بواسطة سعيد تكراوي - كاتب مغربي | يوليو 1, 2024 | كتب
السيرة مفهوم شائك وشاسع في الوقت ذاته، يحتاج إلى مقاربات من زوايا مختلفة ومتعددة. ولا بد من الوقوف عند تعريفيها اللغوي والاصطلاحي. جاء في المعجم الوسيط: «السيرة: السنة. والسيرة: الطريقة. والسِّيرَةُ الحالةُ التي يكون عليها الإنسانُ وغيرُه. والسِّيرَةُ: السيرةُ النبويةُ، وكُتُبُ السِّيَرِ: مأخوذَةٌ من السِّيرة، بمعنى الطريقةِ، وأُدخِلَ فيها الغزواتُ وغيرُ ذلك. ويقال: قرأتُ سيرةَ فلانٍ: تاريخ حياته. والجمع: سِيَرٌ.«(1). وذكر ابن منظور، صاحب اللسان، السيرة قوله: «حكى اللحياني: إِنه لَحَسَنُ السِّيرَةِ؛ (…) والتَّسْيارُ: تَفْعَالٌ من السَّيْرِ. (…) والسيرة: السنة…»(2). ويقول تعالى في سياق قوله عز وجل لموسى بأن يأخذ الحية دونما خوف: «خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى»(3)، والسيرة في الآية بمعنى الهيئة كما جاء في التفاسير. أما في الاصطلاح، فيقول فيليب لوجون في حد تعريف السيرة الذاتية: «حكي استعادي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص. وذلك عندما يركز على حياته الفردية، وعلى تاريخ شخصيته، بصفة خاصة»(4). إن صاحب السيرة الذاتية: «يحكي لنا بالضبط -وهنا تكمن أهمية محكيه- ما يستطيع هو وحده أن يقوله لنا»(5).
إشكالية التجنيس
«إذن، إذا كانت السيرة الذاتية تتحدد عن طريق شيء خارج عن النص، فليس ذلك عن طريق مشابهة مع شخص واقعي يتعذر التحقق منها، بل بَعِيدًا من ذلك، عن طريق نمط القراءة التي تولده تلك المشابهة التي تفرزها، والممنوحة للقراءة في النص النقدي(6). من هذا المنطلق، يطرح نص «في منتصف الطريق إلى مراكش»(7) إشكالية كبرى؛ فهو نص سيري بامتياز.
في الاستهلال هناك تلقي خبر الموت وسرد تعقب الكاتب لإراقة دمه، والتحريض بهدر دمه من خلال «كتاب أسئلة العقل» عبر فعل استحضاري، تنامت في ذهن السارد رؤى وأفكارٌ: «الطبيعة بسيطة، الجانب المعقَّدُ منها هو الإنسان. تعبئة الحياة بأفكار لا تجعل يومنا حفلة دائمة لتفاصيل حميمة. حياة تسير متعثرة ومتلكئة بفعل نظرة أو فكرة»(8).
وسرعان ما يعلن السارد باتصال الأخ عبر فعل استحضاريٍّ جديد، حيث المشيرات اللغوية تكشف عن زنزانة التعذيب والاستنطاق ومساومةِ الأخ المنفيِّ ومحاولةِ ابتزازه بمبلغ عشرة آلاف دولار: الدفع أو القتل: قتل الأخ تحت سطوة التعذيب وقساوة الجلاد… إنها مأساة الخنوع الكلي لأفكار أضحت مقدسةً على حين غرة؛ أفكار غدتْ حقيقة وهي وَهْمٌ: «إن مأساة البشرية بدأتْ حين وضع رجلٌ حقيقةً، صدقها، ثم ادعى أنها مقدسة، فأكرهَ غيرَهُ على الخضوع لها والتسليم. (…) لا توجد حقيقة بل الفعل هو الحقيقة»(9).
بداية المخاض
ثلاثة أيام بأكادير، اختزل السارد أحداثها في علاقاته بالمكان العتيق، والفندق، والمطعم… أيام كفيلة بتكوين رؤية نوعية عن المغاربة، وقد يظهر ذلك جليًّا من خلال السؤال المستفز، حيث سألته إحدى عاملات الفندق عن مجال عمله بالدنمارك، فرد: «أخدم الأمة العربية»(10). جواب يعكس الرؤية الخاصة بالسارد/الشاعر، رؤية تنبئ عن توتر الأمة وتمزقها… ثلاثة أيام كفيلة بتشكل الحُلم كل ليلة في انتظار رحلة إلى مراكش. يقول: «أَحْمِلُ أحلامي الأجمل/ وأمضي إلى النوم/ أي امرئ أنا/ كل ما ألتذ به/ هو أني أقطف أحلامي/ حُلْمًا حُلْمًا من شجرة النوم»(11). هكذا كان الْـحُلْمُ شبيهًا بأريكة من خيال حيث يجلس السارد تحت ظل شجرة النوم الوارفة يقطف ثمرات الحلم من حقل «كتاب أسئلة العقل».
في صبيحة اليوم الرابع بعد المقام بأكادير، يستقل السارد الحافلة باتجاه مراكش، يجثو السارد على قمة الاستحضار: الأخ والعراق والمنفى. لم يشعر البتة باغتراب، وهو في منتصف الطريق تتوقف الحافلة… تلك بداية مخاض لولادة نص «في منتصف الطريق إلى مراكش»، نص ناجمٌ عن سفر، والسفر عبر المكان تنقل أنطولوجيٌّ! السفر محطة أنطولوجية لولادة الرؤى والتصورات والكتابة بحثًا عن الإشراق الزمكاني والإبداعي…
«الكتابة فعل يقترح فعلًا أعظم»(12). هكذا يعلن السارد في قرارته قبل مغادرة الحافلة التي توقف نبض محركها مما يوحي بالرغبة المتولدة للكتابة.
أحس السارد بالجوع بمراكش، ثم يعلن: «الشعور بالجوع بقي قائمًا./ شبعت من مرأى جوعى ينهون جوعهم بالابتهال والدعاء./ جوعان/ يجوع بي الجوع/ أنا الجائع الأبدي»(13).

منعم الفقير
وقد وصف ساحة جامع الفناء من جوانب كثيرة في المساء من حيث حركيّتها ومرتاديها المغاربة والأجانب، ونشاطاتها. يقول السارد: «ساحة جامع الفنا مكسب كوني»(14).
تتوالى الأحداث ما بين أفضية عدة، أهمها ضريح سيدي بلعباس العالم الزاهد الصوفي حيث بعض الأمداح في خير البرية، وقد استحضر الشاعر في أثناء وجوده بالضريح أجواء وطقوس الصوفية بالعراق على اختلاف مشاربهم من شيعة وغيرهم. يقول: «العراق الذي كلما بعدت عنه ازداد قربًا»(15). يلتفت السارد في سياق الحديث عن العراق إلى «كتاب أسئلة العقل»، ثم يوظِّفُ حُبًّا وأَلَمًا كبيرين: «صناعة وطن/ مرةً أخذتُ: قَلِيلًا من التراب/ قَلِيلًا من الأعشاب/ قَلِيلًا من المياه/ وكثيرًا من الأسلاك/ وصنعتُ منها وطنًا/ فهل أسميه «عراق»»؟(16).
التفاتة حب مبأرة داخل المتن السردي، من متن أسئلة العقل الشعري.
تنطلق السيارة من الزاوية اتجاه منزل أحد الرفاق مرورًا بالأحياء الشعبية التي أثارت انتباه السارد حيث أنشطتهم وحركاتهم وأيضًا لون الجدران… فلا يحس بغربة أو اغتراب بمراكش: «لا تكرس مراكش الإحساس بالغربة»(17).
أفاض السارد حديثه عن المدينة وأناسها، يقول: «الناس حلي المدينة. ما المدينة إن لم تكن الناس…»(18). ويرجح السارد مبدأ العقل والمنطق: «أعتني دائمًا بمعجمي الشعري، وأرعى وأراعي مفرداته، وأحرسه من أن يتسلل إليه مفردة غريبة، فالكلمة معناي، الكلمة تسفر عني»(19). وتم ذلك بسرد ذي طابع نقدي كجواب عن سؤال أحد الأصدقاء، وقد وظف السارد عبر مناصصة تعبيرًا عن الآراء مقاطع من «كتاب الرؤيا»(20).
الكلام والجملة والأسلوب
يقتضي الحديث عن الأسلوب النظر إلى مفاهيم أخرى كالجملة والعبارة على الرغم من تداخلهما كما يقول جيفري بوول: «إن أشجار بنية العبارة تستخدم لتوضح بشكل تصويري بنية جملة من الجمل»(21). وسنركز على الجملة كبنية مركبة من ملفوظات تفيد معنى معين.
فالجملةُ: «جماعة كل شيء، ويقال: أخذ الشيء جملةً، وباعه جملةً، مُتَجمِّعًا لا متفرقًا. عند البلاغيّين والنحويّين: كُلُّ كلام اشتَمل على مُسْنَدٍ ومُسنَدٍ إِليه. والجمع: جُمَلٌ»(22). وفي سياق حديث الزمخشري عن الكلام والجملة يتضح الأمر حيث يقول: «والكلامُ هو المركَّبُ من كلمتيْن أسنِدتْ إحداهما إلى الأخرى، وذاك لا يتأتى إلا في اسميْن: كقولك: زيدٌ أخوكَ، وبشِّر صاحبَكَ. أو في فعلٍ واسْمٍ نحو قولِكَ: ضربَ زيدٌ، وانطلقَ بَكرٌ، وتُسمى جملةً»(23).
