طيف امرأة الجبل*… جبل «هِتّاش الخلا»

طيف امرأة الجبل*… جبل «هِتّاش الخلا»

الجبل من بعيد علامة ثابتة يتلاعب بها السراب في النهار، وأنا على سفحه علامة متحركة، وندخل نحن الاثنان في لعبة السراب في نفس اللحظة دون إحساس بالفرق من جهتي. وإن كان هناك من يراقبنا من بعيد، فإني غالبًا لا أظهر في اللعبة إلا عبر المقراب. أختفي عن العين المجردة بسبب بعد المسافة وبسبب طريقتي في التخفي لكني أظهر في الرؤية عبر الآلة مع مزيد من التركيز والبحث. ليس من الصعب أن أُرى في النهار عبر المقراب إذا تخليت عن شيء من الحذر والتحرز. وفي الإجمال، لا يفرق نهم الآلة بيني وبين الجبل، فأية نقطة حولي إنما هي مكاني التالي أو كانت مكاني قبل قليل، لكنها في كل الأحوال نقطة ثابتة في الجبل دائمًا.

إنني في كل الأحوال، في مكان ما من الجبل، أمشي على السفح، أو أستكن في غار، أو أقعي بحذر لأنني لمحت شيئًا رابني، أو أنبطح مثل أفعى على الحجارة لأحصل على شيء، أو لأختفي من شيء. نحن على منوال ما يحدث في كل مرة، تلمسنا الهبوب ويمسنا الضوء، غير أننا في حال المقراب ننحشر في ثقبين آليين يسلطان علينا من بعيد. من هناك تبدأ اللعبة، أما نحن فلا نبالي كثيرًا بالمتعة القائمة في تلك الناحية. إن شئت الدقة، لا أكترث لمتعة من يختبئ هناك، إلا بقدر ما يمس سلامتي الشخصية. وبهذا الخصوص، هل هناك متعة فيما يقوم به هو، أم إن الأمر مجرد تربص مميت على نحو ما تفعل الأفعى قبيل الانقضاض. إنه في نقطة بعيدة، لا يمكننا، أنا والجبل، الوصول إليها معًا؛ وذلك بسبب عجزنا عن التصرف بالمثل، لسنا عيونًا ولسنا آلات، ولا يحسن أن ينفصل أحدنا عن الآخر، وليست لدينا خطة محكمة لمراقبة أحد، بينما هو في نقطة مناسبة تسمح له بمراقبتنا بصبر وبطء مقصودين.

وبما أنني أنا المقصودة في اللعبة أكثر من الجبل، فإنه يراقب ما إن كانت هناك حركة مني أو ردة فعل تثيره على نحو خاص. يراقب تدرجات اللون فيما تكسر من النهار على الصخور والحجارة والأشجار، وذلك ليس لفرجة عابرة، وإنما لتزداد المتعة عنده إذا ضمني إلى التضاريس. أفهم ذلك، فهو تارة تستفزه تفاصيلي إذا نظر إليّ كرجل، يشتهيني ويحلم بأشياء، وتارة أخرى يكتفي بمراقبتي ليطمئن إلى أنني هناك وحسب.

أما تفاصيلي، فإذا كنت أعني جسدي، فإنني في الأوقات العادية التي أراها آمنة أمشي على سجيتي في السير المتمهل، في التخفف من لوازم المشي المجربة عادة في السهول، لا أتوقى من العيون، ولا ألم جسدي في صمت امرأة رأت رجلًا على الطريق فارتبكت. إنني أمشي على رأي الجبل، وهو أن الصخور لا تَرى. ليست ملساء تمامًا لتشف، وليست فيها نتوءات تسمح بالقول بأنها وجِدت لمراقبة الخارج، ميزة أنها صماء تحميها من القلق على أي شأن آخر، وهذا يحميني أيضًا، وهي قطعًا لا تتطفل على جسدي لأنها دومًا ملمومة على نفسها كما تفعل القنافذ الوجلة. وسواء جلست على صخرة أم مررت بها فإن شأنها سينصرف عني بعيدًا، إنني بالنسبة إليها كقطرات المطر التي تنزلق من على سطحها دون أن تتمسك بها، أو كالريح التي مهما كشطت منها على مر السنين فإنها لا تنفعل ولا تشكو النقص.

ورأي الجبل يقول: إنني محرزة بمنعة خاصة، فالصاعد إليّ يجب عليه أن يلهث، ينقصه فقط أن تتردد أنفاسه بشدة في صعوده لأعرف، فإن فعل فإن لهاثه يشي به مهما تخفى عني. وعندئذٍ أتوارى من الطلب. لا أهرب إلى الوجه الآخر من الجبل، ولا أتعلق بقلته كما تفعل الوعول في طلب النجاة، وإنما أتماهى مع تضاريسه فلا يراني إلا الفهامة الحاذق في اكتشاف الفوارق الدقيقة بين الأشكال الأصلية والمتماهية معها.

ورأي الجبل يقول: إن الصخور لا تؤلف ظاهر الجبل ليثقل على الأرض، وإنما تؤلفه ليطمئن، فالجبل الضخم دون صخور ضخمة ليس إلا كتلة صلعاء من الطبيعة تبعث على الخوف وينعدم فيها التناغم مع البيئة، بل لن يجد من يثق به حد أن يختبئ فيه أو يجعله مأوى. والصخور أيضًا تحمل الجبل لتصنع الطريق فيه، تسهله وتوعِّرُه، تطيله وتقصره، وذلك ما يجعل اللهاث للصاعد أول واشٍ به. ورأي الجبل يقول: إن أشجار الجبل ليست فضولية أبدًا وذلك لأنها منهمكة باستمرار في لملمة كسورها ومواساة نفسها. صحيح أنها تطل من كل جوانب الجبل على الأراضي المنخفضة، ويمكنها أن تكون رقباء صامتين على ما يقع تحتها، لكنها بالرغم من ذلك تبقى حدود اهتمامها في أنها شيء مكتفٍ بذاته. الصخرة كائن زاهد، والشجرة كائن مواسٍ. الصخور تنسى عظمتها بالرغم من أنها تشد الجبل من قاعدته إلى قمته. والشجرة تعالج ما تشقق من لحائها؛ لأن فيه سر كتمانها أمام الخارج، ولأن منه صون نسيج بقائها في الداخل.

ورأي الجبل يقول: إن الجرف الصخري إذ يعترض طريق الصاعدين نحوي ليس أهلًا لأن يكون جرفًا ما لم تطبعني تجاويفه بما يموج فيها من أخيلة وأوهام. إنني جزء من الوهم تارة، وجزء من الحقيقة تارة أخرى. شيء من الوجود وشيء من العدم. أُرى في الحركة وأُرى في السكون. لدي صبر قط جبلي في انتظار صيده، ولدي تململ جرذ جائع. لي في كل حال ما يناسبه.

ويقول رأي الجبل: إن أرنب السفح إذ تلتصق بجحرها خشية أن تصاد، فإنما لتريني حكمة الكمون من أجل غاية نفيسة. فروها الطفيف المغبر يهديني إلى أخذ كفايتي من الأشياء لأحيا على قدر ما يلزمني فقط، والبرثن المتوتر يهديني إلى فن المراوغة وتضليل المتعقب. وعند الإحساس بالخطر، لن تكون الأذنان الملتصقتان بالظهر، سوى طريق نجاة. أما الأنف فصياد ماهر لروائح المتعقبين. لا أقول: إنني أجيد مهنة التخفي كما تجيدها الأرانب، وإنما أقول: إنني أرنب على طريقتي. أرنب بحسب حجمي، وبقدر الأخطار التي تحدق بي، إنني أرنب أيضًا في تلمس النهايات الآمنة لمساراتي وأحوالي. ليس لدي ضغيب الأرنب لتألفني الأصوات المشابهة، أو لأندمج تمامًا في مخلوقات الفرو، ولكني أمتلك صوتًا دقيقًا يناسب طريقتي في تحذير نفسي.

