في المقام الأول كي أخلق مواطنًا واعيًا يتقبل السياسات الموجودة.

مهنة النشر في العالم العربي مربحة إذا كان الناشر لديه أدواته، لكن في العموم لا يساوي العائد من النشر في العالم العربي لا الجهد ولا الوقت ولا المال الذي ينفق عليه؛ لأنه لا يبيع إلا قدرًا محدودًا. في العالم الغربي يُعَدّ الناشرون في مرتبة عالية من ناحية النمو الاقتصادي. يكفي أن نعرف أن تجارة الكتاب تأتي في أميركا بعد صناعة السلاح، وقبل تجارة المخدرات؛ لأن معدل مبيعات الكتب يصل إلى ثمانية وعشرين مليار دولار في العام. لكن في عالمنا العربي لو كان الناشر ملتزمًا، ولديه المهنية الكاملة ويحافظ على حقوق المؤلفين فبالكاد يغطي مصروفاته.

هناك قاعدة تقول: إن الجيل الأول أو المؤسس الأول يعيش على نحو مقبول من المهنة، أما الجيل الثاني فيصبح حاله أفضل؛ بفضل الخبرة والمعرفة، أما الجيل الثالث فيتمتع بفضل جهود الجيل الأول والثاني. أما دُور الناشر الجديدة عامةً، فبعضها تحقق أرباحًا بالفعل؛ إذ يأخذ أموالًا من المؤلفين على أساس أنه سيطبع ألفًا أو ألف وخمس مئة نسخة من العمل، ثم لا يطبع غير خمسين نسخة أو ستين نسخة. والناشر الجاد الذي يحافظ على اسمه وسمعته لا يفعل ذلك، ولا يذهب إلى كتابة أرقام طبعات وهمية على كتبه بدعوى أنها أكثر مبيعًا، ولا يجاري بعض المؤلفين الراغبين في كتابة أرقام طبعات وهمية على كتبهم.

الرقابة

بصفتي ناشرًا، فأنا ضد الرقابة بكل أشكالها وأنواعها، وأرى أن الرأي يرد عليه بالرأي، مهما كان، حتى لو كان في التابوهات الثلاثة المعروفة: الدين والجنس والسياسة. لكني مقتنع بضرورة أن تكون هناك رقابة ذاتية من الناشر والمؤلف. بمعنى أن نراعي تقاليد المجتمع من دون أن نجور على حق المؤلف في كتابة إبداعه. لا بد من نوع من التفاهم بين الناشر والمؤلف، ومراعاة القيم الموجودة على نحو لا يقتل حرية الإبداع، وألا يكون فيه صدام مع الرأي العام في المجتمع. بمعنى أن نصل إلى المجتمع بالشكل الذي أريد أن أصل إليه من دون صدام معه.

الحقيقة أن أدوات الرقابة في العالم العربي ما زالت موجودة على نحو تقليدي، وقد آن الأوان -مع ظهور التكنولوجيا بمستحدثاتها، وظهور النشر الإلكتروني والصوتي والتفاعلي- أن تتغير قواعد ومفاهيم الرقابة، وأن نتفق جميعًا، كُتّاب وناشرون، على عدم نشر كتب تدعو إلى الإرهاب والتطرف، أو إلى تفكيك المجتمع من الناحية الإباحية، أو التشكيك في القيم والعادات الأساسية للمجتمع. الرقابة بشكلها التقليدي بلا قواعد واضحة ولا محددة، فلا أحد -حتى إدارات الرقابة- تخبرنا لِمَ مُنِعَ هذا الكتاب، وكأن فكر الرقيب، الموظف في إدارة إعلام أو ثقافة، أعلى من فكر المؤلف أو الناشر.

علينا أن نعترف أن المقولة القديمة: إن «مصر تكتب، وبيروت تطبع، والعراق يقرأ» قد تغيرت على نحو كبير، وبخاصة أن نسبة ما كانت تنتجه مصر من كتب، حتى ستينيات القرن الماضي، تصل إلى نحو 65 بالمئة وهو ما ينتجه العالم العربي، وأن هذه النسبة تراجعت الآن لنحو النصف، نظرًا لدخول صناعات النشر في كثير من الدول العربية، وبخاصة منطقة الخليج؛ تلك التي بدأت حكوماتها تنتبه إلى أن الثقافة أمر أساسي. وحين يكون لديها كوادر في القوة الناعمة فإن ذلك يساعدها على الوجود على نحو حضاري أفضل، فضلًا عن العائد المادي الكبير للمواطن في منطقة الخليج، وهو ما يجعل الناشر يحرص على أن يكون موجودًا في معارض الخليج. وهناك ظاهرة أخرى الآن وهي أن دول الخليج أصبحت في مرحلة جذب لدور النشر، وبخاصة المصرية، التي بدأت توجد في دول مثل الإمارات والسعودية. هناك ما يقرب من مئة وتسعين ناشرًا مصريًّا فتحوا فروعًا لهم في المنطقة الحرة في مدينة الشارقة. فالخليج سوق جاذب والمملكة العربية السعودية تعد من أهم الأسواق في العالم العربي.

عوائد التأليف

في النهاية، إن تُغُلِّبَ على نصف هذه المعوّقات، فإن الكاتب سيعيش من عوائد كُتبه، مثلما كان حال عدد قليل من الكتاب مثل: محمد حسنين هيكل. وربما استفاد ورثة طه حسين والعقاد ونجيب محفوظ من طباعة أعمال آبائهم أكثر منهم؛ لأن العائد كان لهم بسيطًا. فمثلًا طه حسين كان يأخذ مئة جنيه في الكتاب من دار المعارف. وعلى الرغم من أنه كان مبلغًا له قيمته في ذلك الوقت فإن العائد كان ضئيلًا؛ لأن الكميات المطبوعة كانت قليلة. فإذا أردنا أن تكون هناك عوائد للمؤلف من كتبه فلا بد أن يكون هناك توزيع جيد، وناشر يحافظ على حقوق المؤلف، ويطور من أدواته بحيث يأتي بعوائد للمؤلف سواء من النشر الورقي أو الإلكتروني أو الصوتي، حتى من وسائل الإعلام. فأن تقوم جريدة بنشر كتاب على صفحاتها بدعوى أنها تقوم بعمل دعاية للكتاب فهذا مرفوض، ولا بد أن تدفع الجريدة مقابلًا للناشر الذي يقتسم العائد مع المؤلف وفقًا لبنود العقد، كذلك الأمر مع الأحاديث الإذاعية والبرامج التلفزيونية.


الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬شركة‭ ‬توزيع‭ ‬عربية

بشار‭ ‬شبارو – ‬ناشر‭ ‬لبناني‭ ‬وأمين‭ ‬عام‭ ‬اتحاد‭ ‬الناشرين‭ ‬العرب

في بداية الألفية الجديدة كنا نقول: إن الرقم الذهبي في الطباعة هو ألف نسخة، وأحيانًا ثلاثة آلاف أو خمسة آلاف نسخة. اليوم مع تطور الماكينات الحديثة أصبح الرقم الذهبي هو مئتي نسخة، وهو ما رفع من تكلفة الطباعة. فمن المعروف أن طباعة أي كتاب تمر بمراحل مثل الجمع والتصحيح والتحرير والإخراج الفني والغلاف وغيرها، وتكاليف هذه المراحل توزع على كل النسخ إلى جانب سعر الورق. وكلما زاد عدد المطبوع قلّت تكاليف هذه المراحل، حتى تصبح مع الأرقام الكبيرة، مليون نسخة مثلًا، إلى صفر تكاليف. ولا يكون هناك سوى سعر الورق المستخدم فقط. لكن مع الماكينات الرقمية أصبح عدد المطبوع قليل، فارتفع سعر النسخ، فضلًا عن ارتفاع سعر الدولار في مختلف البلدان، وبالتالي ارتفاع أسعار الورق والأحبار وأجر العاملين في الطباعة ومكافآت المصممين والمحررين وغيرهم.

للأسف، لا يملك اتحاد الناشرين العرب، ولا حتى الاتحادات المحلية، سلطة فعلية على الناشر؛ إذ لا يوجد ما يُلزمه بطباعة عدد معين من النسخ. فالاتحاد ينظم أمورًا مهنية، لكنه لا يملك سلطة تحديد سعر معين للكتاب؛ فإذا رفع الناشر سعر الكتاب فذلك شأنه الخاص. ومن هنا يفضّل كثير من الناشرين العمل على الكتب الأكثر مبيعًا أو انتشارًا، وهذا حقهم؛ لأن النشر في النهاية مهنة واستثمار، وصاحب رأس المال يسعى إلى تحقيق الربح.

شركة توزيع

أكبر المشكلات التي تواجه الناشرين هي غياب شركة توزيع على مستوى البلدان العربية. المتاح هو شركات توزيع الصحف، وهي توزع الكتب الصغيرة والخفيفة، وبذلك فالكتاب هو السلعة الوحيدة التي من دون شركة توزيع، لهذا يتجه الجميع إلى معارض الكتب بوصفها حلًّا مؤقتًا، لكنه لا يمكن أن يكون حلًّا دائمًا أو كافيًا. وقد أخفقت الدول حتى الآن في حل مشكلة غياب شركة توزيع عربية؛ بسبب تعقيدات تختلف من بلد إلى آخر، مثل الرقابة، وتحويل الأموال، وسعر الصرف، وغيرها. أما محاولات إنشاء شركة توزيع على مستوى العالم العربي فقد بدأت منذ نحو عشر سنوات، بمبادرات خليجية، وبخاصة من أبوظبي، حيث جرى التواصل مع كبرى شركات التوزيع الألمانية، وأُنجزت دراسات، وعُقدت لقاءات لمسؤولي تلك الشركات في القاهرة والإمارات وغيرها، لكن المشروع لم يصل إلى نتيجة، وبقي الحلم مؤجّلًا بسبب تلك الصعوبات.

من هنا، يصبح من الضروري أن يتخذ وزراء الثقافة العرب قرارًا بإنشاء شركة توزيع للكتاب على مستوى العالم العربي، حتى تعمّ الثقافة ويصل الكتاب إلى الجميع، ويصبح سعره في متناول القارئ العادي؛ لأن زيادة عدد النسخ المطبوعة تؤدي، بطبيعة الحال، إلى انخفاض سعر النسخة الواحدة. وإلى أن يتحقق هذا المشروع، يمكن اقتراح حلول انتقالية. من بينها أن يتجه الناشرون إلى النشر المشترك؛ فالعالم العربي مقسّم، عمليًّا، إلى ثلاثة فضاءات: المشرق والمغرب والخليج. فلماذا لا يتعاون ناشر من المشرق مع آخر من المغرب وثالث من الخليج في طباعة الكتب؟ على هذا النحو يصل الكتاب الخليجي إلى المشرق، ويصل الكاتب المغربي إلى الخليج، ويزداد عدد النسخ المطبوعة من ألف إلى ثلاثة آلاف مثلًا.

وهناك فكرة أخرى لتجاوز عقبات التوزيع، تقوم على إنشاء مكاتب في المدن الكبرى مزوّدة بماكينات طباعة رقمية، تتبع شركة لها موقع إلكتروني تشارك فيه دور النشر بأعمالها. يختار القارئ الكتاب ويدفع ثمنه عبر الإنترنت، وتصله النسخة خلال ساعتين أو ثلاث ساعات من أقرب مكتب إليه.

وفي النهاية، يمكن القول: إن التحديات التي تواجه الناشرين كثيرة، من الرقابة والجمارك إلى ضريبة القيمة المضافة وغيرها؛ إذ يُتعامل مع الكتاب بوصفه سلعة استهلاكية تُفرض عليها الرسوم والضرائب. ومع ذلك، لا تتعامل كل الدول بالطريقة نفسها مع الكتاب وصناعته؛ فهناك دول مثل المملكة العربية السعودية تُعدّ من أكبر أسواق الكتاب، وهناك دول تقدّم دعمًا مهمًّا للناشرين، كما في الإمارات، سواء للناشرين المحليين أو العرب والأجانب، عبر الجوائز والترجمة ودعم النشر.


صناعة‭ ‬الكتاب‭ ‬في‭ ‬السعودية‭: ‬تحديات‭ ‬وفرص‭ ‬نحو‭ ‬المستقبل

هدى‭ ‬الدغفق – ‬صحافية‭ ‬سعودية

يشهد عالم النشر السعودي حراكًا متسارعًا يعكس شغفًا وطموحًا لدى الناشرين والمؤلفين الشباب خاصة، مع تزايد ملحوظ في دور النشر السعودية وتنوع إصداراتها. لكن تواجه هذا الحراك تحديات جوهرية تتعلق بالاحتراف المؤسسي، وجودة المحتوى، وشبكات التوزيع، والاستدامة المالية. نناقش في هذا التقرير واقع صناعة النشر الحديثة في المملكة، مؤكدين أهمية الاستثمار في المحتوى، وبناء هوية ثقافية للدار، وتطوير قدرات فرق العمل، واستثمار الدعم الحكومي بشكل ذكي لتعزيز النمو المستديم. في هذا التقرير مع بعض الناشرين السعوديين، يتضح أن مستقبل النشر السعودي يرتبط بقدرة الدُّور على الانتقال من العمل الفردي إلى الاحتراف المؤسسي، ومن الطباعة إلى صناعة ثقافية متكاملة، تجمع بين الابتكار والجودة والاستمرارية.

حراك النشر المستمر

الناشرة السعودية ابتسام التويجري، صاحبة دار مضامين، ترى أن الحراك المتسارع في عدد دور النشر السعودية -الذي ارتفع من 374 دارًا في عام 2014م إلى 522 دارًا في عام 2019م، وفق إحصاءات مكتبة الملك فهد الوطنية- يعكس شغف وطموح الناشرين والمؤلفين، ورغبتهم الجادة في إثراء المكتبة العربية والمحلية. وترى التويجري أن هذا التوسع لا يخلو من عشوائية في بعض الجوانب؛ فمع صعود دُور جديدة وشابة، يلاحظ انحسار دُور أخرى كانت فاعلة في السابق. ويُعَدّ هذا الصعود والانحسار ظاهرة طبيعية في أي سوق تنافسي، لكنه يعكس تحديات أعمق تتعلق بنماذج العمل، وغياب الدراسات السوقية الدقيقة، والاعتماد على الجهود الفردية أكثر من العمل المؤسسي المستديم. وتؤكد أن الاستمرارية في عالم النشر تتطلب رؤية إستراتيجية، وقدرة على التكيف، وبناء علامة تجارية ثقافية راسخة.

وتشير التويجري إلى أن قطاع النشر يواجه تحديات جوهرية، أولها: ضعف شبكات التوزيع؛ فالكتاب السعودي لا يزال يعاني صعوبة الوصول إلى القارئ محليًّا وعربيًّا. ثانيها: محدودية الدراسات السوقية والبيانات الدقيقة، التي تساعد الناشرين على اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن ما ينشرونه ولمن. ثالثها: التحدي المالي؛ إذ إن النشر صناعة رأسمالية تتطلب استثمارات كبيرة في الطباعة والتسويق والتوزيع، وهو ما يشكل عبئًا على دور النشر الناشئة. وتؤكد أن الانتقال من الهواية إلى الاحترافية الكاملة يتطلب تعزيز البنية التحتية لصناعة النشر، بما يشمل المطابع والتوزيع والقدرات البشرية وبرامج التدريب المتخصصة.

أمّا دُور النشر الرسمية، فترى التويجري أن غيابها له وجهان؛ فمن جهة يمثل فرصة إيجابية لقطاع النشر الخاص ليتطور وينافس بحرية، وهو ما يحفز على التنوع والإبداع ويمنع احتكار الصوت الواحد. ومن جهة أخرى، يمثل غياب جهة نشر رسمية قصورًا؛ إذ تلعب هذه الدور -في كثير من دول العالم- دورًا حيويًّا في نشر الأعمال التراثية والكتب الأكاديمية والمشاريع الثقافية الكبرى التي قد لا تكون ذات جدوى تجارية للقطاع الخاص. وترى أن الدار الرسمية يمكن أن تكون رافدًا ومكملًا لجهود القطاع الخاص، مع دعم المشاريع طويلة الأمد وتقديم أعمال ذات قيمة معرفية عالية، مشيرة إلى أن وزارة الثقافة أسست فعليًّا في 2019م دار نشر سعودية بمعايير عالمية لرفع جودة المحتوى الأدبي ونشر الثقافة السعودية.

وتثمن التويجري دعم الدولة المقدم من هيئة الأدب والنشر والترجمة والصندوق الثقافي، الذي شكل نقطة تحول في تمكين الناشرين والمؤلفين. وتوضح أن الدعم لا يقتصر على التمويل المباشر، بل يمتد إلى بناء بيئة متكاملة وحافزة، مثل مبادرات «ترجم» وبرامج تمكين مهنة «الوكيل الأدبي» وتطوير بيئة المطابع وتقديم برامج تدريبية متخصصة، بما يعزز الاحترافية في القطاع. وتشير إلى أهمية التحول الرقمي، مع إطلاق برنامج النشر الرقمي في 2021م، الذي يقدم الدعم الفني والتقني لتحويل الأعمال إلى كتب رقمية وصوتية، بما يوسع وصول الكتاب السعودي للمستفيدين ويثري المحتوى العربي الرقمي، مع الحفاظ على مكانة الكتاب الورقي.

وترى التويجري أن الصندوق الثقافي يقدم حلولًا تمويلية مبتكرة تساعد دور النشر على الاستمرارية والنمو، وتخفف الأعباء المالية، بما يمنح الناشرين القدرة على التخطيط طويل المدى والمغامرة المحسوبة في اكتشاف المواهب الجديدة. وتؤكد التويجري في الختام أن عالم النشر في السعودية يقف على أعتاب مرحلة جديدة، مدفوعًا برؤية طموحة ودعم حكومي غير مسبوق، وأن روح المبادرة والشغف لدى الناشرين مقترنة بسياسات ومبادرات داعمة تبشر بمستقبل واعد لصناعة نشر سعودية قوية ومؤثرة، تليق بتاريخ المملكة الثقافي العريق، وتطلعاتها نحو المستقبل.

فرص النشر والاستدامة

أما الناشر السعودي صالح الحماد، صاحب (دار رشم)، فيلفت إلى أن عالم النشر في السعودية يمر بمرحلة انتقالية مهمة، ليست مرحلة تأسيس بعد، ولا نضج كامل، بل منطقة وسطى مليئة بالفرص والتحديات. ويلاحظ حراكًا ثقافيًّا واضحًا، مع ارتفاع عدد الإصدارات والفعاليات واهتمام متزايد بالكتاب. ويؤكد أن دار رشم، منذ تأسيسها عام 2019م، شهدت هذا الحراك مباشرة، حيث شاركت إصداراتها في القوائم الطويلة والقصيرة للجوائز العالمية، وفازت روايتان بالجائزة العالمية للرواية العربية لعامين متتاليين، إضافة إلى الفوز بالمركز الأول في الجوائز الكبرى لجائزة القلم الذهبي، وهو ما يعكس جودة المحتوى الذي تختاره الدار.

يرى الحماد أن هذا الحراك لا يزال غير منظم بالقدر الكافي ليُنتج صناعة نشر متماسكة ومستديمة، موضحًا أن أبرز التحديات تشمل غياب المعايير المهنية الواضحة لدى بعض الدور، ضعف سلاسل التوزيع، غياب البيانات الدقيقة عن السوق، ومحدودية التحرير العميق والتطوير الحقيقي للنصوص. ويشدد على أن النشر لا ينبغي أن يُختزل في الطباعة فقط، دون رؤية تحريرية، أو مشروع ثقافي، أو استثمار طويل الأمد في الكاتب والكتاب.

ويشير إلى أن دار رشم تتبنى نهجًا مختلفًا، فهي تبني هوية معرفية لكل سلسلة من سلاسلها، وتضع معايير محددة لاختيار الكتب وآليات تقويمها، مع التركيز على ثقافة «الاختلاف» التي تكشف عن تجارب إنسانية متنوعة، وتفتح آفاقًا جديدة لدى القارئ، بعيدًا من المعايير المغلقة والمفاهيم الثابتة.

ويحدد الحماد ثلاثة عناصر أساسية يفتقدها قطاع النشر السعودي لتطوره: أولًا، الاحتراف المؤسسي، حيث يجب أن تُدار دُور النشر بعقلية صناعة لا اجتهاد فردي. وثانيًا، الاستثمار في المحتوى نفسه، من تحرير واختيار وبناء هوية معرفية لكل كتاب، مع مراحل متعددة من القراءة والتحرير الإبداعي مع الحفاظ على استقلالية النص. وثالثًا، منظومة توزيع وتسويق فعّالة، تضمن وصول الكتاب إلى قارئه الطبيعي، مع المشاركة في المعارض والفعاليات الثقافية المختلفة.

