عبدالحكيم أجهر: الفلسفة ليست خطابًا دخيلًا على الفكر الإسلامي والبغدادي قدم تصورًا فلسفيًّا جديدًا للعالم

عبدالحكيم أجهر: الفلسفة ليست خطابًا دخيلًا على الفكر الإسلامي والبغدادي قدم تصورًا فلسفيًّا جديدًا للعالم

الدكتور عبدالحكيم أجهر كاتب وباحث سوري، حاز درجة الماجستير عن إمام الحرمين الجويني، من معهد الدراسات الإسلامية بـجامعة مكغيل في مونتريال كندا عام 1995م، وحصل على درجة الدكتوراه من الجامعة نفسها عن الإلهيات عند ابن تيمية عام2000م. درَّس العديد من الدورات في مجال العلوم الإنسانية والدراسات، والفكر الإسلامي، واللاهوت، وتاريخ العلوم، وتاريخ الحضارة الإسلامية. يعمل حاليًّا أستاذًا مشاركًا بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية في مدينة أبوظبي، وله العديد من المقالات والأبحاث باللغة العربية والإنجليزية. ومن مؤلفاته: «سؤال العالم؛ الشيخان ابن عربي وابن تيمية، من فكرة الوحدة إلى فكر الاختلاف»، المركز الثقافي العربي (2010م، الدار البيضاء/ بيروت) و«أبو البركات البغدادي؛ بناء العالم على مسائل الدين ودرس في الهوية»، المركز الثقافي العربي (2010م)، و«الله؛ الآخرية في الحضور»، المركز الثقافي للكتاب (2018م، الدار البيضاء/ بيروت).

في هذا الحوار، الذي خص به مجلة الفيصل، يحدثنا عن ملامح منجزه المعرفي، والخطوط العريضة لمحتويات بعض كتاباته في حقل الفكر والفلسفة الإسلاميين، وكذا الإجابة عن الهموم الثقافية الراهنة.

من علم الكلام إلى التصوف

  المتتبع لإنتاجك العلمي يلحظ أن القراء، خصوصًا المهتمين بالفكر والفلسفة الإسلاميين، تعرفوا إليك من خلال عملك «التشكلات المبكرة للفكر الإسلامي: دراسة في الأسس الأنطولوجية لعلم الكلام الإسلامي» (2005م)، ثم انتهى بك البحث في التصوف من خلال آخر أعمالك. نريد أن نعرف ما سر هذه النقلة من علم الكلام إلى التصوف؟

  يمكنني القول: إن الحقول الإسلامية النظرية الأساسية، علم الكلام والفلسفة والتصوف هي الحقول التي يمكن عدّها البوابات الكبرى التي يمكن من خلالها الولوج إلى طبيعة الفكر الإسلامي. طبعًا هي ليست الأبواب الوحيدة، فهناك الفقه والتفسيرات القرآنية، وهي مثار اهتمام شديد عند المسلمين وعند الدارسين، ولكن الحقول المذكورة آنفًا كانت تحاول دائمًا، منذ بداياتها، بناء تصور عن العالم يكون الله هو المحور المركزي فيه. وأنا يهمني جدًّا أن أنظر إلى الإسلام من هذه النقطة بالذات، فنحن ندرس الإسلام بطريقة مجزأة، تفتقد إلى تلك الرؤية العميقة التي تحدد طبيعة عقل المسلم وخصوصية تصوره للعالم. علم الكلام والتصوف والفلسفة هي الخطابات الأكثر شمولية التي تستطيع أن تضع على طاولة البحث تلك العلاقة الخاصة بين المسلم وبين العالم ككل. وكما هو معروف فإن علم الكلام هو الحقل النظري الأبكر في الإسلام، فقد بدأ هذا النشاط النظري قبل الفقه وقبل التفسير الكبير للقرآن الذي وضعه الطبري وقبل الاهتمام بالحديث النبوي وتحويله إلى حقل بذاته.

الأمر الذي يعني أن الحاجة كانت مبكرة في التاريخ الإسلامي لصياغة هذا الموقف النظري من العالم، وكأن المسلم يريد أن يتلمس موقفه من محيطه كله بوصفه تسلم للتو الرسالة السماوية ويطمح إلى صياغات عقلية أكثر تفصيلية من مجرد الإشارات القرآنية التي تحتمل تأويلات متعددة. ومن هنا بدأت البحث في علم الكلام في كتاب التشكلات، وأيضًا وصلت في آخر كتاب صدر لي إلى التصوف. ويمكنك أن تتخيل معي مدى مركزية بعض المسائل المشتركة بين الخطابين التي كانت تكشف لي في كل لحظة هذا الطموح الكوني عند المسلم وعمق الاشتراك في المبادئ الرئيسة التي تحرك المنتمين إلى الخطابين.