وماذا عن حرباء الجبل أم حبين؟ ماذا آخذ منها زيادة في التخفي؟ إنها حرباء ملول، تقفز طوال النهار من صخرة إلى أخرى برأس مرفوعة جهة السماء، وحين تجد مطلبها يهدأ في جسمها فزع الحرابي، ويقر ذيلها الطويل على حال واحدة حتى تنتهي. وبالرغم من أنها تنفر مني في النهار إلا أنها في الليل تسمعني فحيحها في مكان ما، فأسكن تمامًا وأتعلم منها القرب الملائم لحرباء تناجي حرباء من منطقتها. ما لم أستطع استعارته منها هو القدرة على تبديل الألوان مثلها لكني استعضت عن ذلك بالقدرة على التنقل بخفة من موقع إلى آخر، وتعلمت منها كيف أصمت ورأسي مرفوعة جهة السماء.

لذلك، فإن المراقب عبر الآلة يجدني تارة على هيئة شجرة، وتارة على هيئة صخرة، وتارة ثالثة ألتصق بفجوة في الجبل كما تفعل الأرنب، وأحيانًا أسقط في صدع مثل حرباء، وأنا في كل أحوالي أعلم أنه هناك يراقبني من مكمنه. لكنه يخشى الاقتراب لأنني سأسمع لهاثه، ويرفض الابتعاد لأنه إذا ابتعد عن موقعه بردت في عينيه شهوة القناص. أو شهوة القسَم. إنه فقط يتحين الفرصة لأختار شكلي المناسب للموت، لأشير إليه أن يهمز إصبع البندقية باتجاه المرأة التي اختارت أن تكون شجرة. كلا، بل إرم الصخرة المدورة هناك منذ دقائق، إنها أنا، وإني بكامل استعدادي لأنفلق شطرين من طلقة واحدة. وإن تأخرت أو ترددت فانتظر قليلًا وسيمكنك إطلاق النار على رأس حرباء كبيرة تعمدت أن تبرز رأسها عاليًا لتكون في متناول الرصاصة. تلك الحرباء الهادئة تمامًا، هي أنا، ولا بد أنني تعلمت الكثير من الحرباء لأختار نهايتي برأس مرفوعة.

عن السراب والمقراب، إننا، أنا والجبل، طوع الرؤيتين في كلا الحالين، رؤية المقراب ورؤية السراب، لكنا في المقراب ينوس منا من بعيد ما ينوس من الطبيعة، ذهب، نحاس، حجر، شجرة، غير أنني أصغر بكثير من الجبل؛ لذلك لا مانع أن أبدو في بعض الحالات مثل خشبة ناتئة توشك أن تهوي من على السفح، أو قرن غزال ملقى على جرف منذ عشرات السنين. إنني ذلك الشيء الذي تبحث عنه العين الطبيعية من مسافة بعيدة، وعندما يعجزها العثور عليه، فإنني بالنسبة إليها فراغ، أو بقعة معتمة في نتوء جبلي فائض عن الرؤية.

الإنسان في جبل هو ذلك الشيء المتواضع للغاية الذي تهيمن على بروزه أشياء أضخم منه بكثير، فهو مقارنة مع الجبل ليس إلا كِسرة متحركة تتموج فيها أخاديع الضوء على وجه يوحي بفنائها وعدمها. غير أن الفارق بين الرائي من بعيد والرائي من قريب يتأكد في التجربة المباشرة من داخل الشي، من اختراق الشيء والوصول إلى عمقه، وبالتالي إلغاء كتمانه الظاهر للمراقب من الخارج. فالبدوي في قربه من الأشياء حوله، إنما هو بطريقة ما مخترِقٌ للصورة البرانية لها. ليس وحسب بسبب إقامته في الصحراء، وإنما لأنه أيضًا عاش أحوالها، وخبر على وجه التحديد طقوس الكتمان التي لا تظهر لأي عابرٍ في العلن.

ذلك هو القناص الكامن لي في تلك النقطة البعيدة، الممسك ببندقية مؤهلة للقتل دون أن يغادر موقعه. هل يرتاح؟ هل ينام أو يأكل؟ هل يذهب لقضاء الحاجة أو يغفو؟ بغض النظر عن كل ذلك، أظن أنه يواصل ليله بنهاره لغاية واحدة هي قتلي. إنني أعلم ذلك تمامًا، وأعلم عن القوم الذين كانوا بدوًا ثم سكنوا القرى، أعلم أنه قبل أن أهرب أقسم لأبيه في اجتماعهما الخاص أنه سيدفن الفضيحة بأنف البندقية، سيطلق علي الرصاص في مكان خفي، أو يطعنني بخنجر في القلب، وسيدعي أمام القوم أنني مت عطشًا في المراعي البعيدة. سيدفنني في مربض شاة عجفاء؛ لأنني في عينه لا أستحق قبرًا يليق بإنسان. سيقتل المرأة التي حملت عضوين تناسليين منذ ولادتها، ولا تستطيع أن تختار أي الجنسين أقرب إليها. تصدقتْ عليها الأم بعدم الإفشاء بسرها حتى كبرت، ولما اضطرت الأم إلى إخبار الأب ثم الإخوة بسبب كثرة الخاطبين، لم تستطع بعد ذلك الإتيان بحل لتهدئة الثائرين على الحقيقة الجديدة. عجزتْ عن جعل ابنتها ابنتها لتكون عروسًا. أو على الصفة الأخرى، لم تستطع جعل ابنها ابنها لتلطم أنوف القائلين بأنها لا تلد إلا إناثًا. أي مصيبة حلت باسم المنطقة الوسطى بين الرجل والمرأة؟! قالوا لها: أنتِ ولدتِ هذا المخلوق على هذه الصفة المربكة فماذا نقول للناس عنه؟ ايتينا بحل. بل ماذا نقول لهم عنك أنت؟ وتتابعت الأسئلة، وكبرت المصيبة. وأخيرًا خرجوا يجأرون بمخرج واحد. أن تكون الابنة في حجم كارثة بهذا القدر، فإن الحل الملائم هو أن توضع في حجر أمها، ثم تنسب للشياطين وليس للإنس. ستكون الأم ممسوسة بهم، معاشرة لهم في السر. إنها ابنة حرام جاءت من نطفة شيطان. ولإخفاء المسخ الشيطاني يجب قتله.

اخترت الهرب لأنقذ أمي من الفضيحة التي قرروها رغمًا عني وعنها. هربتُ في الليل إلى أحد الأودية ثم اتجهت مباشرة إلى جبل «هِتّاش الخلا» حافية القدمين باكية العينين. دعست على رؤوس الأفاعي وتخطيت أنياب الذئاب لأصل إلى الجبل. هذا هو الأمر. وأعلم أن الرجل المكلف بقتلي يكمن لي هناك منتظرًا اللحظة المناسبة. إن شئت أن أصوغ كلامي بدقة، سأقول: إنني لا أدري هل يرابط بالفعل في مكانه طوال هذه المدة أم إنه يعاود المجيء إليه بين وقت وآخر دون أن أتنبه له في بعض الأوقات. إنه يقيم في خرم جبلي ليس بالقريب مني غير أنه قريب في تقدير البندقية للمسافات القاتلة. سمعت من الرماة من يقول: إن المسافة حتى أربع مئة متر تعتبر الإصابة قاتلة، المسافة أبعد من أربع مئة متر إصابة خطرة لكنها غير قاتلة. ومنهم من يؤكد أن المسافة حتى ثماني مئة متر تدخل في الإصابة القاتلة. بالرغم من ذلك، فإنني أشعر به حولي، يأتيني إحساس ما يقول: إنه بالقرب مني في صورة من الصور، لكنه لن يستطيع قتلي إلا عندما أقرر أنا ذلك. هذه هي لعبتي معه، فالأيام القليلة التي مرت في المراقبة من جهته والتخفي من جهتي منحتني قدرًا كبيرًا من الطمأنينة بأن الأمور ستجري هكذا. نستطيع أن نقول بأنها لعبة مقابل لعبة. لكن الثمن مكلف.

دخلت الجبل حافية القدمين، لكني تعلمت بسرعة من الحيوانات والأشجار والصخور والحشرات والطيور كيف أكون محصنة على طريقتها، تلك الحصانة الهشة التي قد تتعرض لثقوب مدمرة في أي وقت. تنصلت بمشقة كبيرة من كوني إنسانًا سهل المنال. كلما تعلمت حيلة جديدة في التواري أو في محاكاة الأشياء تهذبت بطريقة أفضل على صورة جسدية غير مألوفة أو مرئية.