أما في الاصطلاح فهي اللفظ المستقل بنفسه والمفيد لمعناه(23). وعرف المحدثون مفهوم الجملة بأنها جُمَاعٌ من الألفاظ المتتالية والمُشَكِّلَةِ لمعنى تامٍّ. وفي هذا السياق يعرف عباس حسن الجملة باعتبارها كلامًا بقوله: «الكلام والجملة ما تركب من كلمتين أو أكثر وله معنى مفيد»(24)؛ إذ يُشْترَطُ في الكلام كتركيبٍ جُمليٍّ الإفادة، أي أنَّ الكلام/ الجملة تركيب يفرض تحقق الفائدة. وقد حظيت دراسة الجملة بقدر كبير من عناية النحاة القدامى والمحدثين، وما زالت مثار اهتمام الخبراء وعلماء اللغة(25). قد يفضي بنا هذا الكلام إلى طرح تساؤل مفاده: ما علاقة الجملة بالأسلوب؟
ورد في المعجم الوسيط: «الأُسْلُوبُ: الطَّرِيق. ويقال: سلكتُ أُسلوبَ فلان في كذا: طريقَتَه ومذهَبَه. والأُسْلُوبُ طريقة الكاتب في كتابته. والأُسْلُوبُ الفنُّ. يقال: أَخذنا في أَساليب منَ القول: فنونٍ متنوعةٍ»(26). بناءً على التعريف اللغوي للأسلوب، فإن الاشتغال على نص ما بآلية الأسلوب، يضعنا أمام مبحث آخر وهو الأسلوبية، التي تتداخل مع الشعرية كما يقول عبدالسلام المسدي في كتابه «الأسلوبية والأسلوب». فالأسلوبية إذن كما يقول توفيق الزيدي: «معيار موضوعي لنقد الأدب»(27). وقد تنصهر هذه المفاهيم إذا كان النص سرديًّا في مفهوم الوحدة السردية، أو المقطع السردي… وكلاهما في نهاية المطاف تشَكُّلٌ لغويٌّ أو بناءٌ لغويٌّ، ذلك أن الأدب على حد قول تودوروڤ: «يستعمل نظامًا موجودًا قبله هو اللغة، مادةً خامًا»(28).
وإذا كان النص لوحة لغوية بريشة كاتب/ أديب، فإن تلوينات تراكيبه منبثقة من الواقع، وهذا الطرح أشار إليه تزفيتان تودوروڤ بقوله: إن «النص الأدبي يعود إلى واقع ما وبأن هذا الواقع يمثل مرجعه، يعني أننا نقيم بالفعل علاقة صدق بينهما وأننا نُخَوِّلُ لأنفسنا إخضاعَ الخطاب الأدبي إلى امتحان الحقيقة، أي سلطة الحكم عليه بالصحة أو الخطأ»(29).
وإذا ما ألقينا نظرةً أولى على جمل النص ككل، فإنها في الـمُجْمَلِ متضمنة لضمير المتكلم، ولا غرابة في ذلك ما دام أن التجنيس يُدرِجُ النص في السيرة كسفرٍ كوني أنطولوجيٌّ محوره الذات المتكلمة/ السارد/ الكاتب.
ويمكن ترتيب جمل النص السردية في محاور أساسية:
محور الحياة: «أريد أن أرى الزمن يقبع في مكان، نعم الزمن بتاريخيته كيف يقيم معهم، يطبع لمساته الخشنة على الأمكنة ويخلِّف انطباعات عنه في الذاكرة»(30).
إنها جملة سردية في سياق حديث السارد عن وصف أهل مراكش من حيث الزمان والمكان، فهم استثنائيون.
محور الموت: «في الحياة الخائنة يبالغ الموت بعرض وفائه. تتخلى عني الحياة إلى موت لا يتخلى عني»(31).
بقدر ما يحقق السرد متعة القراءة، فإنه في الوقت ذاته يحقق الفكرة فتتناسل الدلالات والأبعاد. ففي هذه الجملة توسمُ الحياة بالخيانة والموت بالوفاء. وهو تعبير مجازي تحققت شعريته انطلاقًا من التركيب الاستعاري المكني لكون كل من الحياة والموت شُبِّهَا بالإنسان باعتباره قد يكون خائنًا أو وفيًّا.
محور الغربة: «لا تكرس مراكش الإحساس بالغربة. إحساسي بالغربة وفير، يسكنني منذ جلائي عن بغداد عنوةً. أحمله أنَّى أكون. أَحْيَانًا أشعر غَرِيبًا وأنا في بيتي أعيش بين أشياء تفقد صفة التعلق بها. أنا ومراكش لا غربة بيننا. الإحساس بالغربة عادةً يكون نائمًا، ولكن هناك مدنًا ماكرةً أو ذكية تبرع في إيقاظه»(32).
هنا يرتبط السرد بروح المكان، وذلك إشارة إلى المكان الجوهر المُتَضَمَّنِ في مكون العنوان: مراكش. وتتولد ثيمة أساسية من خلال هذه الجملة السردية وتتجلى في ثيمة الغربة أو الاغتراب.
محور النفس: يستمر السارد في نقل أحاسيسه ومشاعره عبر مسار سردي محكم، حيث نلحظ متوالياتٍ جُمْلِيَّةً تعكس هذا الجانب، وهي متواليات في أغلبها ذات خصيصات نوعية أهمها خصيصة الإيجاز والقِصَر. ومن نماذجها: «لم أستجبْ»(33)، وهي جملة وردتْ في سياق الحديث عن الأخ المغتال ج، الذي دُفِعَ بوازع ابتزاز السارد/ الكاتب وهو في المنفى للحصول على مبلغ مالي مهم.
وإذا كان السرد في هذه الجملة عبارة عن جملة فعلية باعثةٍ على توتر نفسي، فإن جملةً سردية أخرى: «أحلامي أمتعتي»(34)، وهي جملةٌ ترسخ مبدأ الثبات والهدوء باعتبارها جملةً اسميةً.
ويتنامى التوتر النفسي بِشَكْـلٍّ انسيابيٍّ ليدل على الانهيار من خلال الجملة السردية التالية: «ذات مساء أشعر بحزنٍ مر»(35). ومن خلال «ذات مساء» يثوي الإفراد صيغ الجمع ليصبح المساء مساءات عدة؛ يُخَيِّمُ فيها الحزن الْـمُرُّ على السارد/ الكاتب؛ مما يدل بشكل صريح على التوتر والتأزم النفسيين. لذا، نلحظ أن السارد/ الكاتب ركز في بنية هذه الجملة السردية على لفظةٍ جد دالة، وهي لفظة «الخواء»، حيث يقول: «أينما حللت أشعر بالخواء، يرعبني خوائي مني أنا الذي من يكون. في حصار الحياة أستغيث بالموت فكرةً ومصيرًا، أجده أرحب من حياةٍ يضيِّقها البشر بفعالهم ووعيهم. الوعي مصدر التعاسة»(36).
إن النأيَ عن بغداد خواءٌ، والخواء قاتلٌ مرعبٌ مخيفٌ مدعاةٌ للشكِّ في الوجود على رغم الوجود، وفي الْحَيَاةِ على رغم الْحَيَاةِ: وجودٌ محَاصَرٌ وحياةٌ محاصَرةٌ، فتغدو الموت مستغاثٌ بها فكرًا ومصيرًا، ذلك ما يؤدي بالسارد إلى الإحساس بالتعب والصحو بالإبداع. يقول: «أستلقي من تعبٍ وأنهض من شعر»(37). وبالتالي فإن السارد/ الكاتب/ الشاعر يقاومُ هذا الإحساس عبر جهدٍ جهيدٍ بقوله: «أجمعني فِيَّ، بعد تشتت على ذكريات وتبعثر في أحلام»(38).
فالبنية الجُمْلِيَّة السردية تكشف على مقاومة ذاتٍ لذاتٍ تتألم ساعيةً لتضميد الجرح/ الجراح ومحاولة جمع أحلام آلت إلى التشتت بُغْيةَ تشكيل بغداد أخرى وعراق آخر أكثر توحدًا. «الجسد مسرح تعرض عليه فنون الرغبات. إني في خلاف مع نفسي يصل حد الشجار، أتقهقر إلى أعماقي، لا يرعبني ما أرى فيها، بل يرعبني ما لا أراه فيها»(39).
يتخذ السرد في هذه الجملة منحى شعريًّا، حيث الانطلاق من الجسد والنفس للعودة إلى القرار/ الأعماق قصد قراءتها، وعكسِ ما تمثله بالنسبة للذات، أي الذات الساردة التي تهابُ ما لا تراه في النفس أكثر مما تراه فيها.
«أينما حللتُ تجلوني بغداد عن مكان ليس فيها ولا منها»(40).
يحضر المكان بقوة في متن المؤلَّف بكل أبعاده، وإذا كان المكان في المتون السردية يتوزع بين المكان التخييلي والمكان الواقعي… يتراكم السرد بجملٍ تختلف وتتنوع من حيث الأبعاد والدلالات، فالجملة السردية التالية مثلًا: «القسوة توحِّدُ البشر»(41). اسمية تتكون من خبر مبتدأ الذي جاء اسمًا وخبرٍ جاء جملة فعلية. فالكاتب افتتح الجملة السردية بكلمة «القسوة»، وهي الشدة والصلابة والغِلَظُ في كل شيء وورد في القرآن الكريم: «ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ»(42). فالقسوة انطلاقًا من القرآن الكريم شدة وغلظ وصلابة، كل إحساس لا رحمة فيه، وكل ما لا علاج منه لذا شبهها الله تعالى بالحجارة…
خاتمة
الجمل السردية أو المتواليات السردية لحمةُ النص السردي وكيانه الحامل للدلالات على اختلاف محاورها: نفسي واجتماعي وسياسي وفكري، وغيرها من المحاور التي تحددها جملةٌ من الثيمات تُحَدِّدُ في نهاية المطاف تصور السارد/ الكاتب ورؤيته للعالم؛ ذلك أن النصَّ سيرة حياة تلخص سفرًا من الماضي والحاضر. والحياة كما تقول سيزا قاسم: «سلسة متصلة من الأمس واليوم والغد، ولكن ما هو الحاضر؟ هذا الذي يمرق قبل النطق به إلى ماضٍ! وأين هو هذا الماضي؟ هل له وجود أم اندثر؟ ثم هذا المستقبل الذي نتصوره امتدادًا لسهم الزمن، هل له وجود قبل أن يصبحَ حاضرًا يفلت من أيدينا إلى الماضي»(43).
