الذكاء الاصطناعي هو نتاجُ عقل بشري، تخيلَ آلاتٍ وصنائعَ عجيبة يخترعها أو يحلم بالعثور عليها. ويُتوقعُ أنْ تخضعَ العلوم للحوسبة مستقبلًا بالذكاء الاصطناعي الذي هو في الأساس صناعة لا تخالف عن سائرِ الصناعات الميكانيكية والتقنية التي سبقته. ومثلما ستظل تطبيقاتُ الذكاء الاصطناعي في حالة تطور دائم، فكذلك ستستمر سيناريوهات التخييل الأدبي تعد بمستقبل قادم رهيب، فيه يتجاوز الذكاءُ الاصطناعي سلبياته، ويصلُ إلى مستوياتٍ تتعاظمُ فيها قدراته، إما باتجاهٍ متفائل، فيه تتحول الحياة البشرية إلى يوتوبيا أو باتجاهٍ متشائم وتراجيدي «ديستوبي»، يحل فيه الذكاءُ الاصطناعي محل البشر ويخضعهم لإرادتهِ.
وليس أمرُ التخييل العلمي بالجديد؛ فلطالما كانَ له دوره الملهِم في ابتكارِ الأدوات واختراع الصناعاتِ. والاختراعات موجودة على طول التاريخ، بيدَ أن الانبهار الكبير بالذكاء الاصطناعي هو الذي يُغيب هذا التاريخ الطويل. والإنسانُ منذ أنْ وُجد على هذه الأرض وهو دائم البحث والتجريب من أجلِ تطويرِ أساليبهِ وتحسين حياته.

توبي والش
ولا شك أن «أحلام البشر في صناعة آلاتٍ تستطيع التفكير، تعود إلى قرون خلت والقصة في الأساس ارتبطتْ باختراع المنطق في القرن الثالث قبل الميلاد عندما أسس أرسطو المنطق الصوري»(1). وبالاستناد إلى متخيلاتِ الأحلامِ وبوجود تقانةِ التزييف العميق يتمكنُ منتجو الذكاء الاصطناعي من صناعة ما هو مستحيلٌ وكذلك مواجهة ما هو معضل وإشكالي. يقول عالم الحاسوب والباحث في مجال الذكاء الاصطناعي توبي والش: «إن للآلات الذكية أن تتظاهر بأنها بشر، فتخدعنا حقًّا»(2)؛ ذلك أن هذه الآلات لا تملكُ ما يملكه البشرُ من إدراكاتٍ نفسيةٍ واعيةٍ وغيرِ واعيةٍ، وهي أيضًا لا تقدرُ على التحكم الذاتي بنفسها، فتقوم بردودِ أفعالٍ تجاه المواقفِ الانفعالية والعاطفية.
وبحسب والش، فإن البشرية ما أحرزتْ تقدمًا في صنع الآلات بعد أرسطو إلا بظهورِ فلسفة ليبنتز حول المونادات وأطروحة توماس هوبز حول مساواة الاستدلال والحساب وكوجيتو ديكارت(3). وغابَ عن بال «والش» ما اخترعه العلماء العرب المسلمون في العصور الوسطى من آلاتٍ ميكانيكيةٍ، بها تمكنوا من حسابِ الحركات الفلكية فضلًا عن تسهيل إنجاز بعض الأعمال البدنية.
الآلات الميكانيكية
عرفَ العرب المسلمون الميكانيكا أو «علم الحيل»، واخترعوا بوساطته آلاتٍ كثيرةً مثل البوصلة والإسطرلاب والأسلحة النارية والورق والزجاج واللولب والمزلاج والقفل والمفاتيح(4)، إلى غير ذلك من الآلات المصنوعة من الخشب أو الحجر أو المعادن التي لها فائدتها في أداءِ كثير من أعمال الحياة اليومية، وبالشكل الذي يتلاءم وطبيعة الزمان وخصوصية المكان. وكان الصناعُ قد جمعوا في بعض هذه الآلاتِ علومًا مختلفةً، منها الهندسة والجبر اللذان ما عرفتهما أوربا إلا في القرن السابع عشر الميلادي على أيدي رياضيين كبار مثل ديكارت. وهذان العلمانِ يدخلان اليوم في مجال الرياضيات الحديثة.
ولقد وظف الأدباءُ العرب هذه الآلاتِ في حكاياتهم وقصصهم، وتداولوها في مسامراتهم، وبنوا على بعضٍ منها متخيلاتٍ سرديةً لآلاتٍ سحريةٍ ومخلوقاتٍ غريبةٍ. فابن طفيل مثلًا شرح في قصته «حي بن يقظان» الأفكارَ التي قادت حيًّا إلى صناعة الملابس من ريش الطيور، وصناعة آلات وأجسام محسوسة من مواد قابلة للتصنيع، ومنها الطين.
وتردُ في بعض «مقامات الحريري» إشاراتٌ إلى أدواتٍ صناعية معينة؛ ففي المقامة البرقعيدية يأتي الشيخُ ومعه وعاءٌ فيه رقاعٌ مصبوغةٌ بالألوان، ويردُ في المقامة الساوية ذكرُ آلة المزمار وآلة العود(5).
الآلات الذكية المتخيلة
تحفلُ بعضُ الحكاياتِ الشعبية بذكر آلاتٍ متخيلة سحريةٍ، تؤدي أدوارًا سرديةً عجيبة، ففي الليلة الخامسة عشرة من «حكاياتِ مئة ليلة وليلة» يرد ذكرُ آلةٍ طائرةٍ في شكل رخامة تقبع في دهليز، والشيخُ صاحب الحيل هو وحده الذي يعرف كيف يتحكمُ بحركتها. وكان الملك قد جعل تحت إمرته مئة رجل من جياد أهل مملكته وأعظم رجاله «وجاز القوم عليها على آخرهم وساروا حتى انتهوا إلى رخامة سوداء فيها لولب من النحاس الأصفر. فأداروه فارتفعت الرخامة وظهر لهم الضياء على باب صغير يدخل إليهم فقصدوه وخرجوا منه إلى رحبة عظيمة في وسطها عين ماء. وقد دارتْ بتلك العين أشجار وأثمار عليها صنوف من الأطيار.
كل ذلك مصنوع من الذهب والفضة. وأمام العين باب تكل عنه الأوصاف. وأمام باب طلسم في صورة إنسان وبيده سيف مسلول وهو يدور بحركة كدوران الرحى. فبُهتَ القوم عند ذلك. وقالوا للشيخ: كيف الحيلة لذلك لئلا تهلكنا؟ وهنا أدرك شهرزاد الصبح فسكتت»(6). ويردُ في الليلة الخامسة والعشرين مشهدُ تحويل النحاس الأحمر إلى الأبيض عن طريق حرقه بالفحم، ثم يؤخذ غباره ويُلقى عليه، فيصير كله ذهبًا إبريزًا(7).
ومن الآلات المتخيلة آلةٌ طائرةٌ جاء ذكرها في الليلة الخامسة والثمانين، وصنعها الشيخ الحكيم في شكل فرسٍ تطيرُ كما تطيرُ الطيور في الهواء.

ولحسنِ صنعةِ الشيخ، قررَ الملكُ أن يعطيه ابنته الصغرى زوجة له. وترفضُ الابنة الزواج من شيخ قبيح المنظر، فيقرر أخوها أنْ يساعدها «فتقدم الفتى إلى الفرس، واستولى على سرجه. وحركه فلم يتحرك، فركله برجله فلم يضطرب.
فلما رأى الفتى ذلك قال: ليس له حركة ولا نهضة. فقام الحكيم وتقدم إلى الفرس وحرك لولب الصعود فتحرك الفرس، فلما نظر ابن الملك إلى اللولب دخله العجبُ، فلم يسأل الحكيم عن لولب النزول ونسي الحكيم أن يريه اللولب لما كان فيه من الغضب. قال فحرك ابن الملك لولب الصعود، فهاج به الفرس واضطرب وامتلأ جوفه، وجعل يطير والملك ينظر إليه حتى غاب عن عينيه.
فلما أبطأ عليه قال: يا حكيم اردد علي ابني. فقال: هيهات، لن تراه أبدًا. فقال له: وكيف ذاك؟ فقال الحكيم: لأن ابنك دخله العجب والعجلة، فلم يسألني عن حركة النزول. فإنه سيبقى صاعدًا في الهواء حتى تعصف عليه الريح وترميه فيهلك أو يلهمه الله تعالى إلى لولب الهبوط، فيسلم»(8). وكانَ ابنُ الملك قد ندمَ على صعود هذه الآلة الطائرة، وعلمَ أنها لا تنزل إلا بحركة «فجعل يفتش الفرس فرأى لولبًا صغيرًا في جنبه الأيسر فحركه فنقص ارتفاعه، ثم حرك اللولب الأول فازداد ارتفاعًا ففهم أن الأيسر للنزول والأيمن للصعود ففرح وجعل يحرك اللولب والفرس هابط به النهار كله إلى الليل»(9).
وكثيرة هي الآلات المتخيلة في الحكايات البغدادية -وهي محكية باللهجة العراقية الدارجة- وفيها نجد آلاتٍ تطير في السماء وأخرى تغوص في أعماق الأرض حيث عوالم الجن والعفاريت.
فمثلًا في الحكاية العشرين نجد رجلًا له ضربة تطير بالشخص في البلدان. وتدورُ أحداثُ الحكاية حول فتى ضائع هو ابن لأحد السلاطين، وجده رجل عجوز وطلب الفتى منه أن يعيده إلى مملكة أبيه «كام الشايب كله غمض عينك. غمض الولد عينه، وجان الشايب يضربه بعجل، ما شاف إلا روحه عند أهله»(10). وفي الحكاية نفسها نجد ثوبًا مسحورًا، يحولُ الإنسانَ إلى طائرٍ يطيرُ في الهواء؛ حتى إذا لبسَتِ الثوبَ البنتُ المسماة «ورد الكلبهار» تحولتْ إلى طير فخاتي، ولكن إذا خلعته تعود إلى هيئتها الآدمية. وهنا يلتقيها ابن السلطان، ويتحابّانِ، فيأخذها إلى مملكة أبيه لكن أمه شتمتها، فارتدت ثوبها، وطارت إلى ولاية «جين ما جين». وحين علمَ ابن السلطان بذهابها طلب من العجوز مساعدته فحملته الطيور إلى قصر فيه وحوش. وبهذا الشكل يستمرُّ البطل في الطيران إلى أنْ ينجزَ المهمة، وينقذ فتاته من أسر الوحوش.
ولقد أثرَتِ الحكايات الشعبية ولا سيما حكايات «ألف ليلة وليلة» في السرد الأوربي في العصور الوسطى والعصر الحديث بعد أنْ تُرجمت إلى اللغات الإيطالية والفرنسية والإنجليزية وغيرها. واستلهمَ الأدباءُ الأوربيون من الثورة العلمية والصناعية الكبرى في القرن التاسع عشر قصصًا ورواياتٍ، عُرفتْ نقديًّا بأدب الخيال العلمي. وكانت «ألف ليلة وليلة» أحد المصادر المهمة لأدب العجيب والغريب والخيال العلمي.
مؤدى القول أن ما في التراثِ الأدبي العربي من أفكارٍ متخيلةٍ موضوعها الآلاتُ والصناعاتُ، هو الدليل على ما عرفته الحياة العربية في العصور الوسطى من تقدمٍ تقنيّ. ومثلما أن الصناعاتِ الميكانيكية الحديثة أفادتْ من علوم سابقة عرفتها العصور الوسطى وطوَّرتها كعلم الميكانيكا والهندسة والرياضيات والكيمياء، فكذلك أفادتِ الصناعات الإلكترونية اللاحقة وعلوم الحاسوب والتقنيات الرقميات والذكاء الاصطناعي من سابقاتها فطوَّرَتْها.
والبشريةُ التي اخترعتْ الحاسوبَ لن يكون الذكاءُ الاصطناعي هو منتهى تطلعاتها؛ إذ ما دامتْ للإنسانِ مخيلةٌ أدبيةٌ تعاضدها مشاعرُ وجدانيةٌ وتطلعاتٌ فكريةٌ، فإنه بالتأكيد سيتمكن من ابتكار الجديد دومًا، سواء بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي أو من دونه؛ فالطبيعة البشرية تملكُ من القدرات ما لا يمكن للذكاء الاصطناعي مضاهاتها فيه.
هوامش:
(1) الذكاء الاصطناعي أصبح واقعًا من بيانو المنطق إلى الروبوتات القاتلة، توبي والش، ترجمة هيثم السيد (الرياض: دار معنى للنشر، د. ت ) ص12.
(2) Walsh, Toby, Faking It; Artificial Intelligence in a Human World, Flint press, 2023.
(3) ينظر: المصدر السابق، ص12-14.
(4) ينظر: حضارة العرب، غوستاف لوبون، ترجمة عادل زعيتر (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2013م) ص452 و498 . وأول طبعة لهذا الكتاب كانت عام 1884م. ولم يترجم إلى العربية إلا عام 1945م.
(5) ينظر: مقامات الحريري (بيروت: دار بيروت للطباعة، 1978م) ص57 و88.
(6) مئة ليلة وليلة، تحقيق وتقديم محمود طرشونة (ألمانيا: منشورات الجمل، 2005م) ص 134.
(7) ينظر: المصدر السابق، ص156.
(8) المصدر السابق، ص 299-300.
(9) المصدر السابق، ص 300.
(10) ديوان التفتاف أو حكايات بغداديات، الأب أنستاس ماري الكرملي، تحقيق عامر رشيد السامرائي (بيروت: الدار العربية للموسوعات، ط1 ، 2003م) ص228.
0 تعليق