بواسطة حوار: هدى الدغفق - صحافية سعودية | يوليو 1, 2024 | فوتوغرافيا
يستعرض المصور المفاهيمي صالح الدغاري قدراته على تحديد أولويات الرؤية في كل عمل فني وضبط التفاصيل بدقة، والتفاعل مع المَشاهد بأكثر من طريقة إبداعية. فهو ينقل تجاربه الوجدانية والثقافية وينوع في اختياراته، سواء كان ذلك في تسليط الضوء على الجوانب المظلمة من الحياة أو استكشاف جمال اللحظات البسيطة، من خلال تحويل المفاهيم إلى صور تروي قصصًا بصرية ملهمة؛ فالحياة كلها فكرة، من وجهة نظره. الدغاري يحذر، في هذا الحوار مع «الفيصل» من التعامل مع التقنية بكثرة من خلال تحرير الصور تحريرًا مفرطًا؛ فذلك يؤدي، بحسب وجهة نظره، إلى تشويه الصورة وتغيير ملامحها في عين فنانها.
إلى نص الحوار:
التوازن بين الخيال والتقنية
● كيف تستخدم التقنيات المصورة لنقل المفاهيم الخاصة بك وبالعامة؟ ومن أين تحصل على الأفكار التي تشرح تلك المفاهيم؟
■ الفنون في أبسط صورها عبارة عن تجسيد لفكرة ستتكون إلى شكل ينتقل خلال وسائط متعددة تتضمن عددًا من المعايير والمفاهيم، وقد ساهمت التقنيات المصورة في تغيير الأداء الفني التقليدي وأوجدت أشكالًا جديدة. وفي اعتقادي أن على الفنان مواكبة هذه المتغيرات والتحولات التقنية. ولا يوجد لديَّ مصدر وحيد بذاته للأفكار، فالحياة كلها فكرة، ولا شك أن بناء جسور جيدة مع التجارب في شتى مناحي الحياة يمنح الفنان رافدًا جيدًا من الإلهام، الذي يتمكن عَبْره من صياغة أعماله الفنية إلى جانب الاطلاع والقراءة.
● ما أبرز التحديات التي قد واجهتك في مشوار تصويرك؟ وكيف تعاملت معها؟
■ لا شك أن الجانب المعرفي هو الأبرز في التحدي الذي يرافق أي بداية. كانت المعلومة سابقًا حول تقنية معينة في التصوير تكاد تكون شحيحة أو غير واضحة، كما أن الطرح الإبداعي لم يكن مرحبًا به في البداية، ناهيك عن أن فكرة التصوير من الأساس كانت مثار جدل مجتمعي واسع. وكذلك يتطلب النجاح في عالم التصوير الفوتوغرافي توازنًا بين الإبداع والتقنية ويمكن أن تكون التقنية المتقدمة مثقلة بالقواعد وتحد من الإبداع. ومن جهة أخرى يمكن أن يكون الإبداع العالي من دون معرفة تقنية دقيقة يؤثر في جودة الصورة فنيًّا. وقد تعاملت مع هذا التحدي من خلال الاستمرار في تطوير مهاراتي التقنية وفي الوقت نفسه استخدمت خيالي وإبداعي في اختيار الإطار الصحيح والتعبير عن قصة من خلال أعمالي الفنية.
● كيف استطعت أن تدمج بين جماليات الفن وبين رسالتك في أعمالك؟
■ عملت على اختيار المَشاهد والزوايا بدقة لإبراز جمالية المشهد مع إيصال رسالتي بشكل فعّال، كما استخدمت تقنيات التصوير المختلفة مثل الإضاءة والألوان إلى جانب إضافة عنصر من التفكير الإبداعي لإبراز رسالتي من خلال اختلاف زاوية التصوير وطرق المعالجة الفنية. حاولت الدمج بين جمالية الفن ورسالتي من خلال تحديد أولويات الرؤية في كل عمل فني وضبط التفاصيل بدقة.

عدة المصور
● إلامَ يحتاج المصورُ المفاهيمي ثقافيًّا وفنيًّا واجتماعيًّا؟
■ يحتاج المصور المفاهيمي إلى معرفة واسعة بالثقافة والفلسفة وهذه المعرفة تساعده في تطوير أفكاره، كذلك دراسة أعمال الفنانين المفاهيميين السابقين إلى جانب قراءة الكتب والمقالات التي تناقش النظريات الفنية، والاستفادة أيضًا من دراسة الفنون الأخرى التي تساعده في تطوير وجهة نظر أكثر إبداعية ومبتكرة. الأمر يتطلب أن تكون متعلمًا ومبدعًا وحساسًا.
● حدثنا عن مشاركتك في معرض «رسوم وطلل»، وإلى أي حد مثلتم قصائد الشعراء؟
■ شاركت في المعرض الفني «جغرافيا القصيدة»، ضمن فعالية «رسوم وطلل» التي أقامتها وزارة الثقافة، بأربعة أعمال فنية. كان العمل الأول بعنوان «معبد الشعر» وهو حالة تعبيرية للشاعر امرئ القيس وهو في خلوته ينتظر إلهام الشعر وولادة القصيدة. والعمل الثاني بعنوان «عبقر» وقد استلهمته من أشعار عنترة وشخصيته. وكان العمل الثالث بعنوان «هدوء نسبي»، وهو محاكاة للهدوء الذي يتسم به شعر ليلى الأخيلية ويستدعيه كستار شفاف تتأجج خلفه العواطف الجامحة. والعمل الرابع «اختلاف» ويتمثل من خلاله ابن المقرب العيوني حاملًا أوزار الحياة، كحتمية شاردة تستعيد في أبديتها لقاءه بمحبوبه وغيابه عنه.

تعدد الأفكار والرؤى
● من خلال تسمياتك لأعمالك يظهر اهتمامك بالعنوان ليعبر عن محتوى العمل الذي تقوم بتصويره؟ مثل: «في ارتداء فكرة من خشب!»، و«تصعيد هذيان» فما أهمية العنوان بالنسبة للصورة من وجهة نظرك؟
■ من وجهة نظري يعد العنوان جزءًا مهمًّا من الصورة، فهو الذي يوفر معلومات إضافية حول الصورة، ويساعد المشاهد على فهمها بشكل أفضل. وهو يضيف للعمل الفني أيضًا أجواء ومزاجًا معينًا وجاذبية وتأثيرًا ويسمح للمتلقي بفهم العمل الفني بشكل يخلق من خلاله تساؤلات دقيقة.
● في عصر الرقمنة الذي يعتمد على الصورة بشكل رئيس. كيف تنظر إلى دور التقنية في التعامل مع الصور؟ وكيف تؤسس لك رؤيتك المغايرة لما تضخه وسائل التواصل؟
■ أعتقد أن التقنية لها دور مهم في التعامل مع الصور، فهي تتيح لنا التقاط الصور وتحريرها ومشاركة الصور بسهولة أكبر، فهي تمنحنا الدقة والسرعة والإبداع والمشاركة. وهناك بعض التحديات المرتبطة باستخدام التقنية في التعامل مع الصور فمن الممكن أن يؤدي استخدام برامج تحرير الصور استخدامًا مفرطًا إلى تشويه الصورة. ولكن تبقى فوائد استخدام التقنية في التعامل مع الصور أكثر من سلبياتها.
رؤيتي المتواضعة لما تضخه وسائل التواصل الاجتماعي تبدأ من ضرورة التعددية في الأفكار والرؤى؛ فهناك أكثر من طريقة لرؤية العالم. وحقيقة الأمر أريد أن أقدم للناس مجموعة متنوعة من الأفكار والآراء التي تترجم فيما بعد كأعمال فنية حتى يتمكنوا من تشكيل آرائهم الخاصة بهم. وأحرص عندما أقدم فكرة أن تكون جديدة ومبتكرة وترى العالم بطريقة موضوعية وإبداعية.
● كيف يطور المصور من أساليبه الفنية؟ وما دور التثقف والاطلاع في تنمية وعيه الإبداعي والفكري؟
■ يطور الفنان من أساليبه الفنية من خلال الممارسة المستمرة والتعلم من الآخرين من خلال قراءة الكتب والمقالات عن شتى الفنون، أو مشاهدة مقاطع الفيديو التعليمية، أو حضور ورش العمل والندوات، ومتابعة أعمال الفنانين للحصول على الإلهام والأفكار الجديدة، وكذلك التجريب والإبداع والاستعداد له وعدم الخوف من تجربة أشياء جديدة للخروج عن المألوف.