أعمل الآن على الفلسفة بوصفها الخطاب الثالث الذي غالبًا ما تكرر الدراسات أنه مجرد خطاب دخيل على الفكر الإسلامي حصل بفعل الترجمة ولم يضف شيئًا مهمًّا إلى الثقافة الإسلامية. وأعتقد، في عملي الآن على ذلك، أنه من الضروري العودة إلى بدايات التفكير الفلسفي من أجل تحديد الموقع الحقيقي للفلسفة الإسلامية؛ لذلك يأخذ معي هذا الجانب وقتًا أطول في إعادة تفسيره وتأويله.

منجز أبي البركات البغدادي

  من خلال اهتمامك بالفلسفة والفكر الإسلاميين وتدريسك لهما مدة غير يسيرة من الزمن، أفردت مؤلفًا خاصًّا ومثيرًا للاهتمام حول الفيلسوف أبي البركات البغدادي «أبو البركات البغدادي وبناء العالم على مسائل الدين ودرس في الهوية». لماذا اخترت هذه الشخصية بالذات؟ وما النتائج التي ستضيفها دراستك له داخل تاريخ الفلسفة الإسلامية والعالمية كذلك؟

  الحقيقة أن البغدادي الذي عاصر الغزالي في شبابه، وعلى الأغلب استمع إلى دروسه وكتب كتابه المعتبر بعد وفاة ناقد الفلسفة الكبير في الإسلام، كان يحمل همًّا واحدًا وهو إعادة صياغة القضايا الفلسفية الأساسية في الإسلام دون الاعتماد على مرجعية ناجزة. وفي هذه النقطة يختلف البغدادي عن ابن رشد الذي قام بالمحاولة نفسها، ولكن بالاعتماد على أرسطو. البغدادي وجد أن قضايا علم الكلام التي حصلت على انتشار واسع، والتي ينتمي الغزالي نفسه إلى إحدى مدارسها، هي قضايا قابلة لأن تصبح فلسفة تملك من القوة ما يجعلها تتجنب انتقادات الغزالي لميتافيريقا ابن سينا. وهذا ما قام به في كتابه المعتبر، فهو اشترك مع الغزالي في نقد ابن سينا في مسائل عديدة، وكان متفقًا معه. ولكن بدلًا من الدخول في مجادلة مع الغزالي قام ببناء تصور فلسفي يتخطى كل انتقادات الغزالي، حتى في نظرية المعرفة. وكان هذا الأمر يتطلب إعادة بناء تصورات مركزية ومختلفة عن نظرية الفيض السينوية والفارابية، فتحدث بطريقة جديدة عن أولوية الوجود على الماهية، وأعاد الاعتبار لصفة الإرادة الإلهية لتكون بديلًا فلسفيًّا عن نظرية الفيض في عملية إيجاد العالم، ورفض فكرة العقل الفعال التي تعتبر مركزية جدًّا عند الفارابي وابن سينا، وقدم تصورات جديدة تمامًا عن الزمن والفراغ وطبيعة الكون هل هو مغلق أم مفتوح، وعن دور الشعور الإنساني في تقرير بعض المسائل الفلسفية التي يصعب البرهان عليها، وأشياء أخرى كثيرة، وكان في كل هذا البناء الجديد يستلهم علم الكلام ويعيد صياغته ليصبح بناءً نظريًّا فلسفيًّا تامًّا. وعلى الرغم من اضطرابه في بعض المسائل لكننا نستطيع أن نقول: إن البغدادي قدم تصورًا فلسفيًّا للعالم هو الأقرب لما كان شائعًا من العقل الإسلامي في تلك الحقبة.