ويعلق على صعود بعض دور النشر الجديدة وانحسار أخرى، موضحًا أن هذا أمر طبيعي وصحي لأي سوق حي، وأن البقاء في السوق يتطلب تطورًا مستمرًا، استثمارًا في الترجمة عالية الجودة، التحرير الإبداعي، الوكالة الأدبية، والتسويق المتخصص، إضافة إلى توسيع النشاطات لتشمل المعرفة السينمائية والأدب الناشئ وقصص الشعوب. ويُعَدّ الحماد أن عدم وجود دار نشر رسمية له وجهان؛ من جهة إيجابية لأنه يحافظ على استقلالية النشر ويتيح تنوعًا حقيقيًّا. ومن جهة أخرى يحتاج السوق إلى جهات مؤسسية داعمة للمشاريع الكبرى، بما في ذلك ترجمة الأعمال المهمة وتمثيل الكتاب السعودي خارجيًّا بشكل منظم. ويشير إلى أن دار رشم تسعى لسد هذه الفجوة من خلال شراكات إستراتيجية مع هيئة الأدب والنشر والترجمة، صندوق الثقافة، ومركز الملك عبدالعزيز للثقافة (إثراء).

يشير الحماد أيضًا إلى أن الدعم المقدم من هيئة الأدب والنشر وصندوق الثقافة هو خطوة مهمة، وقد ساعد في تحريك السوق وإتاحة مساحة للتجربة والتوسع، مع التأكيد أن المرحلة المقبلة تتطلب دعمًا أكثر تخصصًا وذكاءً، ويركز على جودة المحتوى واستمرارية الدور والابتكار وبناء القدرات المؤسسية للناشرين، بحيث يكون الدعم شريكًا إستراتيجيًّا لا مجرد ممول. ويخلص الحماد إلى أن السعودية أمام فرصة تاريخية لبناء صناعة نشر قوية، مرهونة بالقدرة على الانتقال من «كمّ الكتب» إلى «قيمة الكتاب»، ومن الجهد الفردي إلى العمل المؤسسي، ومن اللحظة الآنية إلى رؤية طويلة المدى. ويؤكد أن دار رشم ملتزمة بهذا التحول، بهدف بناء صناعة نشر تحترم الكاتب والقارئ والكتاب نفسه، وتستند إلى الاحتراف المؤسسي والرؤية الثقافية والاستثمار الحقيقي في المحتوى.

تحديات النشر

في حين يراهن الناشر إبراهيم السنان، الناشر والمستشار الثقافي، إلى أن النشر في السعودية، بشكله الحديث، بدأ فعليًّا في العقدين الماضيين، ويتميز من النشر التقليدي الذي كان يركز على الكتب الأكاديمية والمتخصصة، وكتب التراث الإسلامي والعربي. ويُعرِّف النشر الحديث بأنه النشر العام، الذي يشمل جميع أنواع الكتب، سواء كانت أدبية أو تعليمية وثقافية وتنموية وفلسفية وغيرها. ويؤكد السنان أن الناشرين السعوديين حققوا مستوى مرتفعًا من الاحترافية والتنافسية مقارنة بالدور العربية التي سبقتهم بما يزيد على نصف قرن، مع طفرة إضافية تأتي عبر ما تقدمه هيئة الأدب والنشر والترجمة.

ويؤكد أن قطاع النشر لا يعاني عشوائية مطلقة، إنما غياب الفهم المؤسسي والمهني لدى بعض المبادرين والمتحمسين لممارسة النشر. ويشير إلى أن مجرد حب القراءة أو القدرة على التأليف لا يكفي؛ إذ إن النشر مهنة تتطلب أدوات مهنية وإدارية ومالية وإستراتيجية، إضافة إلى القدرة على إدارة المشاريع، والفهم الفني للطباعة والتسويق والتوزيع. ويضيف أن انخفاض ربحية قطاع النشر يجعل من الضروري للناشر امتلاك هذه الأدوات، فغالبًا ما تقتصر بعض الدُّور المهمة على ثلاثة أو أربعة موظفين فقط، وهو ما يجعل العشوائية نتيجة غياب العمل المؤسسي الجاد والمحترف.

ويصف السنان عملية النشر الحديثة بأنها تتطلب ما لا يقل عن 19 مرحلة إدارية وفنية وتشغيلية من تسلُّم الكتاب كمسودة حتى وصوله لسوق الكتب، لكن العديد من دور النشر تختصرها إلى ثلاث مراحل أو أربع؛ بسبب نقص الكوادر أو ارتفاع التكاليف، وهو ما ينعكس على سعر الكتاب وربحية الدار. ويشير إلى أن هذا الواقع يفسر صعود دور نشر سعودية جديدة، وانحسار أخرى؛ إذ إن استمرار أي دار يعتمد على قدرتها على التكيف مع السوق وضمان الاستدامة.

أما فيما يتعلق بالدور الحكومية أو الرسمية، فيرى السنان أن فكرة وجود دار نشر حكومية يمكن أن تكون مفيدة لإعادة نشر الكتب التي تتجنبها الدور التجارية بسبب ارتفاع التكاليف أو انخفاض الربحية، مع مراعاة عدم خلق منافسة غير عادلة. ويضيف أن هذه الدور يمكن أن تركز على الكتب ذات المنفعة العامة، بما يضمن وصولها لجميع فئات المجتمع بأسعار مناسبة، مستشهدًا بتجارب مماثلة في مصر والكويت.

ويشير السنان إلى أن هيئة الأدب والنشر والترجمة تقدم دعمًا متنوعًا للقطاع، يشمل التدريب الفني والإداري، بهدف رفع مهنية الناشرين وتأسيس صناعة احترافية مقارنة بأفضل الممارسات الدولية. كما يقدم صندوق الثقافة دعمًا موازيًا في التمويل والتدريب والاستشارات، وهو ما يرفع من قيمة القطاع ويعزز استدامته المالية. ويؤكد السنان أن الاستدامة المالية هي أكبر تحدٍّ للقطاع الثقافي، وأن أي دور نشر لا تحقق ربحية مستديمة ستواجه صعوبة في البقاء، وهو ما يؤدي إلى بدء دُور جديدة ثم توقفها بسرعة.


بعض‭ ‬مظاهر‭ ‬أزمة‭ ‬النشر‭ ‬في‭ ‬المغرب

حسن‭ ‬بحراوي – ‬ناقد‭ ‬مغربي

تزامن ظهور دور النشر العربية الأولى، مع حلول القرن التاسع عشر، عبر انطلاق بعض المؤسسات المختصة في كبريات مدن الشرق العربي – مثل القاهرة وبيروت وبغداد- التي سارعت إلى الانخراط في عمليات تعميم المعرفة والثقافة. وكانت في مقدمتها مطبعة بولاق التي أنشأها، في القاهرة محمد علي عام 1820م، ومطبعة بيروت التي أطلقها الآباء اليسوعيون في عام 1840م، ومطبعة البستاني التي دشنها بطرس البستاني في عام 1850م.

وفي المغرب تأخر ظهور المطبعة الحجرية إلى عهد السلطان المولى الحسن (ت: 1894م) التي وصلته هدية من القاضي محمد الطيب الروداني، أحد الحجاج المغاربة، وقد اشتراها من تركيا. وكانت فرنسا التي احتلت الجزائر منذ 1830م قد جلبت لإدارتها مطابع عصرية بالحرف الفرنسي لأغراض إدارية ودعائية تهمها.

من الرفض إلى البناء المؤسساتي

وإذا كانت نيتنا الاقتصار على التأريخ لظاهرة الطباعة في المغرب سيكون علينا أن ننظر في الأطروحة التي أنجزها العراقي الدكتور فوزي عبدالرزاق في جامعة هارفارد الأميركية، ونشرها تحت عنوان: «مملكة الكتاب: تاريخ الطباعة في المغرب» (1990م)، وهو الكتاب الذي رصد فيه موقف المغاربة من التكنولوجيا الآتية من الغرب المسيحي ورفضهم استخدام الطباعة العصرية خشية مما قد يمكن أن يصيب القرآن الكريم من تصحيف وتحريف لمضمونه ومساس بقدسيته، علمًا أنهم قد تعرفوا إلى أهمية الطباعة منذ القرن السادس عشر عندما بلغتهم منجزاتها عبر الرحلات والسفارات.

على أن هذا الموقف المبدئي لم يمنعهم من التعاطي مع منجزات المطبعة قراءة وتداولًا، بل وممارسة مهنية كانت تدرُّ عليهم بعض الأموال. بل كانت بداية القرن العشرين سبيلهم إلى نشر جريدة في مدينة طنجة بعنوان: «لسان المغرب»، كانت لسانهم للرد على «جريدة السعادة» التي أطلقتها المفوضية الفرنسية لمناهضة سياسة السلطان المغربي. وسوف يجري استعمال الطباعة في أعقاب ذلك لتجاوز البنية التقليدية لنظام التعليم المغربي العتيق عبر استعمالها في نشر الكتاب المدرسي وتطوير طرائق التلقي البيداغوجي، واتخاذها أساسًا في سبيل إشاعة الأفكار الإصلاحية وتقوية ممكنات الوعي الوطني.

وفي أعقاب حصول المغرب على الاستقلال (1956م) عاشت حركة النشر ركودًا متواصلًا؛ بسبب غياب البنيات التحتية من مطابع ووسائل النشر وآليات التوزيع، وهو ما أثَّر سلبًا في القدرة الإنتاجية وفي جودة المطبوعات. كما أن غياب الكفاءات المهنية، من محررين ومصممين، كان له دور حاسم في هذه الوضعية. ثم هناك أيضًا محدودية سوق الكتاب الناتجة عن ضآلة أعداد القراء وانتشار الأمية ومحدودية التعليم. وأخيرًا قلة المكتبات التي من المفترض أن تساهم في ترويج الكِتاب عندما يجد طريقه إلى النشر.

لكن في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي ستظهر جملة من دُور النشر المغربية التي على قلة عددها وتواضع إسهاماتها ستحاول النهوض بدورها في تأثيث المشهد الثقافي والأدبي والحفاظ على الهوية الوطنية. ومع أن المعلومات بصدد إصداراتها ضئيلة وغير متواترة؛ بسبب غياب التوثيق الرقمي الشامل وقلة الوجود على الإنترنت، فإننا يمكن أن نذكر أولى تلك الدور، وهي: دار الثقافة، بالدار البيضاء، التي أنشأها اللبناني نزار فاضل مع بداية الاستقلال، ودار الكتاب، التي أقامها وطنيون مغاربة في الحقبة نفسها تقريبًا، متبوعتان بدار النشر المغربية، التي أسسها الإعلامي المغربي محمد برادة، أواسط الستينيات، وعُدَّت من أنشط دور الطباعة والنشر وأطولها عمرًا. وذلك قبل أن تهلّ سنوات الثمانينيات التي ستشهد انطلاقة جملة من الدُّور الوطنية ذات الحضور اللافت في تاريخ النشر بالمغرب. نذكر من بينها: منشورات عكاظ (1981م)، ومؤسسة بنشرة (1982م)، ودار إفريقيا الشرق (1983م)، ودار توبقال (1985م)، ودار الفنيك (1987م). وصولًا إلى التسعينيات التي توجت بظهور دُور لامعة قدرًا وكيفًا، مثل: دار الأمان (1991م)، دار البوكيلي (1993م) ودار السلايكي (1994م).

على أن هذا التكاثر المتزايد لدُور النشر في الساحة المغربية لم يكن مصحوبًا بسلاسة وسهولة في عمليات الطبع والتوزيع لأسباب موضوعية متعددة كانت ناجمة في معظمها عن حداثة التجربة ونقصان الوسائل المادية والمهارات التقنية. ولذلك احتاج ميدان النشر إلى تكاثف الجهود الفردية والمؤسساتية التي مهَّدت أمامه الطريق ومنعت استفحال المصاعب الميدانية من كل نوع.

أزمة النشر من القارئ إلى المؤلف

ومن بين مظاهر أزمة النشر بالمغرب، التي لا يزال بعضها قائمًا إلى اليوم، يمكننا أن نقف عند طاقم متعدد الأطراف؛ يبدأ بالمؤلف، ويتواصل بالناشر والموزع، وينتهي بالقارئ الذي يشكل آخر حلقة وأضعفها في هذه السلسلة المترابطة. ولعل الحكمة تقتضي منا أن نبدأ بهذا العنصر الأخير؛ لأنه يمثل في رأينا نقطة حاسمة في عملية النشر.

إن انخفاض ثقافة القراءة، بين مختلف الفئات العمرية، يعود لسبب أساسي أول هو انخفاض القدرة الشرائية الذي جعل الكتاب بعيدًا من متناول القارئ من الفئات المستضعفة، بل الطبقة المتوسطة كذلك. يضاف إلى ذلك تراجع الإعلام الثقافي في مجال الدعاية للكتاب خلافًا لما كان عليه الأمر في السابق، وهو ما جعله يشكل عقبة أمام تنشيط دورة الكتاب من طبع ونشر وتوزيع وقراءة.

ومن جملة الأشياء، أن القارئ المغربي لا يصرف سنويًّا أكثر من 35 درهمًا على اقتناء الكتاب الثقافي، وهو الشيء الذي يجعل المغرب تُصنف في رتبة متأخرة عالميًّا (33) في مجال القراءة بحسب إحصائيات البرنامج الدولي لتقويم المتعلمين (2022م). وهو ما يؤكد ما سبق أن ذكرناه بصدد ضعف التنشئة القرائية التي تقف وراءها في المقام الأول الحالة المتردية للمدرسة العمومية.

وأما المؤلف نفسه فيعيش عزلة متزايدة ويشتكي من قلة الإقبال على إنتاجاته التي تراجعت قيمتها الربحية وتضاءل، مقارنة بالإقبال الذي كان في الماضي. فبعد أن كان يحصل من الناشر على ربع سعر الغلاف، في أعقاب عملية النشر والتوزيع، أصبح مطلوبًا منه اليوم أن يساهم في تكلفة الطبع، ولا ينال سوى نسخ معدودة برسم المكافأة (العمولة).

ونتيجة هذا الوضع أن المؤلف صار يلجأ إلى عملية النشر الذاتي التي تفرض عليه دفع كامل تكلفة الطبعة، وهي في الوقت الراهن تتجاوز 3000 د، مقابل 100 نسخة من الكتاب الواحد، على ألا يتوقع في أفضل الأحوال ربحًا يقع بين 15% و20% وليس أكثر من ذلك؛ بسبب ضآلة فرص التسويق الناجمة عن احتكار التوزيع. وكل ذلك يجعله مضطرًّا إلى خيارات أخرى.

فهناك من يجازف في عملية التوزيع الفردي للمنشور الذاتي، حيث يقع المؤلف ضحية التوزيع المجحف للشركات (أكثر من 50% من سعر الغلاف) أو المتقشف للمكتبات والأكشاك (25%). وفي الحالتين يلاحظ تدهور حالة المرتجعات، بحيث لا تعود صالحة في الأغلب للتداول أو القراءة. وهناك من يلجأ إلى طريقة البيع قبل الطبع حيث يعتمد المؤلف على المتطوعين من أصدقائه ومعارفه الذين يقبلون على اقتناء الكتاب قبل صدوره مساهمة منهم في حل مشكلة المؤلف مع المطبعة والموزع؛ على أن يضمن لهم الحصول على النسخة عند صدورها؛ وهو أمر ليس فيه أي شيء مؤكد. وهناك من يلجأ إلى دور النشر العربية، فيواجه مشكلات أخرى، مثل: عدم تحديد مدة زمنية لعمليات الطبع والتوزيع، وعدم الحصول على تعويض مهما قلَّتْ قيمتُه.

وزارة الثقافة وسياسة دعم الكتاب

سيبدو لأول وهلة أن المؤسسة الرسمية في المغرب، المعنية بأمر النشر، وهي وزارة الثقافة، لا تولي اهتمامًا كافيًا بدعم هذا القطاع. غير أن الواقع العياني يحيلنا إلى جملة من الحقائق الدامغة التي في مقدمتها أن وزارة الثقافة المغربية تواصل ممارسة سياستها المرسومة منذ عقود عدة لمواكبة عمليات النشر عبر مجموعة من المبادرات التي ترمي إلى تشجيع التأليف والنشر وتوفير دعم مالي سنوي للمشاريع الثقافية وجعل الكتاب متاحًا لأوسع شريحة من المواطنين وبأنسب الأسعار.

وتتسع لائحة المستفيدين من هذه المبادرة الرسمية لتشمل القطاعات التالية: دعم الناشرين في المجال الثقافي والتربوي بمنحة سنوية جاوزت في هذه السنة مبلغ مئتي مليون درهم (أكثر من 22 مليون دولار). دعم الموزعين للمشاركة في حضور المعارض العربية والدولية بهدف الترويج للكتاب المغربي بمبلغ يجاوز أربعة ملايين درهم. ودعم المجلات الثقافية بمبلغ قارب المليون درهم. وتضاف إلى ذلك مبالغ مهمة أخرى لدعم النشر الخاص بالأشخاص غير المبصرين، ودعم مكتبات البيع، وتأمين مشاركة الكتاب المغاربة في إقامة المؤلفين، والمساهمة في إطلاق وتحديث المجلات الثقافية الإلكترونية… إلخ

غير أن هذه الجهود التي تبذلها الوزارة المعنية لم تسلم من النقد والمساءلة الموضوعيين، وفي مقدمة ذلك أن صرف هذه المبالغ يتم لصالح الناشرين تحديدًا، وليس للمؤلفين ذوي المصلحة الأولى في الدعم. وكان من نتائج هذا الدعم أن دور النشر المغربية لم تعد تطبع على نفقتها الخاصة، كما هو متوقع من شركات ربحية، بل صارت تنتظر الحصول على الدعم السنوي قبل أن تباشر عملها. وتسوّغ الوزارة هذا الاختيار بكون القانون هو الذي يفرض عليها التعامل حصرًا مع المؤسسات الاقتصادية (الناشرين) وليس مع المؤلفين لصعوبة أو استحالة محاسبتهم ومتابعتهم في حالة الإخلال بالتعاقد.

بينما ينتقد المؤلفون الوزارة لأنها لا تتوفر على جهاز لمراقبة الناشرين، من حيث الأسعار التي يقررونها للكتب والتي تكون في العادة مرتفعة ولا تتناسب مع القدرة الشرائية للقراء، وكذلك غياب رقابة على عدد نسخ الكتاب الواحد التي قد لا تكون متناسبة مع مبلغ الدعم الممنوح لدار النشر. وفي غياب هذه الرقابة يبقى الباب مشرعًا أمام حصول التجاوزات من كل نوع، ويكون الخاسر الأول والأخير هو القارئ.

ومن جهتهم يشكو الناشرون من جملة من العوائق التي تقلص في رأيهم من نتائج جهودهم وتعرقل سبل تواصلهم مع القراء، وفي مقدمتها: ارتفاع تكاليف الطبع، التي تشمل غلاء الورق والمواد الأولية، وكذلك مصاريف التصميم والطباعة. وينعكس كل ذلك على ثمن بيع الكتاب للعموم وطغيان الطابع التجاري الصرف على معاملات دور النشر المغربية التي صارت تكرس العمل على الكتاب المدرسي في المقام الأول.

كما يشكو الناشرون من ضعف شبكة توزيع الكتاب في المغرب بسبب هيمنة شركة أو شركتين على سوق التوزيع، وهو ما أدى إلى الاحتكار ورفع التكلفة إلى نحو 50% من سعر النسخة الواحدة، وصعوبة استقطاب المكتبات النظامية لقطع الطريق أمام تدخلات الأكشاك ونقط البيع العشوائي. ونتيجة لذلك يضطر بعض الناشرين إلى اللجوء للتعامل المباشر مع المكتبات في المدن الكبرى، مع ما يفرضه ذلك من مصاعب التواصل والمحاسبة واستحالة أن يشمل توزيع الكتاب جميع مناطق التراب الوطني.

كما يشكو الناشرون من تأخر مواعيد صرف مبالغ الدعم التي تقررها الوزارة نتيجة التعقيدات الإدارية وهيمنة النزعة البيروقراطية، وهو ما يؤثر سلبًا في مواعيد النشر والتوزيع. وهناك أيضًا مشكلة القرصنة التي صارت عملة رائجة في تجارة الكتاب مع ما تعنيه من ضياع حقوق المؤلفين والطابعين والناشرين.

