«ذاكرة بلا صور» لعزة سمهود تراجيديا الحياة ومأساة رحلة البحث عن الخلاص

«ذاكرة بلا صور» لعزة سمهود

تراجيديا الحياة ومأساة رحلة البحث عن الخلاص

رواية «ذاكرة بلا صور» للكاتبة الليبية عزة سمهود، الصادرة في طبعتها الأولى عن دار الرشيد، الإمارات العربية المتحدة، ووصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة راشد بن حمد الشرقي للإبداع، هي رواية ذات منزع واقعي رمزي. تستند إلى رؤية سردية مبنية على بعد مأساوي من خلال بنية سردية قائمة على تقنيات التقطيع والتشذير لبنية الأحداث والأزمنة والأمكنة، من دون أن تجنح كلية نحو التجريد؛ لارتباط أحداثها وواقعها بالهجرة السرية والحلم
بالفردوس؛ أوربا.

التشخيص التخييلي وتراجيديا الواقع

يمتد العالم الحكائي لأحداث الرواية ليشمل مسارًا تاريخيًّا لصور الواقع الاجتماعي للدول الإفريقية جنوب الصحراء (نيجيريا) في حقبة تاريخية تمتد إلى اليوم. يتساوق هذا الامتداد مع ذاكرة السارد. ويؤطرها من ناحية تنضيد الأحداث والشخوص والأزمنة والأمكنة. وذلك من خلال صوت السارد الرئيس للأحداث/ الشخصية المحورية (شخصية آبيا) التي تتمثل حياتها في مسار مأساة اجتماعية من ناحية العلاقة بالواقع الذي تهيمن عليه الصراع والحروب الأهلية والقتل. يقول السارد (شخصية آبيا) في الصفحة 4: «علينا مغادرة مايدو غوري، فالأخبار تقول: إنَّ الهجوم القادم عليها، ولا بد أن ننقذ محاصيلنا قبل نهبها».

عزة سمهود

يضرب هذا الصراع عميقًا في الذات والنفس والوجدان والجسد الإفريقي، من خلال انعكاس شفاف لصور هذا الواقع في التمثلات التخييلية للنص الحكائي. كما تتجاور لغة السرد التعييني المباشر مع لغة الوصف الرمزي الذي يجرد السرد التعييني من الدلالة المباشرة ويمنحه عمقًا وكثافة رمزية. تنهض بنية هذا النص السردي على التشخيص المحاكاتي من خلال العلاقة بين النص والمرجع الواقعي عبر علاقة انعكاسية مرآوية؛ إذ إن الشخوص، مثلما الأحداث، قابلة للتمثل على مستوى الواقع الاجتماعي المأساوي الذي هيمن عليه الحلم والاغتراب والمأساة. بدءًا من الفصل الأول للرواية المعنون بـ«البوغا» وهو لقب يطلقه السكان المحليون على تاجر البشر، سواء كان مُشتريًا أم بائعًا. لكن حين يقع الإنسان في أيدي هؤلاء التجار، يبصم على وجوده الواقعي والاجتماعي ببصمة الأحلام المهدورة، والمأساة المنتظرة. تجلى ذلك في جل فصول الرواية: الفصل الأول/ البوغا (ص:2)، الفصل الثاني/ يوم حلقوا شعري (ص:17)، الفصل الثالث/ باب الجحيم (ص: 42)، الفصل الرابع/ سجن إعبيدة (ص: 49)، الفصل الخامس/ اللجوء (ص: 57). تلتقي هذه الفصول في قول السارد في المقطع الأخير: «وسأتكلم عن تلك الصور التي ظلت تتوهَّج في ذاكرة الفتيات حتى احترقت وانطفأت أعمارهن»، ص: 77.

مرايا الذات الإنسانية المقهورة

ينطلق السرد الروائي في الرواية من بؤرة مركزية تتمثل في الصراعات القبلية والقتل والخراب والترحيل: «حين خرجنا من الدغل تفرقنا للبحث عن ناجين في أزايا، وحمدتُ الله أنَّ أمي إيفيلين باولو خرجتْ فور الاجتياح بابنتي ماريان اتجاه مايدو غوري» ص 2. فمنذ الوهلة الأولى يلج السارد عالمًا يزخر بصور الموت، لتمتد إلى بؤرة ثانية مجسدة في محاولة الشخصيات (آبيا، البنت مارينا، الأم إيفيلن، الخالة كاتي) الإفلات من هذه المأساة التي تتمثل رمزيًّا في شخصية آبيا التي تسير في مصيرها نحو معاناة التهجير والضياع. وعلى نحو مركزي أيضًا، تهيمن على النص ثيمة التفكك القبلي/ المجتمعي متمثلة في رمزية الأرض، حين تجري مقاومة بؤس الواقع وشبح تفكك الأسرة/ المجتمع بكل تحدٍّ وصمود. تنضاف إليها الشخصية المحورية (شخصية آبيا) التي توزعت مواقفها بين الحلم بواقع بديل وحلم بحياة ثانية مغايرة، وهو حل لم يكن موفقًا؛ لأن حاضر حياتها وذاكرتها المحاصرة بهذه الصور المأساوية، لا تستطيع الانعتاق من الإخفاقات المتصلة بها.