الأسئلة الفلسفية الكبرى

  قدمت أطروحة تتسم بالجدة، تنطلق من سؤال مركزي وهو سؤال الله، وتحدثتم عن المسالك المختلفة في مقاربته؛ إذ عرضت منهج علماء الكلام، الذي أسميتموه بخطاب القوة، لماذا جعلت من سؤال الله مركز مشروعك الفلسفي؟

  شكرًا على انتباهك لهذا الكتاب الذي لم ينتبه له كثيرون رغم أهميته الكبيرة حسب اعتقادي. إذا عدنا للمشروع المذكور آنفًا حول دور الخطابات النظرية الأساسية في الإسلام في بناء رؤية للعالم نلحظ أن المسألة الكبرى التي شغلت العاملين في هذه الخطابات هي الله؛ لأن أي تصور كوني، وأي تصور يرتبط بنا نحن الأفراد المحكومين بشروطنا البشرية هي تصورات متصلة بعمق بطريقة فهمنا لله. فالله منزه ومشبه في الوقت عينه، وهذان المفهومان، التنزيه والتشبيه هما المقابل الديني لمفهومي اللاتعين والتعين، فالله هو من جهة غير متعين في تنزيهه التام، وهو متعين تمامًا في تشبيهه بالصفات الإنسانية، من جهة ثانية. وعندما ننقل هذه الثنائية إلى المستوى الفلسفي نجد أن الخطابات الثلاثة المذكورة، الكلام والتصوف والفلسفة، كانت تقدم، كل منها، تصورًا لله يناسب طريقة بنائها للعالم. ومن خصائص علم الكلام أنه اعتمد في فهمه لله على الصفات الثلاثة المركزية، وهي العلم والإرادة والقدرة، أي على قوة أو قدرة الله في فعله بالعالم. ونحن لا نستطيع في دراستنا لعلم الكلام أن نتجاهل دور الفاعلية الإلهية في العالم سواء في نظرية الجواهر والأعراض أو في نظرية الاستطاعة والفعل الأخلاقي الإنساني.

   ولكن حتى هذه الصفات ودور الفاعلية الإلهية في العالم كانت تختلف إلى هذه الدرجة أو تلك بين مدرسة وأخرى، وكان هذا الاختلاف أيضًا يرتبط بالنظرية العامة التي تبنيها كل مدرسة عن العالم. فالله الذي تعترف كل التيارات النظرية في الإسلام على وحدانيته، تختلف في كل شيء آخر حول طبيعة هذه الوحدانية، فالله يُستحضر نظريًّا عند هذا التيار وتلك المدرسة بطريقة تختلف عن استحضار مدرسة أخرى وحقل نظري آخر؛ لذلك لا يمكن فهم رؤية المسلمين للعالم دون البحث في طريقة فهم الله، وهو أمر لا تصعب ملاحظته على الدارس للتراث الإسلامي، فالله عند الأشاعرة ليس مطابقًا تمامًا لما هو عند المعتزلة، وكلاهما يختلفان عن الحنابلة، وكل هؤلاء يختلف تصورهم عن الله عند المتصوفة والفلاسفة. من هنا يمكن القول إن الله هو الموضوع المركزي في أي بناء للعالم داخل الإسلام، وذلك من خلال طريقة استحضار وعي مدرسة ما لله في العالم.

  ألمحت في إحدى كتاباتك أنك ستتناول منهج الخطاب ومسلكه الفلسفي في أجوبته عن سؤال الله، هل نتوقع إصدارًا جديدًا في القادم من الأيام حول الموضوع؟ وهل يمكن أن تحيطنا ببعض من تفاصيله؟

  نعم، كما ذكرت آنفًا، إذا ابتعدنا من النظرة التقليدية للخطاب الفلسفي الإسلامي سنجد أنه خطاب فيه كثير من التفاصيل التي يصعب تناولها بسهولة. يجب الاعتراف بخصوصية الفلسفة الإسلامية رغم أنها بدأت من الترجمات التي وصلت إلى المسلمين، إلا أنها استطاعت أن تجتهد في النصوص المترجمة لتعيد بناءها بطريقة محددة. ما هو شائع اليوم في دراسة الفلسفة الإسلامية أنها فلسفة مصنفة حسب الفيلسوف اليوناني الذي أثر فيها، فهي تارة فلسفة أفلوطينية أو أرسطية أو كليهما. وقليلًا ما تدرس الفلسفة الإسلامية وفق تلك الانعطافات والاجتهادات الخاصة بها التي أرادت جعلها فلسفة تنطق لغويًّا باللغة العربية وتنطق على مستوى المضمون برؤية العالم التي شاعت في الحضارة الإسلامية.