حصاد النشر المغربي

يمكن تلخيص جميع هذه المشكلات في ضعف المهنية وسيادة الارتجال، وهو ما أسفر عن تدهور العلاقة بين مختلف الفاعلين: من مؤلفين وناشرين وموزعين. غير أن النظر الموضوعي في هذه المسألة يقودنا إلى تأكيد أن معظم اختلالات النشر في المغرب كان يجري، على الدوام، تجاوزها بفضل النوايا الحسنة للعاملين في هذا القطاع؛ إذ كانوا يحرصون على تخطي منطق الربح الخالص والانخراط في مجهود وطني لنشر الثقافة، عبر طبع ونشر وتوزيع الإنتاجات الأدبية والفكرية، وطرحها في السوق بأسعار مقبولة لا ترهق القدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود.

تركة معرفية وثقافية

والخلاصة التي نقف عليها اليوم -بعد كل هذه العقود- تدلنا على النجاح، النسبي بالتأكيد، لهذا المسعى وتضعنا أمام تركة معرفية وثقافية لا ينكرها سوى جاحد. وسنقوم فيما يلي برسم صورة تقريبية لهذه الجهود الحثيثة عبر استقصاء بياني لما أنجزته دور النشر المغربية في العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين التي نجم عنها ظهور أدب مغربي حديث كان في حكم الغائب قبل هذا التاريخ، فإذا به صار له حضور لافت في النطاق العربي والإفريقي، ونال اعترافًا مستحقًّا في جميع الأوساط.

ومن جملة الأدوار الطليعية التي نهضت بها دار النشر المغربية، في الدار البيضاء، ابتداءً من أوائل الستينيات: نشرت دواوين الشعر الحديث الأولى للشعراء الرواد أمثال مصطفى المعداوي «ديوان المعداوي» (1963م)، ومحمد الحلوي (1965م)، ومحمد الحبيب الفرقاني (1965م)، وأحمد صبري، ديوان «أهداني خوخة ومات» (1967م)، ومحمد الميموني، ديوان «آخر أيام العقم» (1974م)، وعبدالكريم الطبال، ديوان «الأشياء المنكسرة» (1974م)، وأحمد بن ميمون، ديوان «تخطيطات حديثة في هندسة الفقر» (1974م). ونشرت المجموعات القصصية الأولى لكل من: محمد إبرهيم بوعلو «السقف» (1970م)، وأحمد المديني «العنف في الدماغ» (1971م)، ومحمد زنيبر «الهواء الجديد» (1971م). ونشر الروايات الأولى لكل من: عبدالله العروي «الغربة» (1971م)، ومحمد الحسايني «المغتربون» (1974م)، وخناثة بنونة «الغد والغضب» (1981م)، وعبدالقادر الشاوي «كان وأخواتها» (1986م).

ونشرتْ دار الكتاب بالدار البيضاء، في الوقت نفسه، الأعمال الأولى في القصة لكل من: محمد بيدي «سبع قصص» (1966م)، وخناثة بنونة «ليسقط الصمت» (1967م)، ورفيقة الطبيعة «رجل وامرأة» (1969م). ونشرت الروايات الأولى لكل من: مبارك ربيع «الطيبون» (1971م)، ومحمد البكري السباعي «المخاض» (1972م)، وأحمد زياد «بامو» (1974م)، وأخريات لكل من: محمد زفزاف «الثعلب الذي يظهر ويختفي» (1985م)، والديوان الأول لعبدالله راجع «الهجرة إلى المدن السفلى» (1976م).

وبعد أن ظهرت منشورات دار الستوكي بالفرنسية توجهت إلى النشر بالعربية لكل من: عبدالسلام الشرايبي «الحراز» (1981م)، وعبدالكريم برشيد «امرؤ القيس بباريس» (1982م)، وأحمد العراقي «عروة يحضر زمانه ويأتي» (1982م).

وأطلقت مؤسسة بنشرة بالدار البيضاء أيضًا، مع بداية الثمانينيات، أسماء صار لها وزن مع مرور الوقت مثل: الرواية الأولى ليوسف فاضل «الخنازير» (1982م)، وعبدالفتاح الفاكهاني «البئر» (1984م)، وعبدالإله الحمدوشي «الحالم» (1985م). وواصلت النشر لكتاب راسخين، أمثال: محمد زفزاف «بيضة الديك» (1984م)، ومحمد شكري «السوق الداخلي» (1985م). ونشرت الأشعار الأولى لعبداللطيف اللعبي «وأزهرت شجرة الحديد» (1982م)، وبنسالم حميش «ثورة الشتاء والصيف» (1982م)، وعبدالله زريقة «ضحكات شجرة الكلام» (1982م)، وأحمد بلبداوي «حدثنا مسلوخ الفقروردي» (1982م)، ومحمد الشيخي «عندما يتحول الحزن جمرًا» (1983م).

ونشرت الدار الناشئة نفسها الأعمال القصصية المبكرة لأحمد بوزفور «النظر في الوجه العزيز» (1983م)، والبشير جمكار «غيوم الصباح» (1983م). والمسرحيات الأولى لكل من: فاضل يوسف «سفر سي محمد» (1984م)، والمسكيني الصغير «سرحان» (1990م). وتولت دار توبقال بالدار البيضاء نشر أعمال مؤسسها الشاعر محمد بنيس مثل: «مواسم الشرق» (1985م)، و«المكان الوثني» (1996م)، و«نبيذ» (1999م). وصولًا إلى أعماله الشعرية الكاملة (2002م)، إلى جانب رواية غلاب «شروخ في المرايا» (1994م)، ومجموعة محمد عز الدين التازي «شمس سوداء» (2000م).

ودشنت دار الأمان بالرباط تجربتها بنشر مجموعة إدريس الخوري الأولى «حزن في الرأس والقلب» (1973م)، والرواية الأولى كذلك لحسن أوريد «الحديث والشجن» (1999م). وانصرفت دار البوكيلي بالقنيطرة لنشر المسرح خاصةً عبر نشر مسرحيتي عبدالحق الزروالي «زكروم الأدب» (1993م)، و«انصراف العشاق» (2002م). ونشرت عددًا كبيرًا من مسرحيات الطيب الصديقي، من بينها: «الفيل والسراويل» (1997م)، و«ولو كانت فولة» (1997م)، و«جنان الشيبة» (1998م)، و«مقامات بديع الزمان الهمذاني» (1998م)، و«قفطان الحب» (1999م)، و«أبو حيان التوحيدي» (2000م). وبذلك كان لها قصب السبق في خوض تجربة النشر للمسرح المغربي الذي كان يعيش من دون ناشر تقريبًا لعقود عدة.

واتجهت دار السلايكي بطنجة إلى نشر أعمال لشباب الأدباء، فأخرجت مسرحية الزبير بنبوشتى «القفص» (1996م)، وديوان سعيد كوبريت «الباحات» (2000م)، ورواية عبدالسلام الطويل «مطر المنور» (2001م). ودعمت كبار الكتاب؛ فنشرت ثلاثة أجزاء من رواية محمد عز الدين التازي «زهرة الآس» (2003م). ونشرت دار الفنيك بالدار البيضاء نماذجَ من الشعر الطليعي، ممثلًا في دواوين عبدالله زريقة «سلالم الميتافيزيقا» (2000م)، و«حشرة اللامنتهى» (2005م)، وروايات عبدالقادر الشاوي «دليل المدي» (2003م)، و«من قال أنا؟» (2006م).

ونشرت دار أبي رقراق بالرباط روايات لكتاب جدد، أمثال: عبدالحي المؤذن «خطبة الوداع» (2003م)، و«حرب البسوس» (2006م)، للبشير القمري و«غوروغو» (2007م)، لإسماعيل العثماني و«رطانات ديك خلاسي» (2007م)، لإسماعيل غزالي. أمّا دُور النشر المغربية التي انخرطت في نشر الأعمال المكتوبة بالفرنسية فهي محدودة؛ إذ الأغلب أنها زاوجت بين العربية والفرنسية لأسباب تتعلق بالقدر المحدود، أو الذي كان محدودًا في وقت من الأوقات للكتابات بغير اللغة العربية.

ومن النوع الأول دار أطلنتيس التي تولت منذ أواخر الستينات نشر دواوين الشعراء المعبرين بالفرنسية أمثال عبداللطيف اللعبي (1967م) ومحمد الواكيرة (1972م)، قبل أن تختفي من خريطة دور النشر. ودار إديف التي غيرت اسمها فيما بعد إلى دار ملتقى الطرق، وقد نشرت بالفرنسية روايات لكل من عبدالكبير الخطيبي (1992م)، وإدريس الشرايبي (1994م)، وعبدالفتاح كليطو (1995م)، وبهاء الطرابلسي (1995م)، وهند الطعارجي (1998م)، ويوسف أمين العلمي (1999م)، ومسرحيات عدة للطيب الصديقي بين (1987م) و(1991م)، ونبيل لحلو بين (1997م) و (1998م).

أما الدُّور المزدوجة اللغة فكثيرة. منها: دار الستوكي التي عملت منذ ظهورها على نشر أعمال كثيرة بالفرنسية منها: دواوين لعبدالله بونفور (1980م)، وأحمد البوعناني (1980م)، ومحمد الواكيرة (1980م). ودار عكاظ التي نشرت بالفرنسية دواوين لكل من: محمد عزيز الحبابي (1988م)، وعبدالمجيد بنجلون الشاعر (1991م)، وبنسالم حميش (1992م). ودار الكلام التي نشرت روايات لموحا السواك (1988م)، وأحمد البوعناني (1990م)، ونور الدين الصايل (1990م). ودار الفنيك التي نشرت مسرحيات بالفرنسية لنبيل لحلو (1987م)، وروايات لكل من: محمد عفيفي (1988م)، وماحي بينبين (1994م)، وإدمون عمران المالح (1995م)، وفاطمة المرنيسي (1997م)، قبل أن تعود وتكرس اتجاه النشر بالعربية في بداية الألفية الثالثة. ودار مرسم كانت شبه متخصصة في الأدب المكتوب بالفرنسية في الحقبة الأولى من إنشائها، وقد نشرت لشاعرات مغربيات معبرات بالفرنسية (1996- 1997م)، ونشرت قصصًا لموحا السواك (2001م). لكنها تباطأت بعد ذلك في الاهتمام بالنشر العربي.

ونلاحظ، بالمناسبة، أن دُورًا معربة أصلًا ستعمد في بعض المرات إلى نشر أعمال مكتوبة بالفرنسية، مثل: دار النشر المغربية (1991م)، ودار إفريقيا الشرق (1992م)، ودار السلايكي (2000م)، ودار البوكيلي (2001م).

خلاصة المسار

هكذا تواصلت جهود دُور النشر المغربية انطلاقًا من أواخر الستينيات، وبداية السبعينيات في رحلة فتح الآفاق أمام الإنتاج الأدبي المغربي بطريقة متواترة، أحيانًا بدعم مؤسسي وأخرى من دونه، واستطاعت أن تبلغ به إلى المعارض العربية والدولية، وتتيح مكانًا ظليلًا له تحت شمس الثقافة الإنسانية.

وأشير على سبيل الاختتام إلى أننا اقتصرنا في هذا الجرد على دُور النشر الثقافية من دون المطابع التجارية التي تتعامل مع من يدفع لها، وليس لها لجنة قراءة أو تقويم، وهذا لا يستثني أن كُتابًا مغاربة كبارًا قد نشروا بها أعمالهم التي نالت ترويجًا لائقًا. وكذلك غضضنا الطرف، لأسباب عملية، عن منشورات الجامعات والوزارات والأحزاب السياسية، وكذلك الجمعيات الثقافية، مثل اتحاد كتاب المغرب بمختلف فروعه؛ لأنها جميعها لم تختص في النشر على وجه التحديد.


النشر‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي وغياب‭ ‬الاعتراف‭ ‬به‭ ‬كصناعة

سامر‭ ‬محمد‭ ‬إسماعيل – ‬كاتب‭ ‬سوري

ليست صناعة النشر في الوطن العربي وحدها التي تفتقر إلى قاعدة بيانات ومعلومات موثقة عنها. هناك أيضًا متاحف ومراكز أبحاث ومؤسسات ثقافية عربية تعاني المشكلةَ نفسها؛ غير أن صناعة النشر هي الأكثر بروزًا من ناحية غياب المعطيات الدقيقة حول أعداد الناشرين العرب، والمؤلفين والمطابع والمصممين، وكل من يعمل في هذه الصناعة. هذا الأمر أجبر العديد من الناشرين على تخفيض عدد الإصدارات السنوية، وبالتالي تخفيض عدد العاملين في النشر، أو الخروج مؤقتًا من الصناعة. كما أُلغِيَ أو أُجِّلَ كثير من معارض الكتب العربية التي كانت تُعد متنفسًا مهمًّا لتوزيع إصدارات الناشرين.

هذا ما يشير إليه محمد رشاد، رئيس اتحاد الناشرين العرب، في تصديره لكتاب «النشر في الوطن العربي (2015- 2019م). وعلى الرغم من أن الدراسة صادرة في عام 2021م، فإنه لا شيء جوهري قد تغير في صناعة النشر العربي منذ ذلك الحين؛ إذ لا تزال ظاهرتا التزوير والقرصنة تُلحِقان بها أضرارًا جسيمة، فضلًا عن إشكالية الكتاب الورقي والرقمي والصوتي، وإشكالية تسويقه، مع تراجع دور المكتبات العامة والجامعية في المنطقة العربية.

الكتاب صناعة غائبة

يضعنا كتاب «النشر في الوطن العربي»، الذي أعده الباحث خالد عزب، أمام أولى التحديات التي تواجه صناعة الكتاب، وهي عدم الاعتراف بالكتاب كصناعة في ظل قوانين تتعامل معها بوصفها منتجًا ملموسًا؛ فهذا المنتج إما أن يكون (غذاءً، ملابس، أدوات مركبات) وغيرها من المنتجات الملموسة. وعلى الرغم من الكتاب مادة ملموسة -كما تشير الدراسة- فإن ما يسمى بخط إنتاج الكتاب (تحرير- تصحيح لغوي- طباعة- تسويق على شبكة الإنترنت) لا يلقى اعتدادًا. وقد شكل ذلك قصورًا في العقود الماضية عن فهم آليات الإنتاج المعرفي، وعن عدّ صناعة الكتاب صناعة ثقيلة ومركبة. ثقيلة؛ لكونها تتطلب فكرًا وعلمًا، وتحتاج لتجهيزات، ومركبة؛ لتباين الاختصاصات التي تسهم في هذه الصناعة.

عدم اعتراف الدول العربية بالكتاب كصناعة معقدة يؤدي إلى غياب أرقام واضحة لإسهام الكتاب في الدخل القومي العربي. فمثلًا، مصر تستحوذ على 30% إلى 40% من صناعة الكتاب العربي، تتداخل لديها صناعة الكتاب مع غيرها من مهن الطباعة والتغليف وغيرها من أدوات صناعة الكتاب. اللافت أن المسؤولين عن الجمارك في الدول العربية ينظرون إلى الأحبار والورق وغيرها من أدوات الإنتاج كسلع تجارية، وليست أدوات إنتاج لصناعة أساسية. ناهيك عن أن احتكار الدول لصناعة الكتاب لسنوات، أدى إلى ترسيخ فكرة في الذهنية العامة، وهي أن الكتاب منتج مدعوم من الدولة، وبالتالي هو ليس له قيمة مضافة للاقتصاد الوطني؛ مع أن مصر ولبنان وسوريا لديها صادرات من الكتب، فيما هناك دول ما زالت تتجه إلى هذا ببطء.

ترى الدراسة أن الأزمة الحقيقية في مدخلات صناعة الكتاب، تأتي من أن الدول العربية مستوردة لهذه المدخلات كافة، والإنتاج العربي من الورق والأحبار لا يغطي الاحتياجات. أضف إلى ذلك أن ماكينات الطباعة تستورد أيضًا. وإذا استبعدنا الطباعة من هذه المدخلات، نجد أن أبرز إشكاليات هذه الصناعة تبدأ بغياب «مدير النشر» الذي يحدد ويقرر سياسات النشر، ويختار العناوين ويناقش المؤلف، ويدخل تعديلات على الكتاب، ويقدر قدرة القارئ على تلقي الكتاب. هذا المدير غير موجود في معظم دور النشر العربية. إضافة لافتقاد هذه الدُّور لدَوْر المحرِّر اللغويّ أو الأدبيّ.

فالعملية التحريرية تهدف إلى فرض أطر تقنية تشمل جوانب العملية الإبداعية كافة. هذه الأسباب الرئيسية تكشف عن ضرورة إعادة هيكلة النشر لدى دور النشر العربية. يقول مؤلف الكتاب: إن الشكل المؤسسي يغيب عن 60 % من دور النشر، ويرجع خالد عزب هذا الواقع إلى ندرة الدورات التدريبية المتخصصة في صناعة النشر، وبالتالي عدم وجود دراسات أكاديمية واضحة تشرح وتوضح طبيعة هذه الصناعة.

ويذكر عزب أن اختيار موضوع كتاب هو فن في حد ذاته، لكن تبقى الإشكالية أن 40% فقط من دور النشر العربية تملك رؤية واضحة لبرامجها، والباقي يعتمد على ما يذهب به المؤلفون لهذه الدور. إن اتجاهات النشر هي إستراتيجية تساعد الناشر والمؤلف والقارئ الذي يتوجه لدار نشر بعينها لطلب ما تشتهر به من تخصصات، وهذا ما يقودنا إلى عقبة التسويق والتوزيع، وهو ما يوضح لنا غياب دراسات جدوى لصناعة النشر.

أحد أبرز عوائق النشر في الوطن العربي -كما يذكرها الكتاب- هي تكلفة إنتاج الكتاب في مراحله المختلفة، وهذا ما يؤثر إيجابًا في حالة كل من لبنان ومصر وسوريا على سبيل المثال. فالترجمة والتصحيح والتحرير والتدقيق أقل كلفة فيها من دول الخليج والمغرب العربي، وهو ما يساعد في انخفاض كلفة الكتاب نسبيًّا في هذه الدول. ثم إن هناك مشاكل فنية تتعلق بإخراج الكتاب وتصميم الأغلفة وتصميم الكتاب من الداخل، فعين القارئ تنجذب إلى الغلاف الجيد. وعملية تصميم الأغلفة ما زالت في حاجة إلى تدريب، فهناك 20 % من دور النشر العربية تختار ألوانًا غير مقبولة، بينما 25 % من دور النشر تجعل غلاف الكتاب مزدحمًا.

رعاية بلا إستراتيجية

كل هذا يطرح أسئلة حول مدى عناية الدول العربية بصناعة النشر؛ صناعة يمكن أن تساهم بنسبة معقولة في الدخل الوطني على غرار بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية، التي أولت لصناعة النشر اهتمامات كبيرة. فقد أسست فرنسا المجلس الوطني للكتاب، وكذلك كندا أسست برنامج دعم النشر. ويبرز هنا سؤال عن دعم الشركات والبنوك لصناعة النشر العربية؛ إذ لا يزال هذا الأمر محدودًا، وذلك لأن الوعي بأهمية الثقافة ودورها الاقتصادي لا يزال محدودًا، لكن هناك تجارب تؤخذ في الحسبان على نحو ما قام به البنك الأهلي الأردني، من دعم نشر الأعمال الكاملة لأدباء الأردن، وفي مصر دعم بنك الإسكان والتعمير إصدار العديد من الكتب باللغتين العربية والإنجليزية، ولا سيما في مجال التخطيط العمراني. لكن يظل هذا التشابك محدودًا، وفي حاجة إلى بناء سياسات موازية من الناشرين؛ لكون إعداد ملفات الدعم من الناشرين لا يزال يحتاج إلى تدريب كوادر للقيام بهذا الدور.

بات من المهم صياغة تعريف محدد لصناعة النشر العربية، مع إطار مرجعي وملحق بالتشريعات القانونية الخادمة لهذه الصناعة، وعدم حصر هذا القطاع في وزارات الثقافة العربية؛ إذ تتداخل معها وزارات الصناعة والتجارة والاستثمار والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتعليم والرياضة، وكذلك من المنح بأشكالها المختلفة، فضلًا عن أن هذا يقتضي بلورة صناعة النشر لتتواكب مع المتغيرات المتسارعة عبر إقامة مركز إقليمي للتدريب.