للاطلاع والثقافة دور مهم في تنمية وعي الفنان إبداعيًّا وفكريًّا، بل يساعده على تطوير رؤيته للعالم، وفهم أفضل للجمال والمعنى، وخلق صور أكثر تأثيرًا، كذلك زيارة المتاحف والمعارض الفنية التي تساعد الفنان على رؤية أعمال الفنانين الآخرين من كثب.
بواسطة سمير مُندي - ناقد مصري | يوليو 1, 2024 | كتب
مكان واحد، ولحظة زمنية واحدة هما موضوع رواية «العروس» لمؤلفها حمدي الجزار، الصادرة مؤخرًا عن دار «ديوان» بالقاهرة. أما المكان فهو بار ومطعم «العروس»، الذي يقع في شارع قصر النيل المتاخم لميدان التحرير صانع ثورات مصر الحديثة. وأما الحدث فهو ما جرى ويجري في الساعات الأولى، وحسب، من فجر اليوم الأول لعامٍ جديد آثر السارد أن يُبْقيه مجهولًا. غير أنَّ الميدان لم يحتضن هذه المرة، ثورة، أو يُرهص حتى بقرب قدومها. على العكس، فقد بدا هادئًا وخاويًا، اللهم إلا من بعض الشباب الذين يحتفلون، على طريقتهم، بحلول العام الجديد. الثورة الحقيقية كانت أحداثها تَترى خلف جدران «العروس». حيث يتحول العام الجديد إلى طالع سعدٍ لبعضٍ، بينما يتحول إلى مُرتقى صعبٍ لبعضٍ آخر.
عالم المال والأعمال
سوف تكون الساعات القليلة من أول يومٍ في العام الجديد، بالضبط منذ الدقيقة الأولى بعد الساعة الثانية عشرة كما سجلتها «ساعة مصر للتأمين»، حتى طلوع النهار، هي مدار التحولات والتغيرات التي يختبرها أبطال الرواية. سواء أكانت تحولات نفسية أو اجتماعية أو مادية. حيث نصبح شهودًا على الطريقة التي يُحول بها زمن قصير، يساوي لحظة، مصاير وعلاقات وحظوظًا. أما اللحظة فلحظة انقلاب، ينقلب فيها السيد عمر عبدالظاهر على قرارات الحاج مرزوق عشم الله، فيستولي، على غير رغبة هذا الأخير، على أكبر حصة من أسهم ملكية مطعم وبار «العروس»، فجمع في سلطته، بذلك، بين الانفراد بالقرار والإدارة.

حمدي الجزار
من الآن فصاعدًا سيعتزل الحاج مرزوق عشم الله حياة المال والأعمال ويتفرغ للعبادة وعمل الخير، ليأفل نجمه، ويلمع نجم صَنيِعته ومُستخدمه السابق السيد عمر عبدالظاهر. على حين يفقد الحاج فتحي أبو دُرقة، عين أعيان السيدة زينب وصاحب أشهر محل موبيليات، كرسيه في ملكية «العروس» ليحل محله ابنه طلحة، فيرث مجده ومكانته في حياة عينه. بينما يستولي حمو الترسة، على مكان العم برسوم الذي شغل وظيفة رئيس الطباخين لما يقرب من أربعين عامًا. أما سماهر الراقصة الشابة الفاتنة فقد حالفها الحظ مع مطالع العام الجديد، حين رقصت فأبهرت الحاضرين وصعدت، بذلك، أولى درجات سُلم المجد. وأخفقت هايدي كمال «مذيعة النشرات الإخبارية نصف المعروفة»، المتطلعة للشهرة والثروة والمجد في فك شفرة ثروت بك فاضل، وقنص فرصة عمل في قناته الجديدة. بينما تضل علامات الرغبة التي يرسلها ثروت بك فاضل طريقها إلى سامية بشندي التي تحولت في عينيه «إلى ثروة ثمينة… تتوق نفسه إلى تملكها».
إنه عالم مُتخم بالملذات لا يبالي إلا بالشهوات، يزدهر مع بداية عام جديد نجهله، من دون أن نجهل، مع ذلك، أنه عالم كل مكان وزمان. ومع حجب الروزنامة الزمنية حجب السارد نهاية روايته. ولم نعد، من ثمَّ، على بيّنة بمآل ما يجري من أحداث، وفُتحَ السرد، بذلك، على باب الاحتمالات غير المشروطة. أصبحنا وأصبحت لحظة «رأس السنة» الخاطفة القصيرة مفتوحة على الأبد. الثبات الزمني من ناحية، والأبد اللانهائي من ناحية أخرى عمَّقا الشعور بمتاهة تتصارع فيها الرغبات، من دون أن يندر أن يضل الحب فيها طريقه. إلى ذلك فالرواية التي لا تقول شيئًا عن الجانب السياسي تقول كل شيء عن الهدوء الذي يسبق عاصفة تَعدل، حتى حين، ميزان العدل المقلوب، وتستعيد إرث ساكن الصحراء مَهْبط الوحي والإلهام الحاج مرزوق عشم الله، رجل تحيط به غُلالة من السحر والغموض ترسم أسطورته الخاصة: «رجل تام، كامل بلا نقص، لا يتقدم به عمر، ولا يمر عليه زمان وأحوال، رجل صلب، ثابت كأكبر جبل على الأرض».
لحظة أخرى موازية
غير أن لحظة أخرى موازية كانت تجري في محيط «العروس» وتمتد زمنيًّا خارج جدرانه بالعودة إلى الماضي، أو محاولة استشراف المستقبل الغامض، فتهدئ قليلًا من طغيان هذا العالم المتخم. إنها قصة الحب والزواج الذي تكاد تنفصم عُراه في حالة، وتتصل في حالة أخرى. أما الحالة الأولى فحالة سامية بشندي التي تفقد بوصلة علاقتها بزوجها، وتتعرض حياتهما الزوجية لخطر الطلاق. وساوس تدور في رأس سامية، تدور وتلف وتنقطع قبل أن تدور من جديد، تمامًا مثل تلك اللمبات التي تُزين شجرة عيد الميلاد فوق باب المطعم «كلما اكتمل قوس القزح تلاشت ألوانه، وانطفأت اللمبات للحظات، ثم عادت بادئة من جديد». ومع كل لفة تُكتب في خيال سامية عبارة «أخذته مني خلاص»، «ماذا سأفعل أنا؟»، تُكتب وتُمحى من دون أن تُثبت شيئًا أو تَثبت لشيء. فتنقل السرد إلى فضاء زمني خفي، تُعَلق فيه بداية العام الجديد، بالتوازي مع تعليق نهاية الرواية. وبدلًا من انطلاق العام الجديد نجد أنفسنا في مدارات عوالم قارة في قلب الماضي. وأما الحالة الأخرى التي توشك أن تلتئم فيها العُرَى فحالة الدكتورة نانيس واصف أستاذة الموسيقا، وإبراهيم مطر النحّات اللذان يعيشان قصة حب يُحلقان فيها خارج حسابات عالم المال والأعمال، ويكابدان فيها، بحكم اختلاف الديانة، شرور التعصب.
في حضرة التفاصيل الصغيرة
وبين هذه اللحظة وتلك يجري زمن يُحسب بالساعات قوامه انتهاز الفرص، وزمن يُحسب بالتوتر قوامه القلق من المستقبل. وسواء أكنا بإزاء زمن الساعات، أو زمن الذاكرة فإن وتيرة السرد تتباطأ وتظهر التفاصيل الصغيرة مُكبرة تحت مجهر السارد، من دون أن تتباطأ، مع ذلك، وتيرة عبور الزمن وانفلاته. فيتوقف السارد مطولًا لوصف الأشياء والأماكن والأجواء المحيطة بالحدث، لينقل إلينا حرارة اللحظة المعيشة أو برودتها، أو فتورها أو عبورها بمنعطفٍ حاسم. ومع هذا الإلحاح على تكبير التفاصيل الصغيرة تتسع دائرة التأمل وتتعمق على نحو ما تتسع بقعة نبيذ سالت من فم زجاجة سقطت على مائدة ثروت بك فاضل العامرة…
هذا الاتساع والتحول على المستوى التزامني ظهر جليًّا عبر تداخل الأحداث وتوالجها بعضها في بعض. فاقتراب هايدي من سامية بشندي، على سبيل المثال لا الحصر، لتفضي إليها بعرضٍ صادم يُشْبَك بمشهد يقترب فيه السيد عمر عبدالظاهر من الوليمة، ربما لأن سامية تغدو، في عين هايدي، أقرب إلى وليمة أو قربان تستعد لتقديمه إلى ثروت بك فاضل: «وكانت هايدي تقول لسامية: إنها لا تعرف كم تحبها، ولا تعرف مَعزتها عندها حين اقترب السيد عمر من الوليمة». هذا الحضور الفاتن للأشياء والملذات يطرح المعنى جانبًا، ويفسح الطريق أمام وجود مادي يحتفي بذاته.