إنني أقيم في الجبل منذ عام واحد، أشرب من «رِسٍّ» لا ينضب ماؤه، يعرفه المسافرون العابرون وعشاق القنص، وهو حفرة متوسطة الحجم تتجمع فيها مياه الأمطار، وهذا المورد وجد هكذا منذ القدم ولا أحد يعرف كيف وجد، غير أن هناك ما يُحفر بالأيدي مع بعض الأدوات البسيطة حتى الوصول إلى عروق الماء بين الصخور. لكني أشرب أحيانًا من المطر إذا استقر في النقرات، أو من مساربه إذا جرت في المنحدرات. بعد مجيئي بفترة، اتخذت من الحجارة سكاكين ونسجت أردية لي من النباتات ولحاء الشجر، إما للتمويه أو لأنني في حاجة إلى كساء. يعرفني صيادو الوعول والأوبار بالغولة، ويتحاشون الاقتراب مني، لكنهم لإثبات حسن النية يرمون لي بلحم من صيدهم، ويلقون إلي بملابس وأردية دون أن أقترب. يفعلون ذلك على طريقة تقديم النذور لسيد المكان التي كانت شائعة بقصد حصول البركة ونيل الأمان. لكن أحدهم، وكان جريئًا، حاول استثارة اشتهائي للرجال بتعريه الكامل أمامي..


*من رواية لم تنشر بعنوان «غَبْنة».

الترجمة.. خيانة أم اجتهاد؟

الترجمة.. خيانة أم اجتهاد؟

قد يظن بعض من هم خارج ميدان الترجمة أن ترجمة النص تقتصر على استخدام القاموس والبحث المنهجي عن كلمات هذا النص. في الواقع، الترجمة تتجاوز ذلك. إن الترجمة تتطلب معرفة شاملة باللغة الهدف، وفهمًا عميقًا لسياقها الثقافي، كما ينبغي ملاحظة أن طريقة التفكير في كل منطقة في العالم تتأثر بالظروف التاريخية والاجتماعية والثقافية، ولذلك يجب فهم الحقائق الثقافية المختلفة قبل البدء في الترجمة. المترجم الماهر لا يحتاج فقط إلى معرفة متقدمة وعميقة بلغات عمله، بل يحتاج أيضًا إلى أن يكون على دراية بمستويات أعمق أهمية لبنية النص.

أن تضع نفسك مكان الآخرين

ليس هناك طريقة محددة يمكن من خلالها ترجمة نص ما بدقة تبلغ مئة بالمئة من لغة إلى أخرى. ويرى العديد من العلماء أن الترجمة في حد ذاتها هي المدينة الفاضلة، وأن ترجمة النص بأمانة مطلقة أمر بعيد المنال. لقد عرّف خوسيه أورتيغا غاسيت الترجمة بأنها عمل غير ممكن، وقال إن أطرًا عقلية وثقافات مختلفة جدًّا تتعايش في العالم، بمعنى: أن الناس يختلفون في طريقة تعبيرهم عن الحدث أو الشعور نفسه تبعًا لاختلاف العقلية والثقافة السائدة في البيئة. بالنسبة له، لم يكن البشر مستعدين لوضع أنفسهم «مكان الآخرين»، أي أن ما يهمهم هو صياغة المشاعر لمن يشترك معهم في الثقافة وليس لأولئك البعيدين المختلفين. ومن خلال عدم فهم الحقائق الثقافية للآخرين تصبح اللغات الأجنبية أيضًا غير قابلة للوصول.

ومع ذلك، لا يمكننا أن نكون متطرفين إلى هذا الحد. إن الترجمة الدقيقة التي تتكيف مع احتياجات النص ومحاوريه تتطلب مستوى عاليًا من المعرفة، ليس على المستوى اللغوي فقط، بل على المستوى الإنساني والثقافي والسياقي أيضًا. ذكرت ماريانا فرينك ويستهايم أنه على الرغم من عدم وجود ترجمات مثالية، فإن هناك ترجمات جيدة جدًّا، ومن أجل تحقيقها يجب على المترجم تطوير مستوى عالٍ من الفهم المشترك للثقافة والالتزام والأمانة الكاملين بالنص للوصول إلى هذا الهدف. إن الترجمة الجيدة تتطلب مهارات وإتقانًا كبيرًا للثقافة والمفاهيم، بالإضافة إلى سليقة معينة.

ممارسة الترجمة هي مصدر للشبهة، حيث تتضمن الترجمة تفسيرات، وبالتالي يمكن أن تولد ردود أفعال أخلاقية أو أدبية أو فنية أو تدقيقية. ومع ذلك، على الرغم من أن الشفافية والدقة ربما يكونان هدفين بعيدي المنال بالنسبة للمترجم، فإننا لا نستطيع أن نتجاهل حقيقة أنه بفضل الترجمة، أنشئت اتصالات على مستوى عالمي، وكسرت الحواجز الثقافية، وهو الأمر الذي يجعل من الفهم المشترك بين مختلف الثقافات متاحًا.

يعد إتقان المعاني الدلالية والضمنية أمرًا ضروريًّا لفهم الرسالة الأصلية بالكامل. هذه هي الإمكانية الوحيدة لتحقيق خطاب مشابه، أو على الأقل قابل للمقارنة قدر الإمكان. يعرف المترجم المحترف أنه يجب عليه إعادة إنتاج كل هذه المعاني (سواء الدلالية أو الضمنية) دون الاستفادة من اللغة المصدر. إن وظيفته على وجه التحديد هي إعادة إنتاج المعاني في اللغة الهدف. هذه هي المهمة الأهم التي يمكن أن تصنع الفرق بين الترجمة والخيانة.

أصل الخيانة

«traduttore, traditore» هو تعبير إيطالي يشير إلى عدم الدقة في عملية الترجمة، ويمكن ترجمة هذا المفهوم إلى الإنجليزية بما يعني «مترجم، خائن» «translator, traitor».

تشير الدراسات إلى أنه لا أحد يعرف حقًّا من صاغ تلك العبارة نفسها، وأن هذا القول المأثور المثير للاهتمام أتى من إيطاليا في القرن الرابع عشر. وعندما ألف دانتي أليغييري عمله «الكوميديا الإلهية»، اكتسب لاحقًا شهرة بكونه أحد أعظم الأعمال الأدبية المكتوبة على الإطلاق. ومن المؤكد أنه يعد أول عمل عظيم مكتوب باللغة الإيطالية (على عكس اللاتينية، التقليد في ذلك الوقت). وعندما بدأت الترجمات الفرنسية بالانتشار، لم يكن الإيطاليون سعداء؛ إذ شعروا أن المترجمين الفرنسيين لم يستطيعوا التقاط الروح الأصلية للقصيدة. من الواضح أن العمل المترجم لم يتمكن من التقاط مشاعر وصور النسخة الإيطالية. ليس هذا فحسب، بل كانت دقة بعض الترجمات واختيار الكلمات أقل من المتوقع. ونتيجة للمنافسة الثقافية التي احتدمت في هذه الحقبة بين فرنسا وإيطاليا، وجّه الإيطاليون غضبهم من هذا الاستخفاف الملحوظ إلى المترجمين الذين أفسدوا تحفة أدبهم المحبوبة، وهكذا، وُلدت عبارة «المترجم خائن».

خوسيه أورتيغا إي جاسيت

الترجمة الحرفية لهذه العبارة ليست مفيدة في نقل ما يعنيه القول المأثور في الواقع؛ وذلك لأن هذا القول عبارة عن تلاعب بالكلمات التي تفقد معناها عند ترجمتها بدقة إلى لغة أخرى. ومن الملائم أن فقدان المعنى في الترجمة يوضح تمامًا تعريف العبارة نفسها. ويشير هذا المصطلح الإيطالي إلى المفهوم القائل: إن «الترجمة هي دائمًا خيانة للمعنى الحقيقي للأصل». في الواقع، لا يمكن لأي ترجمة أن تنقل العمق الكامل للمعنى والعاطفة والسياق مثلما هو في العمل الأصلي. وعندما لا يكون لكلمة أو عبارة في لغة ما ترجمة مباشرة، أو لا يكون لها أي معنى في اللغة الهدف، يحدث ما يسمى بالفجوة المعجمية، حيث يضطر المترجم إلى الاجتهاد لتعبئة الفراغ، وربما لا ينجح، فيبدو الضعف بين الأصل ونص الترجمة.