وإذا ما تأملنا الجمل السردية في نص «في منتصف الطريق إلى مراكش»، نكتشف عالمًا بل عوالم من التصورات والرؤى تلخصها ثيمات جوهرية، إضافة إلى لغة شعرية ذات أبعادٍ إيحائية، وتلك خصيصة النص الإبداعي، حيث ينماز الإبداع -على حد قول حميد لحمداني- بخصيصة تتمثل في: «عناصر تخييلية قادرة على تحويل انتباه القارئ عن كل ما هو يومي مبتذل إلى ما هو مثير وجديد ومجاوز للواقع المألوف، لهذا السبب لعب الخيال دورًا أساسيًّا في تقدير قيمة النتاج الأدبي ودرجة اتساع مجال تداوله أو استهلاكه»(44).
المراجع:
(1) المعجم الوسيط، ص: 467.
(2) ابن منظور، «لسان العرب»، دار صادر، بيروت، دون تاريخ الطبع، المجلد الرابع، ص: 389.
(3) سورة طه، الآية 21.
(4) فيليب لوجون «السيرة الذاتية الميثاق والتاريخ الأدبي»، ترجمة وتقديم عمر حلي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1994م، ص: 22.
(5) فيليب لوجون ص: 53.
(6) فيليب لوجون، ص: 65.
(7) منعم الفقير «في منتصف الطريق إلى مراكش» أروقة للدراسات والترجمة والنشر، القاهرة، الطبعة الأولى 2017م.
(8) منعم الفقير «في منتصف الطريق إلى مراكش»، ص:6.
(9) نفسه، ص: 7.
(10) نفسه، ص: 9.
(11) نفسه، ص: 10.
(12) نفسه، ص: 12.
(13) نفسه، ص: 16.
(14) نفسه، ص: 20.
(15) نفسه، ص: 44.
(16) نفسه، ص: 44
(17) نفسه، ص: 45.
(18) نفسه، ص: 46.
(19) نفسه، ص: 65.
(20) منعم الفقير «كتاب الرؤيا»، الصادر بالدار البيضاء سنة 1997م.
(21) جيفري بوول، «النظرية النحوية»، ترجمة مرتضى جواد باقر، مراجعة د ميشال زكريا، بدعم من مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، توزيع مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى 2009م، ص: 72.
(22) المعجم الوسيط، ص: 136.
(23) الزمخشري «المفصل في صنعة الإعراب» تحقيق: خالد إسماعيل حسان، مكتبة الآداب، القاهرة، طبعة 2009م، ص49.
(24) عباس حسن، «النحو الوافي»، دار المعارف بمصر، الطبعة الخامسة، الجزء الأول، ص: 15.
(25) نعمان عبدالسميع متولي «مكونات الجملة والأسلوب في اللغة العربية دراسة تطبيقية» دار العلم والإيمان للنشر والتوزيع، 2014م، ص: 13.
(26) المعجم الوسيط، ص: 441.
(27) توفيق الزيدي، «أثر اللسانيات في النقد العربي الحديث»، الدار العربية للكتاب، 1984م، ص: 95.
(28) تزفيتان تودوروڤ «الشعرية»، ص: 31.
(29) تزفيتان تودوروڤ «الشعرية»، ص: 34/ 35.
(30) منعم الفقير «في منتصف الطريق إلى مراكش»، ص: 8.
(31) نفسه، ص: 59.
(32) نفسه، ص: 45.
(33) نفسه، ص: 6
(34) نفسه، ص: 9،
(35) نفسه، ص: 7.
(36) نفسه، ص: 9.
(37) نفسه، ص: 12
(38) نفسه، ص: 59.
(39) نفسه، ص: 9.
(40) نفسه، ص: 9.
(41) نفسه، ص: 22.
(42) سورة البقرة، الآية: 74.
(43) سيزا قاسم، القارئ والنص (العلامة والدلالة)، الشركة الدولية للطباعة، القاهرة، [دون ذكر رقم الطبعة] 2002م، ص: 69.
(44) حميد لحميداني «القراءة وتوليد الدلالة»، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2003م، ص: 11.
بواسطة يان ليانكه - كاتب صيني - ترجمته من الصينية: مي ممدوح مترجمة مصرية | يوليو 1, 2024 | ثقافات
الحياة والزمن هما الشيئان الأكثر تشابكًا في الوجود، تمامًا مثلما هو تشابك الكرمة والأشجار، دائمًا ما يصعب على المرء التمييز بين اختلاط الجذع والأوراق. وبطبيعة الحال، وبحلول الخريف، تذبل الأوراق وتتساقط، ويتوالى الذبول المصحوب بالموت، فيصير من السهل علينا تمييز فروع وجذوع الأشجار من غطاء الكرمة المتشابك.
لقد وصلت إلى خريف العمر الذابل، الذي يعقب انقضاء ظهيرته، وبأقل القليل من التفكير، يمكنني أن أرى ذبول الحياة وذويها؛ ذلك الذي يكشف عنه يَبَاس الأغصان والأوراق، بعدما كانت مزدهرة في السابق؛ حتى إنني اعتقدت أن طلب «يوي ران» أن أكتب شيئًا ما عن الكاتب ورؤيته للموت والزمن، يمثل بالنسبة لي جانبًا مُحبطًا من جوانب الحياة. بينما يكمن السبب في ضرورة أن أكتب، في احترامي لها وللكتابة كذلك.
ثمة سبب آخر، تمثل في عودة صديقي يوان تيان من اليابان، الذي أخبرني في رسالة لطيفة أشعرتني بالإثارة، أن السيد شونتارو تانيكاوا قال في حديث له مؤخرًا عن الحياة والعمر: «الحياة بالنسبة لي، هي انتظار الموت بوجه تعلوه ابتسامة، ما تبقى من عُمر». فالشاعر والمترجم الموهوب، المفعم بالحيوية يوان تيان، دائمًا ما يقدم لي بعض الهدايا عندما يعود كل عام. أعتقد أن الرسالة التي نقلها إليّ هذه المرة، هي الهدية الأثمن من بين كل ما لدي.
في شَرَكِ الموت والمرض
يعد الثلاثي الياباني «كنزابورو أوي»، و«شونتارو تانيكاوا» و«هاروكي موراكامي» هم الأيقونة الأكثر لفتًا للنظر في الأدب الآسيوي؛ بل في الأدب العالمي، ويعد الشاعر شونتارو تانيكاوا هو الأطول عمرًا من بين ثلاثتهم، ومن ثم، يمكنه قول الكلمات المذكورة آنفًا؛ بسبب طول عمره، وأعماله، وكذلك ثقته واستبطانه المتعلق بحياة أعماله من بعده.
لذا بالنسبة للكاتب، كما يتراءى لي، وفيما يتعلق بالزمن، والموت والحياة، يمكننا أن نعلق على الأمر انطلاقًا من ثلاثة محاور: أولها، هو عمره الطبيعي، وثانيها، هو حياة أعماله، وثالثها، خط الزمن الذي أبدعه في أعماله.
بالنسبة لعمر الإنسان، ذلك ما يملكه الجميع، سواء أطال أو قصر. ولأن قصر العمر وطوله لا يستويان، فثمة من هم بعمر المئة، ويمكنهم التجول بالشارع، وثمة من تنقضي أعمارهم مبكرًا، فيمرون بالحياة مرور وميض الشهاب. وهو ما يدفع الغالبية العظمى ممن يتأرجحون ما بين طول العمر وقصره، للشعور بعدم العدالة التي تتعامل بها السماء حيال الحياة البشرية اليائسة. إن أعظم فساد يكتنف غريزة الحياة البشرية المتنامية، هو توق الجميع للحياة، والتعطش لها، وجراء تضخم هذا الشعور، تتولد الرغبة غير المحدودة في الحياة، والذعر الذي يفوق الوصف من الموت.

شونتارو تانيكاوا
أنا واحد من الأمثلة الأكثر نموذجية؛ المنتمي لهذه الأغلبية الساحقة. فبينما أكون ببكين، يكون الذهاب إلى جبل باباو، هو أكثر ما أخشاه. ولما أعود إلى مسقط رأسي، تكون رؤية المسنين والمرضى المصابين بالشلل، وهم جالسون بمدخل القرية تحت أشعة الشمس، هي أكثر ما أخشاه. قبل عشر سنوات، توفي زميل لي بورم في المخ، ذهب جميع الزملاء ببكين تقريبًا إلى جبل باباو لتوديعه، بينما كنت الوحيد الذي لم يتجرأ على الذهاب إلى هناك، وبالتالي، لقاؤه للمرة الأخيرة.
لكن نتيجة لذلك، ذهب الجميع، وبعدما تلاشى شعورهم بالحزن، عادوا يواصلون الحياة والعمل كما السابق، بينما لازَمَني صداع شديد كل يوم، أشعرني بتضخم الجمجمة، لتشتد وطأته لاحقًا، فتكاد رأسي تنفجر، ومن ثم، ساورتني الشكوك، بشأن إصابتي بورم في المخ، ولمدة نصف عام، انقطعت عن الكتابة والعمل، وداومت على طلب العون من الأهل والأصدقاء خاصة، علاوة على الذهاب للمستشفيات، والبحث عن المتخصصين، لفحص الأعصاب القحفية، والأوعية الدموية الدماغية، وكل ما يرتبط بها من أجراء أخرى داخل الدماغ.