بواسطة محمد ناصر المولهي - صحافي تونسي | يوليو 1, 2024 | مسرح
تواصل مسرحية «آخر البحر» للمخرج التونسي فاضل الجعايبي سلسلة عروضها في قاعة الفن الرابع بتونس العاصمة، وتواصل إثارة الأقلام من حولها، لما تمثله من عمل إشكالي سواء في تجربة المخرج، أو حتى في النص المقتبس عن «ميديا» للشاعر والكاتب الإغريقي يوربيدس الذي أخذها بدوره عن إحدى أساطير اليونان.
التزم الجعايبي جزئيًّا بخيوط حكاية مسرحية «ميديا»، فكانت البطلة عاتقة امرأة أجنبية مثل ميديا، وارتكبت الجرم نفسه بأن قتلت خطيبة طليقها وأباها، والأفظع من كل ذلك إقدامها على قتل أبنائها، وإن كانوا في حالة ميديا ثلاثة ففي «آخر البحر» هما ولدان. كما نجد الخطوط العريضة نفسها للحكاية؛ فكما قتلت ميديا أخاها لتهرب مع الرجل الذي أحبته قتلت عاتقة أخاها أيضًا بمعية حبيبها التونسي حمادي. لكن رغم الالتزام بخيوط الأسطورة فإن «آخر البحر» ذهبت بميديا أبعد في مناخ تونسي وعربي مليء بالمسكوت عنه؛ لتفجر أسئلة أكثر حدة كما سنرى.
استعادة ميديا
يستعيد المخرج التونسي شخصية ميديا الأسطورية المفجعة، عبر بطلة مسرحيته عاتقة المرأة اليمنية التي افتتنت بحب حمادي، أو هي رأت فيه المخلّص من عائلتها وسجنها بحثًا عن وطن أفضل. وحمادي هو واحد من أعوان رجل نافذ، ذهب إلى اليمن بتكليف منه لسرقة مخطوط نادر لا يقدر بثمن، وهناك التقى عاتقة؛ حيث كان المخطوط في مكتبة أبيها، وبتقاربهما يسرقان المخطوط ويفران عبر البحر، بينما يلحق بهما أخ عاتقة فيقتلانه. هذا ما نكتشفه باسترجاع الأحداث، فالاسترجاع هو ما ينشط الحدث الدرامي في المسرحية.
تنطلق المسرحية من مشهد افتتاحي لحمادي يطلب من عاتقة مغادرة تونس وترك ابنيها معه، لم يفلح توسلها في منعه، وهذا ما أطلق أفظع عمليات الانتقام وأكثرها فجائعيّة؛ إذ ترسل معه هدية إلى خطيبته وتكون عبارة عن طرد مفخخ، ما إنْ تفتحه الخطيبة حتى ينفجر ويودي بحياتها هي وأبيها، الذي يدير أعمالًا مشبوهة ويشغّل معه حمادي.
لم يتوقف الانتقام هناك، بل تقدم عاتقة على قتل طفليها، لندخل بعد ذلك في سلسلة تحقيقات وعلاج نفسي، وسيلة استعملها الجعايبي للدخول إلى عتمات النفس البشرية وفضح البنى الاجتماعية الذكورية والقوانين والأعراف والتقاليد. ويبقى من أقوى المشاهد في المسرحية المونولوج الذي تقدمه عاتقة، في صرخة أنثى تقول الحقيقة التي لا أحد يريد سماعها، الحقيقة التي نخافها أو نحن نحجبها خوفًا منها.
لقد سبق وأن قُدمت ميديا في أثواب عديدة في المسرح، نستذكر هنا عمل المخرج سليمان البسام «أي ميديا»، وفي السينما مع المخرج الإيطالي الشهير بيير باولو بازوليني في فِلْم بالعنوان نفسه. وفي كلا العملين كانت شخصية ميديا إشكالية بامتياز، تمنح من يؤديها مساحة لعب شاسعة. ولعل السؤال الذي يطرح هنا: ما هو الجديد في ميديا الجعايبي؟
لقد استغلت التيارات النسوية مسرحية ميديا للتعبير عن أطروحاتها، على اعتبار أن ميديا رمز للمرأة المتمردة على عالم الذكورة، التي تنتصر لجانب المرأة فيها قبل الأم. في المسار نفسه يذهب الجعايبي ليحفر أعمق في البنية النفسية للمرأة، محررًا صوتها وصورتها من حدود الأم والجنس إلى كونها إنسانًا قبل كل شيء، إنسانًا له الحق مثله مثل الرجل في التفكير والمشاركة والحب والعمل وتقرير المصير والحرية والكرامة والحياة، إلخ.
المرأة التي حجبتها المجتمعات على امتداد قرون وما زالت تحجبها، تتركها كإنسان ناقص، تتحكم في حياتها من لباسها إلى جسدها وصوتها ومستقبلها إلى مصيرها حتى نظرتها، كل جزء فيها مكان ينصب فيه الرجال أعلام سلطتهم. ليس ذلك فحسب بل يعاملونها معاملة الشيء الذي ما إنْ تنتهي الغاية منه يُلقى، وهذا ما رفضته عاتقة التي استغلها حمادي، ومن ثم ألقى بها كأي شيء منتهي الصلاحية؛ لذا انفجرت ضده. الجميع كان ضدها من المجتمع حتى السجينات الأخريات والقانون والمجتمع الذي يطالب بالقصاص منها كلهم يطالبون بدمها جزاء جرمها، لكن ببراعة تأخذنا المسرحية إلى الانتصار لها رغم ما اقترفته.

صرخة أنثى
تتحرك الأحداث عبر جلسات التحقيق، حيث المحققة تستنطق عاتقة وزوجها السابق، في محاولة للوقوف على حقيقة الجريمة البشعة، كيف لأم أن تقتل أبناءها؟ تتكرر الجلسات عن طريقة القتل، ونكتشف مع كل رواية طريقة أبشع من السابقة، حتى يتم العثور على جثتي الطفلين بعد أن لفظهما البحر مشوهتين. السؤال عن طريقة القتل المتعمد لفضح العنف القاتل الكامن في الذات البشرية، عنف قد لا يضاهيه فيه أي كائن آخر، ويكفي قادح ما لخروج الوحش من تحت الملابس والأعراف.
وتتواصل جلسات التحقيق مع حمادي، ومنه نسمع روايات أخرى مخالفة تمامًا لما ترويه عاتقة، ونغوص أكثر مع شخصية المحققة المرأة العاقر الوحيدة، التي تثير بدورها قضية أخرى تواجهها النساء العازبات وغير القادرات على الإنجاب، وكأن المرأة التي لا يمكنها الإنجاب هي جسد فاسد يستعمل لمجرد اللذة العابرة.
المحرك الثاني للدراما، التي تقوم على مشاهد مكتملة من بداية المسرحية إلى ذروتها، هو الطبيب النفسي، وهو رجل مثلي، لكنه يخفي ذلك عن المجتمع. يحاول الطبيب مرافقة عاتقة إلى أعماق أفكارها، لفهم سبب جريمتها، وهناك نطالع مشاهد من ماضي المرأة الفتاة، ونفهم طريقة نشأتها، وهي مماثلة لأغلب الفتيات العربيات تقريبًا، ما يجعلهن ضعيفات في مجتمع الذكور الذي يصنع مفهوم المرأة على مقاسه.
