المخرج علي سعيد من أوائل المخرجين السعوديين الذين درسوا السينما والمسرح والإخراج أكاديميًّا بكلية الإعلام بجامعة دمشق، وعمل في الصحافة السعودية بين عامي 2003 و2017م، قبل أن يتفرغ لصناعة الأفلام التي شكّلت بصمته المميزة. من أبرز أفلامه: «بوصلة»، «ترياق»، «رقم هاتف قديم»، و«قصة ملك الصحافة» الحائز على جائزة النخلة الذهبية. وتميز في مجال الكتابة برواية «كونيكا» ومؤلفات أخرى. وفي هذا الحوار مع «الفيصل»، نتتبع رحلته مع الكتابة والإخراج والسينما، حيث تتلاقى سينما الحب والهوية مع أسئلة الذاكرة والوجود. ونبدأ من فِلْمه الجديد «ضد السينما»، الذي قوبل بحفاوة كبيرة في الدورة الأخيرة لمهرجان القاهرة السينمائي.
«ضد السينما»: اختبار الجمهور والنقاد
• كيف ولدت فكرة فِلْم «ضد السينما»؟ وكيف تطور المشروع حتى نال التتويج في المهرجانات؟
▪ عندما كنتُ أقرأ كتبًا عن تاريخ السينما، لم أجد ذكرًا للسينما السعودية، فشعرت بأن هناك جهلًا دفعني للتفكير: ماذا لو عملت على فِلْم يروي قصة جيلنا الذي عاش مرحلة كبيرة من التضاد مع السينما. بدأت فكرة الفِلْم بين عامي 2018- 2019م، وكانت رحلة الفِلْم طويلة. وفي عام 2020م، فاز مشروع الفِلْم في مسابقة إثراء المحتوى. وبعد الفوز بدأنا تصوير الفِلْم في الأول من يناير، وصولًا إلى العرض الأول في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وقد فاز الفِلْم فيه بجائزة لجنة التحكيم الخاصة وجائزة صلاح أبو سيف.
• كيف تقيم تجربة العرض الأول لفِلْم «ضد السينما» في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، سواء من حيث تفاعل الجمهور، أو من حيث صدى الفِلْم النقدي والإعلامي بعد عرضه؟
▪ كان تفاعل الجمهور المصري والعربي والعالمي مذهلًا. وبما أن مهرجان القاهرة دولي، فقد كان هناك سينمائيون من فرنسا وإيطاليا ومن تركيا ومن كل بلدان العالم. كان الجميع لديهم تساؤلات. هذا الفِلْم أشبع هذه التساؤلات ضمن رحلة سينمائية متوازنة. عثروا في الفِلْم على شقين: الشق السينمائي كفِلْم وثائقي سينمائي، وأيضًا البحث في الأرشيف وفي التاريخ والوثائق. وبعد عرض الفِلْم، تفاعلت الصحافة المصرية مع الفِلْم ومع التجربة بشكل غير مسبوق.
• الملاحظ في فِلْمك «ضد السينما» أن هناك التقاءً بين الشرق والغرب، بين هوليوود والظهران، بين جدة وفرنسا، فكيف تجلّى مفهوم السينما كجسر حضاري بين المملكة، بعمقها التاريخي والثقافي، وبين الثقافات الغربية، في فِلْمك؟
▪ السينما بوصفها أداة ثقافة في الدرجة الأولى، كانت أحد محاور اللقاء الحضاري والثقافي بين المملكة العربية السعودية- بوصفها امتدادًا للجزيرة العربية بعمقها التاريخي والثقافي الكبير- والثقافات الأخرى. وبعد اكتشاف النفط وقدوم شركة أرامكو، بدأت أرامكو بإنتاج الأفلام وعرضها، إلى جانب العروض المبكرة التي ساهمت فيها الثقافة الفرنسية.
• كيف تنظر إلى مسار فِلْم «ضد السينما»، وما علاقة ذلك بالتحولات الراهنة التي تشهدها السينما السعودية بوصفها امتدادًا لحراك ثقافي وسينمائي طويل؟
▪ من المُقرَّر عرض الفِلْم في المملكة وفي عدد من بلدان العالم، وسط اهتمام لافت من الموزعين ومهرجانات السينما. يعيد هذا الاهتمام بالفِلْم تأكيد أن التحوّل السينمائي الحالي في المملكة ليس وليد اللحظة، بل هو ثمرة مسار طويل بدأ منذ عقود، ويعكس تجذُّر حب السينما في المجتمع السعودي وعمق حضورها الثقافي.