ينضاف إلى تراتبية موضوعات الإخفاق هاته، موضوعتان تستحضرهما، وتحولهما إلى سلوك انتهازي وإفراز لعقد مرضية لإنتاج الانتكاسات والهزيمة، وردود الأفعال السلبية التي تعد هروبًا مضادًّا إلى ما هو أسوأ من أشكال الإخفاقات السابقة (داخل القبيلة). هذا النسيج الشخوصي منحته الروائية، نسقًا رمزيًّا، أنتج متخيلًا للمرايا المتعاكسة؛ إذ بإمكان متلقي الرواية، قراءة وتأويل إخفاقات شخصية آبيا والشخصيات المرافقة لها في الرحلة الخلاصية (شخصية آمندا، شخصية فيكتورا، شخصية فايا، شخصية جلوريا)، وهي منعكسة في مرآة المأساة. لهذا، فإن أشكال الانعكاس المرآوي للشخوص الواردة في الرواية، خلقت نوعًا من التقنية السردية الخاصة في بنائها، ومنحت الرواية بنية درامية مؤثرة، ونقلت النص من التشخيص الواقعي المباشر، إلى التشخيص الفني الرمزي.

رحلة البحث عن الخلاص

جسدت ذاكرة السارد/ شخصية آبيا، كثيرًا من صور المعاناة والموت المادي والرمزي التي تزخر بها الرواية، من خلال شخصيات تغترب عبر رحلتها الخلاصية، ونزعتها الهروبية من عالم مأساوي تنهار فيه القيم الإنسانية، كما تحكمه عصابات التهريب. يقول السارد في الصفحة 11: «هزت إحداهن رأسها نفيًا ثم قالت: عن طريق إزقيل، أرشدنا ابن عمي كومو إلى الوسيط إزقيل، ليقوم بتمريرنا». تتكرر صور التهريب على طول المسار السردي للرواية، وترتبط هذه الصور بمشاهد التعذيب في أثناء هذه الرحلة الخلاصية. تجلى ذلك في حلق الرؤوس: «تسمرتُ مكاني فلكزتني العجوز على جنبي، ودفعتني نحو الكرسي» ص:22، ومشاهد ختان، وصولًا إلى سجون المهربين (سجن إعبيدة، ص: 49، سجن شتراوس، ص: 68). ثم إلى الكنيسة بوصفها الخلاص من هذه الرحلة المأساوية. يقول السارد في ص: 72،73: «توقف السائق وهو يشير للمبنى المفتوح، نزلتُ بسرعة وركضتُ نحو مدخل الكنيسة الكبير». يشي هذا المقطع السردي الأخير من الرواية بمنحى رمزي لهذه الرحلة الخلاصية التي هيمن عليها السقوط والهزيمة، وهو ما يجعلها رواية تؤشر إلى مأزق وعي شقي في قراءة العلاقة بين الواقع والسلطة (بشتى أصنافها). تعكس رواية «ذاكرة بلا صور» لعزة سمهود، واقعًا ممسوخًا فقد فيه الإنسان ما تبقى من أصالته وجوهره الإنساني.

بيانات أدونيس… الخريطة البيضاء للكتابة

بيانات أدونيس… الخريطة البيضاء للكتابة

«ولئن كانت الكتابة خريطة رُسمت عليها حدود الأنواع،

وعُينت رفوفها وأدراجها، فإن هذه الخريطة اليوم بيضاء دون أدراج ولا رفوف».

أدونيس

– بيان من أجل كتابة جديدة

اخترت من أجل البحث عن الرؤية الشعرية وتمثلاتها في البيانات الشعرية لدى أدونيس، أن أتقصى الحداثة ونقدها والكتابة ومركزيتها فيما كتبه أدونيس كبيانات مجنَّسة وصريحة في مقصديتها لخلق تلك الخلخلة في المنظومة الفكرية والمعرفية التي تكمن وراء القصيدة، كمرجعيات فاعلة في خلق الرؤية وتنويعاتها النصيّة.

لقد كان أدونيس منذ بداية كتاباته الموازية لشعره قد أكد على قضيتين مركزيتين في الفكر الشعري والنقدي، هما الصلة بالتراث والموقف من الغرب.

ولعل مقدمة الجزء الأول التي تتوقف عند عصور الشعر الجاهلي والإسلامي والأموي، على رغم أنها مبكرة (1964م)، تهبنا فرصة التعرف إلى ما كان يشغل أدونيس في موضوع قراءة التراث وتقييمه.

لقد باغتَ أدونيس لا التقليدين فحسب، بل الحداثيين والمجددين أيضًا بالدعوة إلى ما أسماه «إحياء الشعر العربي.. والنظر إلى القيمة الفنية الخالصة التي تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتتخطى الاعتبارات التاريخية والاجتماعية»(1).

وكان هدفه من المختارات «إعادة النظر في الموروث الشعري العربي بحيث نفهمه فهمًا جديدًا، فنعيد تقييمه، ونمارس قراءته على ضوء هذا كله…»(2)، ولربط تلك القراءة الموعودة والمأمولة في زمن التحول الكبير في الكتابة لذلك الموروث المضاء بالوعي الجديد، نوّه في تقديمه الموجز بضرورة التزام منظور التجاوز الدائم عند قراءة نصوص الموروث وتقييمها، لكيلا يوصم بالنكوص ومحاولة رهن الحاضر الشعري بالموروث، وما جمد في بعض نصوصه من نظْم تقليدي وقواعد تجاوزها التجديد والتحديث كفعلين من منجزات الشعر المعاصر. وكان بذلك يحقق هدفين: إبعاد صفة التنكر للتراث عن جماعة «شعر»، وتأسيس وعي لقراءة جديدة لا تتعالى على التراث، أو ترفضه كاملًا وكأنه صفقة واحدة.

وهو تذكير للحداثيين والمجددين بأن التراث الشعري لا يعني الماضي وملفوظه الشعري برمّته. في مقابل تنبيهه على أن الحداثة ليست زمنية أو مكانية. وبالتالي لا تحصر فيما يكتب في عصرنا. بل لكل عصر حداثته. ما دامت القيمة الفنية الخالصة بحسب وصفه، لا تتحدد في الزمان والمكان. وهذا ما سيعود له عام 1979م حين كتب بيان الحداثة. فيؤكد حداثةَ التراث بوصفها فنية عابرة للأزمنة.