يمكننا عَدّ مسرحية «آخر البحر» صرخة أنثى ضد السلطة الذكورية وضد الزيف الذي بُني عليه تاريخ كامل من المجتمعات البشرية، حتى إن من يقول الحقيقة يُعزل وقد يقتل. عاتقة اليمنية الوحيدة، قاتلة ابنيها الوحيدين بطريقة بشعة، ليست مجرد مجرمة حرَّكها الانتقام، إنها امرأة جُرحت في وجودها. وكما نطالع في مرافعات محاميتها النسوية، إنها وإن كانت مخطئة فهي امرأة وإنسان قبل كل وصم آخر. ولعل الجريمة هنا ما هي إلا مساحة لفتح ما هو أعمق من عوالم مكبوتة ومخفية في عتمة الداخل.
عاتقة/ ميديا الجعايبي تحملت بمفردها كل الألم والبشاعة لتفضح زيف المنظومات البشرية، ولا يمكن أن نحكم عليها رغم جرمها المفزع، إننا في النهاية نتعاطف معها، بل نساندها وهي تقف ضد السلطة. والسلطة المقصودة هنا بمفهوم ميشال فوكو الذي يرى أن «العلاقات السلطوية داخل المجتمع خارج العلاقات السياسية والاقتصادية والمعرفية والجنسية، إنما تكون محايثة لها وناتجة منها»، وهو ما نراه جليا عبر العلاقة السلطوية التي تظهر بين حمادي وعاتقة، أو بين حمادي ورئيسه في العمل وهو نفسه والد خطيبته الذي قتل، أو حتى بين عاتقة وابنيها، أو سلطة المحققة على المحقَّق معهم.
سلط مختلفة كلها تظهر جوانب من العجينة السلطوية الكامنة في نفوس البشر، التي تنشأ معهم وتكبر وقد تظهر وقد تختفي، فالمجتمع في النهاية مجموعة من السُّلَط المتقاطعة التي تشكل عبر نسيجها منظومات اجتماعية كابحة للذوات، لكنها قد لا تنفذ إلى أعماق النفوس التي تبقى مليئة بصراخ الكائن المتحرر.

العمل بوعي ودقة
كانت السينوغرافيا المعتمدة متقشفة: طاولة وبضعة كراسي، وخَيمة، وفي الخلفية شاشة كبيرة يعرض عليها مشهد البحر في أوقات وحالات مختلفة، بين الصفاء والهيجان، وبين الصبح والمساء.
علاقة التونسيين بالبحر علاقة مختلفة كليًّا عن غيرهم، البحر يمثل الضفة الأخرى الشمالية، وما وراءه تكمن أحلام حياة أفضل كما يتخيل الحالمون بالهجرة، البحر هو سور مائي بين التونسيين وأحلامهم وطموحاتهم. هكذا يراه الكثيرون منهم، بينما هو أيضًا مقبرة مفتوحة، عليها تطفو جثث الغرقى الحالمين، جثث قد يلفظها إلى الشاطئ، مجهولة ومشوهة، وما اختيار الجعايبي «آخر البحر» عنوانًا إلا استجلاء لذاك المكان الذي تدور قبالته جل أحداث العمل، المكان الحلم الذي يتحول إلى كابوس في لحظة؛ فما وراءه ليست أرض الأحلام.
من ناحية أخرى كان أداء الممثلين مبهرًا؛ محمد شعبان في دور حمادي، وصالحة النصراوي في دور عاتقة، وبخاصة الحركة والصوت والإيقاع التي تحكما فيها بشكل حِرفي، وهو ما جعل الشخصيتين تملآن الخشبة بطاقتهما القوية، وقلّ ما نجد ممثلين بهذا المستوى من الوعي والقدرة على اللعب. وأدى الأدوار في هذا العمل، الذي دام عرضه ما يقارب ثلاث الساعات، إضافة إلى نصراوي وشعبان، كل من ريم عياد (المحققة)، وسهام عقيل (المحامية)، وحمادي البجاوي (الطبيب النفسي).
يبقى أن نشير إلى أن الجعايبي كان دقيقًا للغاية في كل تفصيل من عمله، ورغم المدة الزمنية الطويلة للمسرحية وخلوها من البهرج أو الديكورات أو الحركة الاستعراضية، فإنها تمكنت من شد الجمهور والدخول به إلى أعماق نفسية قد تكون مخيفة، لكنها تثير السؤال؛ إذ لا يخرج من دخل ليشاهد العمل وهو الشخص نفسه بالمسلمات نفسها، عرض يزعزع القناعات ويدفعنا إلى التفكير بعمق، من نحن؟

مساءلة إنسانية
عبر مسرحيته «آخر البحر» يواصل المسرحي التونسي فاضل الجعايبي مشروعه الذي بدأه منذ سبعينيات القرن الماضي مع فرقة المسرح الجديد، في مساءلة المجتمع وكشف الخفايا النفسية والاشتباك مع السلطة لا السياسية فحسب بل الاجتماعية والدينية وغيرها من سُلط تتكاثر في المجتمعات العربية.

فاضل الجعايبي
تجربة الجعايبي طويلة ومتشعبة، ولكنها أخذت منعطفًا أكثر تركيزًا على ما هو نفسي واستثارة الفكر والنقد وكشف البشاعة دون مواربة مع ثلاثيته المسرحية: «العنف» (التي تجمع مرتكبي جرائم بشعة في مصحة نفسية)، و«خوف» (حيث يعلق مجموعة في عاصفة وتبدأ من هناك سلسلة من الجرائم والصدامات)، و«مارتير» (التي تفضح التشدد الديني عبر تفكيك ما يحدث داخل مدرسة مسيحية). ثلاثة أعمال مختلفة، لكنها اشتركت فيما بينها بأنها تستعمل بشاعة الجريمة للدخول إلى ما يحرك النفوس من غايات وهواجس وأحلام مكبوتة وأصوات مختنقة.
لا يخشى المسرحي من دخول تلك المناطق المعتمة، حيث نعيد اكتشاف أنفسنا من جديد وخاصة دون زيف أو كذب. ولعل «آخر البحر» تندرج في المسار نفسه، إلى الحد الذي يمكننا إلحاقها إلى المسرحيات التي سبق ذكرها لتكون رباعية، يعمل فيها المخرج التونسي بأسلوبه نفسه المستقى من التوليف بين ملحمية بريشت ولا معقول بيكيت، لخلق فلسفة خاصة ترى في المسرح أداة سياسية بامتياز.
المخرج التونسي الذي أثر في أجيال من المسرحيين التونسيين، تمكن من ترسيخ تجربة مسرحية فريدة تقحم المسرح في مهام صدامية ضد كل سلطة وكل ثبات، فالمسرح ليس فن تهريج ولا هو فن تسلية سطحية، إنه فن تطهير أولًا، وفن اشتباك فلسفي مع الوجود البشري بالأساس. وأعمال الجعايبي ليست موجهة للمجتمع التونسي فحسب، بل هي مفتوحة على كل المجتمعات البشرية التي لا يتوانى في نقدها بوعي وجرأة.
ولعل أفضل وصف لأعمال الجعايبي ما قدمته الناقدة والممثلة سهام عقيل التي تعتبر مسرحه بمنزلة «الصفعات الجمالية الصارخة والمتفجرة لليقين والثوابت ليهتز عرش المتفرج ضد خموله ونرجسيته التائهة». المسرح كما نراه مع فاضل الجعايبي ليس مجرد ديكورات وأزياء ودراما لشخصيات ما، إنه تكثيف شعري لأسئلة الإنسان الوجودية، إنه وجود حي لتحريك كل ما يركد داخل الذوات.
بواسطة فاتوماتا سيك - باحثة سنغالية - ترجمة: شيرين ماهر - مترجمة مصرية | يوليو 1, 2024 | ثقافات
خصوصية كتاباته، جعلته كما لو كان يخوض معركة بالكلمات والشخوص، فلا يكاد ينفصل لديه الحس السياسي عن نظيره الأدبي. وتتسم أغلب أعماله بالأصالة وتتخذ من اللغة أداة فاعلة لتأكيد الهوية الإفريقية. بوبكر بوريس ديوب السياسي والأديب، والمفكر السنغالي الفائز بجائزة «نيوستاد» الدولية للآداب لعام 2022م. وهي الجائزة التي يصفها كثيرون بـ«نوبل الأميركية»؛ والتي تمنحها جامعة أوكلاهوما مرة كل عامين عن مجمل أعمال الكُتاب الذين يقع عليهم الاختيار. والواقع، لم يكن «ديوب» أديبًا عاديًّا، حيث عمل بالسياسة والصحافة والسينما؛ إذ يعد صوتًا إفريقيًّا متعدد المواهب. والأهم من ذلك، كونه الكاتب الوحيد الذي كتب أعمالًا أدبية باللغة المحلية السنغالية «لغة الولوف»، وهو الأمر الذي شكّل تفرده الأدبي.
