تُعيد رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة»، للكاتب العراقي علي بدر «المدى، 2024م»، النقاش التاريخي لأصل حكائي تاريخي مختلف عليه. يتعلَّق الأمر، هنا، بالأصول السردية الأولى لتأسيس العراق الحديث ودولته الناشئة.
أسئلة كثيرة وإشكالات مركزية كبرى تثيرها الرواية في سياق النقاش العراقي المحتدم دائمًا. هذه القيمة الأساسية للرواية يزيدها أهمية أنها جزء أول من ثلاثية روائية، كان الكاتب نفسه قد أعلن عنها من قبل. لكن، حتى هذه اللحظة، لم تصدر سوى رواية «الزعيم»، وهو عنوان مركزي ذو دلالة فائقة ومهيمنة. وسنظل ننتظر صدور الجزأين المكلمين وعنوانهما، حسبما أعلن الكاتب: «رومانسيون وعسكر»، و«أمم وأقاليم».
هذا أمر يربك القارئ؛ فهو يجعل التأويل شبه معطل بانتظار اكتمال الصورة بصدور الجزأين المتبقيين. نعم، يمكن للكاتب، أو أي مهتم آخر، أن يسوِّغ تأخير إصدار الثلاثية في وقت واحد؛ بأن الأجزاء يستقل بعضها عن بعض.
الزعيم: الافتراضات الأولى للثلاثية
تُنجز رواية الزعيم فهمًا أوليًّا، أو متقدمًا، لعالم الثلاثية السردي، ولعالم هذا الجزء بصفته نصًّا روائيًّا منفردًا. فهي أشبه بما سُمي في حقل التلقي ونقد استجابة القارئ بـ«أفق التوقع». يتجلى هذا الفهم على أصعدة ومستويات متباينة ومتداخلة معًا. أفكر، ابتداءً، في «سردية» العنوان ذات المهنية الطاغية، ولا سيَّما الدلالات المضافة والمتولِّدة عن العنوان الفرعي: «خرائط وأسلحة»، وهو المستوى الأول لفهم الرواية.
يحقق العنوان، بشقيه، أفق توقُّع بالغ التأثير؛ فهو يفترض، ابتداء، أن «الزعيم» -المعروف باسمه التاريخي الرسمي «عبدالكريم قاسم»- هو الصانع الحقيقي لتاريخ العراق الحديث. ومن هنا تأتي الدلالة الأولى لتصدّر الجزء الخاص بالزعيم الثلاثية الروائية المقترحة، وسيتعيّن على الجزأين اللاحقين الالتزام بالمسار السردي والدلالي الذي يفتتحه الجزء الأول. يتوافق هذا الفهم مع البناء الكلي للرواية. فهي تبدأ، زمنيًّا، بتاريخ السابع من شباط عام 1963م، قبل يوم واحد من الانقلاب على الزعيم ومصرعه. ثم يعود بنا السرد إلى مطلع عام 1914م، وهو التاريخ الرسمي لولادة الزعيم «قاسم». وتأخذ الرواية مسارها التصاعدي حتى نصل إلى لحظة «الثورة»، ومقتل العائلة المالكة صبيحة الرابع عشر من تموز عام 1958م.
بماذا يُفيدنا المنطق الزمني الفاعل في رواية الزعيم؟ يقول لنا: إن الرواية بصدد كتابة «سيرة» روائية تاريخية لشخصية واقعية قُدر لها أن تُغير، إلى الأبد، تاريخ بلاد كاملة مثل العراق. ولا بأس؛ فهذا خطاب تاريخي بمنطق سياسي معروف، قد نجده في كتب المؤرخين، وقد يكون موضع جدل عراقي صاخب وحاد كما يحدث كل عام. فما الجديد المقترح في رواية الزعيم؟ نعم، هذا ما تفعله الرواية بالضبط، لكنها تنجزه بطرائق مختلفة تمامًا؛ ففي الأدب، ولا سيَّما في الرواية، نحن بصدد قصص رمزية تؤلف ما يمكن وصفه بـ«أمثولة» تاريخية سردية.
إذ يجري، ابتداء، ما يمكن وصفه بـ«تسريد» الشخصية التاريخية الواقعية. هذا ما تفعله الرواية بالضبط. فهي تتخلى، أولًا، عن تقنية أساسية في رواية ما بعد الحداثة، وهي نظام المخطوطة، فليس هناك من كُلف بكتابة «سيرة» لشخصية خيالية، أو حتى واقعية، كما في رواية الكاتب نفسه «بابا سارتر». وفي الحقيقة فإنه في رواية «الزعيم» ليس لدينا «قصة» معدَّة من قبل، فيكون على الرواية «الجديدة» أو «المقترحة» أن تعارضها بالتشكيك بموثوقيتها، أو بالسخرية من تماسكها. وقريب مما تقدَّم فإن الرواية لا تشغل نفسها بتقنية البحث عن الغائب، فهذا شأن مختلف كليًّا عما تفعله رواية «الزعيم». ينتظم عالم «الزعيم»، كما تقدِّمه لنا، الرواية، بإطلالة زمنية على مشهد الخاتمة بلحظة التخطيط لقتل «الزعيم». ثم نعود باسترجاع زمني طويل للحظة ولادة «الزعيم» في عائلة فقيرة بمنطقة المهدية ببغداد. ويأخذ الزمن السردي في التصاعد حتى نصل إلى الخاتمة الكتابية للرواية بروايات تخص مصرع العائلة الحاكمة عام 1958م.