لكنه يقترح صلة نموذجية خاصة بما يسميه «المعرفة الماضية» بالتعلم ممن أنتجوها ضرورة إنتاج رؤية جديدة ونظام جديد من المقاربة والمعرفة.. لأن نكملهم لا بتكرارهم، بل باللهب الذي حرّكهم، لهب السؤال والبحث، واكتناه العالم والإنسان، وهذا يقتضي سؤالهم ومواجهتهم(3). وبهذا يضع وصفًا نابذًا التقليد والاتباع، ومبررًا رفضهما كرؤية. ويعول على الصلة الذاتية بالتراث لا القراءة الجمعيَّة المكرسة.

ولكنه في الجانب الآخر يتقاطع مع القائلين بالقطيعة مع التراث، والذاهبين إلى القول بغربية المرجع الحداثي. وبذا يتوسط أدونيس باعتدال العارف والقارئ المنقب في العقلين الغربي والتراثي وفق قراءة متوازنة.

تلك قضيتان تلحان في مقاربة أدونيس للحداثة وللرؤية الشعرية خاصة. وقد أوردهما ضمن أوهام الحداثة الخمسة التي تصدرت البيان حتى قبل تعريف الحداثة مصطلحًا وبسطها مفهومًا. وتقديم الأوهام في مطلع البيان يعكس قلق أدونيس من وقوع الرؤية الشعرية تحت سطوة تلك الأوهام التي يخلقها الحداثيون في خطابهم. ويتولى البيان ردها وتفنيدها، مقابل سَوق البدائل عنها.

ثمة وهمان كبيران ظلا يشكلان الرؤية الشعرية لعديد من شعراء الحداثة العرب:  وَهْم الزمنية الذي يربط الحداثة حصرًا بالراهن من الوقت، فيما يرى أدونيس أن ثمة شعرًا كتب في زمن ماض ولا يزال حديثًا، مصوتًا بهذا لقراءة الموروث الشعري برؤية جديدة. ووهم المغايرة، أي الاعتقاد بأن الحداثة هي التغاير مع القديم موضوعاتٍ وأشكالًا. وكلا الوهمين عائد إلى الموقف من قراءة التراث ودورها في تشكّل الرؤية. ويبدو الاعتدال والتوازن والدقة في ضبط المفاهيم لدى أدونيس واضحًا في مسألة أخرى هي الصلة بالغرب. وما أسماه وَهْمَ المماثلةِ، أي رؤية الغرب مصدرًا للحداثة، بحيث لا تكون خارجه، مما يؤدي بحسب البيان إلى الاستلاب والضياع في الآخر حد الذوبان. ويؤكد أن شاعر «المماثلة مع الآخر الغربي لا يكتب شعره الخاص، بل يعيد إنتاج شعر الآخر»(4). ولا يفوت أدونيس التأشير إلى شعرية الكتابة وفنيتها ومكانتها في الرؤية، فيرى أن ثمة وهميْنِ يتحكمان في الحداثة العربية لدى بعض الشعراء، وهما: وَهْمُ التشكيل النثري في قصيدة النثر؛ إذ تُبنَى رؤية مغلوطة تقوم على الاعتقاد بأن كل ما يكتب من شعر بلا وزن هو شعر حديث. ووهم الاستحداث المضموني المتمثل في عد النص حديثًا؛ لأنه يتناول إنجازات عصره وقضاياه في مجرد مضمونيته.

هكذا يقترح أدونيس حلولًا لثنائيات فاعلة في تشكيل الرؤية الشعرية، كالشعر/ النثر، الشرق/ الغرب، القديم/ الحديث، الاختلاف/ الائتلاف، وهي من الموضوعات المهمة التي ستتناولها بيانات الشعراء التالية لبيان الحداثة بصياغات مختلفة، لا يخفى أثر أدونيس في أفكارها ومقترحاتها ولغتها أحيانًا.

من أجل كتابة جديدة

يعود أدونيس في «بيان من أجل كتابة جديدة» لشغف البيانات وطابعها الثوري وكونها مناسبة لإعلان النيات النقدية له، وعرض جهازه المفاهيمي المتغير والمجدد، وإثارة الأسئلة حول مرجعيات الرؤية الشعرية وأبرز مقوماتها؛ كمفهوم الكتابة والحداثة والتراث والعالم وسواها من الإشكاليات الفاعلة في الفكر الشعري ومشروع الحداثة بنسختها العربية. ولمجيء البيان ضمن مشروع أدونيس الأساسي في مراجعة جدل الإبداع والاتباع عند العرب التي درسها في الأجزاء الأربعة من كتابه «الثابت والمتحول». وأبرز ما ركز عليه البيان هو التتمة المطلوبة لفكرة الشفاهي والكتابي في الثقافة العربية؛ إذ يرى أدونيس في مطلع الجزء الذي ضم البيان، ضرورة إدراك معنى انتقال العرب من الخطابة إلى الكتابة، أو من الشفوية إلى التدوين(5). وفي البيان يؤكد ما في الخطابة من مزايا شفوية تجلب معها سياقات يسمي منها الجمهور المستمع كون الخطابة تفترض سؤال ماذا أسمع؟ مقابل سؤال الكتابة: ماذا أقرأ؟(6)

يختم أدونيس ببيان الكتابة الجزء المخصص لصدمة الحداثة التي يرى أنها نتيجة أو حاصل لثنائية العرب/ الغرب، وهذا البيان وإن بدا نشازًا في إستراتيجية الأطروحة ومنهجها العلمي ذو أهمية خاصة؛ لكونه دعوة للخروج على الخطاب البلاغي الشفاهي. فلقد رأى أدونيس أن القارئ الذي سيصبح مصطلحًا كتابيًّا قد حل محل السامع (الجمهور) الذي هو جوهريًّا مصطلح خطابي.