المترجمة
في جولة داخل أعمال الكاتب والأديب السنغالي، بوبكر بوريس ديوب، الفائز بجائزة نيوستاد لعام 2022م، نتبين سنوات تكوينه الأولى، ثم استكشاف أبرز خصائص كتاباته الخيالية، إذ توجد وجهات نظر عدة تزيح النقاب عن السمات الأدبية التي تميز أعماله، فيما تهيمن ثلاث سمات رئيسة، يمكن عدّها الأجدر على فهم تطوره الإبداعي كاتبًا وأديبًا متعدد المواهب وحائزًا على الجوائز المرموقة؛ فهو الصحفي، والكاتب المسرحي، وكاتب السيناريو، وكاتب المقالات، وأستاذ الفلسفة والأدب، والناقد والمترجم والمحرر.
تتمثل السمة الأولى المُميزة لكتابات ديوب الخيالية في تساؤله المستمر عن إمكانيات الأدب، إذ يستخدم تقنيات أدبية تجريبية لاستكشاف أبعاد الأدب وحدوده. أعمال ديوب الأدبية مسكونة أيضًا بإشكالية الذاكرة ومخاطرها بالنسبة للبلدان التي وقعت تحت نير الاستعمار سابقًا؛ وهو سؤال يتوافق مع نهجه المتنوع في التعامل مع الوقت والتاريخ. في المقابل، يظل أهم جانب في كتاباته المعاصرة دأبه على التعريف باللغات الإفريقية. ونظرًا للعدد المحدود من قُراء لغة «الولوف» السنغالية المحلية، فقد راهن ديوب على أن غالبية قُرائه سينتمون إلى المستقبل، بل يرى أن جمهوره لم يأتِ بعد. والواقع أن مَن يستغرق في قراءة نثر «ديوب» باللغة الولوفية، يمكنه فهم ذلك، حيث تتشابك فيه الميزات الثلاث السالف ذكرها؛ فهي ترتبط، بدرجات متفاوتة، بفترة مُلِحة من «البحث عن الثراء الأدبي» التي تشكلت خلالها روح ديوب القتالية ونهجه الأدبي المتطور.
عادةً ما تبدأ روايات ديوب بمؤثرات أدبية تعكس تشبعه بالأدب الأوربي، وبخاصة الأدب الفرنسي في حقبة القرن التاسع عشر، التي زخرت بها مكتبة والده. ثم التقى ديوب «كُتابًا» أفارقة في سنوات شبابه، من أمثال: ليوبولد سيدار سنغور، والشيخ أنتا ديوب، وفرانتز فانون، ومونجو بيتي، وعثمان سيمبين، وديفيد ديوب، وغيرهم. وسرعان ما حفز هؤلاء الكُتاب داخله روحًا متمردة ونضالية. وكان ديوب أيضًا قارئًا نهمًا لأدب أميركا اللاتينية. كما تأثر تأثرًا خاصًّا بـ«إرنستو ساباتو» و «غابرييل غارسيا ماركيز»، وآخرين. وبخلاف أميركا اللاتينية، تأثر أيضًا بأعمال «فيودور دوستوفيسكي» و«فرانز كافكا»، والأهم من ذلك، «جان بول سارتر». وقد جاءت هذه السنوات من العصف الأدبي، في النصف الثاني من القرن العشرين، في الحرب الباردة، وستينيات القرن العشرين، إبان الاستعمار، وظهور نظام عالمي ثلاثي الأقطاب، في ظل مهمة شاقة تمثلت في التحول إلى استقلال جديد، إلى ديمقراطية وليدة في عصر نزاعات الاستقطاب.
في تلك الحقبة، اقترب ديوب من فهم ومحاكاة هذه التأثيرات. وطوال حقبة السبعينيات، تعرف إلى أبطال محليين مناهضين للاستعمار مغمورين، مثل: ألين سيتو دياتا، ونداتي يالا مبوج، وسيديا ليون ديوب، الذين غالبًا ما يظهرون في رواياته، جنبًا إلى جنب، مع القادة الثوريين الأفارقة الذين اغتيلوا في الستينيات والسبعينيات، مثل: باتريس لومومبا، وأميلكار كابرال. في ذلك الوقت، أكسبه «الألم الوجودي» أيضًا لقب «بوريس»، تيمنًا بـ«بوريس سيرغوين»، وهو أحد شخصيات رواية «سارتر» المكونة من ثلاثة مجلدات، وتحمل عنوان «الطريق إلى الحرية». لقد آمن بأنه «يمكن خلق العالم بالكلمات»، حيث شكلت المؤلفات الماركسية والمتعلقة بالوحدة الإفريقية والمناهضة للاستعمار روحه القتالية.
يشرح المؤلف الكاميروني «مونجو بيتي»، في مقدمة رواية ديوب الأولى «زمن تامانجو»، أنه بالنسبة للكُتاب الأفارقة، لم يكن الانخراط في الأدب الملتزم اختيارًا، بل ضرورة حتمية في ذلك الوقت؛ إذ تتحدى كتابات ديوب الفكرة المختزَلة التي تقول: إن الأدب الملتزم يقلل من القيمة الجمالية للعمل. يشيد «بيتي» أيضًا بالبنية الأدبية المركبة التي تبناها ديوب وتقنياته السردية وقرار الكاتب الشاب، آنذاك، بالتحول إلى الداخل بدلًا من الخارج للبحث عن إجابات تفسر أسباب الإخفاق في إنهاء الاستعمار. في هذه الرواية، يقدم ديوب، ما أطلق عليه النقاد أسلوب «بوريسي»، حيث ضُبطت هذه التقنيات الأدبية في مؤلفاته اللاحقة، وأصبحت سمات متكررة في كتاباته الروائية.
إمكانيات الأدب
إذا كنت تقرأ رواية لـ«بوبكر بوريس ديوب»، عليك أن تتوقع أن يناديك أحد الرواة المتعددين بين سطوره؛ ليدفعوك إلى التفكير في العلاقة المشحونة بين الخيال والواقع، أو بين التاريخ والذاكرة. رواياته هي ساحات للتجارب الجمالية مع قفزات زمنية، وقصص مجزأة تتخللها اهتمامات ما وراء القص لدى الرواة، وتأملات حول الماضي الذي يحيك المستقبل بأنامل جريحة. غالبًا ما تُفهَم نصوصه متعددة الألحان على أنها تنتمي إلى فترة ما بعد الحداثة، فهي تطرح على القارئ وجهات نظر متعددة ومتقاطعة في كثير من الأحيان. كما تبدو الهياكل السردية، في كتابة ديوب، مركبة وجامحة في البداية، لكنها تلتزم بمنطق محدد. سبق أن أوضح ديوب أن «الوعي البشري لا يتحرك في خط مستقيم»؛ إذ تنعكس هذه المراحل الزمنية المتشابكة على المهام الميتافيزيقية لشخصياته. العنف والأنظمة الاستبدادية، والاغتراب الثقافي، والهوية، وسياسة الذاكرة، وصورة إفريقيا كما تصورها وسائل الإعلام، والعلاقات الاستعمارية الجديدة بين فرنسا ومستعمراتها السابقة أو فرنسا الإفريقية، كل ذلك وأكثر يتشابك في كتاباته.
من أجل استكشاف كل هذه القضايا المعقدة، غالبًا ما يمزج ديوب بين الخيال السياسي والخيال البوليسي؛ إذ يمزج ديوب بين الملاحم والأساطير والحكايات والأمثال، إضافة إلى المجازات والاستعارات، وهو ما يخلق شخصيات تصارع الجنون في أثناء محاولتها استعادة الذكريات المفقودة أو المكبوتة. إنه يستخدم الجنون والمحطات الفرعية كأداة لزعزعة الأحداث ومضاعفة الأصوات السردية. كذلك يستخدم ديوب التقليد الشفهي الإفريقي في رواياته كأداة للتحقق.