وتلاحظ الدراسة أن عددًا من الدول العربية شهدت نموًّا ملحوظًا في عدد دور النشر، وبالتبعية في عدد الكتب الصادرة، ولا سيما في دول كانت صناعة النشر فيها محدودة، مثل: موريتانيا التي وصل عدد الناشرين فيها إلى 47 ناشرًا، والصومال 49 ناشرًا، والبحرين 128 ناشرًا، والأردن 140 ناشرًا، وتونس 150 ناشرًا. غير أن الدراسة تلفت الانتباه إلى غياب انعكاس حقيقي للنمو السكاني في الوطن العربي على عدد دور النشر وعدد الكتب المنشورة، كما تشير إلى أن الارتفاع الكبير في نسبة المتعلمين لم يقابله نمو موازٍ في حركة النشر؛ إذ تضاعف عدد المتعلمين منذ السبعينيات بما يقارب 500% مقارنة بتلك المدة، من دون أن تشهد حركة النشر الزيادة نفسها، وهو ما يكشف خللًا بنيويًّا في هذا القطاع. وتضيف الدراسة أن نمو حجم الاقتصادات العربية منذ السبعينيات إلى اليوم لم يُترجَم بدوره إلى توسّع متناسب في مجال النشر، وهو ما يُعزى إلى عدم عدّ النشر صناعةً مساهمة في الدخل القومي، فضلًا عن وجود اختلالات في منظومة التعليم العربية فيما يتصل بتشجيع القراءة، وغياب العمل بمفهوم «الحق الثقافي» في الوطن العربي، أي الحق في تلقي المعرفة.

وإذ كان المحتوى يمثل القلب النابض للكتاب، فإن إجراء أي مسح للمحتوى العربي، يكشف عن قصور وصعود في موضوعات محددة؛ إذ لا يوجد صياغة واضحة لطبيعة المحتوى المقدم وماهيته إلا عبر مؤسسات رسمية محددة بإطار عملها وتمويلها. ويلاحظ هنا غلبة الطابع الأدبي الإبداعي على مضمون النشر عند بعض دور النشر أو غلبة النشر الديني عند بعضها الآخر، ولهذا فإن التجديد في حركة النشر العربية لم يحدث فيها اختراق محدد وواضح إلا في حالات محدودة، على نحو ما حدث في مشروع عواصم الثقافة العربية الذي أطلقته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو).

تراجع صناعة كتب الأطفال

لكن يبقى المحور الأهم في صناعة المحتوى هو الطفل، فطفل لا يقرأ كتبًا كُتبت له لن يقرأ كتبًا في المستقبل. وتشير الدراسة إلى تراجع صناعة كتب الأطفال عربيًّا بنسبة 35 % خلال السنوات الأخيرة، وبصورة متصاعدة، وهو ما أصبح يهدد صناعة كتب الطفل التي تعد ركيزة العديد من دور النشر العربية، ولا سيما في لبنان والأردن ومصر وسوريا. ويعود هذا التراجع إلى تفضيل الأطفال لألعاب الفيديو على شبكة الإنترنت والبرامج ثلاثية الأبعاد وأفلام الكارتون، فضلًا عن البرامج التفاعلية الجاذبة، وهي مجالات لا ترهق الأسرة ماديًّا، في الوقت الذي ترتفع فيه كلفة كتاب الطفل، وذلك لحاجته للإخراج الجيد، والألوان الجاذبة، والرسومات المناسبة لكل فئة عمرية.

ويشهد الاتجاه العام للنشر منذ عام 2006م نموًّا متزايدًا نحو إصدار الرواية العربية، التي تبدو اليوم الحافز الأقوى لاستمرارية حركة النشر في بلاد عربية شتى. فالأجيال الجديدة التي اعتادت على الدردشة على شبكة الإنترنت، تعدّ الرواية عالمًا آخر من الحكايات يجذبهم، كما انتقل بعض المتفاعلين على شبكة الإنترنت إلى الكتاب الورقي، وهو ما دفع أجيالًا جديدةً إلى فضاء الكتب المطبوعة. وهذا ما حدث في مطبوعات «بلاتينيوم» في معرض الكتاب الدولي في الكويت، ومعرض الشارقة، ومعرض الرياض. وهذا الاتجاه نراه في مصر أيضًا في عدد من دور النشر التي اتجهت لهذا المنحى. ولكن يبقى السؤال الأصعب: هل لهذا النمط من مستقبل؟ يبدو أن هذا النوع من الأدب هو أدب وقتي يختفي كتابه مع الزمن، وهذا ما يذكرنا بظواهر أدبية صاحبت صعود نجيب محفوظ وأدبه، حيث اختفت هذه الظواهر وبقي أدب صاحب «أفراح القبة».

ومنذ أن نشأت الأندية الأدبية في المملكة العربية السعودية- وهي حاضنة الأدب والثقافة في المملكة- نضجت حركة هذه الأندية بعد عودة المبتعثين من الخارج، واحتراف بعض مهنة النقد الأدبي، وظهرت بالتوازي تيارات أدبية حديثة. فعلى صعيد النشر في المملكة، نجد أن هذه الأندية تولت نشر عدد من الإبداعات الأدبية وكتب النقد وغيرها. الأمر ذاته في البحرين التي شهدت عام 1969م تأسيس أهم نادٍ ثقافي هو «أسرة الأدباء والكتاب» الذي ضم قلة من صفوة أدباء البلاد، ومنهم قاسم حداد وعلي خليفة ومحمد جابر الأنصاري، وهو ما يعكس أهمية دور المجتمع المدني الذي يمكن الربط بين نموه ونمو حركة النشر والمعرفة بالتوازي.

وكل المؤشرات في دور النشر العربي تشير إلى تراجع القصة القصيرة والمسرحيات نشرًا أمام الرواية وأدب السيرة الذاتية. فيما نرى بدايات لازدهار كتالوجات الفنون، وذلك توازيًا مع إقامة معارض الفن التشكيلي التي لها مكانة مميزة في مصر والمغرب ولبنان. لكن في السنوات الأخيرة نجد تناميًا لنشر هذه الكتالوجات في المملكة العربية السعودية، ومن أمثالها «نايلا غاليري» و«غاليري الفن النقي» ودار صفية بن زقر، ومؤسسة «مسك الفنون». كما أن الإمارات العربية المتحدة قاطرة لهذا المجال، خصوصًا في دبي والشارقة وأبوظبي التي تنتج كتالوجات فنية باللغتين العربية والإنجليزية.

الكتاب الرقمي والورقي والتأليف الجماعي

ويحدد اتجاه العديد من الجامعات إلى اعتماد الكتاب الرقمي، وهو ما أودى بالكتاب الجامعي الورقي إلى المقبرة. أما فيما يتعلق بإصدارات العلوم الإنسانية عربيًّا، فيتجه إلى إصدار كتب يشارك فيها أكثر من كاتب، وهي تجربة بدأت في العديد من دُور النشر الدولية، حيث يكلف محرر ذو خبرة في تحرير الكتاب، ويستكتب العديد من الكتّاب، كل في موضوع متخصص فيه.

ومن أمثلة هذا النموذج ما أصدره مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت مترجمًا، مثل كتاب «المدينة في العالم الإسلامي» الذي صدر في مجلدين، وكتاب «الحضارة العربية في الأندلس»، كما ترجم المركز القومي للترجمة في القاهرة موسوعة الأدب العربي التي أصدرتها جامعة كامبريدج في ستة مجلدات، وشارك فيها كثير من الباحثين.

وتحضر الكويت على مستوى المحتوى بوصفها صاحبة أفضل مشاريع نشر المعرفة عربيًّا إلى الآن، فمشروعها الذي بدأ في الستينيات وما زال مستمرًّا، يُعَدُّ من حيث المضمون ممتازًا، وتقف «سلسلة عالم المعرفة» الآن كأفضل سلسلة عربية منتظمة الصدور، كما أن السلسلة من حيث الحفاظ على حقوق المؤلف واضحة وتؤديه بصورة جيدة، ومن حيث الانتشار ممتازة، فهي تطبع من كل عنوان 40 ألف نسخة. في المقابل نستطيع القول: إن دُور النشر الجامعية قد تكون هي أداة لدفع حركة النشر في أي بلد عربي، وذلك على غرار دار نشر جامعة الخرطوم التي تأسست عام 1967م، وآنذاك استكملت سريعًا مقوماتها من محررين وقراء ومدققين لغويين ومصممين، وألحق بها مطبعة بدعم من اليونسكو، وتوسعت الدار، فأسهمت في توفير الكتاب الجامعي، واستحدثت منافذَ لتوزيعه في مجتمعات الجامعة المختلفة، وأنتجت الكتاب الثقافي، وأنتجت الدار حتى عام 2017م أكثر من 600 عنوان لأبرز رموز التيارات الفكرية والإبداعية في السودان.

أما ما يتصل بأبرز معضلات النشر في المنطقة العربية فتبزغ إشكالية النشر باللغات الأجنبية، وما زالت الجامعة الأميركية في القاهرة أفضل من يقدم نشر بلغة أجنبية في الوطن العربي. وتتناثر هنا وهناك جهود نشر، لكن يمكن ملاحظة ظلال الحقبة الاستعمارية باقية في نوعية النشر بلغة أجنبية في كل بلد عربي. فنرى الغلبة للنشر باللغة الإنجليزية في الخليج العربي، في حين نشاهد الغلبة للغة الفرنسية في منطقة المغرب العربي، وإن كنا نرى خليطًا من هذا وذاك في مصر، إلا أن النشر باللغة العربية يصل إلى ما نسبته 75 % من كل ما يصدر عربيًّا، بينما النشر باللغة الإنجليزية يمثل 13 %، والفرنسية 8 %، بينما 4% من حجم النشر يتم بلغات أخرى مثل: الإسبانية والإيطالية والروسية والألمانية.

ويبدو أن إحجام دور النشر العربية الخاصة عن الاهتمام بالنشر باللغات الأجنبية يحرمها فُرصًا لتصدير هذا الكتاب للعديد من مراكز الدراسات والجامعات المعنية بدراسات الشرق الأوسط، في حين مثلت هذه الدراسات ما نسبته 6% من حجم ما يصدر في فرنسا، و8% من حجم ما يصدر في بريطانيا، وهذا يعني أن لدينا سوقًا واعدة عربيًّا إنْ أُنتِجَ ونُشِرَ بهذه اللغات.

واقع الترجمة العربي

تُعَدُّ أرقام الكتب المترجمة في الوطن العربي أرقامًا نسبية، حتى تلك التي تقدمها لنا منظمة اليونسكو، ففي مصر يرصد فهرس ترجمة هذه المنظمة الدولية ترجمة 5399 كتابًا مترجمًا (1979-2019م)، بينما المركز القومي للترجمة في مصر نشر تلك السنوات بمفرده 3700 عنوان؛ إذا أضفنا إليها مشروع الألف كتاب الثاني، وما يصدره العديد من المؤسسات في مصر مثل: مكتبة الإسكندرية والهيئة المصرية العامة للاستعلامات والأهرام ومشروعات الترجمة الممولة من فرنسا في مصر، وما نشرته دُور النشر الخاصة، سنكتشف أن هذا الرقم فيه نقص، ويحتاج إلى تحليلات ومقارنات في الواقع.

كذلك الحال بالنسبة للكويت الذي يرصد مؤشر الترجمة في اليونسكو ترجمة 451 عنوانًا بها (1979-2019م). بينما لدينا سلسلة «إبداعات عالمية» التي تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون، صدر عنها في المدة ذاتها فقط ما يقارب 400 عنوان. بينما بلغ ما نُشِرَ في بيروت مترجَمًا (2000-2009م) ما يقارب 3000 كتاب مترجم. وقد شهدت هذه الأرقام تصاعدًا لكن ليس بوتيرة كبيرة. وعلى الرغم من ذلك فإن واقع الترجمة في الوطن العربي دون المستوى المرجو، ودون المقارنة مع بعض الدول وليست المناطق ذات اللغة الواحدة كالمنطقة العربية. وعلى عكس ما يعتقد أن الدول هي التي تضطلع بالعبء الأكبر في المنطقة العربية في مجال الترجمة، فإن التحليلات تكشف أن دور النشر الخاصة تنشر 74 % من حجم الكتب المترجمة إلى العربية.

وتتركز الترجمة في المنطقة العربية بصورة أساسية في كل من القاهرة، دمشق، بيروت، الرياض، الإمارات العربية المتحدة، الكويت، المغرب، الجزائر على التوالي، بينما تكون الكتب المترجمة في بقية المدن العربية محدودة، ففي دولة مثل المملكة العربية السعودية نجد أنه ترجم فيها 2167 كتابًا في المدة (1979-2019م)، مع وجود 40 جهة تعمل في الترجمة في كل أرجاء المملكة. وبدأت المملكة عددًا من البرامج الطموحة لنشر الأدب السعودي، فترجم مركز البحوث والتواصل المعرفي روايتين سعوديتين للأوزبكية، بالاشتراك مع «دار أوقيتوجي» الأوزبكية، هما: «ثمن الضحية» لحامد الدمنهوري، و«سقيفة الصفا» لحمزة بوقري. والتحول الكبير ستشهده السعودية مع إنشاء هيئة الأدب والنشر والترجمة.

ولا يزال النشر في الوطن العربي بلغات أجنبية يراوح في مكانه، لكنه يأخذ مساحات متزايدة عامًا بعد عام؛ بسبب التعليم بلغات أجنبية في المدارس والجامعات العربية، حتى بدأنا نشاهد اللغة الإنجليزية تأخذ حيزًا في دول ظلت الفرنسية فيها سيدة الموقف، مثل الجزائر والمغرب. وتظل دار النشر التابعة للجامعة الأميركية في القاهرة على رأس دُور النشر العربية المعنية بالنشر بلغة غير العربية، ومعها بعض المراكز والمعاهد الأجنبية كالمعهد الفرنسي للآثار في القاهرة ودمشق. كما أن العديد من المؤسسات تنشر بلغات أجنبية كمكتبة الإسكندرية ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في الرياض، ومؤسسة متاحف قطر.

وتشير الدراسة إلى أن ثقافة الكتاب المسموع ما زالت محدودة عربيًّا، لكنها تلقى استجابة كبيرة، وهذا يعني أن حقلًا له جمهور آخذ في التنامي، وبخاصة مع مراعاة شريحة فاقدي البصر. فقد سعى مجموعة من الشباب العرب لإطلاق «الكتاب الصوتي للمكفوفين» وبلغ عدد المتفاعلين على «فيس بوك» 14366 متفاعلًا. وعلى الرغم من جهودهم الفردية القائمة على التطوع، فإن تعاملهم مع المكفوفين والمبصرين كشف عن توجهات مستمعي الكتاب المسموع. وهي نقطة حاسمة في مستقبل هذا النوع من الكتب؛ إذ بينت الدراسات أن توجه المستمعين العرب إلى أدب الخيال العلمي والرعب يحل في قائمة اهتمام هؤلاء، ثم تأتي الرواية بعد ذلك، ويظل الشعر سابقًا على كل هذه الأنواع عربيًّا من حيث جماهيرية الكتاب المسموع.

خلل التزويد المكتبي

أما المكتبات، فترصد الدراسة أن العلاقة بين المكتبات وحراك النشر في العديد من الدول العربية، تُزوِّد مباشرة هذه المكتبات عبر موازنات محددة، وطوال أيام العام من جديد النشر. لكن هذه السياسة فيها خلل كبير في المنطقة العربية؛ إذ لا يتبعها إلا عدد محدود من المؤسسات مثل مركز الإمارات للدراسات السياسية والإستراتيجية (أبوظبي)، والجامعة الأميركية في القاهرة، ومكتبة الملك فهد في الرياض، ومكتبة جامعة الكويت. هذا على سبيل التمثيل لا الحصر، في حين أن معظم المؤسسات العربية تنتظر معارض الكتب للتزويد، وأحيانًا لا تنفق على التزويد من النشر العربي إلا القليل، أو تُحجَب هذه الموازنات من دون أسباب محددة. على الجانب الآخر فإن مكتبات المدارس في معظم الدول العربية لا تتفاعل مع المناهج الدراسية، فضلًا عن أن تزويدها بالجديد من الكتب لا يتم وفقًا لقواعد وبيانات محددة، بل وصل الأمر في بعض الدول إلى إيقاف تزويد المكتبات نهائيًّا منذ عشر سنوات في بعض الدول، ومنذ خمس سنوات في دول أخرى.

وكان إطلاق الفهرس العربي الموحد حدثًا أسس لمرحلة جديدة في التعاون بين المكتبات العربية، وهو مشروع غير ربحي يهدف إلى تطوير البنية التحتية للمكتبات العربية؛ لتمكينها من التبادل الفعال للموارد المعلوماتية، وبخاصةٍ سجلات الفهرسة. إضافة لنشر المعرفة في المجتمعات العربية، وذلك عبر الحصر الآلي للإنتاج العربي المنشور الذي يحتوي وصفًا ببليوغرافيًّا كاملًا لمجموعات الكتب العربية المتاحة لدى المكتبات العربية على شكل قاعدة معلومات قياسية. هذا بدوره ينعكس على توفير في موازنات المكتبات العربية؛ إذ يتيح لها تبادل الفهرسة والتصنيف للكتب. فقد وفر 55 مليون ريال للمكتبات السعودية نتيجة لتكرار الفهرسة للكتاب الواحد، ورفع كفاءة أداء المكتبات، وزيادة الطلب على المنتج المعرفي العربي، حيث أطلق الفهرس مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في الرياض، ويضم حاليًّا 5000 مكتبة عربية، و2350000 تسجيل لجميع أشكال وأنواع أوعية المعلومات من كتب ودوريات.

وكان إطلاق تطبيق «أبجد» في عام 2012م في الأردن كمنصة للقراءة وتقديم الكتب أمرًا مثيرًا؛ إذ ازداد المتفاعلون معه من القراء العرب، حتى وصل عددهم إلى مليون متفاعل. ويضم التطبيق حاليًّا أكثر من 30 ألف كتاب عربي، وما يميزه أن القراء يرشحون الكتب ويقدمون مراجعات عنها، ويحتوي معلومات عن بعض المؤلفين. ورغم ذلك يظل النشر الرقمي العربي معضلة كبرى؛ إذ ليس لدينا إيداع وطني للكتاب الرقمي حتى الآن، وهو ما يهدد كثيرًا من حقوق الناشر وقبله المؤلف. لكن تأتي الأزمة الحقيقية من محدودية قدرات حراك النشر في استيعاب الإنتاج المعرفي العربي، وبالتالي يلجأ العديد من المؤلفين -وبخاصة الباحثين الشباب- إلى نشر أعمالهم بصورة رقمية على شبكة الإنترنت. وهذه الظاهرة آخذة في التزايد عامًا بعد عام، ودخلت فيها مجموعات الواتساب، مثل مجموعة المؤرخين العرب. إن متطلبات الاستيعاب كشفت عن قصور في حراك النشر، أو عدم قدرة دُور النشر في دول مثل: العراق، وموريتانيا، والسودان، واليمن… على استيعاب الإنتاج الفكري المتدفق في هذا البلد أو ذاك، وبصورة نسبية أقل بكثير في دول مثل: سوريا، ومصر، والسعودية، والجزائر، وليبيا، وتونس.


النشر‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي

واقع‭ ‬يعكس‭ ‬خللًا‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬الحق‭ ‬الثقافي‭ ‬وتلقي‭ ‬المعرفة

الفيصل

يشهد نشر الكتاب الورقي في العالم العربي تحديات كبيرة، على الرغم من تطور التقنيات من الحروف النحاسية التي كانت تصف في قالب يضم كلمات الصفحة الواحدة، إلى وجود لوح الزنك الحساس الذي تنطبع عليه صفحات الملزمة كلها، وصولًا إلى ماكينات الطباعة الرقمية التي تنتج أي رقم من النسخ يحتاجه الناشر. هذا التطور جعل الناشرين لا يفكرون في امتلاك مطابع كبيرة تنتج آلاف النسخ، ولا مخازن عملاقة توضع بها الكتب؛ إذ يطبع للناشر ما يحتاجه للمشاركة في معارض الكتب، أو ما يوضع على أرفف المكتبة للبيع.