لقد حركت الكتابة الثوابت وأولدت المتحولات ذات المنشأ الكتابي، فالتحول نحو الكتابة، كما يرى أدونيس، تحول نحو تعبير مغاير، ولَّد تحولًا نحو ثقافة جديدة وتقويم جديد(7).

 وأعتقد أن «بيان من أجل كتابة جديدة» أخطر أثرًا وأوضح رؤية ومنهجًا من «بيان الحداثة» وتعديلاته، والاستطراد عليه في بيان (بعد ثلاث عشرة سنة). فقد بدأ من أس مشكلة الكتابة والوقوع في الحالة الشفاهية التي رمز لها بالخطابة في مقابل الكتابة، والشفاهية في مقابل التدوين.. فالخطابة كنسق نصي مُلقى مشافهةً فنٌّ قوليٌّ يخاطب جمهورًا مستمعًا أميًّا لاستمالته وكسبه. ولغرض الإقناع ولطبيعة قناة توصيل الخطبة، صار الوضوح والتقرير والمباشرة هي سبل الخطيب الذي يؤثر بجمال صوته في الجمهور، وبانتقاء العبارة وإيقاعها القائم على السجع تقليدًا للشعر، مع الحركة الجسدية والإشارة والوقفة وغير ذلك(8). وبدورنا نضيف الحِجاج عنصرًا مضمونيًّا في الخطابة. فقد كان حاضرًا بقوة بعد اختلاف المسلمين والعرب وحروبهم.. وقد علل أدونيس ارتباط الخطابة بالدين والمجتمع والسياسة والحماسة بأنها طريقة تعبير تناسب الإقناع كهدف للخطابة، التي نشأت في بيئة أمية يثيرها القول والسماع. فقامت على المنطق بغية الوصول إلى التصديق من المستمعين.. لذا بنيت بناءً منطقيًّا من ناحية الشكل. وهنا إشارة إلى تقسيمها البنائي إلى مقدمة وعرض برهاني ونتيجة(9).

لقد تسلسل الحجاج لدى أدونيس في هذا البيان، من المنبع والمصدر الشفاهي للقول بمزاياه الموضوعية والمضمونية والفنية والجمالية وربطه بالبيئة والسياق، إلى الظلال الأسلوبية والملامح الفنية التي تركها في الفنون القولية، ووصل إلى ما فعلته الكتابة الشعرية من تحول في الرؤية والإنجاز النصي.

وفي البيان يرفض أدونيس فكرة الشعر الجديد؛ لأن الجديد ترميم في بعض نواحي القديم وتهذيب في بعضها وزخرف. لكن الاعتراض يكمن في خلط أدونيس للحديث مع الجديد في رفضه. مع أنه في كتاباته كلها، وفي بيان الحداثة وما بعده، يرى أن التحديث فعل انشقاق وهدم ونقض، وحركة استحداث وابتداع.. وأحسب أن الفقرة الأكثر دلالة هي ما سجله أدونيس حول الأنواع والأجناس الأدبية وحدودها.

إذ يدعو إلى إلغاء وزوال تلك الحدود النوعية في الكتابة من أجل نوع شعري واحد أشمل هو الكتابة.. وهذا ما سيجسّده عمليًّا في سيرة المتنبي (الكتاب – أمس المكان الآن) وممارسته لحرية الكتابة، جامعًا بين أشكال شعرية مختلفة ومازجًا الأخبار والسرد والمقتبسات والوقائع التاريخية المتصلة سياقيًّا بحياة المتنبي في صفحات الكتاب. فقد دعا في البيان إلى الانتقال إلى علم جمال الكتابة، فتكون القصيدة سؤالًا حتى في تلقيها. كما يقترح خريطة جديدة للكتابة بناءً على ذلك، مبررة بحدوث «الإعصار الذي يمحو حدود الأنواع، ما يستلزم الانتقال من خريطة الماضي التي حددت الأنواع ورسمتها وبوَّبتها، من على خريطة الكتابة»(10). وهي خريطة بيضاء كما يصفها،(11) حيث لا نعود نلتمس معيار التمييز في نوعية المكتوب، وإنما نتلمسه في درجة حضوره.

يخلص أدونيس إلى أن الحداثة الشعرية العربية على الصعيد النظري هي طرح الأسئلة من ضمن إشكالية الرؤية العربية الإسلامية حول كل شيء من أجل استخراج الأجوبة من الواقع نفسه، لا من الأجوبة الماضية. وهذه أهم قاعدة تنظيرية للرؤية الشعرية التي لم يرها التقليديون متابعو أجوبة السلف، ولا المجددون والمحدثون المفترض انتماؤهم لحركة الواقع.

لقد صارت القصيدة هي الكتابة. وهي ليست شكلًا سابقًا يلاحق فكرة لاحقة. فالشكل يصنع فكرًا(12). ويستفيد أدونيس كثيرًا من نظريات القراءة وجمالية التلقي، ويوسع فكرة النص والكتابة، وموضعة القارئ في عملية الكتابة عبر إسناد مهام تأويلية وتكميلية للبنية النصيّة وفراغاتها الجمالية وفجواتها. فيؤكد أن القارئ صار مصطلحًا كتابيًّا يحل محل الجمهور السامع كمصطلح خطابي.

لكن الملحوظ أن أدونيس لم يركز على المنتج للنص أو الباث في عملية الكتابة، ربما لصالح العمل المنتَج. بتأثير من النظريات النصية.


هوامش وإحالات:

(1) صدر الكتاب بطبعته الأولى عن المكتبة العصرية، بيروت، عامي 1964م، و1968م. والمقتبس هنا من ج1، طبعة دار المدى، دمشق 1969م، ص 16.