تزخر أعمال «ديوب» بالمآسي مع تضمين العديد من الرسائل. فدائمًا ما تحوي قصصه مذكرات أو دفاتر ملحوظات أو رسائل مكتوبة لشخصيات، ربما لن يلتقيها القارئ، في بعض الأحيان. يترك ديوب القارئ يكتشف عالم أبطال الرواية من خلال تتبُع أصوات سردية مختلفة يركض خلفها في لعبة ذهنية تحفيزية يحرص عليها دومًا في أغلب أعماله. كما تشير المرجعية الذاتية لأعمال ديوب إلى ميله الطاغي إلى الطبيعة البنيوية المركبة للنص الأدبي. هذا الجمهور الغائب والقُراء المجهولين لهذه الرسائل والمذكرات والقصص يمثلون إشارة قوية على رهان «ديوب» اللغوي على الكتابة بلغة الولوف لجمهور لم يأت بعد.
وغالبًا ما يمتلئ نثر ديوب بالسخرية. كما يرى أن استخدام الذاكرة في سرد القصص، تمامًا مثله مثل الخيال؛ إذ يعد شكلًا من أشكال الحرية الإبداعية الذي يستطيع الكاتب من خلاله استكشاف الأسئلة التي تطارده والإمعان فيها والانتقاء من بينها. وعلى الرغم من ذلك، وبعد تجربة الإحالة التي قدمها في كتابه عن رواندا، أخذ ديوب استراحة من لعبته الجمالية -وهي لعبة يمارس فيها الخيال والواقع دورًا يشبه لعبة الغميضة- حيث انتقد وصفه السابق للإبادة الجماعية، في روايته التي تحولت فِلْمًا بعنوان «الفارس وظله». لقد كان يعتقد أن الكتابة عن الإبادة الجماعية والحفاظ على «الدقة الواقعية» أمران مهمان لشحذ الذكريات الصامتة لأولئك الذين لقوا حتفهم. حيث يقول عقب مرور عقد على رحلته إلى رواندا: «ذهبت إلى رواندا لكتابة رواية، وجدت التاريخ هو الذي يركض خلفي».
رهانات الذاكرة
الذاكرة هي محور عمل ديوب، حتى قبل وقت طويل من مشروعه الأدبي «رواندا: الكتابة تلبيةً لنداء الذاكرة» الذي بدأه عام 1998م، عندما دعاه كل من الفنانة الإيفوارية «ميمونة كوليبالي» والكاتب التشادي «نوكي دجيدانوم» وكُتّاب آخرين إلى زيارة رواندا في أعقاب الإبادة الجماعية عام 1994م. تمخضت رحلة ديوب إلى روندا عن نشر روايته الشهيرة «كتاب العظام» في عام 2000م، حيث علّمت رواندا ديوب أن «التاريخ يعيد نفسه، وفي أغلب الأحيان يكون أسوأ مما كان عليه».
بدايةً تعلم ديوب حتمية الذاكرة من خلال كتاب «معذبو الأرض» لـ«فرانتز فانون» الذي قرأه خلال سنوات تكوينه الأولى في النوادي الثقافية خلال حقبة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وكان تضمين «فانون» لقصيدة فوديبا كيتا «الفجر الإفريقي» في إحدى فصول روايته حول الآداب الوطنية، بمنزلة الدافع الذي حرك ديوب نحو كتابة مسرحيته الأولى «أرض ثياروي الحمراء» الصادرة عام 1981م، التي ارتكزت على قصيدة «كيتا» الشهيرة. ثم أعقب المسرحية سيناريو غير منشور بعنوان «ثياروي 44» ألفه ديوب بالمشاركة مع المخرج «بن ديوجاي باي»، حول إعادة النظر في قصة مذبحة المُشاة الأفارقة الذين قاتلوا من أجل فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية؛ لقد قُتل الرجال في ديسمبر 1944م على أيدي القوات الفرنسية في المعسكر الحربي الواقع في ثياروي، إحدى ضواحي داكار، جراء الاحتجاج على فجوة الأجور مقارنة بالضباط البيض، مطالبين بالمدفوعات المتأخرة للخدمات المقدمة في عام 1940م. وعلى شاكلة المثال الذي ضربه ديوب في «مسرحيته» وكتابه عن «رواندا»، يتضح كيف دق ديوب ناقوس الخطر بشأن فقدان الذاكرة التاريخي، وتأثيره في الصدع المتزايد باستمرار بين الأفارقة وماضيهم الاستعماري.
لقد فعل «ديوب» الشيء نفسه في روايته الثانية (Kocc Barma’s grave) التى كتبها بلغة الولوف، وتدور حول حطام سفينة جولا، حيث انقلبت العَبّارة التي تربط مدينة «زيغينكور» في كازامانس بـ«دكار» خلال عاصفة في عام 2002م، ولم ينجُ سوى 64 ناجيًا من بين 1900 راكب. كتب ديوب نصوصًا صحفية وروائية حول المأساة باستخدام تكنيك الرواية لإعطاء صوت للموتى، محاولًا تأبين أولئك الذين استقرت أجسادهم في قاع المحيط. لقد تميز الخط الروائي لأعمال ديوب، بجناسه المثير للذكريات، الذي يصف مدى انخراطه في إشكاليات الذاكرة، حرصًا منه على تذكير القارئ بأنه لا يمكن للمرء المضي قدمًا دون تسوية ديون الماضي. أمّا ديوب، الذي نشأ كاتبًا خلال حقبة إنهاء الاستعمار، فتنطوي رهانات الذاكرة حقًّا على أخطار وجراح غائرة.
وفي رائعته الأدبية «كتاب العظام» يتجاوز «ديوب» واجبات الذاكرة، مُقدِّمًا دعوة ضمنية للنظر في العواقب الوخيمة للنسيان، وهي الرسالة التي طالما وُجِدَت بين سطور مؤلفاته. ويُصنَّف «كتاب العظام»، حتى الآن، كأحد أكثر أعمال ديوب قراءةً وترجمةً. وقد قالت الروائية الأميركية «توني موريسون» على هذه الرواية: إنها «معجزة»، وأدرجتها ضمن أفضل مئة كتاب إفريقي في القرن العشرين من قِبل معرض الكتاب الدولي في زيمبابوي. والواقع، مثّل مشروع «رواندا» تحولًا مهمًّا لديوب، إضافة إلى كونه تناول موضوعًا مهمًّا في تاريخ قارته الأم، فإن الاستغراق في فهم مأساة الإبادة الجماعية في رواندا قد حَوَّلَه من الداخل وأثَّرَ في قرارِهِ البَدْءَ في الكتابة بلغة الولوف.
الرهان اللغوي
يكتب معظم المؤلفين المعاصرين من إفريقيا جنوب الصحراء بلغة أوربية، وهي قضية شغلت الأدب الإفريقي منذ نشأته. وعندما أدرك ديوب مدى تورط فرنسا في الإبادة الجماعية في رواندا، وعلاقة الإبادة الجماعية بالجغرافيا السياسية للغة الفرنسية في المستعمرات الإفريقية السابقة لفرنسا؛ تغيرتْ رغبتُه في تأليف روايات بالفرنسية تغيرًا لا رجعة فيه. وعلى الرغم من أنه لم يتوقف عن الكتابة باللغة الفرنسية، فإنه قَرَّرَ الكتابة باللغة الولوفية، بناءً على توصية من الشيخ أنتا ديوب في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي. والواقع، تتخطى اللغة الولوفية الحدود العرقية في منطقة سينيغامبيا. كما تقاسمتها كل من السنغال وغامبيا، على الرغم من أن لغتيهما الرسميتين؛ الفرنسية والإنجليزية، على التوالي. كما يتحدث أكثر من 80% من السنغاليين الولوف لغةً أولى أو ثانية، بينما يتحدث 32% من سكان الحضر في السنغال الفرنسية بطلاقة.
وفي المقابل، تُعَدُّ الفرنسية هي اللغة الرسمية للحكومة والإدارة، وهي اللغة الرسمية في التعليم والصحافة المطبوعة. وهكذا، فإن لغة الولوف، التي تهيمن على عدد المتحدثين الأكبر، تجري قراءتها وكتابتها (بشكلها الموحد بالحروف اللاتينية) من جانب أقلية صغيرة فقط؛ لذلك اتخذ منهج ديوب في الكتابة بلغة الولوف شكل مشروع متعدد الأوجه تضمن تعليم لغة الولوف وكتابتها وترجمتها ونشرها في المطبوعات وعبر الإنترنت. كما خلقت أعمال ديوب بلغة الولوف محادثات مهمة حول تقاطعات الآداب الإفريقية والعالمية.