هكذا أصبح عالم النشر بسيطًا وسلسًا، لكنه لم ينجُ من الصعاب والمعوقات التي تهدد وجوده. بداية من العشوائية، وعدم الاحترافية، واقتصار عدد كبير من دور النشر على فريق عمل صغير، توفيرًا للنفقات، وهو ما يجعل من عملية إنتاج الكتاب تواجه قصورًا في بعض النواحي، إضافة إلى غياب العمل المؤسسي في غالبية دُور النشر، وعدم وجود شبكة توزيع واسعة، إضافة إلى محدودية الدور الذي يلعبه اتحاد الناشرين العرب. ومن ناحية، بات الكتاب الإلكتروني منافسًا كبيرًا للكتاب الورقي، وبخاصة في ظل ارتفاع أسعار الورق والأحبار وتكاليف الطباعة والشحن، وفي ظل استحواذ السوشال ميديا ومواقع التواصل الاجتماعي على اهتمامات القراء والمتابعين، وهو ما جعل الاهتمام بالكتاب الورقي يتضاءل، وعدد المطبوع منه لا يزيد على أربعين أو خمسين نسخة في كثير من الأحيان.

وراح بعض الناشرين يعوض تكاليف الطباعة والنشر عن طريق مساهمات من الكتاب أنفسهم، وليس بحثًا عن أسواق جديدة للتوزيع، وزيادة المطبوع من الكتاب، مكتفين بوجود مكتبة تخص كل دار في مقرها، توضع على رفوفها ما تنتجه من كتب، وبخاصة أن مكتبات بيع الكتب تحصل على 40 بالمئة من سعر الغلاف، وهو ما رفع أسعار الكتب، وحصر دائرة الإقبال على شرائها في فئة قليلة، وهي في أغلبها فئة غير منتجة للثقافة، وكثير منها يقتني الكتب كنوع من الوجاهة، وليس لرغبة حقيقية في الحصول على المعرفة والثقافة، كما نشأت ظاهرة «البيست سيلر» التي تعتمد على أنواع من الروايات والكتب خفيفة المحتوى.

كل هذه الإشكاليات خلقت فوضى في سوق النشر، كأن يُكلَّف مترجم بترجمة كتاب بعينه ثم لا يجد مقابلًا ولا اهتمامًا بالكتاب، أو أن يدفع الكاتب لنشر عمله ثم يدعو أصدقاءه لشراء كتابه في حفلة التوقيع، أو أن يصبح نشر الكتاب مرتبطًا بدورة معارض الكتب، وهو ما جعل بعضًا يدعو إلى تكاتف جهود وزرات الثقافة العربية لإنشاء شركة توزيع للكتب على مستوى العالم العربي، حيث إن ما يطبع في بلد ما يصل إلى مختلف البلدان الأخرى، وهو ما يرفع من نسب التوزيع ويكسر انحسار الكتاب في دوائر محلية صغيرة مغلقة. من ناحية، يبرز مأزق كبير ومهم في الآونة الأخيرة، ويكمن في قدرة الذكاء الاصطناعي على تأليف وترجمة الكتب، ووضعها في واجهات المكتبات بوصفها أعمال مؤلفين ومترجمين حقيقيين. وهو ما يهدد فعليًّا بزوال مهن النشر والتأليف والترجمة، وتصميم الأغلفة والإخراج الداخلي للكتاب، إضافة إلى المصححين والمراجعين وعمال المطابع وغيرهم. فهل باتت مهنة النشر جزءًا من الماضي؟ وهل ينهي الذكاءُ الاصطناعي مسارَ الكتاب الورقيّ الذي استمر أكثر من مئتي عام في العالم العربي؟ وهل يستسلم الناشرون إلى هذا التغير؟ ولماذا لم يصل النشر في عالمنا العربي إلى مرحلة الاحتراف حتى الآن؟ وكيف يمكن للعرب أن يعيشوا من دون ناشرين ولا كُتاب أو مترجمين؟


صناعة النشر العربي بين الحلم والواقع

جبر أبو فارس – رئيس اتحاد الناشرين الأردنيين

لا شكّ أن النشر العربي، على الرغم من عراقة التجربة وثراء المضمون، ما زال يواجه تحديات جمة تمنعه من بلوغ مستوى النشر الأورُبي في التنظيم وجودة الصنعة والالتزام المهني. وإذا أردنا قراءة هذه الفجوة، فإننا نجدها متجذرة في عوامل بنيوية وثقافية وتشريعية متشابكة. فصناعة النشر تقوم على منظومة متكاملة تبدأ من المؤلف وتنتهي عند القارئ. وفي أورُبا ترسخت تقاليد مهنية صارمة منذ عقود، تشمل حقوق الملكية الفكرية، ووجود محررين محترفين، والالتزام بالعقود والمواعيد، وتطوير أساليب الطباعة والإخراج الفني، إضافة إلى التسويق الفعّال.

أما في الوطن العربي فهناك قصور في التشريعات وتطبيق قوانين الملكية الفكرية، فلا توجد عقوبات رادعة، وإن وجدت فلا تطبق على المقرصنين. إضافة إلى محدودية الاستثمار في صناعة النشر والتكنولوجيا والبنية التحتية، وغياب التقاليد المهنية المستقرة في التحرير والتوزيع، وضعف الإقبال على القراءة وانكماش السوق المحلي. وتهميش دور المكتبات المدرسية والجامعية، فضلًا عن التعقيدات الرقابية والبيروقراطية التي تعطل حركة الكتاب.

رؤية مستقبلية

ويمكن القول: إن الطموح يتجاوز حدود الواقع ليحمل رؤية مستقبلية تستحق العمل عليها. في مقدمتها بناء منظومة نشر عربية مشتركة ومتكاملة تلتزم أعلى المعايير العالمية، واستعادة المكانة الثقافية للكتاب الورقي بوصفه منتجًا معرفيًّا وجماليًّا، وتعزيز الترجمة المتبادلة، بحيث لا يظل العالم العربي مستهلكًا للمنتج الغربي، بل مصدرًا للمعرفة أيضًا. ومن أجل توسيع آفاق الوصول إلى القارئ العربي والعالمي، نقترح عمل منصة عربية تجمع بين الكتاب الورقي والكتاب الإلكتروني، إضافة إلى خلق جيل جديد من الناشرين أكثر مهنية وانفتاحًا على التجارب العالمية.

الحلقة الأضعف

لكن يبقى التوزيع هو أضعف حلقة في صناعة الكتاب العربي، وهو ما يفسر غياب شركة عربية كبرى قادرة على حل أزمة الانتشار. ويمكن أن نلخص أسباب ذلك في تفرق الأسواق بفعل القوانين الجمركية والرقابية المختلفة بين الدول العربية، وغياب التنسيق العربي المشترك لإنشاء كيان إقليمي متخصص في توزيع الكتب، والقرصنة التي تقوّض أي جهد لتوزيع رسمي منظم وهو ما يؤثر في توزيع الكتب الأصلية، وغياب الرؤية الإستراتيجية في الدول العربية التي تعدّ الكتاب مشروعًا قوميًّا يستحق الدعم مثل أي صناعة أخرى. فآخر قطاع ينظر له من قبل الدولة هو القطاع الثقافي. فضلًا عن فرض الجمارك والضرائب في الكثير من الدول العربية، وهو ما يعوق ازدهار هذه الصناعة التي يجب أن تكون معفاة من أي ضرائب أو جمارك أو رسوم لتقليل كلفة الإنتاج؛ لكي يكون سعر الكتاب في متناول الجميع.


الناشر المستقلّ بين الحرية والتحديات

سمر حداد – ناشرة سورية ومنسقة الشبكة اللغوية العربية في الرابطة الدولية للنشر المستقل

الاستقلال يمنح الناشر الحرية في تحديد ما ينشره دون أي تدخل من جهات ممولة أو راعية. وفقًا لتعريف الرابطة الدولية للنشر المستقلّ في باريس، فالناشر المستقل يضع سياساته التحريرية بحرية واستقلالية، من دون أن يكون أداة دعاية لحزب سياسي، أو دين، أو مؤسسة، أو مجموعة إعلامية أو شركة.

تؤثر بنية رأس المال وهوية المساهمين أيضًا في الاستقلالية؛ إذ غالبًا ما يؤدي استحواذ الشركات الكبرى غير المتخصصة على دور النشر إلى فقدان الاستقلالية وتغيير التوجهات التحريرية. الناشر المستقل، أو «الناشر المؤسّس» كما تسميه الرابطة، يسهم من خلال خياراته المبتكرة، وحريته في التعبير، في إثراء النقاشات العامة، وتطوير التفكير النقدي لدى القراء، ويعد فاعلًا أساسيًّا في تعزيز التنوع الببليوغرافي.

منظمات تؤمن بالاستقلال

الدعم الذي يتلقاه الناشر المستقل، وإن كان محدودًا، يأتي من منظمات تؤمن بالاستقلالية المهنية، وتشجع المخاطرة المالية لتقديم محتوى مهم للقارئ، وهو ما يثير النقاش ويحفز التفكير النقدي حول مبادئ الخير والحق والجمال. ويشهد عالم النشر مؤخرًا تنظيم معارض ومؤتمرات للناشرين المستقلين خارج الإطار التقليدي في العالم العربي. كما تعمل الشبكات على جمع ناشرين يشتغلون ضمن مجالات مشابهة (كتب أطفال، دراسات، روايات) لتبادل الخبرات وتحسين جودة الكتالوجات.

تنظم الرابطة الدولية للنشر المستقل أيضًا لقاءات دولية وورش عمل متخصصة، مثل النشر الموجَّه للأطفال أو النشر الرقمي؛ لتوفير فضاءات لتبادل الأفكار وإطلاق مبادرات تعاون مشتركة. ويولي التحالف أهمية خاصة لبناء القدرات عبر تبادل الخبرات بين الأقران، بما في ذلك المختبر الرقمي للنشر الرقمي، وتضم الرابطة أكثر من 980 دار نشر مستقلة في 60 بلدًا، وقد تأسست عام 2002م، وتعمل ضمن ست شبكات لغوية هي: العربية، الإنجليزية، الفرنسية، البرتغالية، الإسبانية والفارسية، إضافةً إلى مجموعات عمل متخصصة.

خطة التوزيع

لكل ناشر ضمن الشبكة العربية خطته المستقلة للتوزيع في العالم العربي، رغم أن مناقشة صيغة توزيع مشتركة لجميع الأعضاء طرحت مرات عدة في اجتماعات الرابطة. إلا أن الانشغال بالمهام اليومية يدفع الناشرين للتفكير على نحو منفرد غالبًا. مع ذلك، تنفذ الشبكة مشاريع نشر مشتركة لضمان توزيع الكتب في بلدان مختلفة. من الأمثلة الحديثة، كتاب «رؤية فنية معاصرة للخط العربي»، للخطاط السوري منير الشعراني، الصادر عن خمسة من ناشري الشبكة اللغوية العربية.

يسعى الناشر المستقل لبناء علاقة شفافة وطويلة الأمد مع الكاتب، من خلال نشر أعماله وتوزيعها واحترام حقوقه. ومع ذلك، في بعض الحالات، يخسر الناشر المستقل بعض الكتّاب لصالح دور نشر أكبر وأكثر قدرة مالية.

رسالة الرابطة

في إطار تعزيز هذه العلاقة، أطلق ناشرو الرابطة رسالة مفتوحة للمؤلفين والمثقفين الملتزمين بعالم أكثر إنصافًا تحت عنوان: «ماذا نقول وأين نقول» التي جاء فيها: «نشأت حركة النشر المستقلة، الغنية بتنوعها والمقيدة بضوابطها بما هي حركة معارضة لعمليات تركيز إنتاج الكتب والثقافة وتسليعها؛ لهذا فهي تجسد بوضوح قطب عالم الكتب الثقافي، إن الناشرين المستقلين يتعاملون مع الكتاب بما هو سلعة ثقافية واجتماعية في المقام الأول، بالضد من ممارسات الشركات متعددة الجنسيات، وعمالقة الإنترنت، التي تسعى إلى إبراز البعد التجاري للكتاب، ودفعه بحسب منطق رأس المال الضخم نحو أكثر الحدود تطرفًا. والآن، بعد أن دخلنا القرن الحادي والعشرين، بات من الصعب فصل الغاية عن الوسيلة: ماذا نقول، وأين تقول ذلك؟ إننا نجد في هذا السياق أعمال العديد من المؤلفين، الذين يسعون إلى تعزيز الحوار والإبداع والتفكير النقدي والعدالة والمساواة، قد تم نشرها من قبل مجموعات عملاقة تمتلك دور نشر عديدة، وهو واقع يفرض تساؤلات، منها: ألا تتلاشى نحو العدم طاقة هذه الأعمال على التغيير حين تجعل من نفسها جزءًا من آليات صناعة الترفيه؟ الواقع يؤكد أن الشركات العابرة للأوطان، أيًّا كان مجال عملها، ما هي إلا تمثيل لهذا النظام الذي يسيطر علينا، وبالتالي: ألا نقوم -بطريقة أو بأخرى- بوضع عالم الأفكار التغييرية في أيدي أولئك الذين يرسخون أسس النموذج الذي ننتقده حينما نتحول باختيارنا إلى اعتمادهم كناشرين؟ ثم ألا يساعد ذلك قبضة رأس المال الكبير للتحكم بالكلمة وبحياتنا اليومية؟ وعلاوة على ذلك، كيف يمكننا تجاهل السؤال عن طبيعة استثمارات مجموعات الأعمال العملاقة المالكة لدور النشر حين نرى تلك الاستثمارات ضمن قطاعات صناعية تجارية مختلفة؛ هل هي استثمارات محايدة؟».


النشر الورقي يواجه تحديات رقابية واقتصادية

محمد البعلي – كاتب مصري ومدير دار صفصافة

تتوزع التحديات التي تواجه قطاع النشر في المنطقة العربية بين نوعين أساسين، هما: «التحديات الرقابية» و«التحديات الاقتصادية». وأظن أن الرقابية أعقد، وأثرها أعمق، وربما تؤثر بصورة أكبر في الناشرين والكتاب في كل الدول العربية، ما عدا استثناءات نادرة. وأثر الرقابة متعدد؛ فهي لا تعرقل فقط إصدار العديد من الكتب أو تعوق نشرها أو انتشارها، بل هي في الأساس تشكل -مع الحواجز الجمركية- أزمة حقيقة تمنع تشكل سوق عربي موحد للكتاب يضم 500 مليون فرد، ويفتح آفاقًا اقتصادية هائلة أمام هذه الصناعة. فدخول الكتاب من بلد عربي لبلد آخر تعطله أحيانًا الرقابة على المطبوعات في بلد الإصدار، ثم تعود وتعرقله الرقابة في بلد الوصول -التي قد تصادره- مترافقة مع الجمارك وصعوبات الشحن وارتفاع تكاليفه؛ بسبب الامتداد الواسع للمنطقة العربية. وفي الحقيقة تقوم العديد من الدول العربية بتخفيف قيود الرقابة على الكتاب في السنوات الأخيرة وتقلل من التابوهات المحرم تناولها في الكتب، ولكن في المقابل تظهر تابوهات جديدة، وتزيد سطوة الرقابة الذاتية بين الكتاب والناشرين أنفسهم.

تذبذب أوضاع المكتبات

على صعيد «التحديات الاقتصادية» فإن سوق النشر يواجه تشكيلة من التحديات؛ أهمها تذبذب أوضاع المكتبات العامة والجامعية والمدرسية، ففي أغلبية الدول العربية تتراجع ميزانيات هذه المكتبات، أو تتحكم فيها التوجيهات السياسية والتحولات التكنولوجية، حيث تدفع بعض الأنظمة التعليمية العربية -ومنها مصر- الجامعات للتحول إلى المكتبات الإلكترونية فقط، وهو ما سبّب صدمة نسبية في سوق النشر الجامعي. الأزمات الاقتصادية والموجات التضخمية، التي مرّت على دول عربية عدة في السنوات الأخيرة، أثرت أيضًا بشدة في القدرات الشرائية للقُراء العرب من الدول متوسطة ومنخفضة الدخل، ودفعتهم إما إلى وضع اقتناء الكتب في ذيل قائمة الأولويات، أو إلى التوجه لسوق الكتب المستعملة أو «المقرصنة».

وتُعَدُّ «قرصنة» الكتب إحدى التحديات الكبرى التي تواجه صناعة النشر في الدول متوسطة النمو. حيث يترافق ضعف آليات تنفيذ القانون مع ارتفاع سعر الكتب، وضعف متوسط الدخل، إضافة إلى اقتصار منافذ توزيع الكتب «المقننة» على مراكز المدن الكبرى فقط، وهو ما يخلق بيئة خصبة لنمو وحركة عصابات طباعة وبيع الكتب «المقرصنة»، التي توسعت من العمل في بلد واحد إلى تشكيل عابر للدول. هؤلاء يختارون الكتاب الناجح في كل بلد عربي فتطبع بأقل التكاليف، وتوزع محليًّا وتسافر شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا تحت أغطية قانونية مختلفة.

المعارض العربية

وينقلنا هذا الحديث إلى موضوع المعارض العربية التي تزيد من دخل دور النشر العربية. من جهة، فإن أعداد المكتبات ومساهمتها في مبيعات الناشرين تتعرض لاهتزازات مع توتر الأوضاع الاقتصادية والسياسية في بعض الدول. ومن جهة أخرى، فإن كثيرًا من المؤسسات توجه ميزانيات اقتناء الكتب للمعارض من دون الدخول في مناقصات وآليات شراء معقدة، وهو ما يجعل هذه المناسبة الثقافية سوقًا كبيرًا لاقتناص الصفقات، أكثر منها مناسبة ثقافية. ويقود ذلك إلى تركيز أنشطة دور النشر على المعارض، وهو ما يؤثر بشدة في بقية أنشطتها المفترضة في الواقع الثقافي.

وعلى هامش بعض المعارض العربية يُعلَن الكثير من الجوائز التي تسهم في تسليط الضوء على بعض الأعمال الجيدة، لكنها للأسف تلعب دورًا في الترويج لأنماط محافظة من الكتابة سواء البحثية أو الإبداعية. وفي بعض الدول تغلب آليات المجاملة وشبكات تبادل المصالح على لجان الجوائز، وهو ما يفقدها مصداقيتها، وفي حالة أو حالتين بارزتين أصبحت الجوائز وسيلة لغسيل السمعة وترويض المثقفين تحت سيف المنع من الوصول للجائزة ولجانها ودعوات السفر، إلخ.

الذكاء الاصطناعي

قبل أشهر عدة شاركت في دورة تدريبية حول الذكاء الاصطناعي في تونس مع عدد من الناشرين من وتونس وإفريقيا جنوب الصحراء والدول العربية، وقد خرجت منها بانطباعين؛ الأول: أن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه -حتى اللحظة- أن يستبدل العنصر البشري، وبخاصة أن مستويات تدريبه على اللغة العربية ما زلت متواضعة مقارنة باللغات الأخرى. فالذكاء الاصطناعي لا يستطيع التدقيق اللغوي ولا التحرير ولا التأليف في اللغة العربية بمستويات تقارب كفاءة البشر. والانطباع الثاني أن الذكاء الاصطناعي له فوائد أخرى عدة ستفيد دور النشر بشدة على أصعدة عدة، سواء في تنظيم عملها وفي تجهيز مواد دعائية وفي تحليل بيانات المبيعات والمخازن، إلخ. وبالتالي فإن استخدام الذكاء الاصطناعي أصبح مثل قطار إلى المستقبل يجب ألا يفوت من يرغب في البقاء.

وبناء على ذلك قمنا في دار صفصافة بعمل تدريبين -بواسطة أكاديمي متخصص في التقنيات الجديدة- لموظفي صفصافة على استخدامات الذكاء الاصطناعي، وبالفعل بدأنا استخدامه في مهام محدودة لتحليل البيانات، ونأمل أن نتوسع في استخدامه في المهام غير الإبداعية خلال المرحلة المقبلة.

الترجمة

أتفق مع من يقول: إن كثيرًا من الأعمال التي تحصل على دعم للترجمة من المؤسسات المانحة ليست من أفضل المستويات الإبداعية، ولكن هذا يرجع في الأساس إلى اختيارات دور النشر التي تنشر بالعربية. وتفاوت مستويات الأعمال المترجمة أمر متوقع بسبب تفاوت مستويات القراء؛ فهناك جمهور لأدب الرعب، كما أن هناك جمهورًا لروايات باتريك موديانو (نوبل 2014م)، أو آني أرنو (نوبل 2022م)، وهما يعدّان من كتاب النخبة. ولا أظن أن هناك آلية لجعل هذا المجال أكثر احترافية إلا بصحافة نقدية مستقلة، تستطيع انتقاد الأعمال المتواضعة. فعندما تحولت الصحافة الثقافية إلى عروض الكتب، والمقالات الاحتفائية والمجاملة، لم تعد هناك عين كاشفة تستطيع أن تصنف الأعمال المنشورة، أو تسلط الضوء على مشكلاتها، بما يحفز على تطوير الكاتب لإبداعه، وتحسين المترجم لمهاراته، والناشر لمطبوعاته.