أيضًا هنا نجد أن الله في مبحث الإلهيات وهو من أهم المباحث إذا لم يكن أهمها على الإطلاق، قد أخذ شكلًا محددًا من الحضور الفلسفي في العالم عند الفلاسفة. شكلًا يتناسب مع فكرتي التعين واللاتعين، التنزيه والتشبيه، فالله بقدر ما هو متعال وغير قابل للتعريف الدقيق حسب كل فلاسفة الإسلام، هو أيضًا متعين بصفات محددة، بوصفه عقل وعاقل ومعقول، إرادة ومريد ومراد، عالم ومعلوم وعلم…، هذه نظرية سيكون لها تأثير كبير في تحديد خصوصية الله في الإسلام وابتعاد لهذه الدرجة أو تلك عن الله الأرسطي أو الأفلوطيني. الموضوع كبير؛ لذلك سأخصص له كتبًا عدة ربما، وعلى الأرجح سيصدر الكتاب الأول قريبًا، عن بدايات التفكير الفلسفي وولادة الأسئلة الفلسفية الكبرى.

الاستشراق والخلفية الأيديولوجية للباحثين

  ما تقييمك للمنجز الغربي (الاستشراق) في دراسة علم الكلام والفلسفة والتصوف؟

  الدراسات الغربية لهذه الحقول الثلاثة دراسات تفصيلية ومدققة، وفيها كثير من الكشوفات التي تفيدنا نحن المسلمين في دراستنا لهذه الحقول نفسها، ولكن من جهة أخرى، فإن الموجه الكبير لدراسة هذه الحقول هو الخلفية الثقافية التي تحكم المستشرقين في دراسة هذه الجوانب النظرية. فالمستشرق يجد صعوبة في دراسة أي مسألة من المسائل النظرية في الإسلام وهو متحرر من خلفيته الثقافية. ربما يكون هذا الأمر طبيعيًّا، وأنا هنا أتحدث عن طبائع الأمور وليس عن أي نظرية مؤامرة. الاستشراق بذل جهدًا ندين له به نحن المسلمين في تعريفنا إلى تراثنا، لكنّ المستشرقين لم يستطيعوا أن يفهموا هذه الحقول بمعزل عن التطور التاريخي للفكر الأوربي نفسه، فقضايا علم الكلام تتشابه مع اللاهوت المسيحي، والتصوف مع تطور الفكر الصوفي الأوربي، والفلسفة هي ترجمة للفلسفة اليونانية. فهم محكومون بتاريخهم الخاص، الذي يرى تاريخ البشر كله محاكاة للتاريخ الأوربي، وهذا، على الرغم سلامة نوايا كثير من المستشرقين، يضيّع عليهم فهم هذه الحقول بخصوصياتها الثقافية التي نحتاجها اليوم، ليس فقط بالنسبة لثقافتنا، ولكن بالنسبة لثقافات البشر كلهم.

  ما آفاق دراسة علم الكلام والفلسفة والتصوف في الجامعات العربية؟ نصائحك للباحثين الشباب في هذه المجالات.

  المناهج الدراسية لهذه الحقول في الجامعات العربية وفي الجامعات الغربية لا تنفصل عن التصورات الثقافية العامة لمجتمع من المجتمعات، فهناك جامعات عربية تدرس هذه الحقول بحذر شديد، وهي تلمح ضمنًا أو صراحةً إلى عدم مشروعيتها في التفكير في الإسلام. وهناك جامعات تدرسها بحماس شديد إذا كان هناك توجه لإحياء بعض الآراء المحددة. وهذا يطرح على الطلاب المهتمين بهذه الحقول أن يضعوا في الحسبان دائمًا وبشكل لا يقبل التردد أن الحقيقة هي المطلب الأول في البحث الأكاديمي، ولعل انطلاق الطالب من موقف أيديولوجي مسبق لدراسة مسألة كلامية أو صوفية أو فلسفية، سيكون إساءة كبيرة للعمل الأكاديمي، سواء كانت هذه النظرة الأيديولوجية محافظة ومتدينة أو حداثية وتقدمية.

الحقيقة هي المطلب الأول؛ لأنه ليس من شأن الدراسة الأكاديمية البرهنة على تجريم أو تبديع (من البدعة) هذا الرأي أو ذاك، وليس من شأنها أيضًا إعلاء موقع رأي معين لأنه يخدم الحداثة أكثر من غيره. إن البحث عن الحقيقة هو وحده من يساعد وضع الأمور في نصابها وعلى إبراز التراث الإسلامي على حقيقته، دون توظيف أيديولوجي من أي نوع كان.