هذا البناء الزمني يعيدنا لمنطق تسريد «الشخصية» المركزية، وهي هنا شخصية الزعيم نفسه. وقد يعيدنا هذا المنطق الزمني إلى الأصل في الرواية؛ لماذا تختار الرواية وكاتبها، من ثمَّ، شخصية عبدالكريم قاسم ليكون موضوع عالم الرواية السردي؛ ولا سيَّما أن هذا الاختيار يأتي في زمن شيطنة «التواريخ» الوطنية، بل إن بعض موارد الشيطنة تفترض «اتهامات» قاسية ومدمرة للتراث «الوطني» المنسوب لـ«قاسم»، صفات لا أشنع منها ليس آخرها صفة «القاتل». أكثر من هذا أن يجري «فهم» و«قراءة» تاريخ البلاد اعتمادًا على سيرة «الزعيم»، وجعل تلك السيرة الإطار الكلي لتاريخ البلاد، حتى سردية «الملك المؤسس» إنما صارت مقولة «ثانوية» في سياق «تسريد» شخصية «الزعيم»؟
المهمة الجليلة: سيرة الزعيم أم سيرة أمة؟
المهمة الجليلة التي وضعتها الرواية نصب عينها هي -في تقديري- كتابة تاريخ «أمة» مختلفة اسمها الأمة العراقية، وذلك عبر تقنيات «تسريد» شخصية البطل التاريخية من خلال كتابة سيرته المتخيلة. هذه المهمة المبدئية كانت قد حسمت مسبقًا كل ما في الرواية تقريبًا: من طرائق السرد ذاتها إلى الأنساق والرؤى التاريخية الكامنة فيها. نتحدث، هنا، عن التولُّد الحكائي الخيطي، إن صحت التسمية، فالفقرات السردية تتولَّد من بعض.
لنأخذ مفتتح الرواية، مثلًا إجرائيًّا، على منطق التوالد الحكائي. تستهل الرواية عالمها بعتبات متعدِّدة، أولها العنوان الرئيس للرواية «الزعيم.. خرائط وأسلحة»، ثمّ كلمة موجزة مقتبسة، ثمّ ندخل الفصل أو الفقرة الأولى من الرواية بعنوان «الأسلحة»، ثم نكون إزاء تواريخ متتالية أساسية: «7 شباط 1963م» و9 شباط 1963م، و10 شباط 1963م.
هذه المتتالية التاريخية تمهِّد الدخول لعالم الرواية وللصيغة الأساسية من التوالد الحكائي، وموضوعها صدى «قتل» الزعيم. تنتهي السلسلة التاريخية بـ«10 شباط 1963م»، وتشهد توسُّعًا في مشهدية «قتل» الزعيم، فيتحول السرد مكانيًّا إلى «لندن»، ثمّ إلى واشنطن «صانع الجاسوسية»، ثم إلى القاهرة في فقرة مختصرة بلا عنوان صريح، ونعود، ثقافيًّا، إلى لندن عبر قناع «شكسبير»، ونرحل عبر «خيط» لا مرئي إلى «موسكو». من هناك، نرصد الحدث الكبير من ركن بعيد في مقهى مجاور للساحة الحمراء المدينة البعيدة من بغداد، حيث يجلس «غائب طعمة فرمان» ويفكر في الحدث المدوي. ثم ينتهي بنا السرد بفقرة ذات صياغة تاريخية «13، 2، 1963م»؛ حيث أصوات المغدور بهم في «سجن» ببغداد. فما الذي يجمع التواريخ الأولى بـ«صانع الجاسوسية» بـ«شكسبير» بالتوثيق التاريخي الختامي؟
إنه الانتظام الحكائي المتولِّد من البناء الخيطي للسرد. نحن، هنا، إزاء خيوط حكائية تحاول أن تحوك «خاتمة» مأساوية لقصة الزعيم. لكن ما معنى الخيط الحكائي، أو البناء الخيطي للحكاية، وكيف تتولد منها الحكايات؟ وهل نحن أمام صياغة أخرى لـ«تضمين» الحكايات المعروف والمعتمد في «ألف ليلة وليلة» وغيرها من النصوص المؤسِّسة لأصول السرد الإنساني؟
رواية «الزعيم» لا تدعي كثيرًا، ولا تبالغ في قيمة عالمها، لكنها حريصة على الالتزام بمنطق السيرة التاريخية للزعيم أو حتى للأمة. أفترض، ابتداء، أن منطق التوالد الحكائي هو صيغة جديدة في روايات الكاتب؛ إذ لم يسبق له، في حدود قراءاتي لرواياته السابقة، أن استعمل هذا النوع من البناء السردي؛ إذ كانت المخطوطة وصيغة البحث عن الغائب هي المهيمنة. وهذه إحدى تجليات المهمة الجليلة التي استدعتها الكتابة السيرية.