واعتمادًا على تجربة ديوب في ترجمة كتاباته الخاصة إلى الفرنسية، لحظ ديوب عدم قابلية الترجمة لما يمكن تسميته «خيال الولوف» الثقافي إلى اللغة الفرنسية. ومن هنا جاءت مقاربته التفسيرية والحرة للترجمة الذاتية. ففي النسخة الفرنسية من روايته «دومي جولو»، يستبدل ديوب بالجمل القصيرة التي كتبها بلغة الولوف فقرات مطولة، محاولًا أن يفكك خلالها الشحنة العاطفية أو الثقافية للتعبير الذي لولا ذلك لن يكون له معنى ذو دلالة لدى القارئ الفرنسي. إن استعادة ديوب للشحنة الثقافية والعاطفية لتعبير مكون من ثلاث كلمات في لغة الولوف وشرحه في صفحتين بالفرنسية هو أحد الأمثلة المتعددة التي من خلالها يعزز فعل الترجمة الذاتية لروايته «دومي جولو» من أهمية رهانه اللغوي.
هناك أيضًا تعبيرات في لغة الولوف لها حيثية معينة. ولكن عند ترجمتها إلى الفرنسية أو الإنجليزية، تفقد العبارة خصوصيتها الجندرية. مثل هذا الاختلاف الدقيق بين نسخة الولوف وترجماتها لا يشير فقط إلى ما يجري فقده في أثناء الترجمة، ولكن الأهم من ذلك الإشارة إلى أهمية التعامل مع الآداب في اللغات غير السائدة بوصفه أحد أشكال الأرشفة لطرائق أخرى حول معرفة العالم وفهم لغاته ولهجاته وثقافاته المختلفة. ومن ثَمّ هي بدائل ضرورية للنماذج اللغوية السائدة. وبحسب ديوب، هذه التعبيرات التي تبدو غير واضحة ضمنيًّا، تعود إلى الطريقة التي تخيل بها الناس العالم وشرحوه لأنفسهم. وبعيدًا من الاختلافات الثقافية والسياسية والاجتماعية، فإن عملية الكتابة والترجمة الذاتية لرواية «دومي جولو» إلى الفرنسية مكّنَت ديوب من «قياس المدى المثير للقلق حول الخسارة اللغوية والثقافية» نظرًا لعدم الكتابة باللغة الأم.
والواقع أن أعمال ديوب تنطوي على جوانب فضفاضة. ولا يمكن اختزال النصوص الخيالية الغنية والمركبة التي أنتجها حتى الآن في العناصر الثلاثة التي جرى الكشف عنها بإيجاز في هذه المقالة. وإنما تمثل هذه العناصر الثلاثة: إمكانيات الأدب، ورهانات الذاكرة، والرهان اللغوي، لبنة ضرورية لفهم أعماله وتطوره ككاتب. كما أنها مترابطة بشكل منطقي؛ إذ يرتبط عمل ديوب في اللغة ارتباطًا جوهريًّا بمخاطر الذاكرة. إن أخطار الذاكرة جميعها مرتبطة بالخسارة الأطول أمدًا والأكثر ضررًا للمتخيلات الثقافية واللغات التي تحملها.
رابط الموضوع:
https://www.worldliteraturetoday.org/2023/january/work-boubacar-boris-diop-three-salient-features-fatoumata-seck
بواسطة صلاح بوسريف - شاعر وناقد مغربي | يوليو 1, 2024 | مقالات
الاحتفاءُ بـ«الرواد»، هو تعبير عن الدَّوْر الكبير الذي أدوه في حياتنا العقلية والفكرية والفنية، والرَّائد هُنا، ليس بمعنى الأوَّل، كما حلا لنازك الملائكة أن تواجه السّيّاب في شأن من سَبَق من في كتابة ونشر أول «قصيدة» فيما سُمِّيَ «الشِّعر الحُر»، بل بمعنى الاختراق والإضافة والابتداع.
في الفكر والفن والإبداع، لا وُجود لأوَّل وتالٍ، النُّصوص والأعمال هي المِحَكُّ، بما تعنيه الكلمة من اختبار للمعادن، مثل مِحَكّ الذهب، الَّذِي يُجَلِّيه، يَكْشِفُه ويَكْتَشِفُه، أو يَضعُه في مُقابل غيره من المعادن العامَّة التي هي مِلء اليد واللسان.
في الشِّعْر، الأمْر يكون أصعب، خصوصًا في وضع نازك الملائكة التي تَنْتَمِي إلى بلاد الرَّافِدَيْن، فهي كانت، ليس أمام ما انْتَصَرَتْ إليه من عَروض اعْتَبَرَتْها هي رُوح الشِّعْر، في موقفها المُتراجع عن التَّجْدِيد، أو ما رأَتْ أنَّه الحَدّ الذي على الشِّعْر العربيّ أن يقف عنده، بل كان خلفَها في التراث السُّومرِيّ القديم، ملحمة جلجامش، وإينوما إيليتش، وغيرهما من الكتابات المعمارية التي هي غير ما نجده من شِعْرٍ عند العرب، لما اتَّسَم به من غنائيَّة وبناء تعبيري صوتِي إنشادي، يُهَيْمِن فيه الصَّوْت المُفْرد، وليس ما في الملاحم العراقية القديمة التي كانت الأصوات والضمائر فيها تتصادَى وتتصارع، وكان سردها نسيج حكايات فيها اشتبكت الآلهة بالبشر، وحدث ما حدث من قِصَص ووقائع وأحداث.
الوعي النَّظَرِي عند نازك الملائكة
في كتابها «قضايا الشِّعر المُعاصِر» الذي صدر في عام 1962م، وهو كتاب مُهِمّ، بل أوَّل كتاب حاول أن يَنْقُل تجربة «الشِّعْر الحُر» للقارئ، بما تتميَّز به من «تَعْدِيل» في بناء «القصيدة»، في دَالِّها العَروضِيّ، وكان هذا هو هاجس نازك الملائكة الأوَّل، ما جعلها، بدل أن تَصِف الظاهرة، شرَعَت تُقَعِّدهَا، وَتَـحْسِبُ عدد التفاعيل في البيت، وما يجوز وما لا يجوز في العلاقة بين التفاعيل والبُحور، وهل يجوز استعمال المُركَّب منها أم البسيط، والتدوير، أو «التضمين» بالمعنى القديم، ما مُـمْكِناتُه وممنوعاتُه، وما الجوازات المقبولة، التي تُسَوِّغُها الأذُن، وما لا تسْتَسِيغُه، بما تعنيه الأذن من تَلقٍّ صَوْتِي إنْشادِيّ، وغيرها مما وضعت الكِتاب في مَرْمَى النقد من قِبَل من كانوا انْتَصَروا لهذا الشِّعر الجديد.

ما مَيَّز الكتاب، وهو كتاب جدير بأن نَنْتَبِه إليه؛ فهو لَمْ يَفْقِد قيمتَه، هو الوعي النَّظَرِيّ عند نازك الملائكة، ومعرفتها بموسيقا الشِّعْر العربي، بتعبير إبراهيم أنيس، وبـ«القصيدة» وما يحْكُمُها من بناء، بل ما تنطوي عليه من تفاصيل، لا يمكن للشاعِر، ولا لمن يكتُب في نقد الشِّعْر أن يكون خارِجَها، أو لا عِلْم له بها. فنازك الملائكة، كانت معرفتُها بالشِّعر العربي القديم، معرفةً دقِيقةً، وأيضًا معرفتها بالشِّعْر الحديث، في سياقه الرومانسي الغربي والعربِي، وهي من عَرَفتْ، مثل السياب، الشِّعر الإنجليزي وقرأت نصوصه وأعماله الأساسية، مع فرق الرؤية بينها وبين السياب. تلك المعرفة أتاحت لها أن تذهب في مَنْحَى الخليل، على الرغم من أن الخليل لم يُقَعِّد، ولم يكن هذا هدفه، فهو وَصَف، وشَخَّص، من خلال نماذج محدودة في الشِّعر الجاهلِي، هي ما كان عادَ إليها ابن عبد ربه في الجزء السادس من كتاب «العِقْد الفريد» فيما سمَّاهُ «كِتاب الزُّمُرُّدة».