أُجرِيَ تصوير أنواع الأشعة السينية الدقيقة كافة، كالأشعة المقطعية، وأشعة الرنين المغناطيسي. لا يتورع المتخصصون والمستشفيات عن سلبك أموالك، فما إنْ يروا عشبة صغيرة حتى يرجحوا أنها قد تتحول إلى شجرة سامة، فلا يتوقفون عن السير بك من نزلة البرد التقليدية صوب السرطان المُرتقب مستقبلًا. وأخيرًا، التقيتُ أخصائي أورام المخ بمستشفى بكين، الذي كان قد تجاوز الثمانين من عمره، ولما انتهى من مطالعة ومقارنة صور الأشعة كافة، سألني بصوت خفيض: «هل تتحمل نفقات علاجك أم ثمة جهة تتكفل بها؟». قلت: «كلها على نفقتي الخاصة». قال لي بابتسامة ساخرة، ما تعانيه من صداع وشعور بالتضخم ناتج عن تضخم الفقرات العنقية، عد إلى البيت، ودلكها وفقًا لداء الفقار العنقي.
لأكن صريحًا، غالبًا ما أقع في شرك الموت، من دون أن أرغب في التفكير بطريقة تُمنطق وجود الحياة البشرية واقعيًّا. إن تحاشي التفكير في هذه المعضلة، يشبه تمامًا هوس الكاتب «شي تيه شنغ» بتفسيرها. على سبيل المثال، كانت الكتابة في بداية مسيرتي، سبيلًا أَلِجُ من خلاله المدينة، لأتمكن من الفرار من الاشتغال بالفلاحة، وتحسين حياتي نوعًا ما، ومن ثم، جعل مسار حياتي مختلفًا تمامًا عن حياة أبويّ. وفي وقت لاحق، وبعدما ولجت المدينة من بوابة الكتابة، صرت أطمح في أن أصبح كاتبًا مشهورًا، وأن أُكوّن عائلة، بحيث تختلف حياتي عن حياة الأشخاص من حولي. وبعدما وصلت إلى منتصف العمر، اكتشفت أن السعي خلف هذه الرغبات، لا قيمة له حال مقارنته بالموت، تمامًا مثل مقارنة قطرة واحدة من المياه ببحر كامل، تلألؤ القطرة في مقابل جفاف البحر.
لأكون صريحًا، لم أستطع حتى اليوم تجاوز الذعر من الموت، وكلما أفكر في الموت؛ تلك الكلمة، يعتصر قلبي نوع من الألم المُغِمّ، ويصيبني شعور بالذعر من عدم وصول الدم إلى المخ.
انتظار الموت بوجه مبتسم
قبل عامين أو ثلاثة أعوام، توفي عضو رابطة كتاب بكين السيد «لين جين لان» جراء المرض، لم أجد سببًا يحول بيني وبين الذهاب إلى جبل باباو لتوديعه، وبعد عودتي أصبت بالأرق والضيق لثلاث ليالٍ متتاليات. شعرت بالندم، ما كان ينبغي علي الذهاب إلى ذلك المكان، الذي لا تخلو أرجاؤه من حفلات التأبين، علاوة على الورد الأسود والأبيض.
والآن لا أفهم سبب رغبتي في مواصلة الكتابة، غير أنني أقول للآخرين: «الكتابة إثبات لكوني لا أزال على قيد الحياة؛ وأنعم بصحة جيدة». لا أعرف مقدار ما تنطوي عليه هذه العبارة من ممازحة، أو مدى ما تحمله من دقة، غير أنني أرغب في قول ذلك فحسب؛ ذلك أنني لا يمكنني القول: «أنا أكتب فرارًا من الموت، ومقاومة له». سيُشعرني ذلك القول بالجدية الشديدة، بل بالأحرى سيكون أداءً استعراضيًّا. لكن عندما يرتبط الموت بالكتابة، وترتبط حياة المرء بالأدب، لا يمكنني حقًّا أن أجد بيانًا أكثر ملاءمة وأكثر دقة ومصداقية بالنسبة لي وللآخرين.
غالبًا ما أتناول في كتاباتي تناقضات ومفارقات معينة. أكتب خشية من الموت، وفرارًا من بين براثنه؛ لذا أكتب عن الموت مرارًا. لقد قلت: إنني كتبت رواية «الزمن العابر» لمقاومة الموت، وفي حقيقة الأمر يمكن القول: إنني كتبتها، لتكون تنهيدة طويلة، أنفس فيها عن ذعري من الموت.

تبنت رواية «الزمن العابر» نمط النص «المقلوب»، غير المسبوق في الروايات الصينية الحديثة. يتناول الفصل الأول موت بطل الرواية سي ما لان، بينما يتناول الفصل الثاني تجربته النضالية رئيسًا للقرية، أما الفصل الثالث فيحكي عن كيف تمكن الشاب سي ما لان من شغل منصب رئيس القرية، في حين، يسرد الفصل الرابع كيف صار قائدًا بين أقرانه، ليخبر الفصل الخامس أخيرًا بطفولته ومولده. يتخلل الأحداث قصص رؤساء القرية السابقين وشخصيات أخرى ذات صلة بهم.
وفي رواية «أنا وجيل أبي»، ثمة كثير من الأحاديث البسيطة المتعلقة بالموت، وذلك في واقع الأمر، يمثل صرخة مدوية تعبر عن هلعي من الموت.
في هذه الرواية، استهللت الكتابة بمرحلة طفولتي، وأعدت الناس إلى تلك الحقبة المليئة بالفقر والجوع بالقرن المنصرم؛ إذ رويت الحياة الشاقة العسيرة التي عاشها أبي، وعمي الأكبر والعم الرابع في قرية نائية، وكذلك حكيت عن تجربة نشأتي القاسية.
لا أعرف متى، ولا في أي سن، قد أتمكن من تجاوز هلعي من الموت، بينما السيد شونتارو تانيكاوا الذي أعرفه جيدًا، قال وهو في الثمانين من العمر تقريبًا: «الحياة بالنسبة لي، هي انتظار الموت بوجه تعلوه ابتسامة، ما تبقى من عُمر». تلك العبارة أشعرتني بقشعريرة لا تخلو من دفء. تعد تنهيدة، تعبر عن الشعور حيال الحياة البشرية، والموت المرتقب مستقبلًا، آمل أن تكون بصيصًا من ضوء يَرَاعة، أو شعاعًا من ضوء شمعة، يُنير تلك المناطق والأركان المظلمة، التي تتخلل حياتي، وموتي خلال أيامي القادمة، فتمدني بالشجاعة لمواجهة الموت مباشرة، مثلما أمد بصري محدقًا بشجرة تنتصب أمام نافذتي، وقد استحالت ذابلة بعد ازدهار.
فلو اعتبرنا أن حياة البشر بمنزلة نهر يبدأ في التدفق ذات يوم، فسينحسر حتمًا ذات يوم آخر، بينما، ينبثق عن هذا النهر رافد آخر، ذلك بالنسبة للكُتاب، والشعراء، والرسامين، والفنانين، ومن على شاكلتهم من أشخاص. يمثل ذلك الرافد، مدة بقاء الأعمال التي أبدعتها كاتبًا، بينما كنت على قيد الحياة.
حاجة الكاتب للبقاء
عاش تشاو شيوه تشين بضعة وأربعين عامًا، بينما كُتبت رواية «حلم المقصورة الحمراء» منذ ما يقرب من 250 عامًا، لتبدو اليوم، وكأنما قد دخلت لتوها ريعان الشباب. ليس ثمة من يمكنه إحياء تشاو شيوه تشين، لتدب الحياة من جديد بعظامه البالية، كما لا يمكن لأحد، أن يضع حدًّا لحياة «حلم المقصورة الحمراء»، فتستحيل رمادًا يخلفه احتراق الأوراق.
انتهت حياة كافكا عن عمر يناهز الحادي والأربعين عامًا، بينما امتدت حياة عَمَلَيْهِ: «القلعة» و«المسخ»، فطالت في امتداد الزمان. لم يكونوا قطعًا ليعرفوا، وهم على قيد الحياة، أن أعمالهم ستعيش طويلًا، بخلاف تولستوي، الذي كان مليئًا بالثقة في كتاباته وأعماله. لا يعني ذلك، أن رسامًا لا يتصور أن أعماله قد تعيش لمئة عام لا يحلم بأن تعيش أعماله للأبد.
ثمة سبب وراء رغبة الكاتب في مواصلة الكتابة، لتتدفق من دون توقف، فباستثناء الحاجة للبقاء، يمكن تناول الأمر من أساسه بالقول: إن ثمة إيمانًا يقطنه بقدرته، أو ربما بمواتاة الحظ له؛ ليبدع أعمالًا جيدة وعظيمة. ولولا خشيتي من تهكم الآخرين، لاعترفت صراحةً بأن لدي مثل تلك الأمنية الجامحة، التي تتوق لمواتاة الحظ. لكنني أعلم أيضًا، أن الأمور غالبًا ما تأتي مغايرة لأمنيات المرء، فتتضاعف الجهود سُدى، بحيث، تصير أشبه ما يكون، بعداء المسافات الطويلة، فتداوم على الركض طوال حياتك، ولما تصل للموت تجد خطواتك تخلف الجميع.
فاندفاعك القوي، يثبت أن قدميك ما زالتا تتمتعان بالقوة، وأنك قد تتوانى في الركض خلال مسافة طويلة، بينما، لا تملك خيار التراجع والاستسلام. هذا كل ما في الأمر، ففي أفضل الأحوال، ستكون ذلك «العَدَّاءُ الأخير» الذي أشاد به لو شيون.