(2) أدونيس (علي أحمد سعيد)، مقدمة للشعر العربي، ط3، بيروت، 1979م، ص11.

(3) أدونيس، فاتحة لنهايات القرن، بيانات من أجل ثقافة عربية جديدة، دار العودة، بيروت،1/3/1980م، ط1، وفيه بيان الحداثة، ص337.

(4) الاقتباسات هنا من (بيان الحداثة). تراجع للاستزادة في مكانها من البيان. في فاتحة لنهايات القرن، ص 216-311، وأعاد اليوسفي (محمد لطفي) نشره في كتاب (البيانات) الذي صدر عن أسرة الأدباء والكتاب في البحرين عام 1993م، وظهرت طبعته الثانية، طبعة الجيب عام 1995م عن دار سراس للنشر في تونس، ص21-54. وأثبتُّ المرجعين ليكون البيان في متناول من يتوافر له أحدهما.

(5) الثابت والمتحول- بحث في الاتباع والإبداع عند العرب، الجزء الرابع، صدمة الحداثة وسلطة الموروث الشعري، طبعة الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2016م، ص19.

(6) نفسه، ص253.

(7) نفسه، ص261.

(8) يفصل أدونيس كثيرًا في هيمنة النسق الشفاهي دون تسميته نسقًا، وتحكمه في مضمون الخطابة وشكلها معًا. ويركز على منطقيتها وأصولها وبروتوكولات الاستهلال والعرض والأداء وسواها.

(9) نفسه، 255.

(10) نفسه، ص264.

(11) يحيلني وصف الكتابة بالبيضاء إلى رولان بارت الذي يقترح قراءة «يراهن على بلوغها اليوم تحولًا تصبح فيه موضوعًا لغياب. كتابات (محايدة) يسميها درجة الصفر للكتابة، هي كتابة متخلصة من أية اعتبارات خارجية، كالقراءة واللغة، بيضاء أو بريئة أو محايدة. يُنظر: الكتابة في درجة الصفر، رولان بارت، ترجمة محمد نعيم خشفة، دار الإنماء الحضاري، بيروت 2004م، ص100.

(12) الثابت والمتحول،ج4، ص 267.

الوصول إلى قرية وكان

الوصول إلى قرية وكان

توزع الخبر عبر واحد من الجروبات العديدة في هاتفي «زوجة المرحوم سعيد بن عبدالله توفيت اليوم. إنا لله وإنا إليه راجعون». أتذكر جيدًا عبدالله بن سعيد بن عبدالله حين كان يأتي إلى بيتنا ويمكث يومين هو ووالداه وثلة من جيرانه الأقارب. كان صبيًّا وهو يقود سيارة «البيكاب» الحمراء، يضع والديه اللذين يتشابهان في المقصورة الأمامية، وفي الخلف يتزاحم -في صفيحتين متقابلتين- نساء وأطفال جاء بهم من قرية «وكان»، مقابل أجر لزيارة جدتي. يمكثون معنا يومين، وقد جلبوا لنا ثمار تلك القرية التي بسبب ارتفاعها وانخفاض حرارتها شتاءً واعتدالها صيفًا تجود بثمار لا يمكننا أن نتذوقها بسهولة، مثل: العنب والمشمس والبوت. وفي اليوم الثالث يعودون أدراجهم. أتذكر والدة عبدالله بن سعيد وإن كنت نسيت اسمها، تعبق هيئتها بالعطر المحلي وخاصة ماء الورد المركز الذي تذكرني رائحته كذلك بجدتي، ووجهها المزين بطبقة من معجون الورس، وعينيها العائمتين في الكحل، امرأة صلبة صامتة، كنت أتذكرها أكثر من تذكري لوالده سعيد بن عبدالله الذي توفي قبلها دون أن أتفطن.

قرية «وكان» التي يقال بأن الشمس لا تزورها سوى ثلاث ساعات في اليوم، كما تذكر مرة واحدة في العام، في شهر رمضان حين يروج بأنها المكان الأقصر صومًا، وهو ما ينفيه ساكنوها. لم أسمع بوفاة والده، ربما وصلني الخبر بين زحمة أخبار الوفيات في زمن جائحة كورونا، حين كان كل شيء يتم بسرعة ونحن في أماكننا جالسين: الموت والدفن والعزاء. عند وصولنا، تركتُ أمي في بيت عبدالله، وذهبت باحثًا عن المسجد الذي يقام فيه واجب العزاء. أتكاسل وأتردد كثيرًا في حضور مجالس العزاء، وذلك بسبب النفاق الواضح الذي صار يتخللها، حين يتفاوت الناس بين حرارة الترحيب والإهمال، وذلك حسب مكانة كل شخص ومدى قربه من المناصب العليا للدولة. ولكن العزاءات في القرى النائية تتلفع بالبساطة والتلقائية بخلاف تلك التي تقام في المجالس الملحقة بالمساجد الكبرى بالعاصمة. أنا موظف ولم أغير سيارتي منذ خمسة عشر عامًا، وقد اشتريتها من أخي الذي قادها ثلاث سنوات فقط، قبل أن يرتقي إلى مدير عام في وزارة الزراعة، فباع سيارته السوزوكي فيروزا رباعية الدفع فورًا، واقتنى سيارة تاهو تناسب مكانته الجديدة، كنت حين أرافقه في مناسبات العزاء، أجلس بجانبه في صف الصدارة وذلك بسبب منصبه. وفي ذهابي وحيدًا لن يلتفت إليَّ أحد، فأستريح من تكلف المجاملات الذي أمقته بسبب رائحة النفاق التي تفوح من غطاء المجلس.

