الإغوانا

الإغوانا

لمحت في المحمية، مرارًا، سحالي الإغوانا الضخمة وهي تتشمس فوق صخور ملساء على جانب النهر. لم تكن تلك الزواحف جميلة المنظر، بيد أن ألوانها النضرة تسلب الفؤاد. تشع أجسامها نورًا كالذي ينعكس من زجاج الكنائس المخضب أو كالذي يتلألأ من كنوز الأحجار الكريمة. يتشتت في الفضاء من ورائها عند الاقتراب منها وميض أرجواني تغشاه زرقة كأنه ذيل نيزك دري عابر.

دورة تشع منها ألوان الحياة

أطلقت النار على الإغوانا يومًا. ظننت أن بمقدوري صنع أشياء زاهية من جلدها. حدث أمر غريب حينها ترك بصمة في خاطري. أثناء سيري لأغتنم صيدي الساكن على الصخرة -في تلك الخطوات المعدودة- تلاشى لون السحلية متسارعًا حتى توارى بالكامل مخلفًا جرمًا شاحب اللون ملمسه مصمت كالطوب. أدركت عندها أن ذاك الرونق كان مبعثُه دمًا ينضح حيوية في ذلك الكائن ويتدفق في دورة تشعُّ منها ألوان الحياة. أما الآن، بعد أن أُطفِئ اللهب وغادرت الروح الجسد تحولت السحلية إلى جماد كالصخرة التي تحتها.

تزورني ذكرى الإغوانا التي قتلتها في تلك المحمية من آنٍ لآخر. مثل ذاك اليوم في ميرو، حين شاهدت فتاة محلية ترتدي سوارًا على يدها. سوارًا جلديًّا عرضُه إنشانِ مزركش كله بفصوص صغيرة متدرجة الألوان؛ منها الأخضر والسماوي واللازوردي. كان بحق سوارًا حيًّا، خلتُه يتنفس من معصم الفتاة؛ لذا أردته لي فأمرت خادمي فَرَحًا على الحال بشرائه من الفتاة. ما إن استقر السوار على ذراعي حتى أفرج عن شبحه. غدا ربطة يد رخيصة محلية الصنع وتافهة. أدركت ثانية أن ثنائي البريق التركوازي والمعصم الداكن المتشبع بمليح السمرة هو ما منح الحياة للسوار. تسمرت في ميرو أتأمل يدي الشاحبة وشبح السوار عليها. بدا لي الأمر كظلم وقع على شيء نبيل أو كحقيقة تم كبتها قهرًا. تذكرت، والألم يعتصرني، مقولة على لسان بطل في كتاب قرأته وأنا طفلة: «دَحرتُ كل شيء قام أمامي، ولا أجد حولي الآن سوى القبور».

في أرض الغربة هناك كائنات غريبة تعج حياةً ورونقًا. على الغرباء عن الأرض تقدير ما إذا كانت روح هذه الأشياء ستبقى إن سُلب منها نسق محيطها. ولمن استوطنوا إفريقيا من غير أهلها أقول: لأجل سلامة عيونكم وقلوبكم أنصحكم: لا تسول لكم أنفسكم أن تسلبوا الإغوانا حياتها.

الزرافات في طريقها إلى هامبورغ

أقمت في مومباسا في ضيافة والي الساحل علي بن سالم، وهو شيخ عربي شهم ومضياف. مومباسا تشبه رسمة طفل صغير طُلِب منه تَخيُّل الجنة. أذرع البحر فيها تحتضن الجزيرة لتهب لها موانئها الخلابة. يتشكل سطحها من شعب مرجانية ناصعة البياض تتخللها أشجار المانجو الضخمة وأشجار الباوباب المذهلة. بَحرُها فاقع الزرقة مثل لون زهرة الذرة، يلوح في أفقه غيمُ المحيط الهندي المتموج وهو يومض برقًا خافتًا رغم سكينة الطقس من حوله. شوارع مومباسا الضيقة مرصوصة بأحجار أقحوانية من المرجان، تنتهي بك في أعلى التلة عند قلعة تليدة تقف شاهدة على تاريخ دموي بين العرب والبرتغاليين عمره ثلاث مئة عام، يزينها بوابات ونوافذ ذهبية تشربت أشعة الشمس عبر الزمن فأبلجت لونًا أصفر وهاج. حدائق المدينة تتغنج بزهور رهيفة القوام فاقعة اللون من الأكاسيا الحمراء. شمس مومباسا حارقة وأرضها ملحية جرداء تصلح للرقص، يجوبها نسيم من الشرق مالح الفوح مشبع من عبق المحيط. لكن هِبَة أشجار المانجو الضخمة متشابكة الفروع والأغصان منحت الأهالي ملاذا يستظلون فيه ويقيمون أسواقهم ولقاءاتهم تحت حماه.

ينتصب منزل علي بن سالم شامخًا على زاوية ينعطف عندها البحر وتحفه بيوت الضيافة البيضاء من كل جانب. يهبط منه درج من الأحجار الطبيعية إلى ضفاف المحيط. تكتنز صالة الشيخ مقتنياتٍ نفيسةً من نحاسياتٍ عربيةٍ وعاجٍ ولوحاتٍ وكراسيّ مخمليةٍ وفونوغراف عتيق. أحد هذه المقتنيات كان طقم صينية شاي أنيقة بداخل صندوق يكسوه الحرير مهداة من ملكة إنجلترا وبلاطها الملكي لسليل سلطان زنجبار وكريمة شاه فارس بمناسبة قرانهما.

«أكانا سعيدين؟» سألت الشيخ.

«مطلقًا»، أجاب بسرعة واستطرد: «جَلَبت خيولها معها، على الزورق نفسه الذي حمل جهازها، لم يتحمل الأهالي منظر امرأة تمتطي الخيل، اختارت الأميرة حصانها على زوجها فعادت أدراجها إلى فارس».