لعلني سيزيف ولربما هذا اسمي

لعلني سيزيف ولربما هذا اسمي

في عتمة الليل أعانق الغول والضياع، أتنهد فيتأوه سريري وترتجف وسادتي. مع ضجيج الصمت وابتسامات اليأس تولد ذكريات وتموت أخرى. في الوهلة الأولى لا شيء يبدو حقيقيًّا، وكأنني في غفوة بين الموت والحياة، فأُلاحظ أباجورة خائفة تدون لي أنفاسي وتحاول مواساتي. على رصيف العمر لا أزال أتشبث بالعدم وأحتفظ بالوجوه والأسماء والتواريخ. للتواريخ طعم ورائحة أستنشقها حتى يصير الحضور كالغياب. على أوتار الوحدة أعزف ألحانًا لا يصله صداها. يهمس لي الليل برموز لا يفهمها غيري، بيني وبين المساء أسرار ودموع وبعض الأغاني. أدعي اللامبالاة وأمارس الغباء. قمر سعيد حزين هذا المساء

.. تقف النجمات على الحياد لتزيد من حيرتي وجنوني، تطوف فوق غرفتي تناشدني لأصحو من غفوتي. يعبث بي الحنين ويتسلى بعجزي ولا يلاحظ موتي. أتخبط بين اليأس والأمل. أُداعب عطري وأحمر شفاهي، ألتمس لي وله الأعذار وأتكئ على كتفي، وأمسكني من ذراعي. غارقة في يقظة الحلم، لعلني مسافرة بين الغيوم. أرقص وظلي على أصوات ضحكات بكائي، فأستمتع باللاشيء والهراء. وهذا الليل لا ينتهي، يقتات على ضعفي، يسكب الذكريات على وجعي فيزيد من استسلامي، ثم أواصل نومي. لعلني سيزيف ولربما هذا اسمي، هذا ما أخبرتني به أمي. على جدار الوهم، أكتب له رسالة هو لا يقرأ رسائلي ولا يفهم لغة عيوني ويستمتع بساديته ولا يحبني!

في ذروة الوجع، أخلق لي عالمًا بديلًا، عالمًا هجينًا، يشبهني، وأتشبث به إلى آخر نفس. يوجد في خزانتي بعض الكتب، ساعة يده، فساتيني القديمة والكثير، الكثير من التفاصيل. ليلة شاحبة، تشبه وجهي، أهرب منها إلى الوراء، لتلك الأيام، حيث عانق فيها الربيع والصيف، تلك السنة التي لم يزرني فيها الشتاء كأنه نسيني أو عقد معي هدنة. على أريكة فاخرة كنت أسترخي، وعلى كرسي عنيد كان يجلس ويراقبني، جميلة جدًّا كنت وما زلت ومن هنا بدأت الحكاية، في ذروة الظمأ التقيته وفي ذروة الشغف اختفى. لا أتقن لغة العشاق، الهمسات والوشوشات، لكني كنت عاشقة والسلام.

أعود مهزومة إلى غرفتي، كلما حل بي الضياع فتعانقني جدرانها وتربت على كتفي، أغلق نافذتي فتتسلل منها خيوط فضية مبتسمة. أنظر إلى وجهي في المرآة، أحاول أن أقرأ رسائل لم تكتب وأستمع إلى كلمات لم تنطق. ماذا لو وسط الزحام التقينا؟ ماذا لو تعانقنا؟ ماذا لو وضعنا أجوبة على جميع نقاط الاستفهام؟ ماذا وماذا؟ دفء بارد كالصقيع يجتاحني، فأتحول إلى شرارة من جليد. عبثًا أحاول الخروج من الفوضى، فأختار عزلتي. أترنح أمام خيالاتي ويطول ليلي. تتقاذفني أفكاري، وأستسلم لمكر خيالاتي.