لا‭ ‬خيار‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬ينشئ‭ ‬كل‭ ‬كاتب‭ ‬داره‭ ‬الخاصة

أمير‭ ‬تاج‭ ‬السر – كاتب سوداني

بدأت النشر مبكرًا، في وقت كانت توجد صعوبة كبيرة في هذا المجال؛ ذلك أن دور النشر كانت قليلة ومحدودة في مصر، حتى في بيروت. وقد كتبت روايتي الأولى «كرمكول» وأنا لا أزال في مصر، وذلك في السنة الجامعية الأخيرة. أعطيت هذه الرواية الصغيرة -التي تشبه قصيدة شعر، ولكنْ فيها حكي وشخصيات واضحة- لعدد من المثقفين الذين أعرفهم، وكان تعليقهم عليها إيجابيًّا، ومن هنا بدأت الرحلة الوعرة لمحاولة النشر.

كان الناشرون القليلون الموجودون، لا يبحثون عن عمل جيد، بقدر بحثهم عن اسم معروف، يمكن أن يبيع كتابه، وبخاصة أن آليات التوزيع لم تكن كثيرة، وحيل العثور على قارئ محدودة جدًّا. في النهاية عثرت على الراحل كمال عبدالحليم، وكان شاعرًا معروفًا، وسياسيًّا أيضًا، ولديه دار نشر صغيرة اسمها «الغد»، وكان قد نشر في تلك الأيام مجموعة قصصية للسيناريست «أسامة أنور عكاشة». فقرأ الرواية وقال لي: إنها اختراع خاص بك، لكن لا إمكانية لنشرها. ثم فجأة انتبه إلى الساعة التي أرتديها، وكانت من ماركة غالية، وأهديت لي من والدي، فسألني: هل هذه الساعة أصلية؟

قلت: نعم

قال: إن كنت تريد نشر روايتك، عليك رهنها، وحين تنشر الرواية وتوزع ستستردّها. بهذه الطريقة المغامرة، نشرت «كرمكول»، وكنت مزهوًّا بها، لكنها أيضًا أرهقتني. كنت أحمل نسخها داخل حقيبة على ظهري، أوزعها للطلاب في الجامعات المختلفة، حتى استرددت قيمة النشر، واسترددت ساعتي بعد ذلك، وكانت تجربة جيدة عرفتني على محبتي للكتابة وإمكانية تضحيتي من أجلها.

دولارات كثيرة

الأعمال التي تلت «كرمكول» مثل «سماء بلون الياقوت»، «نار الزغاريد»، حتى «مرايا ساحلية» تلك السيرة التي أظهرت اسمي ككاتب، لم تكن أكثر حظًّا، كان عليّ أن أدفع دولارات كثيرة حتى أنشرها. كنت أدفع التكلفة كاملة ولا أسترد منها شيئًا، لكني لم أَيئَس، وواصلت الكتابة والقراءة والسفر والمحاولات، حتى اعتدل الحال. كنت قد أنتجت أعمالًا كثيرة نالت جوائز، وأصبح لي حظ عند الناشرين. والآن لدي ناشرون في بيروت والسعودية والإمارات، وفي بلدان كثيرة بلغات تُرجِمَت إليها أعمالي، وأتلقى مراسلات كثيرة من ناشرين يودون التعامل معي، وبخاصة أن النشر اتسع بصورة مخيفة، مثلما اتسعت رقعة الكتابة نفسها، وأصبحت تجارة الكتابة مربحة للناشرين، والنقود -التي يدفعها الكتاب الجدد المتلهفون لنشر أعمالهم، والواقفون في معارض الكتب، بين الورد والشوكولاتة، لتوقيع تلك الأعمال- أصبحت كثيرة، لكن ذلك كله لم يرتقِ بالكتابة، وأظن أن المواهب الحقيقية ضاعت وسط هذا الرعب الكتابي، ولا أجد وصفًا آخر غير الرعب، وصرنا نحن الذين نكتب منذ زمن طويل، أغرابًا.

طبعًا لا يوجد فكاك من النشر بحالته هذه، ما دام الواحد كاتبًا، ولا يستطيع الفكاك من الكتابة أو يتطلع لأن يصبح كاتبًا رغم كل الإحباطات. لا خيارات أخرى سوى أن ينشئ كل كاتب دارًا خاصة به، ينشر فيها أعماله ويوزعها بطريقته إن كان يستطيع، وهذا أيضًا عمل شاق جدًّا، لمن يعملون في وظائف معينة من أجل لقمة العيش، وليسوا متفرغين لهذا العمل. فالمسألة لا تتوقف عند حدود الكتابة والنشر وتسلُّم الكتب من المطابع، ولكن كيفية التوزيع؟ من الذي يوزع الكتب وإلى أين تصل؟ وهذا كما قلت يحتاج إلى تفرغ، أي أن تتعامل مع شركات توزيع ومكتبات ضخمة متعددة الأفرع مثل جرير والمتنبي، أو تنمية في مصر، وأن نتابع جيدًا مصير الكتب. ولا أعتقد أن كاتبًا فردًا ينجح من دون موظفين مختصين، وهؤلاء يصعب العثور عليهم. وقد تابعت تجارب بعض الكتاب الذين أنشؤوا دور نشر، وتفرغوا جزئيًّا لإدارتها، مثل صديقنا عبدالله البصيص في الكويت، وكان قد حكى لي بالتفصيل فائدة أن تكون ناشرًا لنفسك، ويعتقد أن تجربته نجحت. لكن عبدالله، يتابع بنفسه، ويوجد في كل ما يتعلق بشؤون داره. أيضًا تجربة عبيد بوملحة، في دبي، وهو كاتب متمكن، وأيضًا غير متفرغ، أنشأ داره مؤخرًا، واستقطب إليها كثيرًا من الكتاب، ويتعامل بمهنية عالية وإنصاف كبير، وأعتقد أن تجربته ستنجح.

صنعة الكتابة

أما أن يعيش الكاتب من صنعة الكتابة في الوطن العربي فهذا ممكن، ولكن ليس كل الكتاب، وإنما بعض منهم، والحقيقة أنه لا يعيش من كتبه ولكن من اسمه الذي صنعه عبر سنوات طويلة. هنا يمكن أن تكتب مقالًا في صحيفة ما، أو منصة ما، أو أن تشارك في لجان خاصة بالكتاب، وهكذا. وإذا أكرمتك كتابتك، تعثر على ناشر جيد يعطيك ما تستحق. وبالرغم من ذلك، لا يمكن أن تكون الكتابة هي وسيلة الحياة ولقمة العيش، على الكاتب أن يكون موظفًا في مكان ما، وإنْ تقاعد فلا بد من العيش بهدوء وحذر، في حدود ما يأتيه من دخل.


لا بد من قيام وزارات الثقافة بدور في إنقاذ الكتاب وتوسيع نشره

أحمد شافعي – شاعر ومترجم مصري

باستثناء ترجمة الشعر، يبدو المترجم ترسًا في آلة، أو بلغة أيامنا، حلقة في سلسلة إمداد. ففيما يتعلق بالروايات، وهي بقرة ناشري الأدب الحَلُوب، وكتب السياسة والاقتصاد، ناهيكم بكتب التنمية الذاتية، غالبًا ما يتلقى المترجم عرضًا من الناشر الذي يتولى اختيار العناوين ومراسلة ناشريها الأصليين لشراء حقوقها العربية. فالناشر هو محور هذه العملية كلها، وغالبًا ما تقوم اختياراته للعناوين على اعتبار وحيد هو توقعه لنجاحه في تسويق ترجمتها. وقد ترجمت بهذه الطريقة روايات من قبيل «الجمال جرح» لإيكا كورنياوان، وكتبًا من قبيل سيرة الدكتور مجدي يعقوب.

كتب أعجبتني

لكن أغلب عملي في الترجمة كان يقوم على غير تلك الآلية تمامًا. فكان عملًا ثقافيًّا محضًا؛ إذ كنت أختار روايات، أو كتبًا غير أدبية، أو كتبًا أدبية غير خيالية، وهو ما تمتعني قراءته، وأقترحه على ناشرين. فأغلب ما ترجمته هو ببساطة كتب أعجبتني ورأيت ضرورة ترجمتها، لكن كان لا بد من الاستعانة بالناشرين لكي يباشروا إجراءات شراء حقوقها؛ لأن كبار الناشرين الغربيين لا يقبلون التفاوض إلا مع مؤسسات. وفي ذلك كله يبقى الشعر استثناءً؛ إذ لا تزال ترجمة الشعر في الأغلبية الكاسحة من الحالات هي الأثرة المتخلفة، أو حتى الحفرية الباقية من تاريخ الترجمة الطويل بوصفه عملًا ثقافيًّا خالصًا، وفرديًّا خالصًا، وإنسانيًّا خالصًا.

لا أزال أتذكر، كأنما بالأمس، تلك الليلة التي استغللت فيها خطَّ هاتفٍ دوليًّا كان متاحًا لي أيام عملي في مكتب رئيس هيئة الاستعلامات لأجري اتصالًا بـ«مستر قصيدة النثر الصغير» كما يعرف الشاعر الأميركي راسل إدسن نفسه. عرَّفت الرجل بنفسي، وعرَّفته بالهدف من اتصالي. فسارع يبدي حنانًا أبويًّا تمثل في إشفاقه عليّ من تكلفة الاتصال. سارع يملي عليَّ عنوان بريده الإلكتروني. وبدأنا بعد ذلك نتراسل حول قصائده، ثم بدأت أحصل على موافقاته كلما أردت أن أنشر شيئًا منها في مجلة هنا أو موقع إلكتروني هناك. بل إنني لا أزال أتذكر كم ضقت بحنانه ذلك من دون أن أفهم لذلك سببًا، إلى أن خطر لي أن السبب ربما هو أنني أحسست بذلك الحنان مناقضًا لما يبدو عليه راسل من جنون في قصائده!

مثل ذلك بالضبط حدث مع تشارلز سيميك ومع بيلي كولنز ومع جيمس تيت ومع بيتر جونسن، ومع شعراء أميركيين كثيرين، كانوا جميعًا يملكون حقوق كتبهم، فينتفي الداعي إلى التواصل مع وكلاء أو مع ناشرين. وكانوا جميعًا مرحبين بترجمة أعمالهم إلى العربية، وكرماء بوقتهم في مساعدة مترجمهم على حل ما يواجه من مشكلات في فهم بعض النصوص، أو بعض الإشارات، وكرماء أيضًا بفرحهم كلما أخبرت أحدهم بنشر بعض قصائده هنا أو هناك، وكلهم أهدوني طبعات ورقية من كتبهم، بل من كُتُب رأوا ضرورة أن أطلع عليها لأزداد فهمًا للمشهد الشعري الأميركي، حتى إن لدي كتبًا تحمل آثار قراءة بيتر جونسن مثلًا لعدد من مجلة «قصيدة النثر: جريدة دولية».

يبدو ذلك كله ماضيًا بعيدًا الآن. سيميك وتيت وإدسن ماتوا في غضون سنوات قليلة، وكذلك أغلب الكبار من أبناء هذا الجيل. وقصيدة النثر الأميركية فقدت وهجها، أو ذلك ما يبدو لي، فلم يعد لبيتر جونسن مثل نشاطه المحموم الأول، ويبدو لي وكأنه وضع رمح قصيدة النثر واكتفى بكيبورد ينقره بين الحين والحين. حتى المشهد الشعري العربي الآن، أو المصري خاصة، هجره الجادون، كلهم تقريبًا، فأوشك أن ينفرد به «شعراء» يكتبون نصوصًا متخلفة في كل شيء. والناشرون حالهم لا يخفى على أحد: فهم إما تجار روايات رديئة الترجمة في الغالب، أو تجار كتب تنمية ذاتية ضررها أكبر من نفعها إن كان لها نفع.

قبلة حياة

كل شيء الآن يصرخ طالبًا قبلة حياة من الدول. فلا بديل الآن في تقديري عن قيام وزارات الثقافة العربية بدور حقيقي في إنقاذ الكتاب، وتوسيع نطاق النشر، وتنويع ما ينشر في التأليف والترجمة على السواء، فليس صحيًّا، ولا يمكن أن يبشر بخير، أن يقتصر غالب المعروض في متاجر الكتب على الضحل الذي لا مسوّغ لوجوده سوى التسلية أو بيع الأوهام للناس. وليس صحيًّا أو مبشرًا بخير أن تبقى أسعار الكتب مجاوزة لقدرات أغلب القراء دونما أي دعم من الحكومات. وليس صحيًّا أو مبشرًا بخير أن تبقى الجوائز -المعيبة في أغلبها- هي المعيار الوحيد لاختيار العناوين للترجمة وللنشر. وليس صحيًّا أو مبشرًا بخير ألا يبقى هاديًا للقراء في اختيار الكتب إلا «أراجوزات» مواقع التواصل الاجتماعي، وهم في الغالب مأجورون لترويج أعمال لا تستحق حتى البوار.

وسط ذلك كله، لا أتصور أن يستمر في الترجمة الأدبية، والكتابة الأدبية، وربما في القراءة أصلًا، إلا من حافظ على روح الهواية، ولم يصدق ما يسعى لإيهامه به الآخرون من حيث كونه ترسًا في آلتهم. لا أصدق أن ينجو من الابتذال الحالي إلا من عصمه الأدب دائمًا فلم يجعله وسيلة لتحقيق أي مأرب غير جمالي. ولا أصدق أن ينجو إلا من يتبع المثال المحفوظي العظيم: وظيفة صباحية من أجل لقمة العيش، ثم التنسك ليلًا في رحاب الأدب، سبيلان لا يجب أن يلتقيا أبدًا، ولا أن يفترقا أبدًا، وإنما يتوازيان في حياة المرء ما استطاع إلى هذا سبيلًا، ولا أحسبني استطعته إلا قليلًا.


الكتاب الورقي بين أعباء السوق ومغامرة المستقبل

ريم الكمالي – كاتبة إماراتية

لم يكن الكتاب الورقي يومًا مجرد سلعة، بل هو الذاكرة الأولى للإنسان، رفيق الحضارة منذ ألواح الطين ولفائف البردي حتى المطبعة الحديثة. وما زال القارئ حين يفتح كتابًا جديدًا يلمس تلك الرهبة الأولى: رائحة الورق والحبر، صوت الصفحات وهي تُقلب، إحساس أن الأفكار صارت كائنًا ملموسًا بين اليدين. لكن هذه المتعة البسيطة تواجه اليوم تحديات عاصفة، مع ارتفاع التكاليف وتراجع القرّاء، وزحف العالم الرقمي بخطوات لا تعرف التوقف، لتأتي أعباء النشر الورقي. فأول ما يواجهه الناشرون اليوم هو الارتفاع الكبير في تكلفة الطباعة. أسعار الورق والأحبار تجاوزت حدود المعقول، وهو ما دفع دور نشر كبرى إلى تقليص عدد الإصدارات أو الانتقال إلى الطباعة عند الطلب.

في العالم العربي، صارت بعض الدور تشترط على المؤلف المساهمة المالية المباشرة في الطباعة، وهو ما يسمّى «النشر المشترك»؛ لتخفيف عبء المغامرة. والنتيجة أن المؤلف، بعد رحلة شاقة من البحث والكتابة، يجد نفسه مطالبًا بدفع المال ليُقرأ، بدلًا أن يتلقى الدعم أو المكافأة المستحقة.

شبكات توزيع

أما التوزيع، فهو الحلقة الأكثر هشاشة، ففي أورُبا وأميركا، تمتلك دور النشر الكبرى مثل بينغوين، وهاربر كولينز، شبكات توزيع عالمية، ومنافذ بيع تضمن وصول الكتاب إلى القارئ في قارات عدة. بينما في العالم العربي، يظل الكتاب أسير المعارض السنوية أو مكتبات محدودة في العواصم، ولا يكاد يصل إلى القارئ في مدن الأطراف؛ فكم من كتاب رصين مات في صمت؛ لأنه لم يجد طريقه إلى القارئ، وظل حبيس صناديق المخازن.

في المقابل، يكتسح النشر الرقمي المشهد، والكتاب الإلكتروني والمسموع أصبحا الخيار الأول لجيل يبحث عن السرعة والمرونة وانخفاض السعر. منصات مثل «كيندل بوك» من أمازون، أو «أُودوبيل» فتحت أبوابًا واسعة للقراءة، بلا حدود مكانية، لملايين القراء في العالم، وأصبحوا يحملون مكتبات كاملة في جيوبهم. وليس الأمر مقتصرًا على الغرب؛ فقد دخلت منصات عربية مثل هنداوي وكتاب صوتي… إلى هذا الميدان، مقدمة نصوصًا عربية وعالمية في صيغة رقمية، وهو ما أتاح للقارئ العربي خيارات لم يكن يحلم بها قبل عقد واحد. النشر الرقمي لا يعرف حدودًا ولا جمارك ولا تكاليف شحن، وهو ما جعله منافسًا شرسًا للورقي.

لكن، ورغم هذا الصعود، يظل الورق محتفظًا بمكانته. كثير من القراء ما زالوا يصرون على اقتناء الكتاب الورقي، ويتحدثون بعاطفة لما يمثله من حميمية وذاكرة وملكية مادية للنص. لهذا لم تختفِ دور النشر الورقية، لكنها تسعى إلى التوازن بين الورقي والرقمي، كأنها تحاول أن تجمع بين عبق الماضي وضغط المستقبل.

المؤلف العربي

وكم تزداد المشكلة تعقيدًا عند الحديث عن تجربة المؤلف العربي. فبينما يحصل الكتّاب في الغرب على عقود تضمن لهم نسبة عادلة من المبيعات، وربما سلفيات مالية قبل النشر، يتلقى المؤلف العربي مكافآت زهيدة لا تعكس قيمة الجهد المبذول، وقد يقضي الكاتب سنوات في تأليف كتاب، ثم لا يتجاوز دخله من النشر بضع مئات من الدولارات، وبعض الدور تعطي المؤلف نسبة لا تتعدى 5 أو 10% من سعر النسخة، بينما تُهدر البقية في الطباعة والتوزيع والربح التجاري. النتيجة أن الكاتب يعيش مفارقة مؤلمة: يُحتفى به في المعارض والندوات، لكن حقيبته فارغة، وكأن الثقافة في نظر المؤسسات سلعة ثانوية لا تستحق أن يُكافأ صانعها.

لم ولن

المستقبل لا يبدو في صالح الورق؛ إذا نظرنا إليه بمعايير السوق فقط. لكن التجربة العالمية تثبت أن النشر الورقي لم يَخْتَفِ ولن يختفي. بل هو يُعاد اختراعه باستمرار. في فرنسا مثلًا، لا تزال دور النشر الورقية صامدة، بفضل دعم حكومي قوي يحمي الكتاب من الانهيار، ويضمن بقاء المكتبات حيّة في المدن الصغيرة. وفي اليابان، حيث التقنية في ذروتها، لا يزال الكتاب الورقي يحظى بمبيعات ضخمة؛ لارتباطه بالثقافة الجماعية والعادات اليومية. أما في العالم العربي، فالطريق لا يزال طويلًا. إذا أردنا أن نُنقذ الكتاب الورقي، فلا بد من حلول مبتكرة: شراكات بين الورقي والرقمي، وسياسات حكومية لدعم صناعة النشر، وتطوير إستراتيجيات تسويق حديثة تستفيد من قوة الإعلام الرقمي في الترويج. فالكتاب يجب ألّا يُترك وحيدًا في مواجهة السوق، بل ينبغي أن يُعامل بوصفه جزءًا من الأمن الثقافي للأمة.


لا بد أن يتحول الناشر إلى مؤسسة اقتصادية ثقافية

بشير مفتي – روائي وناشر جزائري

في الراهن العربي يبدو موضوع الكتاب شائكًا للغاية، رغم أننا لم نشعر في أي وقت آخر أن الكتاب قد عرف ازدهارًا كبيرًا في منطقتنا العربية من حيث النشر الكمي على الأقل؛ لأن مسألة النوعية قضية أخرى تحتاج إلى نقاش طويل. لكننا نشعر كما لو أن ذلك كلّه لم يحلّ المشكلة، أو المشكلات، التي يعانيها الكتاب، الذي بقي دائمًا عرضة للتهميش. فالكتاب لا يزال يرمز إلى المعرفة والوعي، ويُعَدّ دليلًا على نهوض الأمم وتفوّقها الثقافي والاقتصادي والسياسي. ومع ذلك، ما زالت أمّتنا العربية تعاني مأزق النهوض والوعي والمعرفة، أي أن الكتاب هو في صلب وجوهر أزمتنا الحقيقية. وما دمنا لم نعرف كيف نحلّ هذه المعضلة، سنظلّ نشعر أن الهوّة واسعة بين مَن عبروا النهر إلى الضفة الأخرى، وبين مَن لا يزالون يحلمون بالعبور.