لقاء الشخصي بالتاريخي
• كيف توازن في الفِلْم بين السرد الشخصي والبحث التاريخي، وما الذي يميّز هذا الخيار سينمائيًّا؟
▪ المخرج حاضر في الفِلْم الوثائقي؛ لأن الفِلْم به بُعْد شخصيّ، وهو يشتمل على مستويات من السرد: سرد مرتبط بالبحث التاريخي والأشياء العامة، وسرد مرتبط بحكايةِ راوي الفِلْم. السينما تختلف عن التلفزيون؛ لأنها تحاول أن تكون بعيدة من إعلام الدعاية والأشياء، بل تكون حقيقية.
• بما أن الفِلْم وثائقي ولا يعتمد على ممثلين بالمعنى التقليدي، فكيف اختيرت الشخصيات التي شاركت فيه، ولا سيما أن هذه الأسماء لها وزنها في تاريخ التجربة السينمائية السعودية؟
▪ صحيح أن الفِلْم وثائقي، وليس به ممثلون بالمعنى المعتاد، وإن كان به بعض الممثلين بالطبع. الشخصيات المشاركة في الفِلْم هم نخبة من السينمائيين الأساسيين في التجربة السينمائية السعودية، مثل: الأستاذ عبدالله المحيسن، والأستاذ أحمد الملا، والأستاذة هيفاء المنصور، وعبدالله العياف، وهم ممن كان لهم إسهام كبير في السينما السعودية.

مئة عام سينما في السعودية
• الفِلْم يغطي تاريخ السينما السعودية عبر قرن من الزمان، ما نوع المشاعر والتجارب الإنسانية التي حرصت على إبرازها؟
▪ الفِلْم يحوي لقطات ومشاعر متعددة. تُراوِحُ هذه المشاعر بين الفرح والحزن. ولأنه يتناول مئة عام من تاريخ السينما في السعودية، فمن الطبيعي أن تشاهد قصصًا أقرب إلى الكوميديا السوداء، وقصصًا درامية جدًّا.
• كيف اخترت مواقع التصوير داخل المملكة، وما دور هذه المواقع في تعزيز ارتباط الفِلْم بالشخصيات وبالسينما السعودية؟
▪ بخصوص التصوير في المواقع داخل المملكة العربية السعودية، صورنا في جدة، وفي العُلا، والرياض والمنطقة الشرقية، بأسلوب يجعل المشاهد يرى المملكة ويرى الأماكن، ويشعر بها. هذا لأن الفِلْم ينتمي إلى السينما السعودية، ومن الضروري أن ترى فيه المكان وارتباط المكان بالشخصيات نفسها. على سبيل المثال، صورنا في جدة البلد، فرأينا أشخاصًا ينتمون للمدينة نفسها وللمكان. وقد ساعدنا كثيرًا أحد أبنائها الذين نشؤوا ووُلِدوا في جدة البلد. صورنا مبكرًا قليلًا، في 20 يناير 2021م، وهذا الشيء أفادنا كثيرًا في أن نلتقط الأمور من بدايتها.
الحب والزمن وأزمة منتصف العمر
• تلمح كثيرًا إلى احتياج الجيل الحالي إلى الحب كقيمة إنسانية، فما النتائج التي تخرج بها من توظيف هذه القيمة وأمثالها في أعمالك السينمائية؟
▪ في زمن انتصار قيم السوق المادية وانعكاسها على حياة مجتمعاتنا، نحن في حاجة إلى الحب كقيمة وقوة قادرة على الوقوف ضد تحويل العلاقات الإنسانية إلى علاقات مادية استهلاكية بحتة وسريعة الذوبان والتفكك. لم أُنجز بعد ما أطمح إليه، سواء كموقف فكري وفني، أو كتعبير عن مجتمعٍ يقوم في جوهره على دفء التعاطف الإنساني، ويشكّل الحب أحد وجوهه.
• لنعُدْ إلى أفلامك السابقة، تناول فِلْمك «رقم هاتف قديم»، بعض التأملات الفلسفية عن الحب والزمن وأزمة منتصف العمر والذاكرة. فما ردود الأفعال التي تلقيتها فيما يخص هذه التجربة؟ وما انطباعك عنها؟
▪ يقال لا يمكن معرفة الأنا إلا من خلال الآخر، وأعتقد أن الجدل الذي أثير حول الفِلْم، بعيد عرضه -كفِلْم افتتاح بمهرجان أفلام السعودية 2022م، أو بعد مشاركته في مهرجانات دولية، أو بعد ما كتب حوله- كان مفيدًا لأكتشف الذات وأقيم التجربة فنيًّا وجماليًّا. الانطباعات كانت مثيرة، وهنالك مقالات نقدية بارعة كتبتها شخصيات مرموقة، مثل المخرج السعودي محمود صباغ والناقدة التونسية سميرة دامي، والناقدة هدى جعفر.