التقيت بعبدالله وعزيته، فتذكرني رأسًا رغم أننا لم نلتق منذ سنوات، عمرت حتى وصلت إلى سبعة وتسعين عامًا وهو نفس العمر الذي مات فيه أبوه كما قال لي، أخبرته بأني أكثر ما أتذكره فيهما أنهما متشابهان. قال لي بأنه كان يضعهما إلى جانبه حين كان يأتي لزيارة جدتي التي تكون خالة أبيه وأمه معًا! هنا أدركت مصدر التشابه الجميل بينهما. لم يعد الآن عبدالله يقود سيارة البيكاب الحمراء، بل أصبح حاله ميسورًا ولديه سيارتا «نيسان بترول» وبيوت عصرية واسعة في قلب قريته. لقد تغير حاله حين ساهم في إيجاد حلول لوزارة التربية بتوصيل أطفال المدارس من بيوتهم في القرى البعيدة إلى مدارسهم في الأراضي المنبسطة، استطاع بمرور السنين، أن يحتكر خريطة حافلات الاماكن المعقدة، مع إنفاقه جزءًا من أرباحه في ترضيات نهارية وهدايا ليلية.

كانت البداية مع البيكاب الحمراء، التي تحولت الآن إلى تحفة مغطاة. وقد وعدني بزيارتها حين تنتهي فقرات العزاء بعد صلاة العصر. انعطفت حياته نحو الثراء حين اشترى باص «تاتا» الهندي الأصفر الضخم أول مرة. ومع توالي السنوات صار له موكب من هذه الباصات لحمل أطفال المدارس إلى مختلف المناطق القريبة والبعيدة. قال لي كذلك: إن لديه محطة تعبئة ديزل خلف البيت خصصها لملء خزانات حافلات العمل. وبعد العصر أخذني لرؤية البيكاب الحمراء المتقاعدة كما كان يردد. كانت مغطاة برداء أخضر داكن سميك تكريمًا لها. وحين رفع عنها الغطاء بدت لامعة في حمرتها، وفي المقصورة الأمامية ظهر الوجهان الباسمان لوالديه المتشابهين. ولم أرَ عبدالله بجانبهما!

وبعد أن تعشينا، كما جرت العادة للقادمين من أماكن بعيدة، تمددنا مجموعة من الناس لا يعرف بعضهم بعضًا في صحن المجلس. والصباح كانت وجبته الخبز واللحم كحال وجبة العشاء، رجعنا أنا وأمي إلى تخوم العاصمة حيث نسكن بمنطقة «سعال»، وفي الطريق تولت أمي قيادة دفة الحديث، وهي تنقل لي مختلف ما دار في مجلس النساء من تفاصيل وأخبار.

لا أنكر أن حياة عبدالله أدهشتني حتى إني حسدته عليها. وقد تصاعدت بإصرار وتحول فيها من حال إلى حال، ومن سيارة بيكاب حمراء يقلُّ بها الركابَ إلى مالكٍ لأسطول سيارات يوظف معه كل من يرغب من أقاربه، وهو الآن يلعب بالأموال، وأخبرني أنه يسافر كل عام إلى بلد جديد كان آخرها موسكو، ويأخذ معه من يشاء من أقاربه. بينما أنا الموظف الحكومي، مسؤول النقليات بوزارة الزراعة، عليّ أن أنتظر ترقيتي سنوات، ووقتي ليس ملكي، وهناك كذلك البنك الذي يأسر نصف راتبي لخمسة وعشرين سنة بسبب طلب تأجيلات الدفع، فقط لأني فكرت في أن يكون لي بيت. كل هذه الأمور وغيرها لا يمكن أن يشعر بها عبدالله، الذي بعد أن سلم عليّ وانحنى لتقبيل رأس والدتي ودسّ عشرين ريالًا في يدها، انعطف صاعدًا هضبة منخفضة يقع عليها واحد من بيوته الثلاثة، تتقدمه كرشه التي بدت أيضا كهضبة، وهو يلوح بعصاه يمنة ويسرة، يسرة ويمنة.

أسامِرُ (لا)

أسامِرُ (لا)

لا أظلم الريح، إن الريحَ كادحةٌ
لا أظلمُ البحرَ، في أحشائِه وجعٌ
لا أظلمُ الليلَ، أعراسُ النجوم به
لا أشتمُ الأفُقَ القاصي، فبهجتُه 
لا أظلم القفر، بات الصمت يكنُفُه
أصبحتُ أنضُدُ غفراني لمن عبروا
وانزحت للملأ الأحلى، أساومهم
وصرتُ أردع صوتي كلما انتفشتْ
(طوق الحمامة) في جيدي، وملءُ فمي
مهاجرٌ نحو نفسي، علّ يثربَها

تسعى، ولو فتَرَتْ لم تبلغِ الأمدا
طاغٍ تناثر في شطآنِه زبَدا
غفّارةُ الهمّ، تسقي ناظريَّ مدى
في أن يظلَّ عن العينين مبتعدا
فحيثما التفتتْ عيناه لا أحدا
وأنسجُ اللغةَ الفُضلى لمن بعُدا
على الرحيل إلى… كي نغزو الأبدا
أشواكه، وأساقي الصائحين صدى
لقد (أتاك الربيع الطلق) مطّردا
تُدني إلى الروح من أنصارها مَددا

ظبية خميس… الفلسفة والحكمة والتجارب الصعبة بين الحياة والإبداع

ظبية خميس… الفلسفة والحكمة والتجارب الصعبة بين الحياة والإبداع

«إذا لم تكُنْ هناكَ حياةٌ فلتكنْ إذن الكتابةُ».

بهذه العبارة- العتبة، ذات الدلالات العميقة، تفتتح الشاعرة العربية الإماراتية ديوانها الجديد «روح في غيمة» منشورات (دار فضاءات- عمّان- الأردن، 226 صفحة). عبارة تضع الكتابة في موازاة الحياة، إن لم تكن هي الحياة نفسها، الكتابة الحياة. وهو ما نلمسه في تسعة وخمسين نصًّا هي ما يحتوي عليه هذا الديوان. ديوان يتّسم بتعدّد مناخاته، وتنوّع فضاءاته، حيث تتشكل ضمن ثنائيات تعبر عن رؤية شديدة الوضوح إلى الحياة والعالم، رؤية تنبع في الأساس من ثقافة وتجارب خاصة، تنتج عوالمها في شعر متميّز بخصوصيّة واضحة المعالم.. وهنا وقفة أمام أبرز ملامح الديوان.

قبل الولوج إلى النص

لا يحتاج القارئ- الناقد إلى استعراض التفاصيل؛ كي يخلص إلى نتائج جوهرية في هذا الشعر المتدفق من روح معلقة بالغيم والمطر، كما في «العتبة» رقم صفر لهذا الديوان. العتبة الأولى التي تحيل على تزاوج بين الروح والغيم، بما ينطوي عليه هذان العنصران من السمو، وما يشتملان عليه من دلالات الخصب والولادات المتجددة. وهذا كله يتكئ على رصيد روحي ومعنوي ونفساني ببصمة كفاحية عالية المقام، لا تهاب مواجهة القسوة، وهذه بعض الخلاصات التي يأخذنا إليها هذا الديوان، بقدْرٍ من التأمل المتأني، والتجليات الحرة، ومن دون عناء كبير.

وحين تدخل إلى عالم ظبية خميس هذا، فأنت لست أمام الشعر وحده فقط، بل أنت حيال قضايا الإنسان والإنسانية والحرية، بكل ما تعنيه لك هذه الحرية؛ إذ لا بد من تساؤل عن حرية الغيمة في الروح، كما الروح في الغيمة. نحن هنا حيال تجربة شعرية تمتلك فلسفتها الخاصة أمام الحياة، حياة هي أخت الموت، وليست نقيضه تمامًا، وإلى الأبدية التي تخضع للسؤال.

العتبة الثانية في الديوان، تتمثل في الإهداء إلى «لؤلؤةِ الأعماقِ، كما أحبَّتْ أنْ تسميَ نفسها، أختي ميثاءَ الطيبةَ ورحيل الملائكة». تحضر هذه الأخت في عدد من النصوص في صُوَر شتى بين الحياة والرحيل، صُوَر تتميز بقدر من الحميمية، ويغلب عليها شعور الفَقد والألم، كما سنرى. ولكن قبل الدخول في عوالم الديوان نتوقف عند عتبة- افتتاحية أخيرة، وهي استعارة صوت الشاعر الكولومبي خوان مانويل روكا، (المولود في ميديين- كولومبيا عام 1946م)، والمعروف بمواقفه مع قضايا الإنسان والتحرر، ومنها قضية فلسطين. تقتطف الشاعرة من قصيدة له بعنوان «مونولوج الراقصة» هذا المقطع، لعلها تجد فيه روحها:

«ولمّا أعودُ إلى ذاتي/ لمّا تتوقفُ الموسيقا/ وأرى الآخرين الذين هم مرآتي/ أتهيّبُ من معرفةِ أنّني كنت زهرة/ كنت شلالًا، وكنتُ نارًا».

صور للحياة والموت

منذ مطلع القصيدة الأولى في ديوانها هذا، وهي قصيدة «أراه»، تحمل الشاعرة قارئها في رحلة إلى ثنائية حياة/ موت، ثنائيّة تظل تتكرّر في نصوصها، حيث نقرأ: «شيءٌ ما يحدثُ في مكانٍ آخَر/ شيءٌ ما يعيش/ شيءٌ ما يموت/ في الداخل/ ها هي الوحشةُ تطلّ/ تهمسُ بما لدَيْها/ بين بشر تتعانق/ وتتفرّق دروبهم».

والموت هنا يتخذ أشكالًا عدة، ويتجسّد في صُوَر مادية ومعنوية، وتتعدد مفرداته، فهو هنا يكمن في الشعور بالوحشة وبشر يتعانقون لكن الدروب تفرّقهم. وكذلك تختلف صور الحياة مع تعدد أشكالها والمشاعر التي تعبر عنها. ونحن في ذلك كله حيال تعدد مستويات اللغة واستعاراتها ومجازاتها التي تنهل من الواقع، من دون الاستسلام للمباشرة. وبحسب المقدمة القصيرة التي يكتبها زاهر السالمي للديوان فإن «الشاعرة ترصف مفردات حياتها بغنائية تسمع صدى إيقاعها في مخيلتك. مفردات عادية، من المعجم اليومي، لكن تعالُقها ينحت صورة مركبة في تداعيها الحُر، وأحيانًا تَلْمع كعيون صقر». وفي لغة نشمّ منها رائحة صوفيّة ما، صوفيّة روحانيّة وأرضيّة -في آنٍ- وليست سماويّة.. لأنّ الرّوح «في غيمة».

نقرأ في ختام القصيدة نفسها: «ما لا أراه، أراه/ ما لا أسمعه/ يهجسني/ مغلفة بالصمت/ والأصوات بداخلي».

وهذا ما يجعلنا نتوقف عند مفردة «أرى» التي تُحيل إلى «الرؤية»، لا المشاهدة. وما بين الرؤية والمشاهدة، هو المسافة ما بين الروحانيات والتأملات العميقة، وبين الأرضي- الواقعي. وهو ما يميز الكتابة الرؤيوية التي ترتقي باليومي إلى الوجودي، عن الكتابة الوصفية الباردة أو الجافة. فكتابة ظبية، الشعرية والنثرية والسِّير ذاتية، هي من الصنف الأول الذي يجعل الكتابة حياة وموقفًا، ولعل المتابع لمسيرتها سرعان ما يربط كتابتها بمواقفها الجريئة المعروفة في شتّى المواقع التي شغلتها، وهو ما يذكره لها كثيرون منا، ولسنا هنا في صدد الخوض فيه.

نعود إلى نصوص الديوان، الهامسة منها أو الصارخة، فنرى كيف تقرأ هذه النصوصُ العالَمَ والكون والوجود، بأدوات ومفردات قادرة على حمل «رسالة» إنسانية سامية، وبأسلوب يمتح من قاموس الأدب والفن، قاموس لعل أبرز ما يميّزه أنه لا يترفع على قارئه، ولا يخون رسالته الشعرية. أسلوب البساطة الذي لا يتخلى عن العمق، صانعًا فلسفة خاصة، فلسفةً في الحب بوصفه حياة وعلاقات بين البشر. وفلسفة في القبض على الحرية والتحرر من كل أشكال العبودية. وفلسفة في قراءة الزمن، تجتمع كلها في نصّ واحد أحيانًا.

في نصّ بعنوان «همس»، نقرأ ما يشبه اختزالًا للعلاقة مع الزمن وتحولاته وما ينجم عنه، نقرأ:

«طالَ هذا الانتظار/ كما لا أعرفُه/ الانتظار لصدق ما/ محبة ما»

وفي الـ«حبّ» نقرأ بعض تحوّلات الإنسان العميقة، في كلّ أحواله، أمام الزمن:

«ماذا يقولُ الحبُّ/ بعد سنواتٍ طويلة/ بعد أن يكونَ الشباب انقضى، والحيوات تغيّرت..»

وتتكثف صورة العلاقة مع الزمن في «قصائد ذرف القلب»، عبر تصوير محطة نحو الموت وما يحيط به من مؤثرات:

«أنظر إلى شيخوختي/ في المرآة، ثم ألتفت إلى/ ربيع العالمِ الصامت/ من وراءِ النافذة/ في قلبي حيّةً تنبضين/ لا موتَ هناك/ بل خيال حزين…»

قصائد للطبيعة والإنسان والكائنات

ومن بين نصوص الديوان التي يبدو -في التواريخ المثبتة أسفل كل منها- أنها كُتِبت ما بين الشارقة وأبوظبي، في العامين 2019-2020م، نقف على ما يشبه السيرة الشعرية للشاعرة، سيرة شعرية وإبداعية يصعب الوقوف على تفاصيلها، لكنّنا نتعرف، من خلالها، إلى عوالم ظبية التي تبوح وتكشف عنها بلا مواربة، في الزمان وفي المكان، فقد نقف حيال التصوير والمشهدية في علاقة خاصّة: «شاعر وشاعرة/ جمعتهما اللحظة والكلمات/ وقمر ليلة بعيدة/ ها هناك».

وفي قصيدة «روح في غيمة» نقرأ لوحة: «السُّحب بيضاء/ هادئة هذه الظهيرة. كانت مثقلة بالغيوم لأيام..».

ثم نجد أنفسنا أمام صورة «النمرة» التي تُظهرها في إحدى حالاتها مع أختها والآخرين:

«حينَ وداعةِ الحمامَةِ/ في مرمَى عيونِ الضِّباع/ النمرةُ بمخالِبِها وهيبتِها/ ونظرتِها/ وانقضاضِها السريع/ بين الوحوشِ…/ أعود بذاكرتي للطفولة/ لصباها/ لحيرتها وعذاباتها وأحلامها/ طيّبة/ الكل يقول: إنّها طيبة…/ أحبُّك أختي…».

وفي تصويرها الطبيعة، تحضر أمكنة ودول عدّة، في رحلة ذات طابع شفيف، ترى فيه المكان والإنسان والكائنات: «السماء صافية، نعم السماءُ صافية، وبعضُ المطر. عصافيرُ تصدحُ في الصباح/ ومطرٌ يدُقُّ على النافذة».

ومن بين الصُّوَر التي تربط الكتابة بالحياة، كما رأينا في مطلع هذا الديوان، قصيدة عن «العزلة»، نقرأ من خلالها واحدًا من الأسباب المُلِحّة الدافعة للكتابة: «أفكر في عزلتي هذه/ حيثُ لا أحد، ولا مقاهيَ، ولا شوارع، ولا زوّار، لماذا لا أكتب؟ لدي الوقت والكلمات، وفائض التأمل، والحاجة لأنْ أقول شيئًا، كلّ تلك المشاعر والفيضانات/ لماذا لا أكتب؟»

ولا تكتفي الشاعرة/ الإنسانة بأن تعيش الحياة والحب «بالطول والعرض»، وببساطة لا تشوبها تعقيداته، بل هي تدعو الإنسان إلى أن يعيش الحياة بوصفها مغامرة لا بدّ منها: «لا تدَّخرْ شبابَك لشيء/ بذِّرْهُ بكامل رعونتك/ عشهُ فهو يرحل/ في وقت ما/ لا تؤجِّلْ حياتَك للغد/ عشه بطريقتك».

وأكثر من ذلك، فهي تختار «مقامها» العالي الرفيع، وليس مجرد العيش العاديّ في هذه الحياة. لذا، ولأننا حيال رحلة طويلة ومتعدّدة الأبعاد يحملنا فيها الديوان، ولا يمكننا أن نغطّي تفاصيل هذه الرحلة، نختم هذه القراءة بهذه الأبيات القليلة، ولكن المعبّرة بكثافة عن رؤية الشاعرة:

«أنا والسماء/ غالبًا، أنا والسماء. هنا في العلوِّ الذي اعتدتُ عليه…».