لست أنا الكاتب الأغزر إنتاجًا أو الأقل من بين الكتاب الصينيين، كما أنني لست أفضل من يكتبون، ولا أسوأهم. بل أنا واحد ممن لا تتوقف أقدامهم عن الركض بمضمار السباق. فذاك الذي وصل أقصى المقدمة، وبعدما تقدم به العمر، أمكنه الوقوف على ربوة عالية، يلفه سكون مهيب، في مواجهة غروب الشمس، ليناجي نفسه بتريث وتُؤدة، فيقول: «الحياة بالنسبة لي، هي انتظار الموت بوجه تعلوه ابتسامة، ما تبقى من عُمْر»؛ ذلك لأن أمثاله يمكنهم رؤية الحياة المزدهرة والممتدة لأعمالهم، والتحقق منها، بينما ما يمكنني رؤيته والتحقق منه، هو مستقبل غير ممكن.
ناهيك عن أن العصر لم يعد عصر القراءة. الأكثر من ذلك، أن ثمة من صرح بأن: «الرواية قد قضت نحبها!» وبالنسبة لي، لا أطمح مُغاليًا في أن تتصف أعمالي بقوة، تمنحها حياة مديدة، بل آمل فحسب، أن يمنحني عملي السابق قوة للكتابة، تكون ذخرًا للعمل التالي، فتمنحني شعورًا وأنا على قيد الحياة، بما قد تحمله الكتابة من معنى للوجود.
عصرنا اليوم ليس هو عصر الأدب والقراءة، ولا عصر الشعر، في حين، تجاوزت عدد طبعات كل عمل من أعمال تانيكاوا باليابان الثلاثين ألف نسخة. وطبعت مختارات أعماله الشعرية، أكثر من خمسين طبعة، فيما يربو على الثمانين ألف نسخة، ففي المرحلة العمرية من سن العشرين إلى سن التاسعة والسبعين، كان يبيعها طوال الوقت، على مدار ستين عامًا. وبهذه الطريقة، لا يمكننا المزايدة بشأن الشعراء، حيث إن «نيرودا» و«آي تشينغ» لا يزالان على قيد الحياة، ومن ثم، فلا يسعنا إلا الإعجاب في صمت، بافتتان اليابانيين حاليًّا بقراءة شاعر بعينه. فهذا الشاعر قادر بشدة على مواجهة المستقبل، متخذًا موقف «انتظار الموت بوجه تعلوه ابتسامة».
ومع ذلك، فإن إخلاصنا الدائم للكتابة، لا يمكن أن يُستبدَل به إلا مقولة بول كوتشاكين الشهيرة: «عندما الْتَفَتَ ملقيًا نظرة على الماضي، لم يعتره الندم على سنواته الضائعة». مثل هذا القول المهيب، هو أيضًا خيار لا مفر منه في الكتابة. فبقاء الأعمال، يمكنه فحسب، تفسير الطريقة التي نعيش بها. أن آمل في كتابة تحفة تتناقلها الأجيال؛ لهو أمل صعب المنال في الواقع، حيث يشبه تمني تشييد المباني مستقبلًا، بطوب وبلاط قوامه الهواء. لكن، وعلى الرغم من إدراك ذلك، فإنني ما زلت راغبًا في مواصلة القتال والكتابة، على نهج دون كيخوته، واعتبار ذلك سبيلًا، يبرهن على وجودي بالحياة، من دون السعي بالتأكيد لكتابة تحفة تتناقلها الأجيال.
أطمح من وراء كل هذه الجهود فحسب، إلى ألا يحدث ضرر يُثبط عزيمتي حال كتابة العمل القادم. هذا هو عهدي الوحيد حيال الكتابة، وحياة أعمالي، في الوقت الراهن. أن أسعى جاهدًا أن أكون عدَّاءً، لا يغادر مضمار السباق، ذلك هو أملي المتواضع إزاء الكتابة، الذي يسبق رغبتي في التغلب على رهبة الموت بداخلي.
إيقاع الزمن وتقلبه
كان بورخيس يلقي محاضرة ذات مرة بالولايات المتحدة الأميركية، فقال له طالب: «أرى أن هاملت شخصية غير واقعية، ولا يمكن تصديقها». قال بورخيس لذلك الطالب: «هاملت أكثر واقعية منك ومني، فذات يوم، لن يكون لكلينا وجود، بينما سيظل هاملت حتمًا على قيد الحياة».
تدور هذه الحادثة حول واقع الشخصيات وحيواتها، كما توضح فكرة ديمومة الأعمال. لكن من ناحية أخرى، تناقش الأعمال والزمن الذي يتخللها. يستمد الكاتب من نهر حياته، نهر الحياة المنبثق بأعماله، ومن الأخير، يستمد نهر الزمن الإبداعي وبقاؤه.
لا يمكن للعمل أن يكون دون الزمن. فالقصة في الواقع هي هيكل زمني أكثر تعقيدًا. بعبارة أخرى، يمثل الزمن شريان الحياة للقصة، تلك التي تنسج بنيان الرواية. فلا يمكن للقصة التخلي عن الظهير الزمني، لتحظى بالحضور الأدبي؛ فالزمن يتجلى في شكل القصة، ومن ثم، يبدو في حيزه الأدبي، ويعد هذا أحد امتيازات الرواية.
بعد القرن العشرين، جعل النقاد الزمن شيئًا جافًّا ومُحددًا في بنيان الرواية؛ ذلك لخدمة نقاشاتهم وخطاباتهم، ومن ثم قدموه للقراء على هيئة مومياوات، يتلو بعضها بعضًا. يبدو أن وجود الزمن ولد من أجل تقنية الكتابة؛ وعلى ما يبدو، فإن أول ما ينبغي مراعاته في بنية العمل العظيم، هو شكل الوجود الزمني منذ الشروع في الكتابة، سواء أكان خطًّا واحدًا أو خطوطًا متعددة، وسواء أكان خطًّا منحنيًا أو مستقيمًا، وسواء أعاد ليتصل بعدما انقطع، أو إنه متشابك على نحو طبيعي. باختصار، يُنَحَّى الزمنُ كتقنية منفصلة، بعيدًا من القصة، والشخصيات، والأحداث والتفاصيل، بل يُوضَع ويُعَلَّق مستقلًا. يحتاج الزمن لأن يكون واضحًا جليًّا، بينما قد تغير ليصبح أكثر التباسًا، وهو ما يؤثر سلبًا في فهم القراء واستيعابهم.
لكن، ما أرغب في الاجتهاد من أجله، هو الرغبة والمحاولة المعاكسة، المتمثلة في العودة بالزمن ليصبح أصل الكتابة والحياة، ومن ثم، يصير جسد الرواية في الأعمال الأدبية؛ أي أن يغدو لحم الرواية ودمها، وبالتالي، لا يمكن فصله عن حبكتها. أعتقد أن تنسيق الزمن داخل هيكل الرواية، يمكن أن يجعلها أكثر وضوحًا.
وبعد ترتيب الخط الزمني، يُقطَع، ليعود ويتصل مرة أخرى، وهو ما يثير اهتمام النقاد. بينما ما زلت آمل أن يستحيل خط الزمن الغامض الملتبس بالرواية، ليغدو قادرًا على التنفس، ونابضًا بالحياة، يمكن الإحساس به، في حين، لا يمكن اقتطاعه بسهولة، لعرضه والتعليق عليه. لقد اعتبرت الزمن بمنزلة بنية الرواية. بينما يعود التغيير المستمر في بنية وشكل كتابات بعينها، لسيطرة الخط الزمني على بنياتها، في حين تُثري البنية القصة، وتُرسخ أساسها، ومن ثم، تُضفي على الزمن لمسة من الحيوية النابعة من داخل القصة، مثلما هو الحال في رواية «هاملت».
مصير الإنسان في واقع الأمر، يمثله إيقاع الزمن وتقلبه، وليس تباين الأحداث المفاجئة والطارئة. لا يمكننا إغفال معنى الزمن بالنسبة للقدر والحياة في إطار الرواية. يتحكم الزمن في الرواية تحكمًا أساسيًّا، ولن يتجاهل وجود الزمن في بنية الرواية، سوى أولئك الكتاب الجريئين غير المبالين. إن تنسيق الحضور الزمني في الرواية يكمن في الواقع، في استخلاص الخطوط العريضة من حيز الأحداث المتشابكة. وبوجود الخطوط العريضة، ستصبح الأحداث المتشابكة أشياء حياتية ذات مغزى، بينما بغياب الخطوط العريضة، ستغدو الأحداث المتشابكة كومة من النفايات والفوضى، ليس إلا. فكتاباتي ليست كما يعتقد الجميع؛ يجب أن تبدأ من المحتوى، بحيث يكون التساؤل الخاص بـ«ماذا أكتب؟»، هو مصدر الكتابة. على العكس من ذلك، يعد التساؤل بـ«كيف أكتب؟»، هو أكبر عائق لي، وهو مفتتح الكتابة لدي. لكن فيما يتعلق بـ«كيف أكتب؟»، تبقى البنية، هي الأصعب على الإطلاق من الناحية الإبداعية.
وفي ظل هذا الأصعب على الإطلاق، يمكن القول: إن إعادة تنظيم الزمن هو مفتتح البنية؛ لذا أقول: إن «الزمن هو البنية، وهو حياة الرواية كذلك». لقد استخدمت الزمن، ليصبح الدعامة في أعمالي، واعتمدت على حياة أعمالي، لإثراء مفهوم وشكل وجودي بالحياة. ومن ناحية أخرى، فإن الكتابة في ظل هذا الوجود، تسمح بمنح الأعمال القدرة على البقاء والتنفس في أثناء الكتابة، في حين، يصير الزمن الإبداعي، هو حياة القصة.
تلك ثلاثة أنهار تتعلق بالزمن والموت من منظور كاتب. ينبثق عن زمن حياة الكاتب، زمن بقاء أعماله؛ بينما يتفاعل الزمن الإبداعي الذي يتخلل هذه الأعمال؛ بعدما يكتسب حياته، مع زمن بقائها على قيد الحياة؛ فتغدو حياة هذه الأعمال هي ما يدفع كاتبًا في نهاية المطاف، وبعدما ولت سنونه، لأنْ يقفَ على ربوة شاهقة، في مواجهة غروب الشمس؛ ليناجي نفسه، ويقول: «الحياة بالنسبة لي، هي انتظار الموت بوجه تعلوه ابتسامة، ما تبقى من عُمْر».
المصدر: https://mp.weixin.qq.com/s/g_0SFAGOUlDZJTIx n_15YQ
بواسطة رضا عطية - ناقد مصري | يوليو 1, 2024 | قراءات
في تجربة جديدة لها، بعد أربع مجموعات شعرية ترتاد المصرية جيهان عمر حقل النوع القصصي، بإصدار مجموعتها القصصية الأولى، «قبل أن يرتد إليك طرفك» (دار العين، 2024م). ضمت المجموعة ثلاثة وأربعين نصًّا أغلبها قصير؛ كل نص لا يتجاوز الصفحتين. مثل هذه التجارب الإبداعية دومًا ما تفتح أبواب التساؤل حول انتقال الشعراء لكتابة السرد، وبخاصة الروائي: هل هي بأثر غواية السرد؛ لأن الرواية نوع إبداعي يستوعب من الأحداث والحكايات كثيرًا مما لا يتحمله الشعر القائم على التكثيف القولي؟ أم بأثر جماهيرية الرواية؛ لأنَّ الشعر فن أكثر نخبوية من الرواية وجمهور النوع الروائي أكبر من جمهور الشعر؟
الأمر قد يختلف في حالة النوع القصصي؛ حيث إنَّ النوع القصصي يجمع بين سمات النوع الروائي بالطبع، حيث النثرية والاعتماد على الحكي المؤسس على دراما الشخوص وتطور الأحداث، وإن كانت القصة أكثر تكثيفًا في محتواها من هذه المكوِّنات، كما تقترب القصة من النوع الشعري في تكثيفه وأحيانًا رمزيته ولغته الاستعارية وتشكيلاته المجازية، وهو ما يتبدى جليًّا في مجموعة جيهان عمر هذه؛ إذ نجدنا إزاء سرد «عابر للنوع»، يجمع بين مكونات النوع القصصي، فالحكي عن حدث أو موقف لشخصية أو أكثر يأخذ في التنامي، وتكون اللغة الساردة محمَّلة بالاستعارات التي ترفع الكثافة الشعرية في جسد النص؛ ليمسي السرد عابرًا للنوع، جامعًا بين الهيكل القصصي ممثلًا في الاعتماد على «الحكاية» بسرد موقف أو حدث، وروح الشعر الممثلة في الغنائية والتشكيل المجازي والتكثيف الاستعاري.
في مجموعة جيهان عمر يغلب عليها سرد مواقف مرت بها الذات الساردة أو حالات تتأملها الذات، وفي أغلب الأحوال تتبدى عناية السرد بجلاء الأثر النفسي للموقف المحكي من خلال القص على الذات، فتتجلى الظلال الشعورية للأحداث على مرايا وعي الذات المعاينة للأحداث والمعايشة للمواقف أو المتأملة للحالات التي تسردها.
فلسفة العابر وتشعير العادي
من ملامح السرد في قصص جيهان عمر التقاط ما هو عابر وما يجمع بين سمتي الطرافة مع إمكانية الحدوث في آنٍ وتشعيره باستخلاص ما فيه من حكمة وفلسفة، وإعادة إنتاج الحدث وبث الموقف مشمولًا بتأمل يُفلسِفه، كما في نص بعنوان «طابور من التماثيل»: «خدعتني اليوم صورة فوتوغرافية لامرأة تنتظر دورها في طابور بأحدِ المَحالِّ التجارية بفرنسا وأمامها ثلاثة رجال. يرتدي أحدهم نظارة شمسية وينظر إلى المنتجات المكدسة دون اهتمام. المرأة يبدو عليها السأم.. ربما لم تدرك أنَّ الطابور لا يتحرك ولن يتحرك أبدًا. أمهلها حارس الأمن الذي يحدق بالكاميرات ربع الساعة فقط قبل أن يقرر الذهاب إليها… ليخبرها بأن من تقف خلفهم لتدفع ثمن مشترياتها، ليسوا سوى ثلاثة تماثيل تقف تباعًا لعرض ملابس الرجال». (ص71). يعتمد سرد الموقف، في قص جيهان عمر، أحيانًا، على دراما «المفارقة»، باختيار موقف نادر الحدوث لكنه وارد أن يتعرض له شخصٌ ما، ليجمع بين سمتي الطريف والمحتمل حدوثه، فيحدث أثرًا فنيًّا، حيث يكون للقص منطقه الفني وأيضًا تميُّزه في الحدث المحكي؛ كما في توهم تلك السيدة بأنَّ التماثيل التي تنتظر خلفها هم بشر ما عطلها عن الحركة والفعل.
لكنَّ حدقة السرد عند جيهان عمر لا تكتفي بمجرد سرد الحدث بتفاصيله المشهدية، وإنَّما يحدث انتقال إلى مستوى آخر في الخطاب السردي:
«على أية حال نحن نصطفُّ مثلها في الطابور، يملؤنا هذا الشعور الغامض بأنَّ هناك شيئًا سوف يتحرك أمامنا كي نصل لما نريد، صَفٌّ مبهم من التماثيل على هيئة بشر، صف آخر من البشر على هيئة تماثيل. فكرت: كم انتظرتْ أن يمر الوقت وتتحرك التماثيل أمامها قبل أن تحصل على أشيائها البسيطة. كم تمنينا أن تتحرك الأحجار وتشعر بنا، كم أهدرنا من الوقت في الانتظار الخطأ، كم مرة خجلت من حارس الأمن الذي يدق على كتفك برِقَّة لينقذك من عالمك المزيف». (ص72).
ثمة جسر فني تقيمه الكاتبة في صياغتها النصية بالانتقال من سرد الحدث ووصف الموقف إلى التعليق عليه، فهو انتقال من الجزئي، الممثل في الواقعة التي حصلت، إلى الكلي، الممثل في الحكمة المستخلصة من ذلك الموقف، وهو ما يجعل للقص في سرد جيهان عمر تمدُّدًا أمثوليًّا. ثمة انتقال من السرد بضمير الغائب المفرد، الـ(هي)، إلى ضميري المتكلم، الـ(نحن)، والمخاطَب، الـ(أنت)، وهذا التعليق الأمثولي في مختتم النص القصصي هو تكثيف شعري، بالانتقال من مشهد السيدة التي تعطلت عن دفع ثمن مشترياتها لتوهمها بأنَّ التماثيل التي تقف أمامها هم بشر، إلى الذات الإنسانية التي تنتظر مضيِّعة بعض وقتها توهمًا بحركة بشر أمامها، وهم في الحقيقة ليسوا كذلك كما تصورت، هم تماثيل على هيئة بشر أو بشر على هيئة تماثيل، وفي النهاية النتيجة هي إهدار الوقت في الانتظار الخطأ، وهو ما يصيب الذات الإنسانية بالخجل ممن ينبهها لينقذها من عالمها المزيف. إن آليات التعليق والتكثيف الأمثولي والأحكام العامة هي آليات أقرب إلى الشعر، ليبدو هذا التمدُّد التمثيلي تحليقًا بجسد النص القصصي من أرض الحدث إلى سماء الرمزية وعبورًا إلى فضاء الأمثولي.
القص البورتريهي
من أساليب السرد القصصي عند جيهان عمر، القص «البورتريهي»؛ أن ترسم بورتريهًا لشخصية ما، استلهامًا لتاريخ الشخصية وإبرازًا لجوهر تكوينها وفلسفتها في الحياة، مثلما يتبدى في نص بعنوان «كل ما أراده هرمان هسه». يكثِّف السرد التحول الفارق في حياة معقَّدة لشخصية باهرة مثل «هرمان هسه» في حدث قد يبدو عاديًّا وهو إلحاقه للعمل بمحل ساعات بعد معاناته في بواكير مراهقته من مشكلات نفسية تمثلت في عدم تكيفه الاجتماعي، ويقوم السرد عند جيهان عمر بتقطير الأحداث المحكية عبر القص؛ استخلاصًا لعصارتها الفلسفية، فيُعنى السرد بجلاء التحولات النفسية الناجمة عن التحولات الموقفية، بلغة تتعدد في طبقاتها بين الوصفية الموضوعية والاستعارية الشعرية. وعبر القص البورتريهي يراوح السرد عند جيهان عمر بين الوصف لأفعال الشخصية الخارجية واستجلاء دواخلها الشعورية وتمثُّل خطها النفسي.
الإفراز السوريالي والتكوين الأليغوري
في بعض نصوص مجموعة «قبل أن يرتد إليك طرفك»، ثمة تداعٍ نفسي لصوت الذات الساردة، فتدور الحكاية المسرودة عبر القص في رؤى تعاينها الذات هي إفراز لنشاط لاوعيها، وتكون عناصر الحكاية كشخوصها وأشيائها كما في نص بعنوان «حفيدات القمر»: «يمر القطار في تلافيف رأسي بينما أجلس في مكاني أتفقَّد القضبان. تمنيت أن ينزل الركاب في محطة أخرى غير التي يرغبون بها، ويتجولون على المائدة أمامي بانتظار أوامري. السيدة التي تراقبني في إجازاتها الأسبوعية كانت تجلس على المحطة لتشرب قهوتها السوداء، ثم همست فجأةً أن الشِّعْر لن يأتي من الفراغ، بعد أن لمحت لعبة القطار الأصفر في يدي. من شكل أظفارها نستطيع أن نخمن أنها تقرضها في الليل لو لم تجد ما تفعله. في كل يوم تنظر في مرآتها كعمياء، وحين انهمر النور من سماء مربعة في سقف حجرتها. قالت: إنَّها ستكتب قصيدة عن اللمبات الصغيرة في السقف سيكون اسمها «حفيدات القمر».
«هذه الأشياء تسعدني جدًّا» قالت.
أخذتُ قطاري الأصفر من يدها ومشيت… لم أشرح لها ما معنى الثبات مطمئنةً بينما عوالم تنهار حولي… السكون يعني أن أكون هنا ولا يُعثر عليَّ…» (ص93- 94).
يراوح السرد بين الغنائية والدرامية؛ غنائية البوح ودرامية الجدل والتوتر بين الشخوص، غير أنَّ ثمة أحداثًا هي تمثلات سوريالية تبدو خارجة من مسام لا وعي الذات الساردة، فيبدو الحدث المسرود مراوحًا بين الواقع والتمثُّل التهويمي. ثمة صراع يلوح ظاهريًّا بين شخصيتين هما سيدتان تجلس إحداهما قبالة الأخرى وتحكي إحداهما، الصوت السارد، عن نفسها وعن تلك السيدة الأخرى، ويبدو موضوع ذلك الصراع الخفي هو «القطار» الذي يبدو تارةً قطارًا تخيليًّا: «يمر القطار في تلافيف رأسي»، وتارةً أخرى هو لعبة تمسكها الذات الساردة في يدها، محيلًا كموضوع إلى محمولاته الرمزية والدلالية، كرمزية الانتقال المكاني والزمني. هو رمز لارتحالات الذات عبر الزمن والمكان، أما رغبة الذات وتمنيها نزول ركاب القطار في محطة أخرى غير التي يرغبون فيها، فترمز لوضع الذوات في اختبار مخالفة الأقدار لما كانوا يخططون إليه. أما نزول الركاب ليتجولوا على المائدة قبالة الذات انتظارًا لأوامر الذات، فيبدو تجسيدًا لرغبة الذات في السيطرة على حركة هؤلاء الركاب. فهل يكون هؤلاء الركاب رمزًا للآخر الوجودي أم هم رمز لأفكار وشواغل وهواجس في لا وعي الذات، تسافر عبر هذا القطار وتريد لها الذاتُ التجسُّدَ المادي بالنزول أمامها على المائدة لإحكام سيطرتها على حركتهم، أو على الأقل الإلمام بتحركاتهم ورصدها بدقة؟
أما السيدة الأخرى التي تجلس قبالة الذات وتقول عنها: إنَّها تراقبها في إجازاتها الأسبوعية وتتحدث عن أنَّ «الشعر لن يأتي من الفراغ»، فقد تكون رمزًا مجسدًا للذات الأخرى الشبحية المضادة، التي تمارس دور الرقيب على الذات الموضوعية، وينشأ بينهما حالة من الجدل والتوتر والصراع. هذه الذات الأخرى هي كذلك تمثيل للذات المبدعة في الشخصية التي تخطط لمشاريع إبداعية، ككتابة قصيدة عن «اللمبات الصغيرة في السقف» وتسميتها «حفيدات القمر» في تمثُّل إنساني حميم للأشياء، أما أخذ الذات الساردة قطارها «اللعبة» من يد تلك السيدة/ الذات الأخرى المضادة، فهو إشارة رمزية لصراع على حيازة الأشياء بينهما وبالتالي توجيهها، وربما يحمل لون القطار الأصفر دلالة رمزية وسيكولوجية؛ فالأصفر لون أشعة الشمس المتوهجة ويرمز إلى السعادة والأمل والتفاؤل، وتلون القطار، في تمثُّل الذات له بهذا اللون، قد يعكس شعورًا إيجابيًّا برحلته وانتقالاته.
وتأخذ العلاقة بين الذات الموضوعية، الذات المتلفظة الساردة، والذات الأخرى الشبحية المضادة قالبًا أليغوريًّا وتكوينًا أمثوليًّا؛ إذ تبدو هاتان السيدتان: الذات المتلفظة الساردة (الذات الموضوعية) في مقابل الذات المضادة الشبحية كشطرين لشخصية واحدة يدور بينهما صراع وجدل، يُمَثَّل في تكوين أليغوري بهذه المواجهة بين السيدتين اللتين تبدوان على خط توتر وقلق كتجسيد لتوترات الذات النفسية وقلقها الوجودي وترددها الرؤيوي في رؤية العالم والأشياء، فتمسي هذه القصة بمنزلة استعارة كبرى لحالة الذات الشعورية وانشطاراتها النفسية وتذبذباتها الوجدانية، ومراوحتها بين شعورها ولا شعورها في تمثُّلها لنفسها وإدراكها لعالمها وأشيائه.
بواسطة السمّاح عبدالله - شاعر مصري | يوليو 1, 2024 | نصوص
ولمن ترى تهبط من عليائها الموسيقا؟
أيها الراعي اصطفِ الأسفلتَ في رائعة الظهر
لكي تدري عذاب السالكين إلى مواويل الأبدْ
واحذر الأرض الطريةَ
إنها تغوي الغويَّ
وكل من قد سار فيها لم يعدْ
بدأت قصة هذا العازفِ الزمّار لما غربت شمس الأحدْ
كان يحكي وحده
ويقص قصته الوحيدة للخرافِ
ولم يكن يملك إلا قصب الغاب المجوّفِ
والحكايةُ كان ينقصها حنينٌ ما لشيءٍ ما تناهى في البدَدْ
فمضى خلف الشجيرات الندية في أقاصي الحقلِ
جرّب نايه
فأتت إليه خرافُه
أوراقُ أشجار السنونو
والترابات استوت كي ترقص المرأة بالخلخال
حافية على وقع حنين الناي لما يستبدْ
جاءت فجأةً
شَعرًا حريريًّا يدوّخ خفق أجنحة العصافير التي حطت حواليها
ونهدين بدائيين يستبقان طلتها
يرشان على القيظ البَرَدْ
من أين جاءت؟
لا أحدْ
يدري
أأيتها البهيةُ
كيف جئتِ
وكل هذا الظُّهر قفرٌ
والمدى متدوّرٌ منذ الخميس الفائت المسروقِ؟
ماذا يفعل الراعي وقد خطفته غنوته الجديدةُ
فانزوى في ورق الأشجارِ حتى يُسْتَرَدْ
الحقل مفروش بوهج الشمسِ جائعةً
تعشّش في شقوق الروحِ
تحتطب الجسدْ
وخرافه جوعى
ولحن الناي طوّف في الحكايا كلها
حتى نفدْ.
بواسطة باسم المرعبي - شاعر عراقي | يوليو 1, 2024 | مقالات
يمكن عدّ القصائد الإحدى عشرة التي افتتح بها الشاعر السوري حسين بن حمزة مجموعته الأحدث «كمن يريد أن يمحو» -دار راية، الشارقة- دعوة لدخول مختبر الشاعر؛ إذ بالحديث عن القصيدة من داخلها، وعبرها، يتعرف القارئ إلى هواجس الشاعر وأفكاره وتقنياته وأدواته في معالجة القصيدة، كما لو أنه يتحدث عن القصيدة في حالتها الخام، أي مشروعها ومسودتها حتى ما قبل ذلك، أي القصيدة التي لم تزل بعد فكرة ولم تُنجز. لكن الأمر لا يقتصر على ما قد يبدو لعبة فنية تتذرع لجعل القصيدة ذاتها هي موضوعة القصيدة، ففي الوقت الذي تُقدَّم سيرة القصيدة فإن الشاعر يسرد سيرته، ضمنًا، وإن بدا ذلك عبر ملمح واحد ذي خصوصية، إلا أن مثل هذا الملمح يغدو هو الوجه الكامل للسيرة، انطلاقًا من سيرته في القصيدة ومعها، إذا ما أُخذ في الحسبان أنّ الهم الشعري الذي يضطلع به أو الحياة في غياب القصيدة أو حضورها هو ما يريد تأكيده كعلامة وجود أساسية دالة عليه. تغدو القصيدة، والحال هذه، بؤرة لمرآة تستقطب شعاع أكثر من موضوع. إلى ما تقدم، فإنّ ما تتوجب الإشارة إليه هو أن الحديث عن القصيدة كمشروع لا يتعارض وأن تكون ناجزة، في المحصلة الفنية الأخيرة لها.
«فيما مضى/ كنتُ أتأكد أنّ القصيدة التي كتبتها جيدة/ إذا تهدّج صوتي/ أو أوشكت على البكاء/ وأنا أقرؤها أمام المرآة/…. الآن/ تغرورق عيناي أمام المرايا/ وقد تركتُ الشعر!».
التعبير عن القصيدة بالقصيدة
ماذا يعني أن يكتب الشاعر قصيدته، ثمّ يعلن في القصيدة ذاتها أنه قد ترك الشعر، أو يقول: إنه عاجز عن كتابة الشعر، كما في قصيدة «أكتب كمن يريد أن يمحو»، التي تلي مباشرة القصيدة أعلاه؟! يبدو أننا إزاء تأدية وتقمص دور ما، باستعارة لغة التمثيل والمسرح؛ فالقصيدة فضلًا عن وجودها الأساس كنص تغدو أيضًا بمنزلة «خشبة»، والشاعر ليس سوى ممثل، فلا يجب أن يؤخذ ما يقوله إلا ضمن المناخ «الأدائي» الذي يصنعه، حتى لو كان لذلك صفة الاعتراف. إن ما يجب أن يُنظر إليه في النصوص المعنية هو خصيصتها التي تستعير من تقنيات «التمثيل» الكثير، بصرف النظر عن المصادقة على «واقعيتها» أم لا، وهذه آخر ما يُسأل عنه، أي أنها تُستقبَل في إطارها الفني المحض.
في القصيدة الآنفة ذاتها التي أُخذ منها عنوان الكتاب يكون الشاعر بصدد تعريف القصيدة أو الشعر، إجمالًا، لديه وبالمواصفات التي يضعها أو يريدها لقصيدته، ويمكن عدّ هذه القصيدة نموذجية لتجسيد المنحى المختبري الذي اختطه الشاعر في جعل القصيدة ومقاربتها موضوعًا للقصيدة، كما ألمحت إليه هذه الكتابة من قبل. ومما له دلالته هو تصدّر هذه القصائد كامل المجموعة، وهي ما يعني حيازتها اهتمامًا خاصًّا لدى الشاعر، فهي تُجْمل رؤيته وفهمه للقصيدة وما يبتغيه فيها ومنها، أي ما يطمح إلى تحقيقه؛ لأن التعبير عن القصيدة بالقصيدة ذاتها هو ما يلخّص عمل الشاعر ومسعاه في هذا الاتجاه، وبذلك ترقى هي لأن تكون بيانًا شعريًّا.
«كتبت قصيدة منذ قليل/ ولأنني مقل وقصير النفَس كما تعرفون/ فقد كانت قصيدة قصيرة/ ولكني مع ذلك وجدت أنها طويلة بعض الشيء/ ولذلك محوت بعض الأسطر/ وأزلتُ بعض الشحوم هنا وهناك/ لقد قيل عني ذات يوم/ إنني مهووس بالمحو/ وإنني إن واصلت الكتابة هكذا/ سأنتهي إلى العجز والصمت/ وهذا ما حدث فعلًا/ فقد تابعت تنحيف هذه القصيدة/ إلى أن صارت مضغوطة في جملة هزيلة وخافتة/ جملة كان يمكنني في النهاية أن أتخلى عنها هي أيضًا/ وأن تظل القصيدة التي أحدثكم عنها/ مجرد فكرة ميتة في رأسي!».
فضلًا عما يمكن ملاحظته في هذه القصيدة وهو سيادة ضمير المتكلم وامتزاجه بـ«ذات» القصيدة، وهو ما يعني اتحاد السيرتين معًا، فإن السؤال الذي يتبادر هنا هو عمّا إذا كانت سيرة القصيدة أهم من القصيدة؟ لكأن المحو والإزالة هو الحقيقة فيما يكون التثبيت والإبقاء هو الوهم، وأن ما يبقى في الأخير هو المحو، أي بقدر ما تمحو تبقى، وهذه معادلة تقرّها الكتابة الحقيقية بشروطها المعروفة، وهو ما تقوم عليه دائمًا، وقد بدا هذا الهاجس مؤرقًا للشاعر.
حافز التكثيف
على الرغم من التقسيم الذي اعتمده الشاعر للمجموعة، ثلاثة أقسام عدا قصائد الافتتاح التي جرى الحديث عنها آنفًا، فإن ثمة ما هو مشترك بالمعنى المباشر، تبعًا لوحدة الموضوع، حتى ليمكن نقل بعض القصائد من هذا القسم إلى ذاك، وما يحقق معنى المشترَك هو بلورة جو عام واحد يسود المجموعة، وهو ما يعني التجانس لغةً وموضوعًا ومعالجةً؛ ليكتسي ما يتناوله صبغة خاصة بعيدًا من مساحيق البلاغة المتكلفة ومجانية التجريد؛ إذ لا يؤدي هذا في الأخير إلا إلى الفراغ، أي انسحاق الموضوع، وقبله المعنى وتفتته. من هنا فإن قصيدة حسين بن حمزة تذهب سافرةً إلى ما تريد، دون أقنعة أو ألاعيب تعيقها عن بلوغ هدفها أو تشوّش عليه، في الأقل. وهكذا تبلغ غاياتها في مختلف ما رشحت عنه من ثيمات سواء في الحب، أو في شجون الوحدة والغربة واللجوء والحرب، أو في صلة الجذور والانتماء وسوى ذلك، قصيدة جوهرها وإهابها البساطة والشفافية:
«بعد أن أوصلتنا القوارب إلى الشاطئ/ جلسنا على الصخور/ البحر قريب/ ويمكن لدموعنا المالحة مثله/ أن تسيل بطلاقة!».
حتى في الاختراقات التي يحققها الشاعر، بنزوعه إلى الغرائبي، يبقى محافظًا على روح البساطة التي تسم عمله؛ فذلك من صلب وقوام تجربته، مع ما تضفيه غرائبيته أو تحققه من رصيد جمالي: «كانت من مدينة بحرية/ ولذلك لم يكن غريبًا/ أن يُسمع وهي نائمة/ هدير موجات/ تلعق صخور الشاطئ/ أو صيحات نوارس/ تنقضّ من الأعالي/ على أسماك تعوم في أحلامها!».
إن ما يمكن تقريره، عمومًا، هو أن تقسيم الشاعر مجموعته إلى وحدات يدخل في باب الاقتصاد المعتمد للمجموعة كلها، وكأنّ في اندياح القصائد بعضها على بعض من دون هذا الفصل بينها بعناوين مستقلة، طعن بمسعى الشاعر إلى التقشف، الذي لم يقف عند حد القصيدة القصيرة المختزلة والقصيرة جدًّا الذي هو سمة المجموعة إجمالًا، فقد أراد بهذا الإجراء النأي بكتابه عن أن يكون كتلة واحدة، وهو ما يعني أن الدافع للتجزئة لم يكن فقط وحدة الموضوع التي تجمع قصائد كل قسم من أقسام المجموعة، حتى من دون ذلك يمكن قراءة الكتاب كوحدة واحدة منتظمة، وهو ما تتوفر عليه القصائد في جوهرها ومناخها العام. صحيح أن لكل قسم خيطًا ناظمًا لقصائده، إلا أن ذلك لا يتنافى والقول: إن الفروق كانت واهية بينها، بحكم المشترك الشعري والموضوعي، فما يجمع بين «بعد الحب» و«ألماني يتجول في قصائدي» و«طائر بعكازين»، وهي العناوين الثلاثة المعتمدة لوحداتها، أكثر مما يشتّت.
إن ما تريد هذه القراءة تأكيده، ثانيةً، هو أن دافع التقسيم هذا إنما كان بوحي -حتى لو كان ذلك لا شعوريًّا- من حافز التكثيف الذي دأب الشاعر عليه بما غدا هوية له. فالاستطراد ليس مهنته، كما يقول في إحدى قصائده، وثمة تأكيد لهذا المعنى وتكرار له في كثير من المواضِع في المجموعة. والمسألة لا تتعلق بالشكل وحده، الذي يريد الشاعر أن تبدو عليه قصيدته وإنما بروح وجوهر الكتابة كما تجسدها هذه القصيدة.
نشدان الذات والآخر
وعلى ما بدت عليه المجموعة من تكثيف إلا أنها كانت بآفاق متعددة، وبقدر ما بدا الشاعر فيها ميالًا إلى الأغنية التي تتجه إلى الذات إلا أنه في الوقت نفسه كان ينشد التقاط ما يجمعه بحيوات الآخرين: (مواطنوه في اللجوء والهجرة)، حتى في أشد حالاته خصوصية كان هو صوت هؤلاء، بحكم ما يتقاسمه معهم وجودًا ومصيرًا، قسرًا أم بإرادته، ففي أقصى درجات وحدته يحضر هؤلاء لا كمغايرين بل كنظراء له: «يتحدثون عنه كما يتحدث هو عنهم!»، وفقًا لواحدة من قصائد المجموعة، مع التكييف هنا.
على العكس من ذلك يحضر الآخر بوصفه مختلفًا، كما في أنموذج الجار الألماني المرصود من عيني الشاعر/ اللاجئ وقد صار يرى في منفاه/ موطنه الجديد أشياء مختلفةً عما ألفه وتعامل معه، بدءًا من الجليد وليس انتهاءً باللغة، حيث تكريس الإحساس بالنأي والنفي -وهذه واحدة من الثيمات البارزة في المجموعة- لذا يصرخ مستنجدًا: «أعيدوا إلينا عظام بلاد الآباء!» بل يذهب إلى ما هو أكثر من ذلك وأوضح ندمًا: «ليتنا بقينا لاجئين داخل أحلامنا القديمة (…) ليتنا بقينا لاجئين لدى أنفسنا (…) ليتهم لم يفتحوا لنا الحدود!».
إن موقفًا أو واقعًا كهذا الذي يجد الشاعر نفسه إزاءه يؤكد جملة حقائق حول الانتماء والهوية والاغتراب، ليس بالبعد المكاني لهذا الأخير فحسب، بل بما يترتب عليه من ثمن نفسي باهظ، من جهة، ومن جهة أُخرى بما يؤشر تراجع وخفوت حدة الانبهار ببريق عالم الهجرة، وانكسار الأحلام على عتبة واقع كان فكرة تحلق مع السحاب، وإذا به مجرد جليد قاسٍ، مشظّى، في واحد من أوجهه. لكن على الرغم من كل هذا الأسى، فإن اليد التي عاشت ذلك وخطّته، كما في «طائر بعكازين» و«ألماني يتجول في قصائدي» هي ذاتها التي تجترح عالمًا آخر من الدفء والانبهار المتجدد، لما يمتلك من طاقة الحب، إنه عالم المرأة وقد احتاز له مكانًا بإزاء عوالم الشاعر الأُخرى، كما مثله قسم «بعد الحب»، عالم يُضاء بأصغر وأدق تفاصيلها، مرصودًا بعين شغف الشاعر، شغف لا يستثني حركة اليد أو الثنية في زاوية الفم، وقد ارتضى أن يكون زرًّا في أعلى معطفها، قريبًا من القلب؛ ليكون الشاهد الأبدي على هذا العالم وحارس نبضه، عالم يشكّل أحد أبرز ملامح تجربة حسين بن حمزة الشعرية في مجموعته هذه، وبـ«نبرتها الخافتة» تؤكد وقعها الضد في فضاء أخذ يزدحم أكثر فأكثر بالضجيج والادّعاء والتعمية، وهو العنوان الغالب، اليوم، على ما صار يُدعى شعرًا.