في ميناء مومباسا، طفت باخرة ألمانية صدئة تهم بالإياب إلى ديارها. عاينتها وأنا عائدة إلى الجزيرة على زورق الشيخ، يجدف بي عماله السواحليون. قام على ظهر الباخرة قفص خشبي طويل، بزغ من فتحة في أعلاه رأسا زرافتين. «قدموا من مستعمرة شرق إفريقيا البرتغالية وهم في طريقهم إلى حديقة حيوانات هامبورغ» هكذا أخبرني خادمي فرح. لَوّحت الزرافات برؤوسها الهزيلة وكأنها تعبر عن دهشة من طارئ أحل بها. دَهشتُها مفهومة فعلًا، فها هي ترى البحر اللامتناهي لأول مرة وتقبع في صندوق لا يسع غير الوقوف. ها هو العالم ينكمش فجأة ويحيط بها ويغلق السبل من حولها.

هل تعلم، يا ترى، الانحلال الذي ينتظرها بعد رسو السفينة؟ تلك الوحوش الحالمة الأبية، المتجولة في السافانا بخفة وحرية، أتملك أن تفهم معنى الأسر؟ أتملك خيالًا عن لذعة البرد وتكدس الأدخنة وانتشار العث في مكان ممل لا يستجد به شيء مطلقًا؟

غدًا يحاوطها الدهماء ذوو الملابس الغامقة نتنة الرائحة؛ ليمتعوا نواظرهم ويشبعوا غرائزهم بتفوقهم العقلي على عالم البهائم. غدًا يضحكون وهم يشيرون إلى رقابها الطويلة النحيلة وهي بلباقة وصبر ترمقهم من فوق السور بعيونها الحالمة الوديعة. سيستوحش أولادهم ويبكون في البداية، ثم ستنفرج سرائرهم بعدما يطعمون الخبز للزرافة بنجاح، بعدئذ تنفتح أنفس الآباء والأمهات ويرتاحون للوحوش اللطيفة التي رفهت عن صغارهم.

خلال السنين الممتدة أمامها، هل ستحلم الزرافات بموطنها الضائع؟ «أين هم الآن، أين اختفوا؟ تلك المروج والحشائش أين أضحت؟ أين الأشجار الطويلة والأنهار الجارية والجبال الزرقاء؟ ذلك النسيم المليح الهابط من أعالي التلال، هل غادر وأدبر عنا؟ أين باقي الزرافات التي كانت تؤنسنا وتشاركنا حياتنا، لماذا هجرونا وتركونا هنا؟ لا بد أنها في ذلك الموطن حيث يكتمل القمر عند الليل، لا أظنهم يعودون أبدًا».

ستَفزّ الزرافات من حلمها لتجد نفسها في حظائر ضيقة وعفنة تفوح منها رائحة التبن والجعة الفائضة من القمائم.

وداعًا، وداعًا، أتمنى لكم الموت قبل وصولكم، حتى لا تُبتَذل تلكم الرؤوس الشامخة الرقيقة التي تسمو في سماء مومباسا الزرقاء وتُلوّح رقابها ببراءة واستغراب؛ قبل أن يضيق بها الحال للتعبير عن الأسى والوحدة في مكان قصي لا يفهم من فيه روح إفريقيا. أما نحن، فلن يتسنى لنا طلب العفو والغفران حتى يجيء اليوم الذي يبغي فيه كائن علينا كما بغينا على الزرافات النبيلة.


هامش: النص من كتاب بعنوان «Out of Africa» (راحلة من إفريقيا) لكارين بلكسين، وهو في رأيي أروع أبواب الكتاب؛ إذ تقفز بلكسين بخفة فكرية وبراعة أدبية بين ثيمات منوعة لأحداث يومية في غاية البساطة حصلت لها في إفريقيا، تستنبط منها الكاتبة معاني أصيلة في غاية العمق.

أن تحاور الرواية وأن تحاورك الرواية

أن تحاور الرواية وأن تحاورك الرواية

لست أدري لمَ أقبلتُ، مبكّرًا، على قراءة ما هو متاح من كتب الهنغاري الماركسي جورج لوكاتش، الذي يصبح في الهنغارية: لوكاش جورجي. أذكر أنني بدأت بكتابه «الرواية التاريخية»، الذي تُرجم في العراق، وتلاه آخر عن «الرواية الروسية» تُرجم في القاهرة. ولم تأتِ ترجمة كتابه الشهير: «نظرية الرواية – 1914» إلا متأخرة، قام بها مترجم مغربي حصيف، رغم صعوبة اللغة، وكنت آنذاك لست بحاجة إليها، بعد قراءته بالفرنسية.

وعلاقتي بالكتاب الأخير أشبه بالحكاية، واضحة البداية لطيفة الانغلاق؛ ذلك أنني استعرت منه العنوان وبعض الأفكار في فترة محددة، وزهدت بها لاحقًا. فقد ارتكن لوكاش «نظريته في الواقعية» إلى مفهوم: الصراع الطبقي في الأدب، جعله مركزيًّا، وقرأ به توماس مان وبلزاك، وأغفل: «الصراع الطبقي في القيم الجمالية»، مفترضًا أن الشكل الروائي ثابت يصيبه تغيير قليل، وأن هناك شكلًا فنيًّا مرجعيًّا لا يصحّ تجاوزه، هو ذاك الذي جاء به تولستوي وبلزاك، وكان نظره هذا «أرسطويًّا» ولم يكن ماركسيًّا. وعندما انتقل في مرحلته الستالينيّة، والأرجح أنه كان ستالينيًّا طيلة حياته، إلى ما دعي «بالواقعية الاشتراكية» لم يغيّر في نظره شيئًا، منتظرًا «تولستوي أحمر» أو «بلزاك اشتراكي المنظور».

وواقع الأمر أن دوراني الطويل حول كتاب «نظرية الرواية» يعود إلى سببين: كتبه لوكاش شابًّا، وبقي الأشهر بين أعماله الفلسفية والنقدية الأدبية. وثانيهما أنني قرأته غير مرة. لا فرق إن كنت قد نفذت إلى ما يريد أن يقول، أو بقيت «أتعيّث»، كلمة مستعارة من الأستاذ الراحل حسين مروّة، وتعني: الوضوح المجزوء، أو المتوهّم، أو ذاك القصور الذهني الذي يقنع صاحبه أنه فهم ما يقرأ دون أن يكون، لزومًا، فهم فعليًّا ما قرأه.