إن جزءًا من سبب افتقار الأعمال المترجمة إلى سياق النص الأصلي ومعناه يأتي من حقيقة أنه يتعين على المترجمين في كثير من الأحيان ملء هذه الفجوات المعجمية بأنفسهم. قد يعني هذا استخدام كلمة أو عبارة مشابهة تعني تقريبًا الشيء نفسه، ولكن بها اختلافات طفيفة، أو قد يعني ذلك إجراء تعديلات على اختيارات الكلمات لتغيير معنى النص نفسه قليلًا حتى تناسب الترجمة، وفي كلتا الحالتين، فإن من يقرأ النص الأصلي بجوار النص المترجم سيلحظ بالتأكيد الفرق في المعنى.

خيانة الترجمة هي مصطلح يُستخدم لوصف حالة عدم القدرة على نقل المعاني الأصلية للنص من لغة إلى أخرى بدقة وصحة جيدة. عندما يقال: إن الترجمة «خانت» المعنى الأصلي، فإنه يشير إلى أن هناك فقدانًا أو تغييرًا في المفاهيم، أو الإحساس، أو الأسلوب الأصلي للنص.

في معنى الخيانة وطرق تفاديها

في الترجمة من الإنجليزية إلى العربية أو العكس، هناك كثير من التحديات التي يمكن أن تؤدي إلى خيانة الترجمة، مثل الاختلافات الثقافية واللغوية بين اللغتين. على سبيل المثال، العديد من العبارات والمصطلحات في الإنجليزية لها معانٍ عميقة وثقافية محددة قد لا تكون موجودة بالشكل نفسه في اللغة العربية، وهذا يمكن أن يؤدي إلى فقدان الدقة أو الإحساس بالنص الأصلي.

أحيانًا، يحاول المترجمون تعويض الاختلافات الثقافية واللغوية بتعديل النص أو إضافة معلومات لتوضيح المعنى، وهذا قد يؤدي إلى تغيير المفهوم الأصلي للنص. كما أن الاختلافات في بنية الجمل والأساليب اللغوية بين اللغتين يمكن أن تؤدي أيضًا إلى صعوبات في نقل الأفكار بدقة.

لتفادي خيانة الترجمة، يحتاج المترجم إلى فهم عميق لكلتا اللغتين والثقافتين، والقدرة على التعبير عن المعاني بشكل دقيق ومفهوم. كما أن استخدام السياق والمعرفة الثقافية الواسعة يمكن أن يساعد في تقليل فرص الخطأ في الترجمة.

إذا كان هناك تفسير أو إيضاح للنص الأصلي يعتبر ضروريًّا، فقد يكون من الأفضل إضافة ملحوظات توضيحية في الترجمة بدلًا من تعديل النص تعديلًا كبيرًا، حيث يمكن لتلك الملحوظات أن تساعد القارئ على فهم السياق فهمًا أفضل دون تشويه المعنى الأصلي للنص.

إن خيانة الترجمة ليست دائمًا مقصودة، ولكنها قد تحدث نتيجة لتعقيدات وتحديات اللغات والثقافات المختلفة. إن استخدام أفضل الممارسات والمهارات اللغوية والثقافية يمكن أن يساعد في تقديم ترجمة دقيقة وصحيحة بأقصى قدر ممكن، لهذا يتوجب على المترجم أن يكون أمينًا في نقله للنص دون أن يضعف أثره أو ينقص من روعته. ولذلك يقول محمد فريد أبو حديد في مقدمة ترجمته لمسرحية مكبث لويليام شكسبير: «إني أرى أن ترجمات الآثار الأدبية الكبرى إلى اللغة العربية ينبغي أن تضيف إلى التراث الأدبي العربي مشاركة أدبية جديدة جديرة بأن تبقى لذاتها، وأن تقرأ لذاتها كإنتاج أدبي عربي، فإذا لم تحقق الترجمة هذه الإضافة فهي لا تتعدى أن تكون فقط تعريفًا بالأثر الأدبي الأجنبي، أو تسجيلًا له، وهنا نجد الفرق عظيمًا بين أن تكون الترجمة قطعة من الأدب العربي وبين كونها تعريفًا بالأثر الأدبي مع بقائه بالوقت نفسه أجنبيًّا».

خيانة الترجمة مشكلة تواجه العديد من القراء والمتحدثين بلغات مختلفة حول العالم؛ فالترجمة المناسبة والدقيقة أساسية لفهم الثقافات المختلفة وتبادل المعرفة بين الشعوب. ومع ذلك، فإن خطأ الترجمة يؤدي إلى خسارة كبيرة في التواصل وفهم المحتوى. تفسير «الخيانة في الترجمة» يشير إلى حالات عديدة تحدث في أثناء نقل النصوص من لغة إلى أخرى، حيث يحدث تحريف أو تغيير في المعنى الأصلي للنص تغييرًا مقصودًا أو غير مقصود. هذا التحريف قد يكون ناتجًا عن صعوبة فهم السياق الثقافي أو اللغوي للكلمات أو العبارات المستخدمة في النص الأصلي.

أحد أبرز أشكال خيانة الترجمة هو تغير المعنى الأصلي للكلمات أو العبارات. قد يؤدي ذلك إلى سوء فهم رسائل مهمّة، سواء في المجالات الأدبية أو السياسية أو حتى التجارية. على سبيل المثال، قد يستخدم مصطلح «إرهاب» في إحدى الثقافات بشكل ساخر، في حين يستخدم في ثقافات أخرى لإظهار جديّته وخطورته. إذا تغير معنى هذا المصطـلح في الترجمة، فإنه يُفقِد النص الأصلي معناه، ويؤثر في فهم المتلقي. إضافة إلى ذلك، قد يتسبب خطأ الترجمة في تشويش النص، أو إضافة معلومات غير صحيحة؛ وهذا يؤدي إلى انتقال أفكار خاطئة وغير دقيقة للقراء، وهو ما يؤثر سلبًا في صورة المؤلف أو المتحدث الأصلي. إضافة إلى ذلك، قد تظهر بعض الأخطاء في استخدام قواعد النحو والصرف في الترجمات، وهذا يسبب لغطًا لدى المتلقي ويجبره على إعادة قراءة الجمل بشكل مستمر لفهم المعاني.

مهمة ليست سهلة

معظم المترجمين على دراية بتجاربهم الشخصية والصعوبات التي يواجهونها فيما يتعلق بمعايير الجودة والرداءة. هناك بالفعل نصوص مترجمة غير مفهومة للمتحدث الأصلي، وترجمات محرفة للنص الأصلي، وأخطاء فادحة سواء في النقل أو في ترجمات النصوص أو الخطابات اليومية. في هذا السياق، المترجمون هم من يظهر في صورة الأشرار، كما يصبحون أهدافًا سهلة عند توجيه أصابع الاتهام. في نهاية المطاف، تتمحور الترجمة في الحقيقة حول مجرد أخذ كلمات من لغة وإيجاد ما يعادلها في اللغة الهدف. إذن ما مدى حقيقة صعوبة الأمر؟

بالنسبة للمبتدئين، الترجمة ليست مهمة سهلة، وتتضمن أكثر بكثير من مجرد نقل الكلمات إلى لغة أخرى. فهي تتطلب البحث، والفهم الشامل لكل من اللغة الأصلية واللغة المستهدفة، والمعرفة الثقافية، والتدريب المحدد حول الموضوع الذي تترجمه. حتى ذلك الحين، لا تزال هناك مشكلات متأصلة في اللغة نفسها، التي تخضع للعديد من التفسيرات والأخطاء الصارخة. هناك فقط بعض العبارات المرتبطة بالسياق الثقافي لدرجة يستحيل معها تقديم ترجمة معادلة للنص الذي يحمل المعنى نفسه أيضًا.