الأزمة

في رأيي، تكمن أزمة الكتاب العربي، ربما، في أننا لم نخرج بعد من فكرة أن النشر مغامرة فردية يقوم بها ناشرٌ مثقف وكاتبٌ حالم، ولم يتحول الناشر بعد إلى مؤسسة اقتصادية ثقافية قائمة بذاتها، أي إلى مؤسسة فيها مكتب للتحرير، ومكتب للتوزيع، ومكتب للإشهار والعلاقات مع الصحافة، ومكتب للتصميم وغيره. مؤسسة تملك كل ما يميز المؤسسة الاقتصادية الكبيرة من طرق تسيير حديثة، تستطيع أن تستثمر في الكتاب كما يُستثمر في أي مادة تجارية أخرى، فتسوَّق ويكون لها مردود مالي ناجح.

صحيح أن مثل هذا النوع المحترف من النشر لم نصل إليه بعد في العالم العربي، وما زالت التجارب في أغلبها فردية تقوم على الهواية والشغف أكثر مما تقوم على الاحترافية التي تتطلب بنية تحتية صلبة. ولحسن الحظ، لا تزال هذه المغامرات موجودة؛ لأن رجل المال العربي لم يستثمر في الكتاب؛ إذ يعدّ ذلك مشروعًا فاشلًا، على عكس رجل المال الأميركي أو الغربي عامةً. ولا أدري لماذا يستثمر رجل المال العربي في الإعلام والرياضة وغيرها، ولا يستثمر في نشر الكتب. هذه ظاهرة تحتاج إلى تأمل ونقاش؛ لأن المال هو عصب الحرب كما يُقال، وهو أيضًا عصب النشر إذا أردنا أن نقفز بالنشر في العالم العربي إلى أبعد مما هو عليه الآن.

صناعة كاملة

الكتاب، والكاتب نفسه، يحتاجان إلى صناعة كاملة مثلما تُصنع نجوم السينما والفن والرياضة. أي يحتاجان إلى تسويق ودعاية كما نجد هذا الأمر في الغرب، ولهذا تحصد بعض الروايات الغربية نجاحًا مبهرًا وتباع منها ملايين النسخ في المكتبات الكثيرة المنتشرة في كل مكان. صحيح أنه عندما نتحدث عن كاتب عربي، يبيع الملايين من كتابه الأدبي أو الثقافي، يبدو الأمر بعيد المنال، أو حلمًا صعب التحقق، على الأقل في الوقت الراهن، لأسباب كثيرة: عدم وجود شبكات توزيع محلية وعربية واسعة، قلة المكتبات أو انعدامها في مناطق كثيرة، غياب الدعاية والإشهار الذي يسمح للمنتج بالانتشار وطلب القراء له، إلى جانب ضعف الإعلام الثقافي الذي يساهم في الترويج للكتاب. فما الذي يدفع القارئ لشراء كتاب إن لم يسمع به أصلًا كما يسمع بالرياضي أو الفنان الفلاني في مختلف قنوات الإعلام؟

قد يقول بعض: إن الإنسان العربي، المرهق في حياته اليومية، ما زال يرى الكتاب «ترَفًا» وليس ضرورة حياتية أو وجودية. وهو على عكس الإنسان الغربي، الذي يُنهي حياته عند بلوغ التقاعد في قراءة الكتب التي فاتته فترة عمله أو لم يكن لديه وقت كافٍ لقراءتها. ونسبة المتقاعدين كبيرة في عالمنا العربي، ومع ذلك فهم غير معنيين بالقراءة والمعرفة ما داموا يشعرون أن النهاية اقتربت ولا حاجة لها، على عكس ما يحدث مثلًا في فرنسا، حيث تقول الإحصائيات إن أكبر نسبة قراء هم المتقاعدون، ويُعَدّون هدفًا كبيرًا للناشرين كقراء متميزين.

ومع كل هذا، لعبت الجوائز الأدبية، الخليجية خاصةً، دورًا في أن تستعيد الرواية العربية بعض عافيتها، ودَفعت القراء، على قلتهم، إلى الاهتمام بها. وهذا دليل آخر على أن الحافز يستطيع أن يصنع الفارق أو يمد يد العون للكاتب، الذي أصبح يعوّل عليه في الحصول على مردود مالي يقلل من شعوره بالإخفاق المادي الدائم، عندما لا يستطيع أن يبيع ألف نسخة من روايته في طبعته الأولى. لكن هذا لا يعني أنها حلت المشكلة أو وضعت الكتاب على سكة الطريق، فهي ليست إلا نقطة ضوء صغيرة تحتاج إلى أن تُعمم مع عناصر أخرى سبق ذكرها للخروج من هذا النفق الحزين.


مناجل الذكاء الاصطناعي

حسين نهابة – شاعر ومترجم ومدير مؤسسة أبجد للنشر العراقية

الذكاء الاصطناعي عبارة عن نظام برمجي آلي، أو دماغ متطور جدًّا، قادر على صياغة أفكار كتابية، وإنتاج نصوص أو ترجمات أو محتوى لغوي، اعتمادًا على آليات التعلم الآلي. وأعتقد أن تاريخ هذا النظام قديم جدًّا، بدأ به على أيدي الحكائين الذين كانوا يخيطون لنا حكايا وأساطير خيالية تنتج لنا أشخاصًا ذا ذكاء خارق. لكنه تبلور رسميًّا عام 2012م. وفي عام 2017م ظهر «المحوّل» الذي نزل كتطبيق يمكن استخدامه على الأصعدة كافة. والذكاء الاصطناعي ليس له صفة قانونية؛ إذ بإمكان أي شخص أن يستخدمه بمهارة، ويدعي أن ما أنتجه هو من مهاراته الشخصية. مجرد أن يصيغ الفكرة في عقله، ويسطرها على البرنامج بصورة مختصرة، ويوجّه النظام ليحرر له محتوى، دون أن يتحمل هذا النظام أية مسؤولية. أي أنه غير مسؤول عن الانتحال أو الأخطاء المعلوماتية أو التضليل.

تطور متسارع

قد شهد الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة تطورًا متسارعًا جعله حاضرًا في مجالات معرفية وثقافية كانت، حتى وقت قريب، حكرًا على الجهد البشري الخالص، ومن بينها كتابة الكتب وترجمتها. لم يعد استخدامه يقتصر على المهام التقنية أو المساندة، بل أصبح يُستعان به فعليًّا في إنتاج النصوص وصياغة الأفكار وإعادة تركيب المعاني، وهو الأمر الذي أثّر على نحو مباشر في آليات التأليف والنشر التقليدية. هذا التحول أوجد واقعًا جديدًا يفرض إعادة النظر في المفاهيم القانونية المرتبطة بالمؤلف، وحقوق الملكية الفكرية، والمسؤولية عن المحتوى المنشور.

كان يقتصر دور الذكاء الاصطناعي في بداياته على تقديم ملاحظات تحريرية أو اقتراحات لغوية وتحسين الأسلوب. أما اليوم، فيبدو أنه قادر على تأليف نصوص كاملة، وترجمة كتب بأكملها، وإنتاج مقالات، وابتكار محتوى أدبي. وبذلك أصبح من الممكن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في مراحل مختلفة من إعداد الكتب، سواء في الصياغة الأولية للنصوص أو في دعم عمليات الترجمة بين اللغات، من دون إغفال التدخل البشري في المراجعة والتحرير والتدقيق، بالطبع. وقد وفّر هذا التطور فرصًا جديدة للناشرين والمؤلفين من حيث السرعة وتقليل الكلفة، لكنه في الوقت نفسه أثار إشكاليات قانونية وأخلاقية تتعلق بحدود المسؤولية، وحقوق الملكية الفكرية، ومعايير الشفافية في نسب الأعمال المنشورة؛ لذلك انتشر في العالم بين فئات المجتمع بصورة مذهلة لأسباب عدة، منها على سبيل المثال: سرعة إنتاج النصوص، والقدرة على توليد أطر ومنهجيات متعددة، واحتواء سياقات استخدام كلمات ومعانٍ دقيقة، والترجمة المهنية أحيانًا باللغات كافة.

قوانين وتشريعات

لم تعتمد القوانين الدولية ولا تشريعات الملكية الفكرية في معظم الدول، حتى الآن، نصوصًا صريحة تنظم بصورة مباشرة مساهمة الذكاء الاصطناعي في تأليف الأعمال الأدبية. فالإطار القانوني السائد لا يزال قائمًا على افتراض أن الإبداع فعل إنساني في الدرجة الأولى، وبناءً على ذلك، تُمنح حقوق المؤلف عادةً للأشخاص الطبيعيين فقط؛ إذ يُشترط أن يكون العمل هو نتاج جهد بشري خلّاق يمكن نسبه إلى مؤلف محدد، ويُسجَّل باسمه في مؤسسات حقوق التأليف المعتمدة. في المقابل، لا يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي في أغلب الأنظمة القانونية بوصفه هيئة قانونية مستقلة، وبالتالي لا يمكنها امتلاك حقوق ملكية فكرية، ولا توقيع عقود، ولا المطالبة بحقوق ناتجة عن الأعمال التي يسهم في إنتاجها. ويُتعامل معها قانونيًّا بوصفها أداة تقنية متقدمة، مهما بلغت درجة تعقيدها أو استقلاليتها الظاهرية. ونتيجة لذلك، تُسند حقوق التأليف في العادة إلى المستخدم البشري، سواء كان هو من أدخل التعليمات الأولية للنظام، أو من راجع النصوص الناتجة وحرَّرها وأشرَف على شكلها النهائي قبل النشر. غير أن هذا الحل العملي لا يخلو من إشكاليات؛ إذ إن تزايد النصوص التي تُنتج بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي يطرح وضعًا قانونيًّا غير مسبوق، لم يكن حاضرًا عند صياغة القوانين الحالية.

التحدي القانوني

لقد غيّر الذكاء الاصطناعي من مشهد التأليف والترجمة في زمن قياسي، وبالتالي لم يعد من الممكن أن تستمر قوانين الملكية الفكرية القديمة دون تطوير. إن التحدي القانوني اليوم هو جعل الإبداع البشري والذكاء الاصطناعي يتعاونان ضمن إطار قانوني منصف وواضح، يعترف بمساهمات كل منهما، ويضمن الشفافية والعدالة في عالم النشر التقليدي والرقمي على حدٍّ سواء. وعليه، لا بد من وضع أيقونات قانونية تؤطر ما يحدث الآن فيما يخص تأليف الكتب الورقية في الذكاء الاصطناعي، ومنها: وضع قانون يحدد نسب المساهمة البشرية ومساهمة الذكاء الاصطناعي، فيما يخص البحوث، لا بد من وضع هامش يُذكر فيه مساهمة الذكاء الاصطناعي، فرض ضوابط على مؤسسة الذكاء الاصطناعي، ليكون مصدرًا رسميًّا مثل غوغل، سواء باشتراك رسمي من الأشخاص أو أن يكون مفتوحًا من دون مبالغ، واعتماد قانون يؤكد شفافيةَ التصريح باستخدام الذكاء الاصطناعي سواء في الكتب أو البحوث.


صناعة النشر العربية والحاجة إلى قانون

هيثم الحاج علي – ناقد وأكاديمي ورئيس سابق للهيئة المصرية العامة للكتاب

لا يمكن النظر إلى الكتاب بوصفه الوعاء الأساسي للمعرفة فقط، فقد تطورت الأمور في العقود الأخيرة وأصبح الكتاب واحدًا من الأدوات المهمة للتطور، واستدامة التنمية في المجتمعات كافة. وظهرت في الوقت نفسه الأهمية الإستراتيجية لصناعة النشر. وربما يكون التطور الكبير الذي طرأ على معارض الكتب هو أنها تحولت من فعاليات خاصة بالمثقفين والمهتمين إلى فعاليات مجتمعية نبعت من وعي الأسر بالحاجة إلى القراءة بوصفها رافدًا تربويًّا وتنمويًّا للأبناء. ربما يجعلنا كل ذلك ننظر إلى صناعة النشر العربية بوصفها الصناعة التي تحتاج اليوم -في مفترق طرقها- إلى اهتمام ودعم الحكومات العربية؛ لتنقذها من عثراتها الناتجة عن أوضاع اقتصادية عالمية استثنائية، من ناحية، ولكي يُتعامَل مع صناعة النشر بوصفها صناعة ثقيلة بعيدة المدى، وتحتاج إلى القوانين المنظمة لها في ظل تغيرات متسارعة في التقنية ووسائل الإنتاج.

نقص المعلومات

وإذا كنا نعاني في الوطن العربي عامةً نقصًا حادًّا في المعلومات الخاصة بالنشر والكتب ومعدلات القراءة، فإن التعاون بين البلدان العربية المختلفة قد صار ضرورة لها أولوية كبرى، وذلك في ظل التسارع في عجلة التطور الثقافية، وبخاصة مع دخول وسائط جديدة مثل الكتاب الإلكتروني والكتاب المسموع، اللذين يُتعامَل معهما بوصفهما منافسين للكتاب الورقي. في حين أنه من الممكن تعديل القوانين وخطوات الإنتاج؛ لتصبح هذه الوسائط الحديثة عاملًا مساعدًا في الترويج والانتشار لثقافة القراءة عامةً، والقراءة الورقية خاصةً؛ إذا يُتعامَل معها بصورة رشيدة.

من هنا، فإن إعادة النظر في محددات الصناعة، وتدقيق الأرقام الخاصة بمعدلات البيع والقراءة في الوطن العربي، وعمل تصنيفات واضحة ومحددة لقوائم الكتب والناشرين والقراء؛ تقوم على إحصاء علمي دقيق ومنهجي، والعمل على قياس كل ذلك من دون إغفال الأوضاع المصاحبة، كل ذلك يبدو من المتطلبات الأساسية لتطوير وإنقاذ واحدة من الصناعات المهمة، ليس فقط على المستوى الثقافي، بل على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

حالة خاصة

صناعة النشر في العالم العربي حالة خاصة تنبع من نشأة المؤسسات الثقافية الحكومية، استنادًا إلى الدساتير العربية التي في معظمها ترى أن الثقافة خدمة تقدمها الحكومات إلى المواطنين. هذا المفهوم يغلف نفسه بهدف نبيل، لكنه يصبح ثقلًا على كثير من تلك الحكومات.

كثير من المؤسسات الحكومية قامت على أساس أنها تسد فجوة ما لا يستطيع الناشر الخاص القيام به، ومن هنا صارت شريكة في هذا المشهد وفي تلك الصناعة، وهو ما يجعل لزامًا عليها أن تقوم بدور الداعم لصناعة النشر عامةً، وليست منافسًا في هذا المجال. الأمر يتوقف على رؤية من يدير هذه المؤسسات، فإن آمن بذلك فهو داعم، وإن لم يؤمن فهو منافس، وهي الحالة التي صرنا نراها تتكرر كثيرًا بأشكال مختلفة.

منافسة شديدة

منظومة صناعة النشر، التي يجب أن تقوم على التعاون، صارت تتسم بمنافسة شديدة تحولت إلى عائق، في ظل النقص الحاد في اللوجستيات التوزيعية، بما يؤدي إلى نقص فرص التوزيع العادل والفعال. هذا الأمر لا يمكن الفكاك منه إلا بالتعاون الإيجابي بين المؤسسات بأنواعها، وبين معارض الكتب واتحادات الناشرين. والأهم من كل هذا أن يُعترَف بالنشر بوصفه صناعة متكاملة تحتاج إلى الدعم الصناعي من الحكومات العربية جميعها، وليس على أساس أن النشر نشاط ثقافي. وهذا الأمر يستلزم تعديلًا جذريًّا في المفاهيم القانونية الحاكمة لهذا المجال، وبخاصةٍ بعد دخول روافد جديدة مثل النشر الرقمي والنشر الصوتي، اللذين لا نزال نتعامل معهما بوصفها عاملين للقضاء على الكتاب الورقي. في حين أن الداعم الأهم للنشر الورقي يبدو في دعم هذين الرافدين عن طريق التعاون العربي لإنشاء مظلة نشر عربية كبرى تكون الملاذ الوحيد لإنقاذ الصناعة والثقافة والهوية العربية، وتحميها من الانزلاق في أتون ثقافات أخرى تحاول الهيمنة.


كنت محظوظًا بالنشر في دُور إسبانية

الدكتور رضا مامي – شاعر ومترجم وأكاديمي تونسي

الكتابة فعل إبداعيّ يصدر عن المبدع للمتلقي القارئ، ويكون الناشر وسيطًا بينهما، وشريكًا في الحالة الإبداعيّة التواصليّة. هذا الثلاثي: كاتب، وناشر، وقارئ يشكّلون عوالم الكتاب، وفعل الكتابة واجب معرفيّ يتأسّس على تلك الشراكة الثلاثيّة. ولا قيمة للفعل الإبداعي من دون نشره وتوزيعه بما يليق بالكاتب والقارئ، وبما يليق بالناشر بصفته مؤسّسة ثقافيّة ربحيّة. لأكثر من ربع قرن كانت لي مساهمة في هذا الثالوث المعرفي عبر أعمالي الشعريّة والأكاديميّة والأدبيّة: تأليفًا وترجمة. وبصفتي أستاذ اللغة والآداب الإسبانية، كان هاجسي تسفير الآداب العربيّة للثقافة الإسبانيّة ولغتها التي تتجاوز في حضورها الجغرافيا الإيبيريّة نحو أميركا اللاتينيّة في عدد الناطقين بها لأكثر من أربعة مئة مليون فرد، في منزلة وصيفة للغات العالم بعد الإنجليزيّة.

لا اختيار

لم يكن لديّ الاختيار في نشر مؤلفاتي الأولى مع دُور نشر إسبانيّة؛ لأنّني كتبت بلسان إسبانيّ لشعوب لديها الحنين وحب الاطلاع على ما يكتبه العرب عن الإسبان وعن أنفسهم، فكانت شراكاتي في النشر في العالم الإسباني مع دار Sial Pigmalion، ودارSial Contrapunto، ودار Ramon Menendez Pidal، تثمينًا لأعمالي الشعريّة والأكاديميّة وترجماتي الشعريّة لأهم الشعراء العرب. وطوال مسيرتي في النشر لم أفكّر في تغيير هذه الدُّور الثلاثة التي دأبت على النشر فيها، رغم المغريات من دُور نشر تجاريّة؛ بسبب وضوح التعامل والاحترام الذي ألقاه من الناشرين الثلاثة، والأهم من كل هذا هو قدرتها على المنافسة والانتشار العالمي والمشاركة في كل المعارض الدوليّة للكتاب وشراكاتها مع المؤسسات العلميّة والأكاديميّة والجامعات، دون أن ننسى حضور هذه الدور في المسابقات الدوليّة للكتاب والكتّاب وترشيحي لكثير من الجوائز الفخريّة التي نلت بعضها.

في العموم لا يحقّق الكاتب مكاسب ماديّة كبيرة، بقدر ما يكون طموحه الانتشار وتحصيل الاعتراف الأدبي والعلمي. كما أنّ الناشر معذور في عجزه عن تثمين مجهود الكاتب العلمي والأدبي؛ فالناشر يعاني تكاليف الطباعة والتوزيع ويعاني نسبيًّا غياب الدعم الكافي. ومع ذلك توفّر دور النشر الأجنبيّة الحد الأدنى المحترم في التعامل المادي بشفافية مطلقة، ورغم صبغتها التجاريّة، فإنّها تحافظ على قيمتها العلميّة لتحافظ على هيبة الكاتب ومكانته الاعتباريّة، على عكس دور النشر العربيّة التي تتعامل في أغلبها بصيغة تجاريّة مطلقة، فتهتم بحجم المبيعات قبل قيمة الكتاب ومحتواه. ولذلك فضّلت النشر في دور النشر الإسبانية لكل أعمالي الأكاديميّة والأدبيّة؛ لأن الأعمال الأكاديميّة تشكل مغامرة للناشر بسبب محدوديّة القراءة الأكاديميّة ومبيعاتها. ومحنة العالم العربي مرتبطة بغياب الشراكات بين دور النشر والمؤسّسات الأكاديميّة والجامعيّة لتقاسم أعباء النشر وتكاليفه وتوزيعه، خلافًا للمؤسسات الأكاديميّة الأجنبيّة التي تحظى بمصادر تمويل متنوعة من الدولة والمؤسسات الخاصة ومن الهبات.