تعرّفت إلى كتاب «نظرية الرواية» للمرة الأولى، في منتصف ستينيات القرن الماضي في عرض سريع له في «مجلة المعرفة»: السورية، قام به السوري فؤاد أيوب، تأكدي من الكنيّة لا يساويه يقيني عن الاسم العَلَم. جذبني إليه طويلًا لغته الأدبية- الفلسفية، وكنت آنذاك طالبًا في كلية الفلسفة في جامعة دمشق، وأنصتُّ إليه لاحقًا وأنا أقرأ «لوسيان غولدمان»، ناقدًا أدبيًّا وفيلسوفًا بدوره، أشهره كتابه: «الإله المحتجب»، درس فيه أعمال الفيلسوف الفرنسي باسكال. اطمأن غولدمان اليهودي الفرنسي الروماني الأصل إلى الكتاب المذكور، طوّر أفكاره، واتخذ منه دليلًا نظريًّا لدراساته الأدبية التطبيقية، وعن أندريه مالرو خاصة.

والأساسي، في الحالين، كلمة: «نظرية» التي تعني نسقًا من المفاهيم و«الكلية»، تسرد وتشرح وتوحّد بين بداية القول ونهايته. إضافة إلى إضاءة إلى التاريخ الاجتماعي- الثقافي الذي يتيح ظهور الرواية وتغيّرات البنية واللغة. وما كان احتفائي بمفهوم النظرية إلا حلمًا «شبابيًّا» عارضًا «هجس ببناء نظرية شاملة» في الرواية العربية، عاش فترةً وطواه الزمن.

دفعني شغفي بكتاب لوكاش الشاب إلى محاولة الكتابة عنه (شبه دراسة) في سبعينيات القرن الماضي في مجلة شؤون فلسطينية. تحدّث عنها بتحفّظ الصديق محمد برّادة حين التقيته، آنذاك، في بيروت. ولعل شعورًا بالعجز الحقيقي عن تملّك «نظرية الرواية» أملى عليّ إعادة كتابتها حين نشرتها في كتاب «قديم» عنوانه: «في دلالة العلاقات الروائية» قبل أن أعود إليها، مرة أخيرة، بوضوح نقدي في مطلع كتابي: «نظرية الرواية والرواية العربية».

تعرّفت إلى عمل لوكاش الشاب بمحاولات متعددة، ودفعني بدوره، إلى التعرف إلى مساهمات ذات صلة به، حال كتاب الفرنسي بيير ماشريه: «نحو نظرية في الإنتاج الأدبي»، استلهم فيه نهج أستاذه لوي آلتوسير، أخذني إلى اجتهادات الإنجليزي تيري إيجلتون، التي اتكأت على دراسات آلتوسير وماشريه معًا، قبل أن يتحرّر منهما، جزئيًّا. بيد أن الإنارة النقدية الأكثر اتساعًا جاءت مع الروسي باختين في دراساته عن آحادية وتعددية الأصوات عند تولستوي ودوستويفسكي.

عبث البحث عن نظرية

سواء كانت المراجع فعلية أو متخيّلة، فالأساسي ماثل في أمرين يُكمل أحدهما الآخر: إمكانية قول متسق عن نظرية في الرواية العربية، كما عبث البحث عن نظرية لا وجود لها، ولا لزوم. قادني إلى الأمرين، ومنذ زمن، قراءات قديمة أكّدتها قراءة بعض الروايات العربية الحديثة الصدور، أولها رواية: زهران القاسمي: «تغريبة القافر» التي حظيت باهتمام كبير، تثير أسئلة حول نظرية الرواية العربية المفترضة، أو المزعومة! فالنظرية تقول مدرسيًّا: إن الرواية ابنة المدينة، وأنها محصلة لعلاقات اجتماعية حداثية، بدءًا بالفرد وليس انتهاءً بتعددية العلاقات الاجتماعية، بعيدًا من المراجع الضيقة كالعشيرة والقبيلة، وأنها أثر للعلوم الاجتماعية الحديثة مثل الفلسفة وعلم النفس والممارسات السياسية.

زهران القاسمي

بيد أن القراءة، أسريعةً كانت أو متأنية لرواية زهران القاسمي، تبدأ بالقرية والجبل والوادي والبئر والبراري والأمكنة المهجورة والعائلة الضيقة… حتى لو أدخلنا عنصر: «المتخيّل الروائي»، فهذا لا يضير القراءة في شيء، فهو متخيّل يبدأ من القائم المحدود، يتوسّع محدودًا دون أن يسيء إلى السرد، ويأخذ بلغة دائرية، لا تحتاج إلى التنوّع والحرية وتنتهي، مهما تكن أبعادها، إلى نص إبداعي كثيف تكمل فيه اللغةُ المتخيّلَ، ينتجان، في النهاية، خطابًا سرديًّا، لا فرق إن تعددت شخصياته، أو أخذت فيه الطبيعة الأقرب إلى التجانس، مكان المجتمع في طبقاته المتعددة، كما يفترض المنظور الروائي (النظري) في شكله المدرسي، ذلك الشكل الذي يحرّره المؤلف ويدعه طليقًا.

والسؤال الأساسي: إن كانت الرواية «امتدادًا» للمدينة، فكيف تكوّنت وهي ترسم واقعًا لا علاقة له بالمدينة؟ جعل نجيب محفوظ من القاهرة، على سبيل المثال، المرجع الأساسي لروايته المتوالدة، مضيئًا بوضوح العلاقة بين الرواية والمدينة، واتخذ القاسمي من القرية متكأً لمتخيّله الروائي، وانتهى إلى عمل إبداعي يعيد النظر في دلالة «الفضاء الروائي»!

اللبناني رشيد الضعيف، الذي راكم نتاجًا روائيًّا نوعيًّا، كتب، بدوره، مؤخرًا رواية: الوجه الآخر للظل، الأقرب إلى حكايات متخيّلة تحيل، طليقة، على ألف ليلة وليلة و«كليلة ودمنة» وكتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني وغيرها. يتلامح في عمله الروائي، المشار إليه، وجوه المتخيّل واللغة؛ العنصرين الروائيين الأساسيين، انتهى إلى «نثر كلاسيكي» بديع يرسم تعددية العوالم الطبيعية والإنسانية. إذا قفزنا فوق ما هو متعارف عليه في الكتابة الروائية، نلاحظ تأملًا فلسفيًّا لامعًا، تأملًا فلسفيًّا للوجود، لا تتضمنه «الرواية التقليدية» إلا نادرًا. كأن ينهي عمله بفصل أخير عنوانه: «دوران الأرض» تتوجّه جملة أخيرة غامضة: الأرض مدارية بما تحتضنه.

رشيد الضعيف

كاد رشيد أن يقترح للرواية تعريفًا جديدًا يقول: الرواية فضاء تكاملي طليق «تخلق الوجود وتضيف إليه أكثر مما هو موجود». نقرأ في الفصل ما قبل الأخير «ثورة العناصر» نثرًا تحرّر من «المرجعية الموضوعية»: «وإذ خرجت السماء عن صوابها، ازداد جنون الأرض وباتت مكشوفة على المفاجآت» و«أكثر ما فقد صوابه الشجر، فثار على شرطه، وثار على صمته وثباته في المكان ذاته مدى الدهر، وهجر أرضه…» أو: «ثم هدأ الكون واتضح، وسعت الطرقات إلى مآلاتها…» لا قد يهجُس القارئ هنا بتعددية العوالم، ويحاور «نثرًا أقرب إلى الشعر» وشعرًا يَتَفَلْسف يحتاج إلى أكثر من قراءة.

من المحقق أن رشيد الضعيف في عمله: «الوجه الآخر للظل» تقدّم بعمل روائي عربي لا يمكن مقارنته بغيره، نثره شعر وشعره نثر متقطع السرد وغائم الزمان والمكان، ينكر كل تعريف مسبق للرواية ويؤكد أنها كتابة تستعصي على التعاريف الجاهزة، كما لو كانت الرواية هي الحرية المطلقة القريبة من الشعر الصوفي، وأن للإنسان الحق في العيش، حرًّا، في حياته اليومية، وله حريته في أن يكتب كما يشاء. تغدو الكتابة في هذا المنظور تجسيدًا «مضمرًا» للحرية في إمكانياتها الفعلية المحتملة. كتابة تواجه كل القيود المعيشة والمحتملة، وهو ما يجعل «الوجه الآخر للظل» ظلًّا متعاليًا ينفتح على «حرية منشودة لا يمكن القبض عليها» لكأن «الظل» لدى الضعيف صورة أخرى عن «المثال» عند «أفلاطون» يلامس أطرافه الإنسان ويظل محتجبًا.

تعددية العوالم الممكنة

لا تطرح رواية الضعيف أسئلة حول «نظرية الرواية»، ولا تَعِدُ بنظرية جديدة، أو تشير إليها، بقدر ما تسائل «تعددية العوالم الممكنة»، تتخذ من «الفضاء الروائي» تجسيدًا متخيلًا لها، يبدأ بفضول الذهن وينفتح بلا نهاية، على قلق الروح، هذا القلق الذي تؤنسه الرواية، بلا شروط، ولا تقترح له بداية ولا نهاية. إن حرية «التذهين الروائي»، إن صح القول، تحرير للغة من استعمالها اليومي، ومن قيود الوجود الصغيرة والكبيرة معًا. إنها الحرية- المثال، المتطلعة إلى فضاء لا تفضي إليه السُّبل المعروفة ولا المجهولة أيضًا.

أمين الزاوي

كسرت رواية القاسمي المبدأ النظري القائل بأن الرواية انعكاس لفضاء مديني، وأظهر رشيد الضعيف أن الرواية فضاء لتأمل طليق لا ينصاعُ إلى النظريات، متحرر من بداهة: أن الرواية مزيج من التخيّل والواقع. فالأخير عند رشيد كلما تلامع تلاشى مؤكدًا أن ما يدعى بالواقع لا وجود له داخل الكتابة ولا خارجها. أما الجزائري أمين الزاوي فسلك في روايته الجديدة: «الأصنام» طريقًا آخر، يؤكد الرواية فعلًا نظريًّا حداثيًّا ومتخيلًا تضمنه اللغة، كما لو كان التخييل أثرًا للغة، تقترحه وتنشده وتبنيه.

يندفع القارئ الروائي إلى إبداع أمين الزاوي محرَّضًا بأمرين: جهده المتراكم النوعي السائر من رواية وازنة إلى أخرى أكثر إتقانًا وتجديدًا. لا مجال عند الزاوي للمراوحة والإنتاج الكمّي، فهو مشغول بكيفية الكتابة والوفاء للسؤال الصعب: لا تقوم الدلالة في اجتراح الأفكار إنما تتعين بطريقة كتابتها التي تستولد أفكارًا جديدة. كما لو كانت الكتابة تستنطق الأفكار وتستولدها في آنٍ.

الأمر الثاني، الذي يستكمل الأول، ماثل في ثقافة الروائي أو الثقافة التي تعلن عنها الرواية، موحّدة بين المأثور العربي وقوة المعيش اليومي والكونية الثقافية التي تجسّر المسافة بين بول إيلوار الشاعر الفرنسي، وكاتب ياسين، الأديب الجزائري المهجوس بتثوير الكتابة والمجتمع معًا.

وثيقة نظرية

قد يكون في روايته الجديدة: الأصنام، الصادرة هذا العام، ما يجعل من الرواية وثيقة نظرية- سياسية معًا، تبدأ من السلطة السياسية وتعود إليها، شارحة معنى الاستبداد والديمقراطية، وكاشفة عن مآل الشعوب المستبدّ بها وعن هشاشتها التي تأتي بمستبد لا قيمة له يَعُدّ ذاته كيانًا نجيبًا متعاليًا. ولهذا انطوت رواية «الأصنام»، التي جمعت بين ألق الأسلوب ووحدة المفاهيم النظرية، على ثنائيات تختصر علاقة «الرعية» بالسلطة: التحرر الوطني/ الاستقلال الوطني؛ إذ في عِثَار الثاني وتداعيه ما يعطّل معنى الاستقلال ويلغي دلالة التحرر. وهناك ثنائية العقل الطليق/ والفكر المعتقل؛ إذ الأول يشرح قيمته بممارساته، وإذ الثاني علاقة اجتماعية تتسع فيها الخرافات ويتسيّد عليها «حرّاس الضمائر» الذين يحوّلون الحياة، اعتمادًا على بلاغة متدينة زائفة، إلى جملة عادات مستبدّة تغلق المستقبل.

وهناك أيضًا المواجهة بين التعصّب الصادر عن تراتب اجتماعي محكوم بالمصلحة والتسامح الذي يأخذ به بشرٌ لم يفقدوا عقولهم ولا ضمائرهم. وأخيرًا الفرق بين المرأة كشيء لا قيمة له وككيان له الحق في التصرّف بعقله وجسده ومقدّراته، كأن الفكر المظلم ينتزع من الإنسان إنسانيته مقابل عقل حواري يؤنسن البشر ويحضّهم على التفتّح والانطلاق.

يقال نظريًّا، عادة: يُنتج كل عمل روائي أيديولوجيا خاصة به، واضحة أو مضمرة. شَخْصَنَ أمين الزاوي الأيديولوجيا الروائية، ووزّعها على بشر اعتُقلوا قبل ولادتهم، وتمرّدوا على الموروث بخيار حر يُردي التربية الجاهزة، وتلك المحروسة بمتواليات من العسس والمخبرين، ومراجع دينية تختصر الدين في الربح والخسارة، وفي «ثقافة أدعية» تقاتل الحياة.

اتكاءً على ما سبق فإن القول بنظرية روائية ادعاء أكاديمي لا يستطيع الوقوف، ذلك أن كل عمل روائي جدير بالقراءة يقترح منظورًا خاصًّا به. وتنتمي تلك النظرية غالبًا إلى التطورات الفلسفية أكثر منها إلى النقد الأدبي أي أنها لا تفيد الرواية بشيء.

كانت تسافرُ إليه المدنُ

كانت تسافرُ إليه المدنُ

الهُدهُد والساحر

صغيرًا أمسكتُ بالهدهد

تربَّصت به في البئر

وحيث يقيم،

تعقبت خوفَهُ

وهو يطلقُ أصواتَ غيرهِ بإتقانِ

كي يروعني؛

ولم أبالِ

حتى إني كنت كُلَّ يومٍ أطلُّ عليهِ،

أمدُّ يدي

التي لم ترجع خاويةً ذاتَ غيمٍ.

أحكمتُ عليهِ القبضةَ،

فانكسرَ من عظامهِ واحدٌ.

سِرتُ به مكسور الجناح ليلًا،

أوصلته لمن ابتغى

وقبضتُ الثمنَ دراهمَ قليلةً

بنفس اليدِ،

قبل أن يخرَّ الساحرُ باكيًا

على ما انكسر.

الطفلُ والمرآة

ممسكًا بمرآةٍ صغيرةٍ

تعكس ضوءَ الشمسِ،

كنتُ أنقّلُ الضوء على جدرانِ المنازلِ،

فيعجز أصدقائي

عن الإمساكِ بهِ،

أصدقائي الذين كبروا

وصاروا مهاجرين وبحارةً

تركوا خلفهم

طفلًا ما يزالُ يحملُ المرآةَ

كي يعكسَ الضوءَ الآن

على وجوهِ المارةِ

من وجهٍ إلى وجهٍ،

ويضحك.

الراهب المسافر

لم يحدثْ يومًا أن سارتِ المحطةُ إلى القطارِ،

أو طارَ المطارُ إلى الطائرةِ

ووصل في موعدهِ،

إلا مع الراهب

الذي كانت تسافرُ إليهِ المدنُ؛

فيجوب شوارعها

وهو في مكانه،

مغمض العينين،

وغارقًا في التفكير.

الراهبُ المتسولُ

لم يكن متسوّلًا

يطوفُ البيوت سائلًا حباتِ أرزٍ وحسب.

كان راهبًا

قد غادرَ المعبدَ

حين لم يجد جوابًا

لسؤال أحد مريديه.

قطع السهول والغابات

متسوّلًا جوابًا

يلقيهِ أحدٌ ما

إلى داخلِ الوعاء الفارغِ

بين يديه؛

ولم يجد.

الإنسان الأخلاقي، في حاجة إلى اعتراف يصون الهوية

الإنسان الأخلاقي، في حاجة إلى اعتراف يصون الهوية

مفهوم الوجه وعلاقته بالهوية

لا يقتصر النظر إلى الوجه على مظهره الفيزيقي الذي ترشح عنه الإيماءات والنظرات والتقاسيم، بل ينصرف إلى بُعده الماورائي المجرد الذي يعكس حلول اللامتناهي في المتناهي. وبذلك يكون التعريف الفينومينولوجي لهوية الوجه قاصرًا ومغرقًا في السلبية؛ لأنه يكتفي فقط بالصورة المعيونة للوجه التي لا تتكشف عنها أسراره الداخلية؛ فيما هو صورة ناطقة عن الأنا في كليتها ومعانيها العميقة التي تجعل وجودي في خدمة وجود الآخر، كما تجعل هوية الآخر في خدمة هويتي.

وهنا تحضر أخلاقيات الوجه التي عبرنا عنها بالتواجه، الذي يخرج التواصل من دائرته الأنانية الضيقة إلى فضاء أرحب يرشح بمعاني الغيرية ويحقق شروط الإنسية المبنية على المخالقة والتعاطف؛ لهذا يغدو مفهوم الهوية الثابتة والذات المنعزلة عن غيرية الآخر مفاهيم خارجة عن إطار الهوية الكونية التي تجعل ملامح الآخر لا تتحدد إلا في علاقتها المحايثة للآخر باعتباره ذاتًا لا موضوعًا، روحًا لا جسدًا. وبذلك تصبح العلاقة بين الأنا والأنت علاقة إيتيقية متكافئة؛ بل تصبح الغيرية شرطًا لإثبات الإنية انطلاقًا من الوجه الذي يتجاوز نظرتنا الحسية إليه بوصفه مجرد ملامح فيزيقية(1)، إلى اعتباره يتحدد خارج نطاق علاقة الذات بالموضوع.

من ربقة الاعتراف إلى أنس التعارف

لتحقيق هذا العبور المفهومي، كان لا بد من صوغ نموذج تواجهي جديد يتجاوز عقلانية هابرماس التي تنتصر ضمنيًّا للقادر على انتزاع الاعتراف بعد مواجهة غير متكافئة أخلاقيا، لتعيد توليد الفردانية والإنية، وهو نموذج يتخطى أيضًا القصور الذي يعتري أخلاقيات ليفيناس الموغلة في الاعتراف المجحف على حساب التعارف المتأسس على المخالقة.

إن المبادئ الأخلاقية التي اقترحها هابرماس تجعل من عملية التفاوض ذات بعد تداولي يعترف بجميع الأطراف الفاعلة في سيرورة الحوار، كما يقر كل واحد، في دورة النقاش هذه، بالمحصلات والنتائج التي تلزم جميع الأفراد بمآلاتها التي تقبلها الجماعة وتقر بمعاييرها إقرار تسليم؛ لأنها محل إجماع وتوافق. لكننا، ههنا، لا نعدم النقد الذي وجه إلى هابرماس في مفهومه للفضاء العمومي ذي الخلفية البرجوازية الليبرالية، مكرسًا في ذلك نزعته الإقصائية للفضاء العمومي المضاد والممانع، بلغة أوسكار نغت(2)؛ وهو فضاء يمثل لا شك الأصوات المبحوحة التي تنادي بالتخلص من ربقة القيود التي تفرضها عقلانية هابرماس.

إن الانتقال إلى النموذج المرغوب الذي يتقوم بأخلاقيات التواجه لا المواجهة وبأدبيات التعارف لا الاعتراف، يجد مسوغاته في انبناء الأول على الصراع الحتمي والمفضي إلى محو الآخر، ووسمه بالعجز عن الاندماج في بوتقة الكونية، وفي تعلق الثاني بشرط المخالقة الذي هو المعادل الموضوعي للفطرة الإنسانية السوية؛ إنه اختلاف في التكوين الأخلاقي لكليهما، بين مفهوم يتولد عنه التنافر والتباعد وآخر يتخلق من نسغه الائتلاف والتشارك. بهذا الفهم الأقوم يمكننا الخروج من مأزق الهوية وانشطار الذوات للتحليق في فضاء العيش المشترك والقطع مع ذئبية الإنسان الساعي إلى السيطرة والإخضاع اعترافًا لا تعارفًا، وإقصاء لا إشراكًا، وانفصالًا لا استقلالًا.

شارل تايلور

إنه مأزق سالب للهوية الإنية مهما غلف بمفاهيم الديمقراطية والحرية والمساواة التي تظل سابحة في إدراك محدود؛ لأن نقد العقل الأداتي المرتكز على التصور التقني في العصر الحديث لم يقو على إخراج الإنسان من نزعته الليبرالية المتوحشة على الرغم من الاستعاضة عنه بالعقل التواصلي الذي يضبط الممارسة التواصلية وينزع عنها صفة الأداتية، ويبيئها داخل المجال العام أو داخل نسق اجتماعي موسوم بالحركية والتوثب والصراع البيني المنتج. وسرعان ما انكشف زيف العقل التواصلي بعد تجريده من نزاهته الأخلاقية وسقوطه في مغبة السياسة القائمة على ازدواجية المعايير وتجزيء مفهوم الكرامة الإنسانية التي تنتصر لعرق على حساب عرق آخر(3)، وتبين ولاءه المفضوح للمركزية الغربية في «حوارها» مع الآخر أو «اعترافها» به اعتراف القوي بالضعيف بعد أن يجرده من وجوده وهويته ويذيبه في نسقه الأخلاقي المتهافت، فتفقد الحياة معناها، ولا سبيل إلى استعادة المعنى الهارب إلا بامتلاك القيم، وفق تعبير فرانكل، للتخفيف من متاعب بحث الإنسان عن المعنى(4).

إن النزعة الفوقية للفلسفة الأخلاقية الغربية، ممثلة بهابرماس، تجعل من الصعب تجاوز النظرة الصدامية التي تغلف باعتراف يؤدي في النهاية إلى توسيع مآزق الهويات المحلية الخاضعة لجبروت الهوية الكونية؛ مما ينجر عنه انفراط العلاقة بين الإنية والغيرية وسقوطها في المحو والاستلاب. ولذلك فهو تواصل ميال للتعقيل والتعقيد، وفق تعبير شارل تايلور الذي يدعو إلى العيش في إطار من الأخلاقيات المتباينة وإنْ وحدها دليل أخلاقي معيار، وفق تراتبية في الخير لتحقيق الهوية الأخلاقية الأصيلة والمتمايزة عن الهويات الأخرى(5)؛ فأن تعترف بالآخر يعني ضمنيًّا تغذية الأنا في طموحها نحو السلب وفي رغبتها في صهر الآخر ضمن النسق المتعالي للأنا بمبادئه وقيمه الأخلاقية.

الهويات والوجود المستقل

كان لا بد من إعادة صياغة فلسفة الاعتراف بعد أن افتقدت لمقومات النجاعة التواصلية، وتعويضها بفلسفة التعارف التي تبقي على الشرط الأخلاقي، وتجعل التواجه مبنيًّا على التذاوت والحفاظ على مسافة التفاوض بما يكفل للهويات وجودها المستقل عن الهوية الكونية السالبة، وبما يضمن تحقيق الاجتماع الإنساني المبني على الأخوة الإنسانية التي مؤداها المحبة، والعدل، والتسامح، والتكافل، والتساوي في الحقوق والواجبات، والعبور من القوة التهديدية إلى القوة التكاملية المبنية على قاعدة الوحدة الإنسانية في ظل التنوع والتعدد الذي هو مدعاة للاختلاف، ومن ثم التعارف بين من هو مختلف؛ لأنه لا تعارف في نطاق التماثل والتطابق (وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا) [الحجرات 13]، تعارفًا حضاريًّا يتقوم بالسلم والتكريم والتشارك والتدافع والتثاقف للوصول إلى حياة بشرية ذات معنى يتوسع فيها مفهوم الأخلاق ليتحول إلى أنطولوجيا أخلاقية وفق تعبير شارل تايلور، وينزع عنه التقعيد الذي يكبل الأخلاق بدليل محنط، ويجعلها خاضعة لسلطة العقل الخالص في حل عن أي إحساس(6). فالكرامة العقلانية سرعان ما تعبر عن تهافتها عندما تخاصم الهويات الأخرى وتتجنى على التعدد الثقافي رغم ما تحاول تثبيته من أخلاق معيارية.

لهذا اقترح ريكور فكرة المحبة تجسيدًا لمفهوم التعارف الذي يعادل مفهوم السلم وينأى عن فكرة الصراع من أجل البقاء(7)، وقد سايره في ذلك أكسل هونيت الذي ربط الاعتراف بثلاثة أنماط: «هكذا تحفز تجربة الحب الثقة في الذات، وتجربة الاعتراف القانوني احترام الذات، وتجربة التضامن تقدير الذات»(8). ومنه ننتقل من حالة الاستفراغ الثقافي للذات إلى حالة الامتلاء عبر التشارك الديمقراطي في تدبير الفضاء العام وتحقيق العدالة الاجتماعية.

طه عبدالرحمن

ولا يمكن خلق تواجه ثقافي متناغم إلا بإعمال شرط المخالقة في تماهٍ مع الخاصية الأخلاقية، بتعبير طه عبدالرحمن(9)، التي تزداد بها إنسانية الإنسان على المستوى التعاملي، إلى جانب الخاصية العقلانية ذات الارتباط بما هو تواصلي. وهذا التهذيب الذي ينطوي على التأدب هو مدعاة الحفاظ على الخيط الناظم للتواصل، الذي يسمح بتبادل الانتفاع، ورفض التمركز حول الذات حتى نبقي على الهدف والعلاقة معًا (رابح/ رابح). أما التخلق، «فمقتضاه أن يأتي المتكلم بفعل القول على الوجه الذي يبرز به دلالته البعيدة، فضلًا عن اعتبار دلالته القريبة ويقوي أسباب الانتفاع الآجل به، فضلًا عن اعتبار الانتفاع العاجل به»(10).

وهذا الضرب من التهذيب يجعل عملية التواصل قائمة على التفاعل الذي مؤداه جلب الخير ودرء الشر؛ وهو منتهى الإنسانية التي تزيد من اعتبار الآخر على اعتبار الذات، وهو، أيضًا، جوهر العلاقة التخاطبية/ الفاعلة، المبنية على الذات المتعاملة التي تتناسل منها الذات المتأدبة والذات المتخلقة المتوسلة بالفطرة والإحسان، بعيدًا من التقنينات المعيارية وانحشارًا في وعي أخلاقي يسم الحياة بالمعنى الحقيقي الذي يتأسس على القيم بوصفها أخلاقًا هادية تصنع الإنسان الائتماني وتجدد روحه التي طالها الصدأ وتبوئه رتبته الإحسانية بما هي مرتبة لا يبلغها إلا من حصل فعل التزكية وتشرب القيم بوصفها معانيَ نؤتمن عليها كما نؤتمن على الودائع السرية(11)؛ إنها ارتداد إلى الفطرة الإنسانية السوية وأوبة إلى التربية الروحية والوجدانية.

يقول طه عبد الرحمن: «ولا يخفى على ذي لب أن القيم هي المعاني الروحية التي أعطيت للإنسان لكي يتمكن من العروج بروحه إلى عالم الملكوت»(12)؛ إذ لا يمكن العبور إلى عالم المطلق إلا بركوب مطية القيم التي هي السبيل إلى معانقة عالم الملكوت بوصفه تجلّيًا روحيًّا يتسامى عن عالم الأغيار. ولما كان ذلك كذلك، تحقق مفهوم المخالقة الذي يؤثر في ماهية الإنسان ويجعلها تضيق وتتسع وفقًا لفعل التخلق والتزكية.

إن الإنسان الأخلاقي المكرم بالقيم هو المعول عليه في انتشال البشرية من نزعتها الذئبية للوصول إلى مرتبة الإحسان وتحقيق المخالقة التي لا تتعارض مع الفطرة السوية، وهو المسؤول عن الانتقال من معيارية الاعتراف وتقنيناتها العقلانية إلى أخلاقيات التعارف الائتماني بسموها الروحي الذي تقوده المحبة والتعاطف.


المصادر والمراجع:
(1) Lazare Benaroyo, Le visage au-délà de l’apparence, Levinas et l’autre rive de l’éthique, Articolo Sottoposto a peer review.Ricevuto il 23/6/2024.Accettato il 1/3/2015 , P 218.
(2) Oscar Negt, L’espace public oppositionnel, Payot, Paris, 2007.
(3) الحديث هنا عن البيان الذي أصدره يورغن هابرماس وآخرون تعليقًا على الحرب ضد حماس، وتحيز هابرماس الواضح للدفاع عن السردية اليهودية التي «تدافع» عن نفسها ضد من يحاول محو الوجود اليهودي. يقول في البيان: «ترتبط الروح الديمقراطية لجمهورية ألمانيا الاتحادية، المفطورة على الالتزام باحترام الكرامة الإنسانية، بثقافة سياسية تعد الحياة اليهودية وحق إسرائيل في الوجود عنصرين أساسيين يستحقان حماية خاصة في ضوء الجرائم الجماعية التي ارتكبت خلال العهد النازي».
(4) فيكتور إيميل فرانكل، «إرادة المعنى، أسس وتطبيقات العلاج بالمعنى»، مرجع سابق، ص 70.
(5) Charles Taylor, « «Vive dans le pluralisme, Entretien avec Charles Taylor », in Esprit, Comprendre le monde qui vient, n 408, Octobre 2014, p 28.
وينظر أيضا:
–  Charles Taylor, Rapprocher les solitudes, Ecrits sue le fédéralisme et le Nationalisme au Canada, Presses de l’Université Laval, 1992, p139.
(6) محمد الشيخ، «الدين والدنونة والأخلاق»، مجلة التفاهم، عدد 48، السنة الثالثة عشرة، ربيع 2015م، ص 107-108.
(7) Paul Ricoeur, Parcours de la reconnaissance, Folio, Editions Stock, 2004, p 343.
(8) أكسل هونيت، «الصراع من أجل الاعتراف، القواعد الأخلاقية للمآزم الاجتماعية»، ترجمة جورج كتورة، المكتبة الشرقية، بيروت، 2015م، 311.
(9) طه عبدالرحمن، «اللسان والميزان أو التكوثر العقلي»، (المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط 2، 2006م)، ص220.
(10) المرجع نفسه، ص 223.
(11) للتوسع أكثر في مفاهيم الائتمانية والإنسان الائتماني؛ ينظر: طه عبدالرحمن، «دين الحياء»، الجزء 1، من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت 2017م، ص 71.
(12) المرجع نفسه، ص 71.
تدوينات من كراسة كتابة

تدوينات من كراسة كتابة

1

العالم في رأسي. جسدي في العالم.

2

العالم هو فكرتي. أنا هو العالم. العالم هو فكرتك. أنت هو العالم. عالمي وعالمك ليسا شيئًا واحدًا.

3

ليس هناك عالم سوى العالم الإنساني. (ما أعنيه بالإنساني هو كل ما يمكن رؤيته، والإحساس به، والاستماع إليه، والتفكير فيه، وتخيله).

4

ليس للعالم وجود موضوعي. إنه يوجد بقدر قدرتنا على تمثله. وتمثلاتنا محدودة بالضرورة. مما يعني أن للعالم حدًّا، أنه يتوقف في مكان ما. ولكن المكان الذي يتوقف فيه بالنسبة لي ليس هو المكان الذي يتوقف فيه بالنسبة لك على وجه الضرورة.

5

ما من نظرية للفن (إن كانت ممكنة) يمكن فصلها عن نظرية للتمثل الإنساني.

6

لكن ليست تمثلاتنا هي المحدودة فحسب، فاللغة (وسيلتنا للتعبير عن هذه التمثلات) محدودة أيضًا.

7

اللغة ليست التجربة. إنها وسيلة لتنظيم التجربة.

8

ما هي، إذن، تجربة اللغة؟ إنها تمنحنا العالم وتسلبه منا. في نَفَسٍ واحد.

9

سقوط الإنسان ليس مسألة خطيئةٍ، أو تجاوزٍ، أو فسادٍ أخلاقي. إنه مسألة خبرة تملك اللغة: سقوط العالم في كلمة، خبرة النزول من العين إلى الفم، مسافة تبلغ قرابة ثلاثة بوصات.

10

العين تبصر العالم متدفقًا. الكلمة محاولة لاقتناص التدفق، لتثبيته. ومع ذلك فنحن نصرُّ على المحاولة لترجمة التجربة إلى لغة. ومن هنا كان الشعر، ومن هنا جاء كلام الحياة اليومية. هذا هو الإيمان الذي يقف حائلًا دون اليأس الكوني- وكذلك يكون سببًا له.

11

الفن مرآة لعقل الإنسان (مارلو). صورة المرآة عرضة للكسر. هشّمِ المرآةَ، ثم أَعِدْ ترتيب الشظايا. النتيجة ستبقى انعكاسًا لشيءٍ ما. هناك ما لا يحصى من التكوينات الممكنة، كما يمكن تجاهل ما لا يحصى من الشظايا. المتطلب الوحيد هو أن تبقى شظيةٌ واحدة. في هاملت، وَضْعُ المرآةِ قبالة الطبيعة يساوي الشيء نفسه الذي تقتضيه صياغة مارلو- شريطة أن تفهم الفكرة المذكورة أعلاه. فالأشياء جميعها في الطبيعة بشريّةٌ، حتى إن لم تكن الطبيعة كذلك. (لن نستطيع أن نوجد لو لم يكن الوجود فكرتنا نحن). بكلمات أخرى، وبغض النظر عن أي اعتبارات (قديمًا كان أم حديثًا، كلاسيكيًّا أم رومانتيكيًّا)، فإن الفن هو منتج للعقل البشري.

(العقل المُحاكى).

12

الإيمان بالكلمة هو ما أدعوه كلاسيكيًّا. الشك في الكلمة هو ما أدعوه رومانتيكيًّا. الكلاسيكي يؤمن بالمستقبل. الرومانتيكي يعلم أن أمله سيخيب، أن رغباته لن تتحقق أبدًا. فهو يؤمن بأن العالم يفوق الوصف، وهو أكبر من أن يُمسكَ بالكلمات.

13

أن تحس بأنك مقصيٌّ عن اللغة يعني أن تفقد جسدك. حين تخذلك الكلمات، تتضاءل إلى صورة للعدم. تختفي.


*من الأعمال الشعرية الكاملة (دار فابر آند فابر، 2018م) لبول أوستر الذي رحل في مايو الماضي.