إذن ما وظيفة المترجم بالضبط عندما يواجه هذه التعبيرات الصعبة؟ هل من الأفضل ترجمتها حرفيًّا حتى لا «تخون» النص، مع المخاطرة بترجمة ذات جودة أقل؟ أم إنه من الأفضل العثور على البديل الأقرب الذي يكون منطقيًّا في اللغة الهدف، على الرغم من أن النسخة المترجمة قد تكون أخطاؤها طفيفة؟ قد يقول معظم المترجمين: إن مهمتهم هي إيصال الفكرة نفسها بشكل فعال بحيث تكون منطقية للجمهور المستهدف أو لقارئ لغة النص المترجم، ولكن هل يعني ذلك أننا محكوم علينا بالنقد المستمر؟ وبغض النظر عن الاتهامات والانتقادات، تبقى الترجمة مهمة تتطلب التفاني والاستماع والفهم، كما تبقى مهمتها الأسمى هي فرصة تغيير العالم من خلال خلق الاتصالات وتوسيع الآفاق، وعلى حد تعبير غوته: «قل ما يمكنك قوله عن عدم كفاية الترجمة، ومع ذلك فإن العمل سيكون وسيظل دائمًا أحد أثقل وأثمن المهام في الاهتمامات العامة للعالم».

على المستوى الشخصي، وفي أثناء العمل على كتابي «Furtive Glimpses: Flash Fiction from the Arab World» واجهتني نصوص قصصية عدة تطلبت التدخل بخيانة طفيفة لملاءمتها مع سياقها حتى يفهمها القارئ الأجنبي. بالطبع اضطرتني هذه المواقف لأخذ الإذن من الكاتب الأصلي حتى لا يفاجأ بهذه التغييرات التي أدخلت على ترجمة نصه. كما أن هناك بعض النصوص التي يكون للمترجم حق التصرف فيها بالترجمة لتتماشى مع سياق الترجمة. بعض النصوص اضطرتني إلى إعادة ترميمها في أثناء عملية الترجمة.

بشكل عام، فإن خيانة الترجمة تعد جزءًا من التحديات التي نواجهها في عالمنا المتصف بالتنوع؛ لذا يجب على المترجمين أن يكونوا حذرين ودقيقين في عملهم، وأن يسعوا جاهدين للحفاظ على دقة المعاني الأصلية والتواصل الفعال بين الثقافات.

اليُوتُوبي

اليُوتُوبي

لكي تنسى الحياةُ الحربَ أو تنسى الحياةَ الحربُ،

لكي تتذكَّرَ الكلماتُ ماضيها،

لكي تتفتّحَ الذِّكرى على مستقبل المعنى الخضيرِ،

لكي أنمو أمام الله حُرًّا دون أولادِ الزَّوايا،

لكي أقولَ لزهرتي الأولى: صباحَ الخير!

وأقولَ لدمعتي الحَرَّى: مساءَ النور!

لكي تُعانقَني المواكبُ كلَّ يومٍ في فِراش الحُلم حرَّى،

لكي أصطادَ ما يرجو خيالي من قصيدةِ قُبلةٍ بدَويَّةٍ،

لكي أسيرَ إلى الحقيقة عاريًا من أيِّ معتقَلٍ،

لكي أدعو الحياةَ بصَحبها لوليمةِ الأشواقِ

عند الملتقى،

لكي ينالَ الحزنُ مَرتَبةَ الغناء،

لكي أسيرَ على الهواء بلا هُوِيَّاتٍ مُجنَّحةٍ،

لكي تتنفَّسَ الأسماكُ أسماءَ الشِّبَاكِ على سواحلها،

لكي أعني تمامًا كلمتي في الحُب ما أعني،

لكي أشتمَّ رائحةَ الحديقة تحت جِلْدي،

لكي تتجمَّع الدُّنيا على شاي الصَّباح

بزهرة العمل الجماعيِّ،

لكي يقولَ الصَّمتُ شكرًا للحياةِ،

لكي أُقبِّلَ مَن يُقابلُني وأدعوهُ حبيبي،

لكي يقفَ التُّرابُ على سماءِ الخطوةِ الأولى،

لكي أختارَ ما أختارُ بالحرِّيَّة العليا،

لكي أشتاقَ للعبث المؤدِّي للمعاني،

لكي أنجو من المنفَى بضحكةِ ضحكتينِ،

لكي أَتقبَّلَ الأقدارَ مثلَ تحيَّة جارنا وجهًا لوجهٍ،

لكي أُسمِّي كلَّ أغنيةٍ بوَقْع الحِسِّ: أُختي

وأنادي كلَّ ذكرى في اللَّيالي: يا مُعلِّمتي،

لكي أنامَ وحيدًا في تداعي الكون عن دَعَةٍ

ويَسهرَ الخلقُ جَرَّاء موسيقا الزَّمان..

لا بدَّ من وطنٍ أُسمِّيهِ الوطن

واسْمُهُ «السُّودانُ»

مولودُ المكان.

«في انتظار ديسمبر» رواية أولى فهد ردة الحارثي يدخل عالم السرد.. مُتَسَلِّحًا بمِدَادِ الشعر والمسرح

«في انتظار ديسمبر» رواية أولى

فهد ردة الحارثي يدخل عالم السرد.. مُتَسَلِّحًا بمِدَادِ الشعر والمسرح

يَدْخُلُ الكاتب المسرحي السعودي فهد ردة الحارثي عالم السرد الروائي برواية قصيرة «نوڤيلا» عنوانها «في انتظار ديسمبر» (الطائف: دار الانتشار العربي) يَتَمَازَجُ فيها عالم الشعر مع المسرح، عبر سرد مونولوجِي الطابع بضمير المتكلم. يتناص عنوان الرواية مع اسم مسرحية الكاتب الإيرلندي صمويل بيكيت (1906- 1989م) الأيقونية «في انتظار غودو». في رواية ردة ينتظر بطل الرواية -مجهول الاسم- قدوم امرأة إلى المكان والموعد المُتفَق عليه، لكنها لا تجيء، وتَتَرَدَّدُ كلمة الانتظار كثيرًا في أجزاء النوڤيلا: «طال انتظاري لها.. تشكل المقعد على شكل جسدي.. طال انتظاري لها فعلًا ولم تأتِ..» ص5. ذلك الانتظار الذي يكابده السارد من دون أن يجد مهربًا منه، انتظار قادم لا يأتي، انتظار قطار تأخر عن وصوله، حتى عندما يلتقي أحد أصدقائه يطلب منه الانتظار ريثما يعود: «يرحل قيس سريعًا بينما أجلس في انتظاره، أجدني مرة أخرى في مقابل الفراغ والصمت والانتظار. أخرج ورقة أكتب فيها بعض ما يمكن أن يفرغ شحنتي» ص8.

وكما تَبْدَأُ الرواية بفعل الانتظار من أول سطورها، كذلك تنتهي به: «في المطار كان كل شيء غارقًا في الصمت، كلمات قليلة كانت كافية لتجعلني في صالة المغادرة، أرحل وحيدًا في انتظار ديسمبر القادم» ص65. ونكتشف في النهاية أن تلك المرأة التي ينتظرها قد ارتبطت بمخرج مسرحي آخر، وأنجبت منه ولدين بعدما سافرت إلى السويد، وهو ما يحيل إلى تشابه انتظار البطل مع انتظار غودو الذي ينتظر الفراغ.

عناصر مسرحية

الشكل الحواري يحضر في أجزاء كثيرة من البنية السردية للنص. ذلك النمط القادم من عالم المسرح الذي عاش فيه المؤلف أغلب حياته الإبداعية؛ إذ أَلّف أكثر من خمسين نصًّا مسرحيًّا منذ 1989م حتى الآن. لا تكاد تخلو أي من لوحات النوڤيلا من الحوارية في صورتها المسرحية كعلامة بارزة فيها، وتأتي فصولها في صورة مشابهة للمشاهد في النصوص المسرحية. ويظهر في أحداث النوڤيلا عالم الكاتب المسرحي الحقيقي من خلال زيارته للمسارح التونسية، التي تدور فيها الأحداث، مثل: المسرح البلدي الذي يشاهد فيه مسرحية «جنون»، للمخرج التونسي فاضل الجعايبي (1945م)، وتدافع الناس لمشاهدة عرض مسرحي في قاعة الفن الرابع. حتى الشخوص الذين يرتبط بهم المتكلم قادمة من عالم المسرح: حبيبته أحلام تعمل مع فرقة مسرحية، وصديقه المدعو عزيز هو مدير لجمعية مسرحية في تونس.