وجدت نفسي

في تجربتي مع دور النشر الإسبانيّة وجدت نفسي وكتاباتي، وحظيت بالتكريم والتشريف ضيفا مبجّلا على مختلف معارض الكتاب الدوليّة في إسبانيا وأميركا اللاتينيّة، وذاك الانتشار حقّق لي مكاسب معنويّة وعلميّة كبيرة، ليس أقلها من تردّدي أستاذا زائرا على الجامعات الإسبانيّة وفي أميركا اللاتينيّة لتقديم محاضرات أكاديميّة وإحياء أمسيات شعريّة، وبفضلها ترشحت عضوا في المجالس العلميّة لبعض المؤسسات الأكاديميّة، ووصلت كتبي إلى أميركا الجنوبيّة لتكون دروسًا جامعيّة، وقد منحتني شرفًا أكبر باختياري أخيرًا عضوًا في «الأكاديميّة المكسيكيّة للتاريخ والجغرافيا»، كأوّل عربي يحظى بهذا التشريف والتكليف.

مقارنة

عندما أقارن بين الكاتب في العالم العربي والكاتب في العالم الغربي في علاقتهما بالنشر، أجد فروقًا جوهريّة في كيفيّة التعامل بين الكاتب والناشر، والأهم هي المكاسب الماديّة والعلميّة التي يحقّقها الكاتب في العالمين. فقد بلغ الكاتب الغربي مرحلة الاحتراف في أن يعيش على عائدات كتبه بما يحقّقه من توزيع وحقوق النشر، لكن في العالم العربي هناك انتهاك لحقوق المؤلّف يساهم الناشر فيه بقسط كبير، ولذلك أجد نفسي محظوظًا في تعاملي مع دور النشر الإسبانية التي منحتني إشعاعًا عالميًّا، مستغلًّا شغفهم بالشعر العربي والآداب العربيّة التي أترجمها لهم؛ لتكون علامة للتثاقف وهمزة وصل بين الثقافات والحضارات.

ليس الكتاب عمليّة رقن وطبع، بل الكتاب عالم من الإبداع والتجارة، وهو مجهود يبذله المؤلف شغفًا وينتظره القارئ لهفة، وبينهما ناشر يتردّد بين الهاجس الثقافي والهاجس التجاري. ولعلّ التوفيق بين هذين الهاجسين يتطلّب مدوّنة قانونيّة وأخلاقية تضبط العلاقة بين مكوّنات عالم الكتابة والنشر. وفي ظلّ تطوّر أساليب النشر والتوزيع من الورقي إلى الإلكتروني تزداد مأساة الكاتب العربي أمام كارثة التحايل وفقدان حقوق التأليف. ويبقى الرهان على مصادر التمويل من القطاع الخاص للكاتب والكتاب والمؤسسات العلميّة دافعًا رئيسيًّا للحفاظ على الحقل الثقافي والعلمي، حتى يبقى صامدًا في وجه الكتاب التجاري والثقافة التجاريّة.


رومانسية الكتاب الورقي

محمد العامري – شاعر أردني ومدير دار خطوط وظلال

في ظل المنافسة القوية التي بات يبديها النشر الإلكتروني، علينا الاعتراف بأن المسار الإلكتروني يتسارع ليأخذ مكانته القوية في شتى المجالات، من ضمنها مسار النشر وصولًا إلى طرائق توزيع المجلات والكتب. لكننا لا نزال ماكثين في رومانسية الكتاب الورقي الذي يحتفظ بعلاقة عاطفية مع القارئ بدءًا من رائحة الورق وصولًا إلى ملمسه وما يحبّر على صفحاته من هوامش وملاحظات. ولا يمكن إغفال التسارع الرهيب الذي يناله الكتاب الإلكتروني، الذي يغزونا عبر أجهزة عديدة ترافقنا حتى في غرفة النوم. وأرى أن غلبة الكتاب الإلكتروني ناجم عن طبيعة الأجيال الجديدة التي تعتمد حياتها على الإلكترونيات، وصولًا إلى التأليف عبر الذكاء الاصطناعي.

العلاقة اليوم بين الكتاب الورقي والكتاب الرقمي علاقة شائكة، وتحتاج إلى تحليل واختبار دقيق لمسارات المستقبل القريب. فتقدُّم التقنية، واتساع رقعة النشر الإلكتروني التي تتيح للكاتب النشر الذاتي دون رقابة، جعلت من الكتاب الإلكتروني غواية جديدة للعصر.

مسار متعب

إن الصورة المقدمة عنا، في دور النشر، تتمثل في نشر المعرفة والوعي على حد سواء، لكن مواجهة قلة القراء، حسب إحصائيات اليونسكو، تصبح المهمة متعبة. الكتاب سلعة غير رائجة ودور النشر لا تتلقى دعمًا وتشجيعًا من المؤسسات الرسمية والخاصة، في مقابل دعم هائل لقطاع الرياضة. ويخضع النشر إلى مسار معقد: يمر بالتحرير والتصميم والنشر والتوزيع؛ وهي مغامرة خاسرة في الغالب، وإن كانت دور النشر لا تزال تُعلّق آمالًا كبيرة على الربح، وتعتمد معظمها على سد الرمق عبر معارض الكتب الدولية.

إذا كانت دار النشر محترفة فلا بد من توافر العناصر التي ذكرتها: من محرر ومصمم للنص الداخلي ومصمم للأغلفة. كل ذلك ضرورة لإغراء القارئ لتناول الكتاب والتعرف إليه. فغلاف الكتاب، على سبيل المثال، هو عنصر بصري يغري الناظر إلى جمالياته، بغض النظر عن المحتوى. فالغلاف هو العتبة الأولى للكتاب، أو البوابة الإغرائية للدخول إلى النص.

مساران

وفي هذا السياق نجدنا أمام مسارين: المسار التجاري الذي يبحث عن الربح، عبر نصوص هابطة، يقبل عليها قطاع عريض من المراهقين. والمسار الآخر هو الكتب الجادة التي تُصنع بحرفية عالية من الغلاف إلى المحتوى، وفي غالب الأمر الغلبة للمنطق التجاري الهابط. وما ينقذ الكتاب الجاد هي المؤسسات الجامعية التي تقتني المراجع الخاصة بالطلبة والباحثين إلى جانب قلة من القراء.

إن مفاهيم النشر لم تزل ملتبسة في العالم العربي فهناك الكثير من التقصير تجاه صيرورة النشر الرقمية وحقوق الكاتب والملكية الفكرية. نحن نحتاج إلى إعادة النظر في كل ما سبق للخروج من الأزمة التي تسوّق لها الميديا الرخيصة من خلال الإعلانات المغرية بصريًّا.


أزمة النشر منذ ما قبل نشوء الدولة العربية الحديثة

جهاد الرنتيسي – كاتب فلسطيني

الحديث عن النشر في الوطن العربي أقرب إلى محاولة تفكيك كرة من الخيوط، عُقد تقود إلى تشعبات، وخيوط تنتهي بعُقد. لكن إلحاح الأزمة وانعكاساتها الممتدة والمفتوحة يفرضان التوقف عندها بين الوقت والآخر، ومحاولة معاينة التطورات التي طرأت عليها، وإمكانية الحد من آثارها السلبية.

أزمة النشر ليست وليدة البارحة، أظنها موجودة منذ ما قبل نشوء الدولة العربية الحديثة، وأرى فيها تعبيرًا عن عمق الأزمة البنيوية التي تعيشها هذه الدول، والتعبيرات عديدة ومتناسلة، ومحل اجتهادات من حيث خطورتها. وفي جميع الأحوال يصعب التوقف عند هذا التعبير دون إشارة إلى الرقابة على الكتاب، والعراقيل التي تقف أمام وصوله، ونسب الأمية، وتراجع الاهتمام بالقراءة.

مربع الحرب

تشتبك هذه المظاهر والظواهر مع أخرى، أبرزها أن منطقتنا لم تغادر مربع الحروب منذ ظهور دول ما بعد الحرب العالمية الثانية. قد يقلل بعضٌ من هذا العامل، مشيرًا إلى الحياة الثقافية في الغرب في أثناء سنوات اشتباك الحرب العالمية الثانية. وفي حال دفاعي عن وجهة نظري يمكنني الإشارة إلى مشروع النهوض الذي كان يمتلكه المثقف الغربي المشتبك، سواء كان مناهضًا أو مؤيدًا للنازية؛ لأصلَ إلى هشاشة المشروع العربي الذي تعرض لانتكاسات أدت إلى تلاشيه وانطفاء بؤره.

حدد كل من الشرق والغرب وجهته نحو التنمية الثقافيةـ بما في ذلك النشر -بعد تلك الحرب، وبقي الوطن العربي حائرًا بين تجربتين، غربية تمثلها الولايات المتحدة وأورُبا، وشرقية يعبر عنها الاتحاد السوفييتي. لم تبتعد بلادنا في أحسن أحوالها من التقليد، وبقيت دون ما حققته التجربتان الشرقية والغربية.

أزال الفضاء الإلكتروني الذي شكل دعامة للعولمة القشة التي أخفت حقيقة تدني نسب القراءة، وعبثية الحديث عن حركة النشر في البلاد العربية؛ لنعيد اجترار الأسئلة القديمة بصيغ جديدة تترك انطباعًا زائفًا بحداثة الأزمة.

توحي أدوات مواجهة الأزمة بخسارة شبه مؤكدة، فدور النشر العربية أقرب إلى الدكاكين اللاهثة وراء مقومات البقاء، لا تجد هذه المقومات في القارئ غير الموجود، وفي حال وجوده يعاني عدمَ القدرة على شراء الكتاب بفعل أزماته المعيشية، وهو ما يعني أنها تعمل في عزلة عن العنصر المستهدف بعملها.

تعجز هذه الدور، في معظم الأحيان، عن حماية كتبها من القرصنة الإلكترونية، وتحاول تعويض خساراتها المتلاحقة على حساب المؤلف، سواء من خلال تحميله كلف الطباعة أو الاحتيال على نسبته من مبيعات كتابه إذا حقق رواجًا.

حيل أخرى

لا يخلو الأمر من حيل أخرى لالتقاط الأنفاس مثل بيع الكتب للحكومات المضيفة للمعارض، ولا تبدو هذه المحاولات مجدية للنهوض بحركة نشر في ظل عدم قدرة العديد من الدور على المشاركة؛ بسبب ضيق المساحات المخصصة، علاوة على الأزمات الاقتصادية التي تعيشها دول المنطقة، وتدفعها إلى تجاهل دعم الناشرين بشراء كتب ينتهي بها الحال إلى المخازن.

لا يخلو الأمر من عبث، وهو ما يثير السخرية حين تظهر أزمة النشر في الإعلام الثقافي الذي يعكس بؤس الحياة شبه الثقافية، كأن نرى صورة لناشر ومؤلف تحت عنوان «طبعة ثانية» وربما ثالثة، رغم معرفتنا بسوق الكتاب ومدى رواجه، أو استخدام الدعاية الأقرب إلى الديماغوجيا؛ لإقناع القارئ باقتناء كتاب. ولمثل هذه الممارسة نتيجة واحدة تتمثل في تراجع الثقة في الكتاب، وربما جدوى القراءة.

ظهر النشر الإلكتروني في هذه المناخات؛ ليتيح إيصال الكتاب إلى أماكن يصعب وصوله إليها، سواء بفعل الرقابة أو كلف النقل، لكنه ما زال دون سد الفراغات لأسباب عدة؛ أبرزها تعوّد القارئ، في حال توفره، على القراءة من كتاب ورقي، وولع أجيال المعرفة الإلكترونية بأشكال أخرى من القراءة، وأعني هنا الأخبار السريعة والمقالات التي لا تحتاج إلى كثير من التركيز، بمعنى مساهمة النشر الإلكتروني على نحو أو بآخر في إعادة إنتاج الأمية الثقافية.

متطلبات الخروج

تتجاوز متطلبات الخروج من المأزق البحث عن أشكال جديدة لإيصال الكتاب إلى قارئ مفترض؛ لأن القارئ غير موجود بالضرورة، ومناخات القراءة غير متوافرة، يقابل هذه الوضعية إمكانية الحصول على المتعة المعرفية بسهولة من خلال الشاشات، من دون بذل مجهود يذكر، ولا أظن أن الغرب في منأى عن رياح التصحر التي اعتدنا عليها في المشرق العربي مع تفاقم أزماته الاقتصادية.

جرت العادة على البحث عن حلول لأزماتنا في الغرب بوصفه النموذج، ولا سيما أنه المُرسَّخ في وعينا بفعل الإرث الاستعماري، وتجاهل الشرق الذي يشبهنا إلى حد كبير، ويعيش ظروفًا أفضل من ظروفنا، حين يتعلق الأمر بالقراءة وحضور الكتاب، ويمتلك ما يكفي من مفاتيح النمو والتطور على مختلف الأصعدة، بما في ذلك نشر الكتاب، ولا أرى في ذلك ما يصلح وصفة لتجاوز الأزمة التي نحن بصدد الحديث عنها.

يتعامل صانع الثقافة العربي، أو منتج المعرفة، أو المبدع، مع أزمات ثقافية مستعصية منذ الزمن العثماني. إحدى تجلياتها أزمة انتشار الكتاب، التي أخذت أشكالًا مختلفة، ولم تستطع الدولة العربية الحديثة تجاوزها، يواجهها جيلنا كما واجهتها الأجيال السابقة، ولا يوجد في الأفق ما يوحي بمغادرة ذلك المربع. معظم المؤشرات تتجه نحو زيادة تفاقم الحالة مع أي تحول قد يطرأ على الخرائط الراهنة، وهو ما يتطلب قدرًا من التصالح مع الذات الشرقية قبل التفكير في المخارج.


سوق النشر كارثي للمترجم والمؤلف

عبدالمقصود عبدالكريم – شاعر ومترجم مصري

نشر الكتاب الورقي في العالم العربي عنوان ضخم في مجال مترامي الأطراف. ولو أننا قيّدنا الحديث بحدود دولة معيّنة، أو بنوع محدد من الكتب، أو على الأقل ميّزنا بين الكتاب المؤلَّف والكتاب المترجَم، لأصبح الكلام أكثر تحديدًا ودقة. لكنني سأترك كل ذلك، وأتوقف فقط أمام شكوى كثير من دور النشر من عدم تحقيق أرباح، أو على الأقل ندرة هذه الأرباح، في الوقت الذي نرى فيه دُورًا جديدةً تُفتَح باستمرار، وتوسعات لدى كثير من الدور القائمة. والغالبية الساحقة من هذه الدور لا تدفع للمؤلف، وتحتجّ بارتفاع تكاليف الطباعة. لكنها تتناسى أن أسعار الكتب نفسها تضاعفت في السنوات الأخيرة أكثر من عشر مرات، على الأقل في مصر، حسب ما أتابع. ولم ترتفع هذه الأسعار في دور النشر الخاصة وحدها، بل في دور النشر الحكومية أيضًا، حتى في المشاريع التي يُفترض أنها غير ربحية، مثل المركز القومي للترجمة والهيئة المصرية العامة للكتاب. وبالتالي، فإن هذه الدور تحقق أرباحًا، وأظن أن معظم هذه الأرباح يأتي على حساب المؤلف أولًا، والمترجم ثانيًا.

مقابل حقوق الملكية

نأتي إلى مسألة حقوق الملكية الفكرية، ولنبدأ بالكتاب المؤلَّف. لا يخفى على أحد أن كثيرًا من دور النشر تأخذ التكلفة من المؤلف نفسه، ولا سيما المؤلفين المبتدئين الذين يسعون فقط إلى رؤية أسمائهم مطبوعة على غلاف كتاب. فيدفع المؤلف بضعة آلاف من الجنيهات مقابل عدد من النسخ. أما أغلب دور النشر، سواء كانت خاصة أو حكومية، فلا تدفع للمؤلف شيئًا يُذكر، أو تدفع النزر اليسير.

لنفصل الأمر، ونبدأ بالكتاب المؤلف، بصرف النظر عن طبيعة دار النشر؛ لأن الأمر لا يختلف كثيرًا، باستثناء بعض المشاريع التي تمولها الحكومات أو الهيئات الحكومية، مثل المشاريع التي تمولها هيئة الترفيه في السعودية، ومشروع «كلمة» في الإمارات، والمشاريع التي كانت تمولها قطر بالتعاون مع دار بلومزبري في إنجلترا، ويمكن تقسيم الكتاب المؤلف إلى نوعين رئيسيين:

الدراسات بكل أنواعها، سواء أدبية أو تنتمي لأحد فروع المعرفة الإنسانية أو الطبيعية. وهنا يمكن القول: إن المؤلف لا يحصل على أي مقابل يُذكر، وفي أفضل الأحوال لا يغطي ما أنفقه على إعداد الدراسة، ناهيك عن المجهود الذي بذله فيها. وكأن دار النشر تقول للمؤلف: احمدْ ربنا أننا وافقنا على نشر كتابك.

الأعمال الإبداعية: وهنا تكمن مأساة أخرى، مأساة المبدع أمام التقييم المادي لعمله، وإن اختلف المشهد قليلًا بين الأعمال القصصية (خاصة الرواية) وبين الشعر. فمع الأعمال القصصية يجد المؤلف من ينشر له وقد يدفع له مبلغًا زهيدًا، والناشر في هذه الحالة يرحب بنشر هذه الأعمال. وهذا الترحيب مصدره أن توزيع الأعمال القصصية أفضل من توزيع الشعر بكثير.

وهناك بُعد آخر هو الجوائز المخصصة للرواية في العالم العربي، التي يتقاسمها الناشر مع المؤلف في معظم الحالات، إضافة إلى احتمال إنتاج فِلْم أو مسلسل عن الرواية. أي أن الترحيب هنا يرتبط بالربحية. وربما لم يعد من المستغرب أن تفاجأ بشاعر عربي يكتب رواية، أو يترك عالم الشعر وينخرط تمامًا في عالم الرواية. أما في حالة الشعر، فالدور الحكومية تدفع بضعة جنيهات حال نشر الديوان. أما الدور الخاصة فهي تعدّ نشر ديوان شعر مجاملة كبرى منها للشاعر، وقد بلغ الأمر بالشعر أن كثيرًا من المكتبات ترفض عرضه بحجة أنه لا أحد يشتري الشعر.

الترجمة

أما في مجال الترجمة، فبعض الدور الخاصة تعرض على المترجم أقل من عُشر المقابل المتعارف عليه عالميًّا، وبعضها لا يخجل من عرض ما يساوي نصف سنت للكلمة. ولا يختلف الوضع كثيرًا بين الناشر المصري والناشر في بقية الدول العربية؛ إذ تبدأ بعض الدور العربية المساومة من سنت واحد للكلمة تقريبًا، وربما انتهت هذه المساومة بموافقة بعض المترجمين، لأسباب لا يعلمها إلا الله.

الاستثناء الوحيد هنا هو المشاريع الممولة من الحكومات. ومع ذلك فإن هذه المشاريع نفسها بدأت تراجع المقابل المادي. على سبيل المثال، كانت ترجمة الكلمة في مؤسسة قطر وبلومزبري 7 سنتات للكلمة، وفي آخر تعامل لي معها في 2019م فوجئت بأنها 5 سنتات. ولا يختلف الأمر كثيرًا في المركز القومي للترجمة، فقد انخفض المعدل من نحو 5 سنتات (30 قرشًا حين كان الدولار بستة جنيهات) للكلمة، إلى سنت واحد (50 قرشًا وسعر الدولار بخمسين جنيها تقريبًا).

باختصار الوضع كارثي للمؤلف وللمترجم، ولا بد لكل منهما من مهنة أخرى يعيش منها. وكثيرًا ما أتذكر عبارة كانت تتكرر في سير الكُتَّاب «وقد أدركته حرفة الأدب»، وكأنها صياغة مهذبة لعبارة «وقد حلت به مصيبة أو كارثة».

المنشورات ذات الصلة

صعود الخصوصيات الثقافية

صعود الخصوصيات الثقافية

رؤى‭ ‬العالم وسؤال‭ ‬الخصوصية‭ ‬والعالمية محمد شوقي الزين - كاتب جزائري أوديسَّا مصطلحٍ: التلاشي والانتشال هيمنت مفردة...

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *