لولا أينشتاين لما كان كارل بوبر

لولا أينشتاين لما كان كارل بوبر

اشتُهرت عند الغربيين المنشغلين بحقل الدراسات الفكرية والفلسفية، مقولة: «لولا نيوتن لما كان كانط»، وقياسًا على هذه المقولة، مبنى ومعنى، يمكن توليد مقولة تطابقها في الصدق العلمي والموضوعي، وهي: «لولا أينشتاين لما كان كارل بوبر». هذه المقولة لم تُعرف من قبل عند الغربيين بهذا النحت البياني واللساني، ولكن أظن أن لا أحد سوف يشكك في صحتها متى ما عرفت صورة العلاقة الفكرية بين الشخصين، وتحديدًا من جهة كارل بوبر.

وبهذا نكون أمام مقولتين يمكن المقاربة بينهما بطريقة المثاقفة التواصلية، ونرى بينهما من القرب الفكري وإمكانية التجاور بشكل يصبح بإمكان كل مقولة أن تذكر بالأخرى ارتدادًا وامتدادًا، ارتدادًا بالعودة إلى عصر المقولة الأولى في القرن الثامن عشر، وامتدادًا بالرجوع إلى عصر المقولة الثانية في القرن العشرين.

أثر نيوتن في كانط

من الواضح أن هاتين المقولتين جمعتا بين أربعة أسماء لهم إرثهم الكبير، وأثرهم البالغ في حركة تطور الفكرين العلمي والفلسفي. اثنان من هؤلاء يُحسبان تخصصًا على المجال العلمي الرياضي والفيزيائي، وهما: الإنجليزي إسحاق نيوتن (1642- 1727م)، والألماني الأصل ألبرت أينشتاين (1879- 1955م)، واثنان يحسبان تخصصًا على المجال الفكري الفلسفي والنقدي، وهما: الألماني إيمانويل كانط (1724- 1804م)، والبريطاني الأصل كارل بوبر (1902- 1994م).

وبين هاتين المقولتين سياق من الاتصال الفكري والتاريخي الممتد من القرن الثامن عشر الذي ينتمي إليه نيوتن وكانط، وصولًا إلى القرن العشرين الذي ينتمي إليه أينشتاين وبوبر. ومتى ما اتضحت صورة المقولة الأولى، تكشفت تبعًا لها صورة المقولة الثانية، وتحددت من ثم وجه العلاقة بينهما. فقد أوضحت المقولة الأولى وجه العلاقة بين ما أحدثه نيوتن من تقدم في مجال العلم وما أحدثه كانط من تقدم في مجال الفكر، وأن التقدم العلمي الكبير الذي أحدثه نيوتن مثَّل من جهة مصدر إلهام شعوري لكانط، ومثَّل من جهة أخرى إطارًا علميًّا متينًا ارتكز عليه كانط في تبصراته الفكرية والفلسفية في تحليل نظرية المعرفة ونقد العقل.

الناحية الأولى ألهمت كانط شعوريًّا، حين رأى أن العلم وصل مع نيوتن إلى مراتب متقدمة لم يصل إليها الفكر في عصره، متسائلًا عن هذه القضية، ومندفعًا بهذا الشعور، متأملًا في أن يبلغ بالفكر ما بلغه العلم من التماسك والصرامة واليقين، متطلعًا إلى أن يكتشف قوانين العقل الكلية والثابتة كما اكتشف نيوتن قوانين الكون الكلية والثابتة، معادلًا بين قوانين العقل وقوانين الكون.

وفي الناحية الثانية، ارتكز كانط في تبصراته الفكرية والفلسفية على ما توصل إليه نيوتن من نظريات علمية أثارت الإعجاب والدهشة في عصره، ولفتت الانتباه إلى شخصه وتفوقه العلمي، وأصبحت لنظرياته موضع السيادة العلمية، وغيَّر بها وجهة العلم الحديث. وقد وجد كانط في هذه النظريات مرتكزًا علميًّا متينًا في تكوين تحليلاته عن المعرفة والعقل والزمان والمكان. وفي وقت لاحق عد هذا الربط العلمي والفكري بين الشخصين أحد أبرز جوانب النقد الموجه لكانط وفكره؛ لكونه تحدد بهذا الأفق العلمي لنيوتن، فإذا تغير هذا الأفق أو تعرض للنقد والاهتزاز انعكس ذلك في أفكار كانط ونظرياته.

أثر أينشتاين في بوبر

وبشأن المقولة الثانية التي جمعت بين أينشتاين وبوبر، فيمكن التثبت منها صدقًا من جهتين: الأولى لها علاقة بالعلم وتحولاته، والثانية لها علاقة بالفكر وتحولاته. الجهة الأولى تعلقت بالعلم، وتحددت تناظرًا بشخصين هما: نيوتن وأينشتاين، فقد التفت بوبر متبصرًا إلى أن نظرية نيوتن التي اكتسبت لقرون عدة صفة التعزيز العلمي مؤيدة بالشواهد والحقائق الكثيرة والمتراكمة، ونالت خاصية السيادة العلمية في مجالها، ثم جاء أينشتاين مطلع القرن العشرين وخطأ هذه النظرية، وأزاحها عن مكانها، وقدم نظرية جديدة متعارضة معها، أعلن عنها سنة 1905م مطلقًا عليها تسمية نظرية النسبية الخاصة، وتممها سنة 1915م بنظرية النسبية العامة، وأثبتت الشواهد والاختبارات الحديثة صحة هذه النظرية.

من هنا رأى بوبر أنه من المتعذر إثبات، بصفة نهائية، صدق أي نظرية علمية، أو إقامة العلم كله أو الرياضيات كلها على أسس مطلقة اليقين، متخليًا على ضوء هذه النتيجة عن نيوتن الذي انجذب إليه كانط من قبل، ومظهرًا التمسك بأينشتاين ونظرياته الذي قال عنه: إنه أصبح تأثيره فيه قويًّا جدًّا.

وفي الجهة الثانية المتعلقة بالفكر وتحولاته، فإن اقتراب بوبر من أينشتاين الذي استحوذت نظريته عليه، هو الذي قاده إلى تغيير مساره الفكري، وبتأثير هذه النظرية تشكل لديه في صيف 1919م شعور داخلي بعدم الارتياح إلى ثلاث نظريات كانط مثار اهتمامه آنذاك، وهي: نظرية ماركس (1818- 1883م) في التاريخ، ونظرية فرويد (1856- 1939م) في التحليل النفسي، ونظرية ألفرد أدلر (1870- 1937م) في علم النفس الفردي، وأخذ الشك يخامره حول ادعاءاتها لمنزلة العلمية، متسائلًا: ما خطب هذه النظريات؟ لماذا تبدو مختلفة جدًّا عن النظريات الفيزيائية، عن نظرية نيوتن، وبشكل خاص عن النظرية النسبية؟

وقد تملك بوبر شعورًا بأن هذه النظريات الثلاث وإن اتشحت بوشاح العلم، فإنها تشبه الأساطير البدائية أكثر مما تشبه العلم، وتشبه التنجيم أكثر مما تشبه علم الفلك، ناظرًا إلى أن أولئك المعجبين بماركس وفرويد وأدلر، من أصدقائه كانوا مأخذوين بعدد من الخصال المشتركة بين هذه النظريات، ولا سيما ما تتصف به من قوة تفسيرية ظاهرة، وأنها بدت قادرة على تفسير كل شيء يحدث ضمن نطاقها الخاص، وترى شواهد مؤيدة لها أينما نظرت، وبدا صدقها أمرًا ظاهرًا، وأي منكر لها بدا مكابرًا لا يريد أن يرى الحقيقة الواضحة، وأما بالنسبة إليه فإن ما يبدو مظهر قوة في هذه النظريات، هو بالضبط مكمن الضعف فيها.

في ضوء هذه المقارنة النقدية بين نظرية أينشتاين والنظريات الثلاث، التفت بوبر إلى معيار التمييز بين العلم واللاعلم، واضعًا نظرية أينشتاين في خانة العلم، وواضعًا النظريات الثلاث في خانة اللاعلم. وأضاف إلى منهجه مبدأ اللاعصمة، مبينًا أن جميع النظريات هي افتراضات حدسية وتخمينات مفتوحة دومًا للاختبار، وأفضل الحدوس هي التي صمدت في الاختبارات أكثر من غيرها، وعدها أن أصبحت أقرب إلى الصدق وليس الصدق نفسه. مرجحًا ضمن هذا السياق قاعدة التكذيب على قاعدة التحقيق، موضحًا أن من السهل الحصول على تأييدات أو تحقيقات لكل نظرية تقريبًا، وهذا ليس هو الطريق الأصوب لمعرفة صدق النظرية، بل المطلوب اختبار النظرية عبر فروض التكذيب، وإذا تجاوزت هذه الفروض وصمدت ثبت صدقها أو قربها من الصدق.