كما يحضر السارد في هيئة المؤلف الحقيقية، ككاتب مسرحي، يراجع نصوصه ويدققها كما في الواقع: «انطلقت أكمل مسرحيتي الأخيرة، راجعتُ تفاصيل كثيرة فيها، كنتُ دقيقًا على غير العادة» ص49. يتناقش مع حبيبته حول طابع نصوصه المسرحية، تخبره أن الشاعرية تقتل نصوصه المسرحية وتحيلها إلى نص شعري، فيعترض على ذلك النقد قائلًا: «الشاعرية في الحوار ستضفي جمالًا على النص، لا يمكن أن أكتب حوار اليوميات، إنه هَشٌّ على المسرح، يسقط سريعًا ويندلق ولا يترك أثرًا»، بينما ترى محاورته أنه يغطي على ضعف بناء نصه دراميًّا بشاعرية الحوار. ص11.

إحالات إلى الشعر والشعراء

الشاعرية التي تميز أسلوب فهد ردة الحارثي لا في نصه المسرحي فقط، وإنما تمتد إلى نصه السردي «في انتظار ديسمبر»؛ فهو يعتمد على الصور الشاعرية في بناء جمله السردية حتى إن بعضها يكون موزونًا عَرُوضيًّا، مثل قوله: «لم يعد في الوقت وقت كي أعود، لم يعد في القلب طعم للنضال» ص6. كما تتغلغل في ثنايا الرواية القصيرة كثير من العبارات التي تحيل إلى قصائد كبار الشعراء العرب، القدماء والمعاصرين، فنلمح روح محمود درويش وهو ينتظر حبيبته، فيقول المتكلم في النوڤيلا: «طال انتظاري لها فعلًا، ولم تأتِ، ربما تأتي، قد تأتي، لن تأتي»، فيما يقول درويش: «لم تأتِ. قُلْتُ: ولنْ… إذًا سأعيد ترتيب المساء بما يليق بخيبتي». وفي جانب آخر من الرواية يحيلنا إلى قصيدة هي لا تحبك أنت: «هي لا تحبك أنت يعجبها مجازك أنت شاعرها وهذا كل ما في الأمر»، عندما يعرف السارد أن حبيبته لا تحبه لذاته: «إنها لا تحبك أنت، إنها تحب غرورها، هي دومًا تميل لمن هو بعيد منها؛ لكنه عندما يقترب منها تحرقه مثل الفراشات» ص55.

ويتناص حديث السارد عن الحمى التي سكنت عظامه مع قصيدة للمتنبي. يقول السارد: «حين زارتني في جدة لم أتمكن من الحراك، تركتها تتلذذ بتعذيبي حتى الفجر، ثم زرت طبيبًا قضى عليها شكليًّا وتركها تسكنُ داخلي زمنًا…، ظَلَّتْ تتبعني في أي مكانٍ أذهبُ إليه، وكأنها اسْتَمْتَعَتْ بما كنتُ أَسْتَمْتِعُ، فطاب لها المقام، أصبح بيني وبينها تعايش سلمي، إنها حسَّاسَة جدًّا وناعمة لذلك تثور كلما أغضبها موقف لا يحتمل» ص9. أنسنة الحمى في هذا المقطع السردي وتشبيهها بالحبيبة التي تقيم بين العظام وفشل الطبيب في علاجها يَنضَحُ بروح قصيدة المتنبي التي يصف فيها الحُمَّى بالزائرة: «وزائِرَتي كأنَّ بِها حَياء/ فَليسَ تَزورُ إلا في الظَّلامِ» وترفض إلا أن تَبِيتَ في عظامه: «بَذَلتُ لَها المَطارِفَ وَالحَشايا/ فَعافَتها وَباتَت في عِظامي» وإن حاول أن يطردها تبكي وتوسعه بأنواع السقام. وكما فشل الطبيب في تشخيص ومعرفة سبب حُمَّى المتنبي فشل كذلك طبيب السارد في علاج سببها الحقيقي: «يقول لي الطبيب أكلت شيئًا/ وداؤكَ في شَرابِكَ والطعامِ/ وما في طبه أني جَوادٌ/ أَضَرَّ بِجِسمِهِ طولُ الجِمامِ».

فهد ردة الحارثي

ويوظف فهد ردة الحارثي كذلك مقطعًا من قصيدة بدر شاكر السَّيَّاب (1926: 1964م) «أنشودة المطر»، عندما يمضي السارد مع صديقته تحت المطر فيقول: «استحضرت كل قصائد المطر ورددت قصيدة السَّيَّاب: عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ/ أو شُرفتان راح ينأى عنهما القمر/ عيناك حين تبسمان تورق الكرومْ/ وترقص الأضواء… كالأقمار في نهَرْ/ يرجّه المِجداف وهْنًا ساعة السَّحَر كأنما تنبض في غوريهما، النّجومْ..».

ويُحِيلُ حديث السارد عن المنتصف «كل شيء يبدو في المنتصف، الآن نصف الليل، نصف العمر، نصف المسافة، نصف جائع، نصف قلق، نصف متفائل، وأكتشف أننا في نصف ديسمبر، نحن في المنتصف، إذن في العودة خيبة وفي التقدم خيبة» إلى تحذير مطران خليل مطران (1872: 1949) من الوقوف في المنتصف في سرديته الشهيرة: «لا تجالس أنصاف العشاق…، النصف هو أن تصل وألّا تصل، أن تعمل وألّا تعمل، أن تغيب وأن تحضر.. النصف هو أنت، عندما لا تكون أنت». ينبع المقطعان من المشكاة ذاتها في كراهية المنتصف.

ويتردد في ثنايا السرد أسماء شعراء مثل: الحارث بن حلِّزة اليَشْكُرِي، شاعر بادية العراق (ت: 580م) أحد شعراء المُعَلَّقَاتِ، وكذلك الصعاليك. ويجعل أحد شخصيات الرواية شاعرًا يُدْعَى قيسًا، يرسمه بشكل أسطوري فيَظَلُّ دون أكل لأيام فيها يَكَتُبُ قصائده وبعدها يسكنه الجوع ليوم أو يومين، فيكون كل ما يصل إليه صالحًا للأكل، يتوقف عن الكتابة ويتفرغ لقراءة شعره لكل من يراه حتى العابرين على الأرصفة.

لم يأتِ اسم قيس بشكل عبثي؛ فهو يحيل إلى واحد من أشهر شعراء الحب العذريّ في الأدب العربي قيس بن الملوح والملقب بمجنون ليلى (645-688م)، ما يتوافق مع مضمون الرواية التي تدور في فَلَكِ عذابات الحب والمحبين والهجر والألم. فالطابع الرومانسي يطغى على أحداث الرواية عن عاشق يبوح بما يعانيه من ويلات الحب، عن سير العشاق في الشتاء تحت زَخَّات المطر، وسماع فيروز، شرب القهوة، وبكاء المحبين الذي خلدته المعلقات العربية في مَطالعها. والضعف الذي يُورِثُ الحُمَّى والشعور الدائم بالحزن والفقد، ويكثر ذِكر الشعور بالوحدة في ثنايا النص؛ فهي أكثر الأحاسيس التي وصف الساردُ بها نفسه، فتتكرر عبارات مثل: «بقيت أنا وحيدًا.. وحيدًا أجالس نفسي.. كنتُ وحيدًا.. وحدتي تفضحني.. أسكن إلى غرفتي وحيدًا…» إلخ. تلك الوحدة التي لا يتخلص منها حتى بقربه من الحبيب، بل تزاد أحيانًا بحضوره وكأنه يتمثل قول محيي الدين بن عربي (1165-1240م) «كل شوق يسكن باللقاء لا يُعول عليه».

وفي الأخير يتبقى القول بأن هذا العمل السردي حمل ما تحمله كثير من بدايات كُتاب الرواية في أعمالهم الأولى التي تحضر فيها ذاتهم الحقيقية أكثر من التخييل: فبطل رواية «زينب» (1913م) يحمل سمات مؤلفها محمد حسين هيكل (1888- 1956م)، وبطل رواية «عودة الروح» (1933م) محسن، يحمل سمات توفيق الحكيم (1898- 1987م) الحقيقية، وهذه الرواية القصيرة كذلك تحمل كثيرًا من عالم مؤلفها الحقيقي: يتشارك المؤلف مع السارد في عالم المسرح، كما أنهما من المملكة العربية السعودية، ويتشاركان عبارات المزاح مع أصدقائه من البلدان الأخرى التي يسمعها منهم مثل قولهم: «مكر البدوي» أو ندائهم له بالصحراوي.. ما يكشف عن اعتزاز المؤلف بهويته، حتى في النقد الذي يوجه إلى بعض كتاباته يورده كما هو ويفنده كما يفنده في الواقع.