مرجعية عروض الخليل
لم تدخُل نازك الملائكة في السِّياق الفكري والشِّعْرِي لجماعة شِعْر، على الرغم من علاقتها بها مدة من الزمن، بعكس السياب، وهو ما يشِي بتَحَفُّظاتِها التي كان هذا الكِتاب، وكتاب «الصومعة والشُّرْفَة الحمراء دراسة نقدية في شِعْر علي محمود طه»، تعبيرًا عنها، وما سيكون لحظة انْفِصال حاسمة مع ما سيسير فيه شِعْر الحداثة، خصوصًا في جانبها العَرُوضيّ، هذا الشِّعْر الذي اعْتَبَرَتْ «ظاهرةً عَرُوضِيَّة». فالخليل كان مثال الملائكة في العَرُوض، وكُل خُروج على نظام الخليل، هو «غَلَطٌ»، وهذه عبارتُها، حين حَاسَبَتِ الرُّصافي في «مُخلَّع البسيط»، في أبيات له، أثْبَتَتْها في آخر ديوانها «يُغَيِّر ألوانَه البحر» (صدر في بغداد في عام 1977م)، ورفضَت اقتراح بعض تقطيعَها على «مستفعلاتن مستفعلاتن»، تقول: «وأذكُر أنَّنِي ناقَشْتُ هذا الاقْتِراح بين تلاميذي في جامعة البصرة وأخبرتُهُم أن (مستفعلاتن) المصابة بعلة زيادة لا تَرِدُ لدى الخليل في حشْو البيت مُطْلقًا فذلك التقطيع غلط في نهج العَروضِيِّين».
الطَّرِيف في نقد نازك الملائكة هذا، لمن قطَّعُوا أبيات الرصافي على هذه العِلَّة، هو أنَّ الملائِكَة سَوَّغَتْها لنفسها كـ«بَحْر جديد من بحور الشِّعْر الحر». تقول في هذا المعنى:
«وبَعْد، فأظُنُّنِي قد استفدتُ من تفعيلات الرصافي في استخراج هذا البحر الجديد من بحور الشِّعْر الحُرّ. وستكون هذه أوَّل حالة في تاريخ العَروض العربيّ تَرِدُ فيها تفعيلة مُصابَة بعلة زيادة في حَشْوِ البيت وضربِه معًا. وليس يَخْفَى أن هذا سائِغٌ في الشِّعْر الحُرّ، غير مقبول في شِعر الشَّطْرَيْنِ الذي يتمسَّك فيه الشُّعراء والأدباء بعروض الخليل الدقيق الشامِل للبحور كلها ما كان منها مستعملًا أو مُهْمَلًا. والحقيقة أنَّ الرُّصافي -رحمه الله- قد فتح لنا بابًا جميلًا بالخُروج الذي وقع فيه وهو يستعمل وزن (مُخلَّع البسيط): مستفعلن فاعلن فعولن، وإنِّي لأقولُ: لعلَّه ليس خُروجًا؟ لعلّ الرصافي تعمَّدَه؛ لأنَّ له وجهة نظر معينة في مخلع البسيط»، وقد اعتبَرَت ما حدث للرصافي كان «عَرَضًا وهو في وهج الحالة الشِّعريَّة، كما حدث لي وأنا أصوغ قصيدتي (زنابق صوفية للرسول)».
السُّؤال هنا، ونحن بصدد إشكالية لا تزال تُثار بِكُل ما فيها من خلل في الطَّرْح، وفي النَّظَر إلى الشِّعْر حتى اليوم، هو، هذا الذي سَمَّتْه الملائِكَةُ «العَرَض.. في وَهْج الحالة الشِّعرية»، أليس هو نفسُه ما كان ابن رشيق تكلَّم عنه في كتابه «العمدة عند شُعراء ما قبل الإسلام»، حين اعتبر أنهم لم يعرفوا العَروض، ولم يكونوا يعرفون بحور الشِّعْر، وإنَّما «توَهَّمُوها»، أي كانت من أعْراض الإيقاع، بهذا المعنى الواسع، التي هي وَهْج، ليس الحالة الشِّعْريَّة، بل اللحظة الشعرية.
لماذا لم تُوسِّع نازك الملائكة هذا العَرَض في تجربتها، كما سيفعل السياب وغير السياب ممن كانوا من جيل نازك الملائكة، وغير جيلها، من الشبان، آنذاك، مثل سعدي يوسف الذي انتقدتْه، ليكون الإيقاع داخِلًا عندها في طبيعة الرؤية الشِّعرية، وليس دالًّا مُجرَّدًا، مثل المعادلات الحسابية في الرياضيات، ما يكون صوابًا، وما يكون غَلَطًا؟!
احتجاب شعر الملائكة
لم يُتلَقَّ شِعر نازك الملائكة، مثلما تُلُقِّيَ شعر السياب؛ لكون السياب كان يَمِيل إلى التجريب والمُغايرة، كان لعلاقته بالشِّعْر والإنجليزي عند الرومانسيين الإنجليز، وعلاقته بجماعة مجلة «شعر»، بشكل خاص، ما سيأخذُه إلى هذا الأفق، ويجعل التفاعيل عنده، إيقاعًا، وليست عَرُوضًا، في حين أن الملائكة جعلت العَروض هي مدار المُوسيقا في «القصيدة»، أو ما أُسمِّيه «حداثة القصيدة»، في تمييز «حداثة الكتابة» عنها؛ لِما في الأخيرة من تجريب واختراق كبيريْنِ، هُما من صميم الكِتابة.
السِّياق النظري النقدي الذي ذهبت إليه نازك الملائكة، كان بين ما عَتَّم شعرها على القارئ المُعاصِر، وضاعفَت تجارب الحداثة هذا التَّعْتِيم، رغم ما في بعض شِعْر نازك الملائكة من قيمة شعرية لا يمكن تجاهُلُها، في معناها التاريخي والفني الجمالِيّ. فالنظرية، عندها، كانت عائقًا في تقبُّل شِعْرِها، وتراجع حضورها، عدا احْتِجابِها، هي أيضًا، لم تَعُد حاضِرةً في المشهد الشِّعْرِي العربي المُعاصِر الذي طغت فيه الحداثة على المُعاصَرة. ونحن، هنا، نُمَيِّز في المفهومَيْن، بين الزَّمَنِي الذي هو المُعاصِر، وبين المُتواصِل الذي هو الحداثة، ما يكون الزَّمَنُ شَرْطه، وتكون الصيرورة هي ما به يوجَد ويكون.
وإذن، فالاحتفاء بالمُراجَعَة، وبالمُلاحظة والمُساءلة والنقد، هو تأكيد لمبدأ الريادة، وليس نفيًا له، وحِرْصٌ على شرط الصيرورة في الشِّعْر، بما هو تجارب، وخُصوصيات، وما يمكن أن تتميَّز به كل تجربة من رؤية، ومن فَهْم للشِّعر، ولِما يكون عليه من معنًى فنِّيّ جمالي، ومن موقف فكري، حتى لا نعودَ إلى ثنائية الشَّكْل والمضمون.
فنازك الملائكة، لها فَهْمُها للشِّعْر الذي لا نَتَّفِق معه، واختلافُها عن تجارِب الحداثة، هو نوعٌ من النُّكُوص؛ لأنَّها كانت بين أوائل من حرَّكُوا رَماد «القصيدة»، لتفتح، مع آخرين هذا الأفق الذي بلغتْه الحداثة، رغم أن نازك الملائكة، توقَّعَت في كتاب «قضايا الشِّعْر المُعاصِر»، أنَّ هذه الموجة من التَّجْدِيد، ستَنُكُص، وسنعود إلى شعر التفعيلة، بما هِيَ معايير وقوانين، الكلمةُ الحاسِمَةُ فيها للخليل بن أحمد الفراهيدي. والخليل كان عالِمًا، وما كتبه من شِعْر لم يكن له أثَر، رغم أنَّه مُسْتَنْبط مما سمَّاهُ «علم العروض». السُّؤال هنا: هل الشِّعْر عِلْم، وهل الموسيقا، هي الأخرى عِلْم، وما مُسَوِّغ هذه الصفة في نوع من أنواع القَوْل أو الكتابة، هو انْبثاق من لُغَة، ومن غيرها من الدَّوالّ التي هي تجربة فردية؟