وبهذا يتكشف لنا أثر أينشتاين الواضح في بوبر ومنهجه ومساره الفكري، فقد حل بالنسبة إليه مكان نيوتن على صعيد نظريات العلم، ودفع به نحو التحرر من ثلاث نظريات كانت لها هيبتها وهيمنتها في عصره وبيئته وجيله، وهي: الماركسية في التاريخ والتحليل النفسي وعلم النفس الفردي، من هنا جاز القول: إن ما حدث لكانط مع نيوتن من قبل، يطابق أو يقارب ما حدث لبوبر مع أينشتاين.

العمارة.. ذاكرة الإنسان والمكان والزمان

العمارة.. ذاكرة الإنسان والمكان والزمان

ارتبطت فنون العمارة بطبيعة الحياة الإنسانية في مختلف الحضارات والثقافات، وهي كأي منتج بشري آخر تتأثر بالبيئة التي نشأت فيها، وبالظرف التاريخي الذي تشكلت فيه، وبالأبعاد الفكرية والثقافية والاجتماعية التي حددت أطرها الفنية والجمالية والهندسية من جهة، ومهامها الوظيفية من جهة أخرى. ومنذ أن عرف الإنسان فنون العمارة في الحضارات القديمة وصولًا إلى العصر الحديث والمعاصر، كانت العمارة -على الرغم من بنيتها الهندسية- مرتبطةً ارتباطًا وثيقًا بالفنون، وبخاصة فنون النحت والرسم، التي تَضافَرَ وتَداخَلَ فيها كثيرٌ من العوامل الإبداعية والجمالية التي لم تنشغل فقط بالقواعد الهندسية، بل تجاوزت ذلك إلى الاهتمام بالمكونات البيئية والمكانية والشكلية وتوظيفها بحسب الحاجات والأغراض الإنسانية التي أُنشِئَت من أجلها.

وربما لتلك الشمولية التي امتزجت فيها المدلولات ذات العلاقة بالإنسان والمكان والزمان كان يعدُّها الفيلسوف الألماني الشهير فريدريش هيغل فنًّا قائمًا بذاته، وركيزة أساسية في تاريخ الفنون؛ لكونها مزجت بين ما هو مادي وحسي ومعنوي، ولأنها أيضًا استطاعت أن تعبّر عن مخزون الحضارات الإنسانية من خلال تشكيلات بصرية تمثّل في مجملها منجزات فنية أكثر منها هندسية.

وعلى الرغم من المعاني الإيجابية الكامنة في هذه النظرة الفلسفية العميقة لفن العمارة، وبالنظر إلى ما تركته لنا الحضارات القديمة، وكذلك الحضارة الإسلامية من إرث يؤكد العلاقة المتجذرة بين العمارة بوصفها عملًا هندسيًّا والفن بوصفه عملًا إبداعيًّا، فنجد أن المعطيات الحديثة أحدثت تأثيرًا واضحًا في الصورة الذهنية الراسخة عن هذه العلاقة، حيث انحازت العمارة المعاصرة للمفاهيم الاقتصادية بطرق وأساليب مختلفة، وخضعت بنسبة كبيرة لمفاهيم تجارية أبعد ما تكون من القيم الجمالية والفنية التي كانت جزءًا أساسًا من تكوينها الهندسي والحضاري على مر العصور.

ومع ذلك استطاعت عوامل الحياة الحديثة بما فيها من استخدامات عصرية وعملية للتكنولوجيا والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي أن تُحدث ما يشبه الثورة في فنون العمارة. وقد أفادت الهندسة المعمارية من تلك العوامل إفادةً كبيرةً، ويظهر ذلك في كثير من التصاميم الحديثة المدهشة التي وُظفت فيها التكنولوجيا لخدمة فنون العمارة. ولكن النسبة الكُبْرى من المشتغلين بهذا المجال انشغلوا بمتطلبات العمارة الوظيفية وأغراضها التي لم تُقِمْ وزنًا للقيم الجمالية، ولم تستفد كما ينبغي من التقدم التكنولوجي.

ولأن العمارة بتاريخها الممتد في الذاكرة الإنسانية تحتاج من وقتٍ لآخر إلى وقفة للتأمل والنقد ومتابعة التحولات، فقد خصصنا ملف هذا العدد من مجلة «الفيصل» للحديث عن فنون العمارة من زوايا مختلفة، ومن خلال رُؤى عدد من المثقفين والمختصين؛ لتسليط الضوء على مراحل تطورها منذ الحضارات القديمة حتى الوقت الحاضر.

«النماذج العليا» لدى سيف الرحبي… إشكاليات القراءة وآليات التأويل

«النماذج العليا» لدى سيف الرحبي… إشكاليات القراءة وآليات التأويل

تفتّح وعي الشاعر العُماني سيف الرحبي على الكتابة الشعرية في حقبة السبعينيات، «البينية» الواقعة بين مطرقة الستينيات المتخمة بسردياتها الكبرى عن التحرير والتنوير والقومية العربية، وسندان الثمانينيات والتسعينيات المتطلّعة إلى بريق الحداثة وغوايتها. لقد تشكّلت جماليات قصيدة الرحبي في فضاء السبعينيات، بكل ما شهدته الحقبة من تحولات أيديولوجية وسياسية عربية طالت مفاهيم الفن والثقافة والسياسة، فانفتح وعي هذا الجيل الشعري على إبداعات الآخر الأدبية والفكرية والفلسفية قراءةً وترجمةً واقتباسًا، وأدرك الرحبي وبعض رفقائه الذين تعايش معهم من الشعراء المصريين من أمثال: حلمي سالم وعبدالمنعم رمضان ورفعت سلام وحسن طلب، وغيرهم، أنهم يعيشون زمنًا مختلفًا تبدّدت فيه المقولات الكبرى والسرديات الجليلة التي راجت في زمن الستينيات؛ وهو الأمر الذي أسهم في إثراء لعبة الكتابة المعاصرة لدى شعراء الجيل بصفة عامة، وفي بنية القصيدة عند سيف الرحبي بصفة خاصة. لقد أدرك الشعراء آنئذ أن أزمة تلقّي الكتابة الشعرية الجديدة تكمن في قيمة المغايرة لا القطيعة المعرفية الجذرية، في التجدّد «الفينيقي» لا التكرار والتناسخ والتقليد الأعمى.

رؤية عدمية بمسحة تصوفية

لم يكن الشاعر لدى سيف الرحبي «نبيًّا» يُوحَى إليه، ولا حكيمًا «يُؤتَى الحكمة وفصل الخطاب»، كما تنطق بذلك قصائده، بل هو شبيه بابن نوح، الباحث عن جبل يعصمه من طوفان التحديث المفزع، اللاهث وراء ناطحات السحاب والأبنية المسلحة وأسطح المباني المحدّقة في فراغ المدينة العربية. وليس من الغريب أن تكون الرؤية التي تنطوي عليها نصوص الرحبي، الشعرية والسردية والتأمّلية، رؤية عدمية مركّبة؛ أي رؤية تلتقي جذورها وأنساغها (ونماذجها العليا، كما يفترض كتاب الهواري غزالي الذي نحن بصدد مراجعته الآن) بمسحة «تصوفية» في جانبها الأول، ورؤيا «نبوئية» في جانبها الثاني، ولمسة «واقعية مادية» في وجهها الثالث، وهلمّ جرًّا.

عندئذ، تتمثَّل قصيدة الرحبي، بتغيّراتها وانحرافاتها وانكساراتها الأسلوبية والصُّورية، حركة أمواج البحر الهائج في تقلّبه بين مدّ وجزر. ففي قصيدته بعض من أنفاس روحانية وإشارات إلهية وغربة وجودية على طريقة التوحيدي وهايدغر وكيركغارد، وبها بعض من تأمّلات وبعض من يوميات ونُتَف من مذكرات وركام من مرويّات الأسلاف وهذيانات الأوّلين، وبها مديح للرؤيا الاستبصارية واستهجان للغنائية العمياء، وبها تأريخ للذات وتجاهل للتاريخ الرسمي والمدوّن، وبها انحراف عن عمود اللغة الشعرية العليا، بمفهوم جون كوين؛ أقصد إلى ابتعاده من اللغة ذات البنية مسبقة التخطيط التي تحبك الأنساق الصغرى والكبرى بدقّة مصنوعة أو صنعة دقيقة. بها نزوعات شتّى نحو سردية مغايرة تسعى إلى اكتفاء كل نص بذاته، وفي ذاته، اكتفائه بكينونته المستقلة. إنّها قصيدة تشتغل على مبدأ التشظّي والانفلات قبل بلوغ مرحلة التوحّد والاندماج.

مغامرة نقدية

في هذا السياق المنفتح على قصائد سيف الرحبي، يمكن لنا قراءة كتاب الباحث والناقد الجزائري الهواري غزالي بعنوانه الطويل «مدخل إلى الأدب الرمزي الخيميائي في استخلاص النماذج العليا عند سيف الرحبي»- الصادر عن دار «الآن ناشرون وموزعون»، الأردن، 2024م، الذي يناقش فيه موضوعًا دقيقًا هو محاولة تأطير فكرة النماذج العليا، أو «النمط البدائي/ الأصلي Archetype» بمصطلح نورثروب فراي، وهو موضوع يتصل بطبيعة النقد الأسطوري الذي يتّكئ على مقولات صاغها علماء وفلاسفة ومفكّرون ونقّاد بحثوا في «المتخيّل» وفي حدود صلته بعالم الأحلام والثيمات الأسطورية وقضايا الإبداع.

ويُعَدّ كارل يونغ أبرز من مهّد الطريق لنشأة هذا الحقل المعرفي بدراساته وأبحاثه حول الأحلام والأساطير والمتخيّل الجمعي. وهو مبحث نقدي وحضاري أسهم فيه أيضًا الفرنسي غيلبير دوران وغيره ممّن عمّقوا هذا الاتجاه في المسار العلمي الذي حفرت فيه المدرسة الفرنسية في الأدب المقارن.

بناءً على هذا التصور النظري، يحفر الباحث الهواري غزالي في أنساغ المرجعيات الشعرية للشاعر العُماني المعاصر سيف الرحبي والشاعر الأندلسي والكيميائي والأديب علي بن موسى بن أرفع رأس الجيّاني (ت: 1197م) صاحب كتاب «شذور الذهب في صناعة الكيمياء» الذي حققه المؤلف أيضًا. لكنّ قدرًا كبيرًا من مغامرة هذه التجربة النقدية -وكل تجربة نقدية هي تجربة في القراءة والتأويل- هو مقاربتها بين شاعرين بينهما بون زمني شاسع، بحيث تفترض المعالجة النقدية انطلاقهما من مرجعيات ثقافية متشابهة تتصل بسيمياء الخلق وكيمياء التكوين، فضلًا عن التقاء الشاعرين (في وعي الناقد) بأفكار عالِم النفس التحليلي السويسري كارل يونغ، خصوصًا في اشتغاله على «اللاوعي الجمعي» الذي يصله المؤلف بأصول علم الكيمياء القديم. كم هي مغامرة نقدية لافتة، تمتلك غوايتها، لكنها أيضًا مقامرة ذات خطورة منهجية سوف نكشف عنها لاحقًا.

يتكوَّن الكتاب صغير الحجم الذي لا تتجاوز صفحاته المئة صفحة، من مقدمة موجزة وثمانية مداخل قصيرة جدًّا، هي: جوهر إشكالية الكتاب: عودة إلى متحف الأورانجري بباريس، بين سيف الرحبي وابن أرفع رأس وكارل يونغ، في نظرية كارل يونغ، الأكواريوم: تحولات الفكرة من الماء عائدة إلى الشجرة، عندما يعيد الشاعر الحوت إلى سيرته الأولى، الشاعر مصطحبًا التنّين إلى بيته في الماء، لا شيء بعد الخطيئة الأولى يمكن أن يمازج ماء الفضة سوى الغراب، التوازن وكيمياء التراكيب بالعدل.

قراءة تناصية

يستهلّ المؤلف كتابه بالحديث عن رحلة جمعته بسيف الرحبي في باريس، حيث أُتيح له الاقتراب منه كثيرًا حدّ ملاحظة ما كان يمارسه الشاعر من طقوس يومية تكاد تكشف للباحث والناقد عن رؤيته للعالم والأدب والفن، تلك الرؤية التي يمتزج فيها حب المدن الصاخبة بسيمياء الحداثة برومانتيكية العزلة الوجودية والنزوع الدائم إلى الطبيعة البكر. من جهة مقابلة، يربط الباحث بين شعر سيف الرحبي وشعر أرفع رأس من خلال زيارة قام بها إلى متحف الأورانجري في باريس، حيث كانت تترى هناك مشاهداته التأمّلية لعدد من اللوحات الفنية التي تحمل أسماء طائفة من الفنّانين الطبيعيين (أو الانطباعيين) الفرنسيين من أمثال كلود مونيه وغيره. وهي زاوية لافتة للنظر في شعر سيف الرحبي. بيد أن المؤلف يضع إلى جوارها مقاطع متتالية من شعر أرفع رأس بشكلانيّته العمودية، ليخلص من هذه المجاورة أو المحاورة أو المقارنة إلى وجود ثلاث حركات مفصلية تجمع بين رؤيتي الشاعرين: «الحقيقة الوجودية»، «أعماق النفس الإنسانية»، «السماء». وهي قراءة نقدية ذات نزوع حضاري أو أسطوري «أركتايبي» تعتمد كثيرًا في إستراتيجياتها على تفعيل آليات التناص الذي يجعل من النصوص المتقاطعة -على الرغم من تباعدها التاريخي والجغرافي والثقافي- متنًا نصيًّا عريضًا لا فارق فيه بين نسيج لغوي يمثّله شعر الشاعرين وآخر بصري أو فني تمثّله لوحات الفنانين الانطباعيين الفرنسيين.

بيد أن هذه القراءة التناصية (الثقافية)، التي تحفر في تأسيس مرجعياتها الثقافية والحضارية والميثولوجية، تعتمد على مبدأ سيكولوجي محوري يمتاح من أفكار كارل يونغ، بُغية إقامة علاقة مباشرة بين علم الكيمياء القديم (كما عرفه العرب) والمتن الشعري العربي واللاوعي الجمعي. لكنّ شعورًا متناقضًا سوف ينتاب القارئ في كون سيف الرحبي الذي يحمل غلاف الكتاب الأمامي اسمه والغلاف الخلفي صورته جالسًا على أريكة متأمّلًا في فضاء أخضر مفتوح على الأفق المترامي الأطراف، لا يحضر إلا بوصفه هامشًا، محض هامش، لمتن نصّي آخر هو شعر أرفع رأس الذي يبدو أن الباحث قد أفاض في تحليله وتشريحه أولًا قبل الوقوف على مدونة سيف الرحبي الشعرية بفارق زمني. وهذا أمر لافت للنظر، ولا أجد له تفسيرًا منهجيًّا سوى قوة حضور اسم سيف الرحبي بوصفه شاعرًا ومثقفًا عربيًّا معاصرًا.

صور وتمثيلات شعرية

في هذا الكتاب حضور لمقاطع تحليلية تأملية بديعة، لكنها تبقى مجرد مقاطع متناثرة لا تؤلف سياقًا كليًّا يمكّن القارئ من متابعة شعر سيف الرحبي في مرآة الناقد (الأركتايبي) التي ينعكس عليها تحليله لمفهوم «النماذج العليا». يسعى الكتاب إلى تأسيس فكرة الدراسة الكيميائية للشعر العربي من خلال حديثه عن مقال قديم كتبه أحمد أمين في مجلة «الرسالة» (القاهرة) عام 1935م بعنوان «كيمياء الأفكار والعواطف». وهي فكرة على الرغم من طرافتها فلا تعدو أن تكون -في رأيي النقدي- مجرد شكل من أشكال المجاز اللغوي. فليس ثمة مذهب كيميائي في النقد -في حدود معرفتي- إلا على سبيل التمثيل المجازي لا على سبيل الوجود النظري والتأطير المنهجي والممارسة الإجرائية.

الهواري غزالة

في هذا الكتاب، سوف يكتسب مفهوم «النماذج العليا» أو «الأركتايب» قيمته من حيث كونه رواسب أو أحفوريات نفسية جمعية لتجارب ابتدائية شعورية تشكّل صورًا وموتيفات لا تُحصَى، شارك فيها الأسلاف في عصور بدائية مغرقة في القدم، بحيث إنها ترسّبت في أنسجة الدماغ البشري، وأصبحت نماذج أساسية قديمة تُحيل إلى تجربة إنسانية مركزية تتصل بجذور كل نص شعري أو أدبي.

من هنا، يتقصّى الباحث في كتابه عددًا من الصور والتمثيلات الشعرية المتواترة في مدونة سيف الرحبي، في محاولة لضم خيوط وأنساغ شعرية متشابهة لدى الرحبي وابن أرفع رأس معًا؛ من قبيل: «الأكواريوم» (صورة الماء في تجلياته المختلفة)، النسر، الغراب، الحوت، التنّين، الشجرة الأم، وغيرها من صور وتمثيلات يتتبعها الباحث بمهارة في مقابل رصده الذكي للغياب التام لتمثيلات النار، أمام الحضور الغزير لرمزية الماء بتجليات شتّى. ثمة جذور نسقية تكمن في سعي الباحث إلى تحليل الأبنية وتتبّع الأنساق المضمرة في شعر الرحبي وأرفع رأس معًا، وهذا ما يتجلّى في انتقالهـ(ما) الدائم من الظلام إلى مصدر النور، ومن الغموض إلى منبع الحقيقة، ومن مملكة الحيوان كالغراب وغيره إلى جوهر الإنسان الكامل أو العقل.

يخلص كتاب الهواري غزالي إلى إدراك فلسفة التوازن وكيمياء التراكيب بالعدل، إذا استخدمنا لغة الكتاب النقدية. وهي فلسفة تمتاح من نهر التصوف العربي الكبير الذي يستبطنه شعر أرفع رأس وسيف الرحبي معًا استبطانًا دالًّا يطفو على السطح بين آنٍ وآخر حاملًا معه مرجعيّته الثقافية والحضارية لدى كل منهما.

هذا كتاب مُهِمّ، على الرغم مما أبديناه عليه من ملحوظات تتصل بالمنهج، أو طريقة التناول، أو المعالجة النقدية، أو جعل أحد الشاعرين يحتلّ صدارة المتن النقدي ويتراجع الآخر إلى موقع الهامش. بيد أنه – رغم ذلك كله- كتاب جدير بالقراءة والتأمّل وفحص المقولات التي يطرحها الباحث هنا وهناك.

الحقيقة وسلطة الاختلاف.. التصوف بوصفه إجابة عن السؤال الإسلامي

الحقيقة وسلطة الاختلاف.. التصوف بوصفه إجابة عن السؤال الإسلامي

الكتاب الذي نحن بصدد الحديث عنه واحد من سلسلة كتب الباحث عبدالحكيم أجهر التي جالت في نصوص تراثية متعددة ومتداخلة. سعى صاحبها إلى التعمق فيها واستنطاقها، وجعلها أرضية للتدريب العقلي والتفكير النقدي، والتأمل في تأسيساتها، وكذا طرق إجاباتها المتنوعة. فالباحث ليس من أولئك الذين يسعون إلى ليّ النص التراثي ليتناغم مع الحداثة، أو استبعاده بالمرة وإحداث قطيعة معه؛ بدعوى عدم صلاحيته في راهننا، وكذا ليس مدافعًا أعمى عن التراث برمته، فغايته من ذلك إثبات أصالة الفكر الإسلامي من ناحية، وإمكانية تقديم إجابات في اللحظة المعاصرة؛ منطلقة من السؤال الأول للمسلمين وهو سؤال الله من ناحية أخرى.

ما إنْ تُنهِي كتابًا من كتب الباحث أجهر إلا وتتولد لديك كثير من الأسئلة. أكثر ما تشدك المعلومات الواردة في مؤلفاته. ويعد كتاب «الحقيقة وسلطة الاختلاف، التصوف بوصفه إجابة أخرى عن السؤال الإسلامي» (المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء) من هذا النوع الذي يبهرك بعملية الاستقراء لنصوص أعلام التصوف، وتتبع تطورها عبر التاريخ، وتقديم مسالك إجاباتها عن السؤال المركزي أو ما سماه الأستاذ أجهر «منطقة المحايثة بين الله والعالم».

الخطاب الصوفي والتنوير الأوربي

عرض الباحث عبدالحكيم أجهر في مؤلفه؛ المراحل التي قطعها ما أسماه خطاب الذات؛ أي الخطاب الصوفي، وكشف مغامراته عبر تثويره لنصوص صوفية وتقليب النظر فيها، محاولًا وضع هذا الخطاب على سكة جديدة لا تحصره في زاوية الخطاب الذي ينطوي محتواه على الإيمان الذليل والحزن والفقر؛ بل الكشف عن تطوره وتاريخيته والخيط الناظم لتحولاته.

قبل أن يعرض الباحث مراحل خطاب الذات، وقبل أن يحدد مفهومه لهذا الخطاب، توقف عند ملامحه العامة التي تتمثل في كونه إجابة أخرى عن سؤال الله أو رؤية بطريقة أخرى للعالم، واشتغال بالقلق الإنساني، والسعي لتهدئته. استطرد الأستاذ أجهر كثيرًا في حديثه عن خطاب الذات ومصادره النظرية، وقضيته المركزية ليعرض لنا في نهاية مطافه، وتحديدًا في الفصل الثاني، ماهيته: «إن ما نسميه (خطاب الذات) هو ذلك النشاط الذي أخذ شكل الممارسة السلوكية، ومن ثم الكتابة النظرية التي ركزت جهدها على النظر إلى الله وفهمه بأدوات وطرائق لا تتفق مع بقية الخطابات برغم اشتراكها معها في السؤال نفسه.» (أجهر 2019م، ص53).

لم يفوت الباحث أجهر الفرصة وهو بصدد أن يدلف إلى موضوعه؛ الحديث عن التنوير الأوربي وعلاقته بالخطاب الصوفي؛ إذ توقف عند عقلانية «كانط» التي تتناقص والخطاب الصوفي. رام، في نظري -أستاذنا أجهر- من إدراج المبحث السالف الذكر، أن يبين أن كانط كانت تعوزه معلومات كثيرة حول خطاب الذات عند المسلمين، وخصوصًا المنجز الفكري لمحيي الدين بن عربي، بخلاف بعض الفلاسفة الغربيين المعاصرين له، الذين كانت لهم مواقف منصفة من التصوف.

ينتقد الأستاذ أجهر فكرة المدرسة في التراث، وتوزيع المفكرين على مدارس بعينها، والقول بأن هؤلاء ينتمون لهذه المدرسة والآخرون لتلك المدرسة، ويقترح تصنيفًا آخر لتاريخ الفكر الإسلامي، يستند إلى التشكيك في تماسك نظريات هذه المدارس وبنائها المعرفي، بحيث من خلال دراسة تاريخ الفكر الإسلامي، يتضح أن المفاهيم الكبرى التي يقوم عليها العالم، تخضع للتطور.

تحولات خطاب الذات

انتقل الباحث أجهر في الفصل الثاني إلى الحديث عن تاريخية خطاب الذات وقضاياه المؤسسة منطلقًا من سؤال مفاده: لماذا نجد أعلام التصوف الكبار مختلفين جدًّا؟ ما الشيء الذي يجعل أعلام التصوف الكبار مختلفين؟ ما الهم المشترك الذي يجمعهم؟

سيأتي، أستاذنا أجهر، في هذا الفصل الثاني وما بعده، على ذكر التحولات الفكرية لكل مرحلة من مراحل خطاب الذات، وسيتوقف عند كل مرحلة وما ولّدته من مفاهيم، ومن صياغات نظرية. ويمكن أن نجملها فيما يلي مع ربط كل مرحلة بأعلامها: فالمرحلة الأولى، الوجدانية، تمثلها رابعة العدوية إلى جانب ذي النون المصري، وأبي سليمان الداراني. والمرحلة الثانية، وهي مرحلة التردد والحيرة، ويمثلها الحلاج والبسطامي والشبلي، أما المرحلة الثالثة، مرحلة النضج مع ابن عربي، فأصبح العالم كله أسماء إلهية، سواء وردت في النص الديني أو لم ترد فيه؛ فالعالم نص مفتوح يتكلم عن الله. والمرحلة الرابعة، مرحلة الطرق الصوفية؛ إذ تحول التصوف إلى نوع من الخطاب الذي يخضع لإجراءات وممارسات من نوع خاص، وتحول إلى مؤسسة ولم يعد مقتصرًا على النص المكتوب فحسب.

يريد أستاذنا أن يصل بنا من وراء طرح السؤال الآنف، إلى أن كل مرحلة من المراحل التي مر منها خطاب الذات أجابت عن السؤال حسب ممكناتها. ولذلك، نجد في الفصلين الثالث والرابع عرضًا لنموذج من التطور على سبيل المثال؛ من مرحلة إخضاع الجسد أو إلغائه، أو حصر الهم الإنساني بالله فقط، إلى مرحلة إعادة ترتيب الرغبات وجعلها رغبة واحدة هو حب الله أو الإخلاص لله أو الاستقامة، إلى مرحلة المعرفة؛ أي جعل الله ينكشف في التجربة. وهذه المراحل هي التي جسدها أعلام التصوف عبر التاريخ، حيث تناولها الباحث بتفصيل، ووضح دواعي تلك الاختيارات والمواقف، التي عدّها نوعًا من الإجابات المتناقضة عن سؤال واحد؛ مفاده: كيف يكون الله منزهًا مطلقًا ومستحضرًا في ذواتنا في الوقت نفسه؟ أو ما الشيء الذي يريد الفرد استحضاره منه؟

خطاب القوة وخطاب الذات

يفتتح -أستاذنا أجهر- الفصل الخامس الموسوم بالمرحلة التداولية؛ السند النصي والتصوف الإجرائي، بالحديث عن علاقة خطاب الذات الصوفي بخطاب القوة الكلامي، وتأثيرات هذا الأخير في خطاب الذات من خلال مصطلحات؛ القِدَم، الحدوث، والذات والصفات…

يعيد -أستاذنا أجهر- تذكيرنا بأن خطاب القوة (علم الكلام) وخطاب الذات (التصوف) يشتركان في السؤال نفسه، فمنطقة المحايثة لدى كل خطاب تختلف عن الآخر، نجدها في الخطاب الكلامي تتجلى في فاعلية الله وقدرته وإرادته، وهي التي يفسر بها وجود العالم ونشاطه وعلاقة موجوداته ببعضها. أما منطقة المحايثة في خطاب الذات تتجلى في التنزيه الإلهي ومحاولة تنزيه الذات الإنسانية لتفسير علاقة الله بنا.

تحدث الباحث أجهر بتفصيل عن كتابات من قبيل «اللُّمع في التصوف» و«طبقات الصوفية» و«الرسالة» التي وفرت السند النصي القرآني والنبوي (الحديث) للمراحل السابقة للتصوف، وخففت من اغترابه، وجعلت له مكانة شرعية في الدائرة الإسلامية. توجت هذه الحقبة من خطاب الذات -حسب باحثنا- إلى تشارك الخطابين الصوفي والكلامي في الدخول في المرحلة المدرسية التي تقصي التجربة الحرة في فهم الله.

بيد أن هذه المرحلة اتسمت بظهور استثناء يتعلق الأمر بشخصية محمد عبدالجبار النفري (ت: 354هـ) الذي عاد إلى مرحلة التجربة الفردية الوجدانية الحرة في فهم الله. حيث دشن النفري إذن ثلاثة تمردات؛ أولها تمرد على السلطة، بتأويل آخر للإسلام، وثانيها تمرد على سلطة الشيخ، وثالثها تمرد على تجربة التصوف المدرسي.

ابن عربي وتلامذته

أفرد -أستاذنا أجهر- الفصل السادس لمحيي الدين بن عربي (ت: 638هـ)، الملقب بالشيخ الأكبر، حيث خصص له مساحة مهمة من حجم الكتاب، وعَدّ مرحلة ابن عربي ثورةً كبيرة في خطاب الذات؛ لما اتسمت به من نضج نظري على ما سبقه، ولما اتصفت به من الاتساق المفاهيمي. توقف – أستاذنا
أجهر- بشكل مستفيض عند الركائز التي أرساها ابن عربي، ومنها مفهوم الكثرة؛ أي الكثرة بشكل عام، الكثرة في العالم مهما كانت؛ لكنها كثرة نسب وإضافات وليست كثرة مادية. وكذا مفهوم الأعيان الثابتة، وله عند ابن عربي مفردات، فهي معلومات الله، وهي الممكنات، وهي تعينات أسماء الله، وهي الكنز الإلهي الخفي، وهي تجلي الله لذاته وبذاته. وكذا فكرة وحدة الوجود وعلاقتها بالاتحاد أو ما يسمى بالحلول التي أُسيءَ فهم معناها، وخضعت لتأويلات واستبدالات فيما بعد؛ ليخلص إلى أن نص الشيخ الأكبر، ابن عربي، هو نص اعتراف صريح بالعالم، فهو رجل يفكر في العالم، ويتجلى ذلك في تسامحه وتساهله مع أشكال التفاسير الأخرى للعالم والإقرار بنسبيتها وقصورها عن فهم الحقيقة النهائية للعالم.

أنهى أستاذنا أجهر رحلته في المتن الأكبر بالحديث عما بعده وتحديدًا الإشارة إلى أحد تلامذته وربيبه صدر الدين القونوي، نسبة إلى قونيا، وكذا شخصيات متقاربة زمنيًّا، دارت في فلك نظرية ابن عربي. يتعلق الأمر بمؤيد الدين الجندي والتلمساني وابن سبعين الأندلسي، وجميعهم سعوا للتوفيق بين التصوف والفلسفة خصوصًا الفلسفة المشائية. ثم توقف كذلك عند جلال الدين الرومي البلخي (ت: 672هـ) الذي عبر بعمق عن خلاصة التصوف الفارسي، بينما مثل ابن عربي خلاصة التصوف الأندلسي؛ وأشار إلى النقاش الذي جرى بين الباحثين حول أوجه التشابه والاختلاف بينهما.

الطرق الصوفية والصوفية الجديدة

انتقل الباحث أجهر في الفصل السابع للحديث عن الطرق الصوفية وانزياحات في منطقة المحايثة، حيث ركز في البداءة على الفكرة المركزية في كل الطرق الصوفية التي تتمثل في فكرة الولي، أو شيخ الطريقة في علاقته مع مريديه، ولم تتحول الطرق الصوفية إلى الشكل المنظم الشبيه بمؤسسة دينية إلا في القرنين السادس والسابع الهجريين، حيث ستصبح لهذه الطرق رموزها ولباسها وأمكنتها. مما مثل جوهر التحول في خطاب الذات، وشكل انزياحًا نحو الجماعة التي يرعاها الشيخ؛ بوصفها سلطة قادرة على أن تنجز من الكرامات ما يفوق طاقة البشر، وبذلك صار الشيخ في تجربة الطرق الصوفية هو الواسطة نحو الله.

وفي الفصل ذاته ينتقل للحديث عن الصوفية الجديدة، حيث بدأت حركة مراجعة التصوف التي سماها المفكر والعالم الباكستاني فضل الرحمن بالصوفية الجديدة التي ظهرت ملامح تشكلها في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين. قامت هذه الصوفية الجديدة بإصلاح نفسها من خلال الاستعانة بالعقيدة الإسلامية القويمة، التي ركزت على الفاعلية الاجتماعية والأخلاقية والسياسية، وتجسد هذا المفهوم الجديد للتصوف في الطريقة السنوسية في الشمال الإفريقي والطريقة المحمدية في الهند. لم يستطع التصوف الجديد بكل رواده -بحسب الباحث أجهر- تجاوز التأسيس الكبير الذي قام به ابن عربي، مفاده: منطقة المحايثة القائمة على الاتصال الوجودي بين الطرفين (الله والعالم) فالعالم عند المتصوفين الجدد عاد إلى وضعية مماثلة لمراحله الأولى قبل ابن عربي؛ إضافة إلى ذلك لم يستطيعوا إيجاد حل للعلاقة بين الوحدة والكثرة، بل ركزوا على السلوك والأخلاق، وتجنبوا سؤال المحايثة مع العالم.

نماذج للتفكير النقدي

وختامًا يأخذك هذا الكتاب إلى عوالم الخطاب الصوفي أو خطاب الذات وتحولاته وتموجاته، فكل مرحلة أو لحظة تكشف لك عن إجابة معينة عن السؤال المركزي والوجودي، ألا وهي منطقة المحايثة بين الله والعالم، وقد بدا واضحًا من خلال فصول الكتاب تقديرًا كبيرًا لمرحلة ابن عربي التي عدّها الباحث قمة النضح على المستوى النظري. حرص أستاذنا أجهر، في هذا الكتاب، على حشد آراء ومواقف كثيرة ومتعارضة، ليس من أجل أن يستعرض الباحث إحاطته بالنص التراثي وإشكالياته النظرية، وهو كذلك، وهو من هو فيه، لكن بجعل هذه الشخصيات التي عرضها لنا نماذج للمسلم المعاصر ليتدرب على التفكير النقدي من خلال إجاباتهم المتعددة وما تنطوي عليه من غنى وتنوع؛ التي ليست بالضرورة صالحة لنا، ولكن لجعلها منطلقًا لاستئناف النقد، وصياغة أسئلة تنطلق من الحقل التداولي العربي والإسلامي.

«إننا نُزوِّر العالم كي نفهمه»… قراءة في مفهوم غسان كنفاني للمقاومة

«إننا نُزوِّر العالم كي نفهمه»… قراءة في مفهوم غسان كنفاني للمقاومة

أحاول في هذه القراءة تتبع بعض الأفكار الرئيسة في أدب وحياة غسان كنفاني التي توضح مفهومه للمقاومة، متنقلًا بين أعماله الإبداعية والنقدية وسيرته الذاتية، باعتبارها كتلة واحدة. تتخلل القراءة بعض الأفكار والمفاهيم المتصلة بالمقاومة: العنصرية، القضية، العلاقة بين الوطن والمرأة، الصدفة، الحقيقة النسبية، قداسة الحب، الواقع والخيال، وغيرها من الأفكار التي كانت جزءًا من رحلة حياته المختصرة.

من الحماسة إلى الحزن العميق

يكتب غسان كنفاني واصفًا أدب المقاومة الذي نشأ بأثر من نكبة فلسطين: «تحول أدب المقاومة بعد الخمسينيات من الحماسة إلى الحزن العميق. بعد الشعر الحماسي الذي شهدته أوائل الخمسينيات، حطم شعراء المنفى -على الأخص- العمود التقليدي من حيث الشكل، وغادروا الحماس الذي وجدوا فيه، لمرحلة من المراحل، تكذيبًا شخصيًّا للكارثة، إلى نوع فريد من الحزن العميق»(1).

استُبدِلَت بالحزن العميق، الذي يعبر عن وعي إنساني فردي، الحماسةُ التي تعبر عن وعي قومي. هذا «الحزن العميق» لا يُوصَل إليه إلا بتمكنه من ذات إنسانية مجردة منحتها النكبة صفاء وتواضعًا في النظرة، جعلتها تنظر في عين النكبة بدلًا من تكذيبها وعدم تصديقها، كما كانت تفعل الذات الجماعية الحماسية، التي كانت تتعالى وتكذب الكارثة، فيصبح الحزن العميق أداة من أدوات هذه الذات للحوار مع الكارثة.

هذا الوعي الفردي يغلف كل كتابات غسان كنفاني الإبداعية والنقدية والسيرية، ولن يتخلى عن هذه النبرة بكل تردداتها، وبها ينضم إلى قبيلة فريدة من الكتاب الفلسطينيين الذين امتلكوا هذه النبرة الذاتية الحزينة والمتسائلة، منهم الشاعر محمود درويش والروائي حسين البرغوثي على سبيل المثال. ربما أهم ما صاغ هذه الفردانية وأحدث بها طفرة في طريقة النظر للعالم وللقضية، هو المنفى، كما حدث مع غسان كنفاني، أو السجن، كما حدث مع محمود درويش وتلاه المنفى، فالمسافة مع الوطن المحتل، داخليًّا وخارجيًّا، كانت السبب في هذا الانقلاب النفسي والرؤيوي.

من النكبة إلى القضية

يكتب غسان: «كانت مرحلة عدم التصديق قد انتهت نهاية مريرة حيث صار الواقع أكبر حجمًا من أن يغطى بالتجاهل».(2) «ووجد الشعراء العرب أنفسهم، على وجه الخصوص، يواجهون ما بات يصطلح على تسميته الآن بـ «القضية».(3)

محمود درويش

يلتقط غسان هذا التحول في صورة الواقع أدبيًّا عبر قراءته لتجربة محمود درويش، واكتمال ظهور مصطلح «القضية»، بعد أن سيطر قبلها مصطلح «النكبة». تشير «القضية» رمزيًّا إلى قاعة محاكمة، وقضاة ودفاع واتهام، وهو ما سيظهر في رواياته بعد ذلك، فمفهوم القضية، كمفهوم كليّ، له أوجه عدة متشابكة، بتعدد عناصره، وبنسبية الحقيقة التي تعتبر جزءًا مؤسسًا فيها.

يكتب عن محمود درويش، الذي تعامل مع هذه «القضية»، ليس كحالة معرفية فقط، بل كحالة وجدانية متفردة: «شدني في شعر درويش، الذي قاله في أواسط الستينات، ذلك المزج العميق، الهادئ المتدفق بين المرأة والوطن، ليجعل منهما قضية الحب الواحدة التي لا تنفصم»(4). القضية بهذا المعنى مكان للمزج، بين ذات وقضية كلية، كالوطن، أو المرأة: «وقفة الدرويش حين لا يجد فرقًا بين حبه لوطنه وحبه لامرأة»(5). فقد قارب درويش بين المرأة/ الغزل وبين الوطن، وهنا اكتمل مفهوم القضية الذي لا يمكن أن ينهض بمفرده إلا بتشابك ومزج بين الذات والموضوع، اللذين بدورهما لا يمتزجان إلا في وجود فقد ما.

المزج بين الذات والموضوع

«في النصف الأول من 1966 أودع الشاعر محمود درويش السجن في الأرض المحتلة، ويبدو أنه في إقامته الطويلة هناك بلور الصورة النهائية لذلك المزج المنطقي العميق بين الشخص، والأرض، العلاقة الفردية، والعلاقة مع الوطن، الشخصي والشعب»(6).

بالنسبة لغسان فإن درويش هو مثال الالتقاء والمزج بين الذاتي والموضوعي، عبر تجربة السجن، أو النفي، التجربة التي تحمل هذا الجانب الوجودي المتوتر، فيتم تعبيد الأرض النفسية ليحدث المزج بين هذه الكليات دون أن تمحي ذاتية/ فردانية الشاعر؛ فالذاتية تعرض نفسها هنا في شكل قضية كلية، كالحب. الحب هو الهوية الشاملة المقدسة التي تتجاوز أي هويات أخرى وتجمع داخلها الوطن والمرأة والأرض والمقاومة. ربما اتخذ غسان كنفاني من درويش «آخر» شبيهًا، أو مرآة، يرى فيها صورته وتصوره عن مفهوم المقاومة.

الآخر الصهيوني

لا يركز غسان في كتاباته النقدية التي تخص أدب المقاومة على خطاب الذات المقاوِمة، وتجلياتها، بل على الآخر/ النقيض، الذي كان السبب الرئيسي لنشوء مصطلح «القضية». في كتاباته النقدية نلحظ اعتناء بدراسة ونقد الكتابات اليهودية الروائية التي تتسم بالعنصرية وتخلط بين الدين والعرق؛ لذا حاول في أعماله وقراءاته النقدية أن يقدم بطلًا نقيضًا للبطل اليهودي المتعالي والمعصوم في هذه الروايات الذي يسرد قضية فلسطين من وجهة نظر المستعمِر.

يوصِّف غسان هذا الأدب الصهيوني بأنه «المزيج المصطنع للدين والعرق بصورة ينطبع فيها العمل الأدبي بطابعين أساسيين هما الشعور بالتفوق، والاستعلاء، والإصرار على احتقار كل ما هو غير يهودي»(7).

في بعض أعمال غسان كنفاني الروائية، نجده يتجنب حضور البطل الفرد كما في رواية «رجال في الشمس»، و«ما تبقى لكم». هناك تعدد للرواة، ربما عن قصد ليجنب العمل، أعراض الكلية، ومحاولة فرض صوت واحد مهيمن. فالبطولة الفردية، في الأدب العربي، خاصة في حالة الهزيمة، غالبًا ما تؤدي إلى إسباغ صفات إضافية على هذا البطل المهزوم، تعويضًا له، تجعله كأنه المنتصر. على سبيل المثال قصيدة نزار قباني في رثاء عبدالناصر التي يقول فيها: «قتلناك يا آخر الأنبياء».

يشرح غسان خيارات/ مأزق الآخر الصهيوني بقوله: «لقد كان أمام اليهودي المضطهد موقفان متعاكسان في الحقيقة؛ أولهما أن يتعذب في سبيل المساواة والاندماج، وثانيهما أن يرتد إلى الشعور بالتميز، والتمسك بأسطورة التفوق، واختيار الثاني ليس في الواقع إلا الإمساك بالمسطرة العرقية من طرفها الآخر»(8).

حسين البرغوثي

ربما العنصرية التي اتسم بها الأدب الصهيوني كانت المدخل لأن يقمع غسان كنفاني أي إحساس بالتميز، حتى بالظلم، مع أحقيته فيه، حتى لا يقع في المجال النفسي لدونية المظلوم، التي تعني تفوقًا أيضًا، وبذلك يتطابق موقفه مع موقف عدوه. كان المأزق أن يحتفظ بمعنى وصحة قضيته دون أن يتعالى على هذا الآخر.

ربما كان الأدب الصهيوني يشكل الآخر المفروض على الشعب الفلسطيني، وكان وضعه في المكان الصحيح، داخل هذه الذات الفلسطينية، جزءًا من هذه الشخصية الأدبية، التي تجدها، على سبيل المثال، عند كل من غسان كنفاني، ومحمود درويش وحسين البرغوثي. عند هؤلاء الثلاثة هناك نوع من التجاوز الصوفي لألم وجرح القضية، باتجاه الوعي المعرفي والوجداني الذي يتضمنه هذا الجرح، وتحرير مصطلح «القضية» من الحيز السياسي الضيق، إلى الحيز الوجودي الواسع. يكتب غالي شكري في كتابة «أدب المقاومة» أن من خصائص هذا الأدب أن المقاومة الحقيقية الجديدة هي التي تكشف «عنصرية العدو».

عبر سنوات من التحول ودخول القضية الفلسطينية في أشكال عديدة من السرد، تمثل رحلة الذات المقاوِمة في محاولة تجنبها الوقوع في المباشرة أو الاستعلاء القومي، أو دونية المحتَل، أو تأكيد صفات عرضية استثنائية فيها، نصل إلى ذات سيرية خالصة تقاوم بإثبات إنسانيتها وتساميها فوق العنصرية، وحقها في الحياة، كما سنجد من الجيل الجديد، عند حسين البرغوثي في سيرته «سأكون بين اللوز».

رسائل إلى غادة السمان

ننتقل لمكان وجداني، داخل مفهوم المقاومة، المزج بين المرأة والوطن، ورصد تأثير الحب، في مفهوم القضية من خلال رسائل غسان كنفاني لغادة السمان، التي أوصاها بنشرها(9). يكتب غسان: «لقد حاولت منذ البدء أن أستبدل الوطن بالعمل، ثم بالعائلة ثم بالكلمة ثم بالعنف ثم بالمرأة، وكنت دائمًا يعوزني الانتساب الحقيقي، ذلك الانتساب الذي يهتف بنا حين نصحو في الصباح: لك شيء في هذا العالم فقم»(10).

قضية الانتساب مهمة للغاية لأحد معاني المقاومة عند غسان: ألا تنتسب أو تصدق، أو تتماهى كليا، مع أي شيء. وبالرغم من تضاد هذه الممارسة مع فكرة المقاومة، التي تحتاج لتماه/ إيمان كلي، ولكن غسان يضع مفهوم النسبية كمقياس جديد في علاقاته الجوهرية.

استبدال الوطن المفقود يمر عبر هذه السلسلة التي تمتزج في النهاية: العمل والعائلة والكتابة والثورة والمرأة، وجميعها لا يوضع في الحد الأقصى إلا بمفهوم الحب، الذي يصل لحد التفاني. فنجد علاقة غسان بزوجته، وحبه لغادة السمان، في الوقت نفسه وعلاقته بالكتابة وعمله بالصحافة، كلها علاقات الحد الأقصى، ولكنها ليست كل شيء، فأي علاقة تبدأ، يسبقها شيء جوهري مفقود، ربما هذا الفقد هو الذي يجعل هناك درجة نسبية من الإيمان، أو التفاني.

في رسائله لغادة السمان هناك وتيرة واحدة مكررة وهي الرجاء، لا تعرف ماذا يطلب منها، سوى الذوبان المزدوج بينهما، فخلف كل هذه الرجاءات، لا تصل لمعنى أعمق، سوى أن تلمس هذا الحاجز القائم بينهما الذي يمنع الاندماج الكلي، ربما يقوم هذا الحاجز بدور الوطن المفقود، أو أحد أعراضه، المخلوط بكل المعاني الأخرى. حرقته وولعه بغادة، لا تصل لمشاعر امتزاج جنسي، أو تؤصل لمفهوم العلاقة بالآخر، بل هناك نوع من التسامي في نظرته لها، كأنها بالفعل تحولت إلى معنى ما، يتجاوز كونها امرأة؛ لذا تدور الرسائل في دوائر شعرية ومفهومية ثم تعود للنقطة نفسها. ربما هذا يشير لشدة التداخل بين غادة والوطن، فخلط المادي بالمجرد يمر عبر توليفات متناقضة كالعادة، هي ليست بديلًا عن الوطن، ولكنها تنمو داخل غيابه، داخل هذا الجزء المبتور/ المفقود الذي يشكله الوطن في وعي غسان.

هذا الجزء له مستويان: نسبي وكلي، بداية ونهاية؛ لذا عندما ينكأ جرح افتقاده لغادة، يعيد غسان التداخل والالتباس بقوة بين المستويين، ويعيد إحياء صورة للوطن داخله؛ لأنه يعيد حضور غادة داخله في صورة الوطن المجروح. بالرغم من أنها كانت تعيش في لندن أثناء كتابته الرسائل لها، ولكنه أحالها إلى كائن مفقود يصعب الوصول إليه في الحقيقة، والإمساك به، كمعنى، مثل الوطن المفقود تمامًا. فنقطة التماس بين غادة والوطن هي الفقد.

يكتب في الرسائل مازجًا بينها وبين التاريخ وبينها وبين الوطن: «بوسعك أن تدخلي إلى التاريخ ورأسك إلى الأمام كالرمح، أنت جديرة بذلك وليس من هو منك جدارة»(11)، «لقد قتلت فيَّ الرجل لتعبدي وهما ليس أنا، ووجدتِ في اندفاعي فرصتك لتري كيف تستطيعين تعذيبي»(12)، «أنت في جلدي وأحسك مثلما أحس فلسطين: ضياعها كارثة بلا أي بديل، وحبي شيء في صلب لحمي ودمي، وغيابها دموع تستحيل معها لعبة الاحتيال»(13).

في خطاب وحيد إلى أخته فائزة يصرح لها بمكنون علاقته بغادة: «ليس من السهل بالنسبة لي أن أبني معها علاقة (…) حتى ولو أتيحت لي الفرصة لذلك…»(14). هذه الاستحالة بسبب حبه لزوجته وأبنائه، وسيعيد كنفاني نسخ هذا الإحساس ليجد له خلاصًا وفلسفة داخل رواية «الشيء الآخر: من قتل ليلى الحايك؟»(15)؛ لنرى هذا الاختيار الصعب بين الزوجة والحبيبة يتكرر بصورة أخرى، ليفسر هذا المستحيل الذي لا يتحقق إلا بالموت.

مثلث الرواية السابقة يتمثل في: الزوج صالح، الزوجة ديما، الحبيبة ليلى، ولكي يبقى على علاقته بالزوجة والحبيبة معًا، لا بد أن يتخلى عن إحداهما، أحيانًا بتمني الموت، كما في الرواية، أي باستبعاد الحبيبة لبقاء الوطن، أيًّا كانت: ديما بطلة الرواية، أو غادة التي تقف في الظل. في الحالين هناك استبعاد لأحد الطرفين كي تنجو العلاقة، ولكن بالغياب، وليس بالحضور، بالفقد وليس بالاكتناز.

من قتل ليلى الحايك؟

في الرواية السابقة هناك تداخل بين الواقعي والمتخيل، بين حياة غسان وحياة صالح بطل روايته. تنشأ علاقة بين صالح/ الراوي وبين ليلى الحايك الصديقة الحميمة لزوجته ديما، بالرغم من إخلاصه المعلن لزوجته، سواء في الرواية أو في الحياة. فالرواية عبارة عن اعتراف لزوجته عن هذا الحب الآخر، ولم ينشرها أثناء حياته القصيرة، بالرغم من اكتمالها، وتنوع موضوعها الروائي والشكل البوليسي الذي صيغت فيه.

يكتب صالح/ غسان: «كنت أريدها أن تموت ليس لأني أكرهها، ولكن لأني أحب زوجتي، ولأنني لم أكن أريد أن أترك أيا منهما. كنت أتصورها جثة؛ لأن ذلك وحده فقط، في تصوري، كان جديرا بوضع نهاية صحيحة لكل شيء، وحده كان الأمر الذي يجعلني جديرا بالاحتفاظ بزوجتي وبحب ليلى في وقت واحد»(16).

هذه المساحة المحرمة اجتماعيًّا، لا تتماسّ داخله بأي إحساس بالخيانة أو الذنب، أو حتى الدنجوانية. هناك إخلاص في الناحيتين، وليس شره الامتلاك الكامن في هذه الذات الجريحة. والحل الذي تحدث عنه في الرواية/ الواقع هي أن تموت الحبيبة ليلى؛ كي يصفي هذا التناقض بالموت ويعيش الاثنان معًا داخله كما حدث في الرواية وفي الواقع، ولكن المصادفة أن غسان هو الذي مات، وليست حبيبته، وبموته احتفظ أيضًا بحب الاثنين عبر غيابه هو.

الذنب المُستثنى

هذه العلاقة المقدسة التي يشيدها غسان لمفهوم الحب، والتي يستثني منها الذنب، حتى لو شعر به، وبمسؤوليته عما حدث، فالحب هنا أقوى من أي روابط اجتماعية، يبيح ما لا يبيحه المجتمع، النضال في الحب جذريًّا كما النضال في الثورة. يتحول الثوري إلى مشروع داخل دائرة الحب/ الحياة كما عند بعض أبطال دوستويفسكي. يقفون ضد النص الذي يحكم الإنسان؛ لأن الإنسان أقوى من النص، وأسبق وجودًا من الأخلاق. ولكن لا يُستبعَد الذنب ولا تتم هذه الإباحة إلا في حضور الموت، وهي الضريبة مقابل نسيان الذنب.

لا يوجد اسم للمدينة التي تحدث فيها الجريمة، ربما هناك تعمد في حجب الاسم؛ لأن هناك قضية وجودية تتجاوز المكان والزمان.

بالفعل تموت ليلى، كأمنية تتحقق له، ويكون أول المتهمين؛ بسبب مجموعة من الملابسات البوليسية التي حدثت قبلها، ولكننا نعرف كقراء، أنه بريء. كأن التهمة توجه هنا إلى النية التي تمناها، وكأن السجن الذي ينتظر فيه المحاكمة، ليس إلا فضاءً رمزيًّا لمحاكمة هذه النية، وأيضًا محاكمة مفاهيم أساسية في الحياة.

يحدث التغير داخل السجن

داخل السجن، في انتظار المحاكمة، تتغير البديهيات بالنسبة لصالح. قريب من سجن محمود درويش الذي كتب عنه غسان كنفاني بوصفه الفترة التي غيرت من وعي درويش ومزجت داخله بين الذاتي والموضوعي. وأيضًا قريب هذا السجن من ريجيس دوبريه صاحب «مذكرات برجوازي صغير»، الذي أنضجه السجن ومزج داخله بين الذاتي والموضوعي.

داخل مونولوج طويل يتساءل صالح، بل يسخر، من مفهوم العدالة، ولا يهمه أن يدافع عن نفسه بل يلتزم الصمت، لشيء استقر في نفسه بنسبية الحقيقة، وعدم قدرة الإنسان على الوصول إليها، إلا بتزويرها، أو بالخيال.

غسان الثوري صاحب القضية يشيد عالمًا جديدًا بأخلاق جديدة داخل هذا العالم الواقعي، يتوافق مع جذريته الوجودية التي لا تعترف بالتقاليد الاجتماعية المستقرة: «الموقف جعل هناك قيمًا جديدة تنمو»(17).

جدارة هذه الأخلاق أنها تخرج تحت معاناة ما؛ سجن، احتلال، ألم، يقوم بدفع ثمنها. يضيف في مكان آخر: «هناك قوة لا يستطيع القانون الاعتقاد بوجودها إلا إذا جاءت لتثبت بطلان شيء حدث وليس حين تكون هذه ذاتها شيئًا يحدث»(18). والعالم الذي يقدم نفسه كحقيقة بالنسبة لنا ليس حقيقيًّا، بل إننا نغير من قوانينه وحقائقه كي نرضى به ونفهمه؛ لأنه فوق تصورنا دائمًا: «إننا نزوِّر العالم كي نفهمه»(19). إننا نضيف للعالم من خيالنا، عكس حقيقته؛ كي يكون مقبولًا لنا، وسهل الفهم، كونه أكبر من فهمنا وعجزنا أمامه. وأمام هذا العجز لا تكون هناك حقيقة واحدة، بل نسخًا عديدة من الحقيقة؛ لأن سوء الفهم قائم باستمرار بسبب هذا التعارض بين الخبرة الإنسانية المحدودة، والعالم غير المحدود؛ لذا هناك حقيقة غائبة دائمًا ولها أكثر من حكاية تفسر سر موت ليلى الحايك، فالقصة الحقيقية التي عايشها البطل أصبحت في نظر القضاء هي القصة الخيالية، غير الواقعية، والعكس صحيح.

البطل يحكي الرواية، وخلال حكيه هناك اعترافات أخرى جانبية من طفولته ومراهقته (مثل اغتصابه الخادمة في مراهقته). هذه الاعترافات لا يقدمها أمام المحكمة، التي ظل أمامها صامتًا معرضًا نفسه للخطر، بل أمام القارئ. لمسة تحيل لكافكا في رواية المحاكمة، وعبثيتها. إنها محكمة وجودية تناقش فيها قضية العدالة والحقيقة النسبية وأوجهها المتعددة، وهو المكان الذي يستوعب مفهومه للقضية التي يعيشها.

صالح عبر اعترافاته ينقي ضميره الثوري عبر هذه المحنة، بوصفه إنسانًا، جرته «الصدفة» ليكون متهمًا أو سجينًا، أو ليكون مُحتلًّا. هناك محاكمة يقيمها البطل للصدفة وطرق حدوثها في الحياة، ومشروعيتها، والأهم أنه يؤدي دوره كاملًا أمام هذه الصدفة/ القدر. فالصدفة هي المتهم في الرواية وهي التي يجب أن تحاكم وكلنا نقع تحت قوتها الكامنة. ربما هو الموقف الذي يتخذه في رؤيته للآخر أيضًا، فبجانب أن هناك نسبية للحقيقة، فهناك تلاعب بها، وربما يضع العدو ضمن أحد أطراف هذه الصدفة المصنوعة التي واجهت شعبه.

تعدد الرواة

في رواية «ما تبقى لكم»(20)، يستخدم غسان أسلوب تعدد الرواة(21) عبر استخدام تيار الوعي: حامد الأخ ومريم الأخت وزكريا زوج الأخت. أصواتهم جميعًا تشبه الصوت الداخلي الاعترافي في رواية «من قتل ليلى الحايك»، ولكن من دون اعترافات، أو تعدد منظور الحقيقة. هناك تداخل بين الأصوات الثلاثة كأنهم يقتسمون الحقيقة، أيضًا يقتسمون ويتداخلون في بناء النص من دون أي فوارق زمنية أو مكانية، ومن دون أي تنبيه لمن هو المتحدث، سوى استخدام تغيير في درجة الخط. تتجاور الأزمنة والأمكنة، كأن الثلاثة يتكلمون في زمان ومكان واحد داخل صوت الراوي.

بجانب استلهام غسان للروائي الأميركي وليم فوكنر في روايته «الصخب والعنف»، كما صرح بإعجابه في أحد أحاديثه، نلاحظ أيضًا تقنية المونتاج السينمائي، صور تتجاور وتتداخل، لتوحيد الزمان والمكان، كما يحدث مثلًا في سينما المخرج الفرنسي جان لوك جودار، تنقسم شاشة السينما إلى شاشات عدة، كلّ منها يعرض حدثًا. هذا التداخل بين أكثر من حدث يفتت مركزية أي حدث، ويجعل الحقيقة، أو الحكاية، متشعبة بلا بداية أو نهاية؛ لأنها تكسر زمن السرد الأساسي للحكي.


هوامش:

(1) أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948- 1966م. غسان كنفاني- دار منشورات الرمال- قبرص- طبعة سنة 2014- 2015م.

(2) المرجع السابق، ص 29.

(3) المرجع السابق، ص 29.

(4) المرجع السابق، ص 30.

(5) المرجع السابق، ص 44.

(6) المرجع السابق، ص 55.

(7) المرجع السابق، ص 106.

(8) في الأدب الصهيوني، غسان كنفاني، منشورات الرمال، طبعة سنة 2015م، ص 37.

(9) رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان، قدمت لها غادة السمان، دار الطليعة للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، بيروت، 1993م.

(10) المرجع السابق، ص 99.

(11) المرجع السابق، ص 72.

(12) المرجع السابق، ص 77.

(13) المرجع السابق، ص 99.

(14) المرجع السابق، ص 103.

(15) الشيء الآخر «من قتل ليلى الحايك؟»، غسان كنفاني، منشورات الرمال، قبرص، 2014م.

(16) المرجع السابق، ص 12.

(17) المرجع السابق، ص 70.

(18) المرجع السابق، ص 30.

(19) المرجع السابق، ص 130.

(20) ما تبقى لكم، رواية، غسان كنفاني، منشورات الرمال، قبرص، الطبعة الثانية، 2014م.

(21) دراسة فنية في رواية «ما تبقى لكم»، الدكتورة أسماء بوبكري، مخبر الدراسات الإفريقية للعلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية، منشورة على الشبكة العنكبوتية.