مستقبل ما بعد النسوية

مستقبل ما بعد النسوية

مرت النسوية العالمية والعربية بمراحل وموجات متعددة اختلفت بمطالبها، وتدرجت في نقاشاتها من الموجة النسوية الأولى والثانية إلى الثالثة والرابعة. كانت جميع الحركات تطالب بالمساواة بين الجنسين في الحقوق المدنية مثل العمل والتعليم وحق التصويت والترشح في الانتخابات. كانت الموجة الأولى في طروحاتها المتعددة تحاول أن تفكك الكثير من المقولات النمطية حول الاختلافات البيولوجية التي تعطي الرجل حق السيادة وامتياز التفوق فيما توضع المرأة في وضعية دونية توارثتها على مر العصور. ذهبت الدراسات النسوية إلى مناقشة الفروق البيولوجية وتبيان كثير من المغالطات حولها. فيما نجد الموجة النسوية الثانية ذهبت إلى خطوة أبعد إذ بينت المفكرة النسوية سيمون دي بوفوار في كتابها «الجنس الثاني» أن المرأة تمارس سلوكها الاجتماعي المفروض عليها بسبب العادات والتقاليد التي ترسم للمرأة والرجل الأدوار الاجتماعية المتوقعة منهم. تقول دي بوفوار:

سيمون دي بوفوار

«إن الفئة المهيمنة تحاول أن تبقي المرأة في المكان الذي تخصصه لها وتستقي الحجج من الوضع الذي خلقته هذه الفئة نفسها، وهذا يذكرنا بقول (برناردشو) في الزنوج: «إن الأميركي الأبيض يهبط بالزنجي إلى مستوى ماسح الأحذية؛ ليستنتج من ذلك أن الزنجي ليس صالحًا سوى لمسح الأحذية»».

أما فرجينا وولف، وهي رائدة من رائدات الموجة النسوية الثانية، فإنها ذهبت إلى جانب الكتابة الإبداعية، وناقشت سؤالًا مهمًّا: لماذا غابت المرأة على مر الأزمنة عن الكتابة الإبداعية؟ قوضت وولف التاريخ الذكوري للكتابة، وخلصت إلى أن المرأة حتى تصبح كاتبة، عليها أن تملك غرفة خاصة بها وأجرًا يمنعها من الخضوع للسلطة الذكورية التي تفرض عليها إملاءاتها واشتراطاتها، قائلة: «إن النساء لكي يكتبن بحاجة إلى دخل ماديّ خاص بهن وإلى غرفة مستقلّة ينعزلن فيها للكتابة».

النساء بوصفهن تابعات

لم تكن النسوية العربية في بداياتها المبكرة بمنأى عن مثل هذا الطرح الجريء لوولف الذي أصبح بيان وشعار الكتابة النسوية لاحقًا بحيث نجد الأديبة المصرية اللبنانية مي زيادة تطرح قضايا المرأة الاجتماعية وقضية الحقوق المدنية في كثير من مقالاتها. أفردت زيادة كتبًا متخصصة في الكتابة الإبداعية النسوية، وتحدثت عن ثلاث شاعرات هن: ملك حفني ناصف، وردة اليازجي، وعائشة تيمور. بحثت زيادة في قضية مهمة وهي أسلوب المرأة الكتابي، ولماذا تأثر أسلوب هؤلاء الشاعرات بأسلوب الرجال من الشعراء، وأرجعت السبب إلى حداثة دخول المرأة لعالم الكتابة الإبداعية، وعدم تعودها وممارستها لفعل الكتابة، الذي يحتاج إلى ممارسة أكثر ودربة واختبار دقيق للأساليب التي تليق بالمرأة الكاتبة.

تأتي الموجة النسوية الثالثة نابعة من مرحلة ما بعد الحداثة وطروحاتها المتعددة، ونظرياتها المختلفة، تحت مسمى ما بعد النسوية متأثرة هذه الموجة بعدد من النظريات المهمة مثل ما بعد الاستعمار والتفكيكية والفوكوية، ونظريات النقد الثقافي أيضًا.

يعد اسم المفكرة الأميركية جوديث باتلر من أهم أسماء هذه المرحلة، التي طرحت في كتابها «مشكلة النوع» واحدًا من أهم المفاهيم في تحليل سلوك المرأة في العصور السابقة، وهو مفهوم التطبيع والأدائية، والمقصود به أن النساء على مر العصور السابقة كانت تؤدي الأدوار المنوطة بها، وأن هذه الأدوار أصبحت نتيجة لتكرار الممارسة جزءًا طبيعيًّا من تكوين المرأة. باتلر تقول باختصار: إن المرأة صنعت أدوارها كمؤدية لما يريده الرجل والمجتمع منها، ومن ثَمَّ فككت هذا عبر معطيات لغوية واجتماعية. ‏وهذا الشيء قديم وله جذور تاريخية ومن ثم توارثته المرأة عبر العصور؛ وهو ما يعني أن ضعف المرأة وتخلفها خلال كل هذه القرون ليس طبيعيًّا بل مصنوعًا.

أما المفكرة التفكيكية الهندية سبيفاك في كتابها «هل يستطيع التابع أن يتحدث؟»، تحدثت عن النساء بوصفهن تابعات للثقافة المهيمنة، وحللت موضوعة الصمت المفروض على النساء، وقدرتهن الفعلية على الحديث، فإذا تكلمت المرأة هل سيوجد من يستمع إليها؟ ضاربة مثلًا من طقوس الساتي المفروضة على المرأة الهندية بعد وفاة زوجها.

النسوية في عصر وسائل التواصل

أما الموجة النسوية الرابعة فهي موجة من الموجات التي استفادت من الإعلام الرقمي وثورة وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبحت ناشطة جدًّا وفعالة تجاه قضايا المرأة والدفاع عنها وشهدت دخول النسويات الصغيرات كمدافعات عن قضايا المرأة المستجدة والمستعجلة مثل العنف والقتل والاغتصاب، مع ارتباط هذه الحركة بالناشطين السياسيين ومنظمات حقوق الإنسان. وهذه الحركة لها العديد من الإيجابيات والسلبيات؛ فمن إيجابياتها، على سبيل المثال: سرعة وصول قضايا المرأة إلى الرأي العام، والدفاع عنها، وربما الاستجابة من متخذي القرار في حل بعض المسائل العاجلة، إضافة إلى اتصال النسويات بعضهن ببعض في الشرق والغرب؛ وهو ما يعطي هذه المطالب الإنسانية وهجًا وقوةً وحسن إدارة وتنظيم.

غاياتري شاكرافورتي سبيفاك

في المقابل هذا الأمر يطرح إشكاليات أخرى، وهي: هل كل النسويات لديهن قدرة على الدخول إلى وسائل التواصل الاجتماعي والتواصل عبرها؟ وهل يملكن القدر نفسه من حركية بعض الناشطات النسويات المتابعات للأحداث الواقعة للمرأة سياسيًّا أو اجتماعيًّا أو مهنيًّا؟ وهو ما يعني أنه ليس كل ما يقدم عبر وسائل التواصل الاجتماعي يمثل النسوية في المجال العام الأوسع سواء أكان أكاديميًّا أو غير أكاديمي. الأمر الثاني، إن بعض النسويات يقدمن آراء ويدافعن في بعض الأحيان عن قضايا لا تمثل جوهر مطالبات المرأة في فضاءات اجتماعية متنوعة ثقافيًّا ومتفاوتة في مستوى مطالباتها وتقدم إلى جماهير لا يملكون القدر ذاته من الأدوات النقدية، والأفق المرن المتسامح مع طرح الأفكار الجديدة.

أحيانًا تستعير بعض النسويات في الوطن العربي طروحات غربية بعيدة من ثقافتنا، ولا يستطيع الفضاء العام استقبالها حتى لو كان من باب الاستماع إلى الفكر المختلف مما يساهم في إثارة لغط وبلبلة في تلقي النسوية في الوطن العربي وفي المجتمع الخليجي تحديدًا. ثمة أمر آخر لا يقل أهمية عما سبق، وهو عدم قدرة النساء المهتمات بالنسوية على الدخول إلى وسائل التواصل الاجتماعي لمحظورات اجتماعية، وهو ما يعني تغييب نسبة كبيرة من النساء، وعدم قدرتهن على تمثيل آرائهن في الفضاء العام.