«قميص بذكريات معطوبة» لمحمد الحرز… الانحياز إلى مفردات الحياة

«قميص بذكريات معطوبة» لمحمد الحرز… الانحياز إلى مفردات الحياة

الشاعر محمد الحرز في ديوانه «قميص بذكريات معطوبة» (خطوط وظلال للنشر والتوزيع) يلتقي التشكيليَّ والشاعر محمد العامري، فجاءت لوحة الغلاف تشكيلية مبدعة، قصيدة طازجة، متفردة. ينفرش اللون الأحمر بتوهج طاغ على أرضية الديوان، ويكمل اللون النيلي الغامق عناصر اللوحة بجمالها الكامن. وتظهر على الغلاف قصيدة، من قصائد الديوان، لا تنفصل عنه عند القارئ المتذوق. مع الاتكاء على اللون الأبيض وشخص ما يظهر الجزء العلوي من جسده وهو يحاول خلع ثوبه، بيدين نحيلتين طويلتين، باللون النيلي الغامق فيما لا تظهر ذراعيه في اللوحة المقابلة سوى اليدين، والرداء بأكمله يغطي رأسه الذي لا يظهر في المقاربتين التشكيليتين. وبقدر ما يختزن هذان اللونان: الأحمر والأزرق، من جرأة وقوة ومباشرة، بقدر ما يحيلان إلى التأمل والدهشة وإثارة الجمال وإعمال التفكير وصولًا للتأويل، وانفتاح الفضاء التخييلي لدى المتلقي على مصراعيه. وهذا ما أراده الشاعر: توريط المتلقي بكتابة النص كما يريده هو وكما يطيب له.

الأحمر: من الألوان القوية، التي تحمل دلالات ورموز نفسية عميقة مختلفة. وهو لون جريء وجميل ولافت، يرتبط بالعديد من الدلالات التي لها تأثير نفسي قوي. يرمز للنار وللعاطفة المتأججة والطموح، ويحيل العقل نحو النشاط والحيوية والثقة. في ألوان الطيف الضوئي يوجد اللون الأزرق، هناك بين البنفسجي والأخضر. يوجد في الطبيعة، كلون السماء، أزرق فاتح، أزرق داكن، لون البحر. له تأثيرات عميقة في علم النفس. يعد لون الروح، يمنح المرء مشاعر الراحة والهدوء والاسترخاء. أما لدى الشاعر الحرز والتشكيلي العامري فهو لون الإحساس بالتميز، والانعتاق نحو فضاءات بكر، أو ربما الإحساس بالحرية. «الحرية التي نطالب بها في هذه الأزمنة لا تأتي»، يقول الشاعر ويوضح السبب الكامن وراء غياب هذه الحرية «ليس لكونها ممتنعة التجسد فقط، إنما السبب في قلة الوعي الثقافي والاجتماعي والسياسي في حياتنا العربية، وبسبب ما ندعيه من مقولات زائفة حول الوعي الجمالي الذي حملناه مثل جرار على أكتافنا منذ الطفولة».

قميص أحمر يتسع لكل الأشياء

ينحاز الشاعر في قصيدته إلى لعبة الحياة اليومية، وتقليديتها الرتيبة، كما يعيشها الفرد ويتلقاها. يتحدث محمد الحرز عما قبل كتابة القصيدة، عما يسميه «الرنين». يطلع هذا الرنين كما يشاء: أثناء جلوسه في البيت، أو مع الأصدقاء في المقهى، أو أثناء العمل. ثمة رنين يسمعه يطلع من داخله، ثم ما يلبث أن يطلع هذا الرنين ويرتفع إلى أن يلمع كنجمة تضيء عتمة ليلة، رنين يطلع من أعماق الروح فتجيء القصيدة. يتكرر هذا المشهد مع الشاعر في كل وقت، بمعنى أنه يسكن أعماقه الدفينة، في مكان لا يطوله سوى القصيدة. وعلى الرغم من الحزن الذي يتغلغل في ثنايا القصيدة، فإنه حزن شفيف يحيل إلى أن هناك ثمة أمل يتقراه المتلقي في نهاية الأمر.

محمد الحرز

في قصيدته استعادات لحيوات قديمة، صور، أحداث قصيرة مرت بسرعة، خيبات، أناس عبروا بهدوء، لكنهم تركوا بصمات غائرة تحت الجلد، وفي أعماق الروح. «دع القصيدة تصرخ/ لا تمسح على رأسها/ ربما يستيقظ ذئب القلب/ ويعود أدراجه إلى الغابة/ لا تقف على الباب/ وكلمات القصيدة تسبقك إلى الداخل».

يعتمد الصورة والتخييل بمقدرة لغوية فائقة يختص بها الشاعر ذاته، وأحيانًا يعيد المشهد في جملة قصيرة تومئ، بل تحيل للتأويل: «القميص الأزرق/ قلتِ لي: لا تلبسه الآن/ دعه لسهرة الليلة المقبلة/ القميص ذاته/ ذو اللون الأزرق/ لم أدفع به إلى المصبغة/ كي أزيل عنه الذكريات المعطوبة/ أو الحنين المتيبس على ياقته».