السينما من بوابة الكتابة
• على الرغم من تأثرك العميق بتجارب بعض المخرجين العالميين مثل: وودي آلان وكياروستامي، فقد اجتهدت في أن تؤسس أسلوبك الذي يخصك ويعبر عن هويتك الفنية. فكيف تغلبت على ميولك السينمائية ولم تتشبه بتجارب غيرك؟
▪ ربما لأني اتخذت قرار الإخراج في سن متأخرة، سن الأربعين، حين يكون للذاكرة الفردية حبر خاص يكتب به المؤلف من تجربته الشخصية، وليس انعكاسًا لأعمال الآخرين. لقد دخلت عالم الإخراج السينمائي من بوابة الكتابة. لم أكن مونتيرًا ولا مصورًا ولا منتجًا، كنت كاتبَ قصصٍ صحفية وروائيًّا. ولهذا أميل لسينما المؤلف، رغم الْتِباس المفهوم. ببساطة، أشعر بانتماء للمخرجين المؤلفين، ومنهم وودي آلان وكيروستامي وبريغمان ولويس بونويل، بل أشعر بقرب روحي من كثير من المؤلفين المخرجين، ممن يتركون بصمتهم الشخصية والروحية على العمل السينمائي.
• تعكس قصصك المحلية الروح السعودية، بينما تطمح في الوصول بمحتواها إلى العالمية؟ فما التصورات التي تضعها في حُسبانك أثناء كتابة سيناريو ذي طابع محلي، سوف يُعرَض عالميًّا؟
▪ قبل أي شيء، في كل ما أكتب لا أفكر في العالمية، بقدر ما أفكر في مشاركة العمل الفني مع الآخر في هذا العالم. المشاركة من خلال لغة السينما كفيلة بردم وتقويض كل الأوهام والصور النمطية حولنا وحول ثقافتنا السعودية. أما ما يجب أن أضعه في الحُسبان أثناء كتابة السيناريو هو الانحياز للخيال والصدق والسينما. بهذه فقط تصل الأعمال الفنية إلى العالم.
• كمؤلف لرواية «كونيكا 19» وأفلام سينمائية أخرى، هل يمكن توضيح جوانب الالتقاء والاختلاف بين الكتابة الأدبية والكتابة السينمائية؟ ومتى يُعَدّ السرد الأدبي مفيدًا للسينما؟ ومتى لا يكون؟
▪ تلتقي هذه الأنواع في اللغة؛ فهي أداة تستعمل في الأدب والسينما. وتختلف في الإمكانية الإضافية الموجودة في السينما، وتتمثل في الصوت والصورة. في السينما نحن نفكر عبر الصورة والصوت، وأدواتنا هي هذه الصورة وما يَتشكَّل داخلها من لقطات ومشاهد، أما في الأدب فأداتنا هي اللغة المكتوبة التي بوساطتها يرى القارئ عالم الرواية.
• تحلم بإنتاج أفلام روائية تشبهك، فما السمات التي تسعى إلى تصويرها في تلك الأعمال لتعكس من خلالها رؤيتك الخاصة سينمائيًّا؟
▪ يمكن أن اختصرها في ثلاث سمات؛ أولًا- دفء العلاقات الإنسانية؛ فالفِلْم الذي أحلم بصنعه أريد له أن يحتوي على لحظات مشبعة بدفء وحرارة العلاقة الإنسانية. وثانيًا- أن يكون إيقاعها انعكاسًا لمزاجي الفني. وثالثًا- أن تكون قادرة على تحليل الشخصية السعودية. ولهذا، أنا مهتم، بصنع أفلام تحتفي بالذاكرة الفردية للإنسان، أفلام تلامس الإنسانيَّ فينا، أفلام تهدم الأسوار بين الأنا والآخر. أفلام حين يشاهدها إنسان في الصين أو رومانيا أو جاميكا؛ يشعر أن الأحداث تدور في بلده وبيته؛ لأن فيها بُعدًا إنسانيًّا مشتركًا. حول هذا الفلك السينمائي تدور أحلامي.
0 تعليق