الموجة النسويَّة الرابعة في الخليج العربي

مثل أهداف النسوية الغربية، ظهرت النسوية في وسائل التواصل الاجتماعي في عام ٢٠١٢م مدافعة عن قضايا المرأة المتعددة، أهمها الاغتصاب والتحرش الجنسي والقتل والتغييب والتهميش وغيرها من الأمور المهمة. لم تترك النسويَّات في الوطن العربيّ فرصةً مثل فرصة الإعلام الرقميّ وكلّ الإمكانات الهائلة التي يتيحها لتدخل عبره للتعبير عن قضاياها، وكشفِ معاناة المرأة، وصوتها، وفكرها، وإثبات حضورها كمبدعة في مجالات متعدِّدة. وظهرت النسويَّات يدافعنَ عن عدد من القضايا المهمَّة، مثل التواصل مع العلماء وقادة الرأي للتأثير في آرائهم ومناقشتهم في قضاياها الحيويَّة، وتصحيح ومناقشة المفاهيم المغلوطة حول قضايا المرأة، إضافة إلى متابعة ما يعرض ويستجدّ من قضايا، والتعليق عليها.

دافعت المرأة عن موضوعات مهمَّة وحيويَّة. على نحو عامّ، عند البحث في طبيعة القضايا التي تشغل المرأة العربية اليوم، في طبيعة تمثيلها في الإعلام الرقميّ، تتضح صورة المرأة في الإعلام العربي بأنها كائن استهلاكي أكثر من كونها فردًا منتجًا، تهتمُّ بأمور الحياة المعيشة، كالتجميل والمطبخ والقصص العاطفيَّة، أكثر من الفكر وبناء الذات. تتضح صورة المرأة أيضًا، بخلاف الرجل إلى حدٍّ ما، بأنها بعيدة من التفكير العقلانيّ المنطقيّ، وتعرض نفسها أو تُعرَض بوصفها موضوعًا للمتعة الجسدية للرجل.(1)

صورة المرأة المشوَّهة تحيل إلى مفهوم المستمع (أو المشاهد) أو المستهلك الناكص، وهي جميعها تحيل إلى أنها تختبر وتختار السلعة الثقافية في حالة من «غياب التركيز»(2). لكن، هذه المرأة مستلبة الهوية هنا، تقوم بدور آخرَ أكثر خطورةً من غياب التركيز، وهو إدراك حقيقة الشيء والاستمرار في اقتنائه أو ممارسته، كما يقرِّر آلن هاو: «إنَّ إدراك حقيقة شيء ما ومواصلة شرائه هي إتاوة رديئة نؤدِّيها لقدرة صناعة الدعاية على استعمار مخيِّلاتنا؛ إذ نبتغي الأشياءَ على الرغم من علمنا أن معناها مصطنع تمامًا»(3).

وبالطبع، المرأة تنساق في خطاب التجهيل والتسليع العامّ، الذي تعانيه الثقافة العربية اليوم، لعدم وعيها الكافي، ولإحساسها بضآلتها وهامشيّتها، في مقابل سيطرة رغبات الرجُل، في ظل النظام الرأسمالي، وتسليع المرأة وإعادتها إلى دورها التقليدي عبر التاريخ؛ وهو ما أظهر لدينا الكثير من الآراء المضادة التي تحاول أن تحسن صور المجتمع والثقافة، وتخلط بين المطالب المشروعة وغير المشروعة، وتجرم وتحرم النسوية بدلًا من مناقشاتها.

النسوية والتفاوت الاجتماعي

لا أعلم لِمَ مثل هذه المبالغات! هل هو لم يقرأ للنسوية العربية بشكل عام، وهل هو أخذ ما يطبق غربيًّا واصمًا النسوية العربية به؟ لأننا لو فكرنا في كلامه، وحللناه، وحاولنا فهم هذه المغالطات، سنجد ما يلي: إن النسوية الغربية بشكل عام تنتمي لمرجعيات دينية غير إسلامية مسيحية أو يهودية، وكما نعلم أن هذه الأديان لا يحدث فيها الطلاق إلا برضا الطرفين، ونحن نعلم جيدًا أن الطلاق أبغض الحلال عند الله، ولا يوجد نص نسوي عربي منع الطلاق، بحسب علمي. أما تعدد الزوجات فهو حسب الأديان الأخرى لا يجوز، وهو ما يعني أن هذه المقولة مرجعها لنسويات من أديان أخرى ولا ينطبق هذا على النسويات المسلمات. ونعلم جميعًا أن تعدد الزوجات رغم وجوده في المجتمع إلا أن النساء جميعًا لا يوافقن عليه سواءٌ كُنَّ نسويات أو غير نسويات. وفيما يخص المساواة، فإن المساواة المقصودة هي مساواة في الحقوق المدنية وتكافؤ الفرص في الدولة بين النساء والرجال، وهذا لا يمنع وجود قلة من النسويات من ناقشن بعض المسائل الدينية المتعلقة بالمساواة وهذا من باب الاجتهاد. وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل الاجتهاد من حق العلماء الرجال فقط؟

جوديث بتلر

يغيب كثيرًا عن المعادين للنسوية من النساء والرجال، أن تفعيل الدول ومؤسسات الحكم للقوانين التي تقف مع المرأة لا يعني أن المرأة قد حصلت على الكثير من حقوقها اجتماعيًّا، وأن هناك فئات اجتماعية كثيرة تقف ضد إعطاء المرأة حقوقها، مع تأكيد نسبية أخذ المرأة حقوقها المتوقفة على سخاء وكرم الرجل المانح لها ونسبة وعيه وقدرته على مواجهة المجتمع، وهذه قضية تزيد عند مكونات اجتماعية وتقل عند أخرى.

كما يجب التنويه أن النسوية بجميع موجاتها مهمة ولا تزال ضرورية؛ لأننا كمجتمعات لسنا متساوين في الاستجابة للمطالب الأساسية، فثمة مجتمعات لا تزال تعيش في الموجة الأولى والثانية؛ لحداثة تجربتها الديمقراطية على وجه الخصوص في احتوائها للمختلفين عنها من النساء والمهمشين. ولعل تجربة الثورات العربية الأخيرة بيّنت مدى حاجتنا للطروحات النسوية في الدفاع عن قضايا المرأة، وأن حقوق المرأة في هذه المجتمعات قد انتزعت منها مجددًا، وعدنا لنقطة ما قبل البداية.

من المهم القول: إن وجود نساء يدافعن عن قضايا هامشية، لا يعني أنهن يمثلن المظلة العامة للنسوية، وإن النسوية نسويات، من بينهن النسوية العربية والإسلامية التي تتقاطع مع كثير من أفكار الإسلام ولا تتعارض معها، وربما تناقش ممارسة المجتمع التي انحرفت عن مبادئ الإسلام.

أعتقد أن على مؤسسات المجتمع المدني القيام بدورها في دعم قضايا المرأة، وتصحيح الفهم الخاطئ للنسوية من قبل المتشددين الذين يتعمدون تضليل الرأي العام محاربة للنسوية. كما أرى أنه على النسويات والمثقفين الحقيقيين القيام بدورهم الحقيقي في مواجهة تيارات التجهيل المتعمد للمجتمع، لسلب النساء حقوقهن المكتسبة، وإعادتهن لدوائر لا تليق بمجتمعاتنا الإنسانية اليوم، فمن يحاول سلْبَ النساءِ اليوم حقوقَهن هو نفسه من يعادي أية فكرة من أفكار المحبة والتعايش والسلام وقبول المختلف دينيًّا وثقافيًّا ولغويًّا.


هوامش:

(1) طارق السيد، «الإعلام النسوي، وقضايا المرأة»، لها أونلاين، ٧ ديسمبر ٢٠١٧م:

http://www.lahaonline.com/articles/view/54341.htm

(2) آلن هاو، «النظرية النقدية: مدرسة فرانكفورت»، القاهرة: المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى، ٢٠١٠م. ص: 129.

(3) السابق، ص: ١٢٩.