التناوب السردي وحدود السيرة
لنعد إلى أسئلة الرواية ذاتها عن الرابط بين التواريخ المتجاورة وصلتها بالبناء الخيطي. يُفيدنا كثيرًا التدقيق في التواريخ المعتمدة: «7 شباط»، قبل يوم واحد من «قتل» الزعيم، ثمَّ حذف زمني للسرد، يوم واحد أيضًا: «9 شباط»؛ بما يحقق للراوي العليم الموضوعية والموثوقية المطلوبة. يعطينا المفتتح التاريخي صورة بانورامية لبغداد وزعيمها ولخيوط الحكاية المتناثرة، ثم يتحول بنا السرد لمنطق الصورة وسردها لمشهد الزعيم المقتول. هذا الانتقال يريد ألا يتورط في مشهد «قتل» الزعيم، فيقترح -بديلًا عن شعبوية مشهد الزعيم المقتول- أن يلاحق تداعيات مشهد الزعيم المقتول في «عقل الجاسوس/ أميركا»، ويختتم دورته السردية بصورة مقتضبة للسجن ومنطق الغدر.
لكن الانتظام السردي يحاول أن يخفي «توالد الحكايات» أو الفقرات بسردية التناوب بين المشاهد والمنظورات السردية. وكأن الصيغة الأولى لمشهدية الافتتاح تريد أن توحي لنا بأنها تلتزم التناوب في الرؤى السردية المنقولة لنا عبر صوت الراوي العليم المتقنِّع أو المستتر خلف رواة آخرين يروون حكاياتهم، أو الوقائع المسنود إليهم روايتها كما في فقرات مكررة من قبيل «التاريخ يكرر نفسه» أو حتى «الأكاديمي» وغيرهما كثير. ولا بأس، سوى أن الصياغات اللسانية في الخطاب تمضي بعيدًا في تثبيت فرضية توالد الحكايات والفقرات من بعض. وهي إحدى حقائق الخطاب السيري؛ فالتناوب قد يعني وجود الراوي المشكوك فيه، أو غير الموثوق فيه، بينما السيرة، سيرة الزعيم، أو سيرة الأمة، تستلزم راويًا عليمًا يعرف أكثر من الشخصيات، ويملك قدرة ممتازة على التصرف في المنظورات المتعارضة أو المتداخلة مع بعض.
تنسجم إشكالية الراوي العليم المُتقنِّع بأكثر من قناع ووجه مع إشكاليتي العنوان والتقسيم الكتابي للرواية، ولا نقول مع سياسات السرد في السيرة الذاتية أو الموضوعية والتاريخية أو ما يُسمى عمومًا «ميثاق السيرة». أفكر في مقاصد تقديم «الخرائط» على الأسلحة. لننتبه، أولًا، لإشكالية تجريد الكلمتين من التعريف؛ فهي «خرائط» توجد وتتحول وتُستعمل. وهذا شأن «أسلحة» البورسعيد، أو الغدارة، المنقولة سرًّا إلى عراق قاسم.
لكن «الخرائط» المفترضة هنا لا ينصرف معناها على الحدود الجغرافية فحسب، إنما قد تُفيد معنى حدود الزعامة ومنطقها وسيرة حكامها. فهل تستعمل الرواية «الخرائط» و«الأسلحة» بالدلالة المتقدِّمة ذاتها في كل أجزائها؟ كلا، قطعًا؛ فهي تسمي فصلها الأول، أو فقرتها الأولى بـ«الأسلحة»، وفي عنوان فرعي ترد الكلمة متأخرة عن كلمة الأبناء، فهي «الأبناء والأسلحة» وتقديم «الأبناء، ربما، يعيدنا إلى سردية «قتل الأب». فيما تأخذ الـ«خرائط» في متن الرواية دلالات مستقرة؛ فهي «خرائط استعمارية».
ويظل عندنا مفارقة أساسية فيما يخص منطق الخرائط الموصوفة بـ«الاستعمارية»، إنها تصلنا عن طريق «أوراق عبدالكريم قاسم»؛ فهل تعادل سيرة «قاسم» الخرائط؟ أظن أن هذا بعض ما تريد هذه الفقرة الإيحاء، وهذا ينسجم، إلى حد ما، مع منطق الراوي العليم بأقنعته المختلفة وبعضها، ربما، يصل حدود الكاتب نفسه ومنظوره كما في «من أوراق طالب التاريخ». وكذلك شأن التوزيع الكتابي لفقرات أو فصول الرواية؛ إذ إنها موزعة بمنطق «ميثاق السيرة» وحدود الراوي العليم وقدراته.
0 تعليق