ينحاز إلى مفردات الحياة اليومية بانكساراتها وما الذي ستحمله في ثناياها للكائن الحي: «قبلة في الكأس»: «لا تقترب من شفتيها/ قبل أن ترى رائحتك/ قد تسللت إلى خلايا دمها/ لمسات يديك الأولى لا تلكزها بنظراتك/ دعها… هي مأمورة».

«حكاية الجسد الذي يخون»: ثمة قصائد قصيرة مكثفة تكشف عن تحولات الكائن الفرد وتبدلاته أمام متغيرات الحياة وشروطها القاسية، ويتعرض إلى «الألم» الجسدي والفيزيائي وما يسميه «خيانة الجسد» وانسحابه أمام أمراض وحروب وكوارث: «الجسد الواقف أمامه ليس قشا/ إنه عشبة الآلهة/ تلك التي كلما أصبحت عينها باتساع الغيم/ داهمتها قطعان الألم».

كأنما القصيدة لوحة تشكيلية بألوان وأحرف، كالورود حيث «السياج أقصر من الرغبات». تجيء هذه المختارات المنتقاة بعناية بعد العديد من المجموعات التي صدرت للشاعر أبرزها «أسمال لا تتذكر دم القصيدة»، صدرت في بيروت عاصمة عالمية للكتاب العام 2009م و «رجل يشبهني»، دار الكنوز الأدبية عام 1999م، و«أخف من الريش أعمق من الألم»، الكنوز الأدبية عام 2003م، و«سياج أقصر من الرغبات» طوى 2013م، وله كتب في النقد ونقد الشعر.

سيمون فايل.. وروحانية الفعل السياسي

سيمون فايل.. وروحانية الفعل السياسي

ظهرت في السنوات الأخيرة الحاجة إلى الاهتمام وإعادة الاعتبار لشخصية وفكر الفيلسوفة والمناضلة الفرنسية سيمون فايل Simone Weil [1909-1943م]. وهذا الاهتمام نابع من جملة اعتبارات لا تخُصّها هي فقط، بقدر ما تخص الوضعية التي آلت إليها السياسة والدين في آخر مراحل عصرنا الراهن. فقد كانت الوحيدة تقريبًا التي أخلصت لنشاطها وعقلها وما كانت تدعو إليه وتهتم به، ونقصد مساعدة وإسعاف المعوزين والضعفاء وذوي الحاجة، ليس بالنضال السياسي والاجتماعي وحسب، بل بالإمكان الفكري والديني والروحاني؛ لأن أوضاعًا مثل هذه تتطلب مجايلة ومزاوجة اللاهوتي والسياسي معًا.

حياة طويلة في عمر قصير

نوعية الحياة التي عاشتها سيمون فايل، لم تكن كسائر حياة كبار العلماء والمفكرين، بل عاشت وعايشت كل ما كان يحيط بها وتتعامل معه وتنصهر.. على قدر ما تَتَحمل بنيتُها الهشة الواهنة. فقد كانت تنتظر الموت في كل لحظة ولم تَحْيَ حياة التفاؤل والسعادة والأمل في الانفراج.. وكل حركاتها ومساعيها واهتماماتها تجري تحت الضغط. كتبت مقالاتها ورسائلها إلى أصدقائها من العلماء والمفكرين ورجال الدين والفلاسفة تحت هذا الهاجس الذي يستعجل الأمور ويدرك في كل لحظة أن له ما يفعل لاحقًا ويجب أن ينتقل إلى مكان آخر ويفعل ويفكر في شيء مهم. وهذا ما جعل حياة سيمون فايل طويلة حتى لو كان عمرها قصيرًا جدًّا، أي أنها ماتت عن عمر أناف على الثلاثين سنة فقط، لكنه كثف شوطًا رائعًا ومهمًّا من حياتها وحياة الأمة الفرنسية.. لا بل العالم كله في ثلاثينيات القرن العشرين حين كانت السياسة في أقصى درجة العنفوان وكان العنف على أنواعه هو السائد بين قادة العالم بخاصة الذين انتصروا وانهزموا في الحرب الكبرى التي دارت رحاها ما بين 1914-1918م، ولم تكن المرحلة التاريخية التي أعقبته إلا تمهيدًا وتوترًا نحو حرب عالمية أخرى أكثر ضراوة وتدميرًا ليس للإنسان فحسب؛ بل للطبيعة والفضاء والبحار.. وهذا وجه جديد من الحروب لم يكن معروفًا في السابق.

تلك هي المرحلة التاريخية التي عاشتها السيدة سيمون فايل وجعلت من حياتها طويلة حتى لو في زمن معاصر قصير جدًّا. فقد اختزلت في عمرها كل ما كثفه الزمن السياسي العالمي الخائب والمظلم من كوارث ومآسٍ، وخشيت وخافت من القادم الذي لا يحمل أي مستقبل إنساني، وآثرت منذ صغرها ألا تلتقيه، وحاولت الانتحار قبل أن يدلهم كل شيء ويدخل العالم كله في حالة دمار وخراب للفاعل والمفعول وللظالم والمظلوم. والواقع أن الوضع المفجع يزيد ألمًا عند من يكون حاد البصيرة وثاقب النظر ومتوتر الوجدان ويشعر دائمًا بضعفه وقلة حيلته. وهذا ما تقوله في مقالتها «انتظار الله»: «في مرحلة المراهقة وعندما كان عمري 14 سنة، سقطت في حالة من حالات اليأس، وفكّرت صراحة في وضع حد لحياتي بسبب رداءة حواسي ومَلَكَاتي الطبيعية»؛ فلم تكن تقوى على التقاط الجو المثخن بالكوارث والمحن وأزمات متفاقمة لا آخر لها.

لم يسعف الوقت كثيرًا المفكرة سيمون فايل لكي تنجز وتكتب وتعرب عن كل ما لديها، فقد عاشت في مرحلة متوترة جدًّا، ونعني بها سنوات الثلاثينيات من القرن العشرين، وبخاصة صعود المد التوليتاري الشمولي والحكم الكليَاني مع النازية والفاشية والأنظمة الأوتوقراطية والاستبدادية في أرجاء العالم كافة؛ لأن الاستعمار وما بعد الحرب العالمية آخذ في فرض تداعياته نحو حرب عالمية أخرى أكثر ضراوة وفتكًا بالبشرية وتدميرًا للبيئة. ولعل هذا الوضع المكثف هو الذي يحتاج منا اليوم ويدفع إلى الاهتمام بفكر سيمون فايل؛ لأنها اختصرت المرحلة التي عاشتها، أي أنها قدمت فكرًا مع حياتها في صيغة يصعب فصم عراها، لا بل تفصح أكثر عن المستقبل وما هو قادم، على ما جاء مثلًا في كلام أحد أصدقائها من الفلاسفة الفرنسيين: «إن عمَلَكِ على قدر كبير من الأهمية وله الأولوية، فهو جزء من أعمال نادرة ستفتح في المستقبل القريب وستهيأ لثورة حقيقية». هذا ما جاء في كلمة صديق سيمون فايل عام 1934م: «أفكار حول أسباب الحرية والقمع الاجتماعي». إنه «الواقع المأزوم» الذي يحمل طيات المستقل القادم.

أرادت سيمون فايل منذ البداية أن تتواصل مع الوقائع والأحداث وتتجاوب من كثب ومعايشة الحالات والأوضاع التي نجمت عن الحرب العالمية الأولى وتداعياتها، وبخاصة الأزمة الاقتصادية العالمية لعام 1929م وما خلفته على حياة الشعوب والأمم والدول الأوربية وبالتحديد منها الدول والأنظمة التي مُنِيت بهزيمة نكراء في هذه الحرب. ونذكر على وجه خاص ألمانيا، التي ظهرت فيها النازية بزعامة أدولف هتلر. فقد عانت ألمانيا الأمَرَّين بفعل ما فرضه المنتصرون في معاهدة فارساي عام 1919م. وتطلب الحال أن تكتب سيمون دائمًا وعلى جناح السرعة التي تكثف اللحظة وتنتظر القادم، راجع كتابها «انتظار الله»، باعتبارها متدينة على طريقتها. فوضع فرنسا على النحو الذي تطلعت إليه بداية من الثلاثينيات ينوء بحمله كاهلها الواهن، بل يجب أن تتابعه بكل ما أوتيت من قوة وقدرة وما ملكت من عقل وإيمان وأصدقاء من الفلاسفة ورجال الدين. فلم تعد الحياة هي أن تعيش المأساة والكوارث بل أن ترنو إلى ما يمكن أن يساعد على الانفراج والسلام الآمن، إلى حد طلب الشهادة على المبدأ والرؤية والرؤيا معًا؛ فقد ماتت وانتهت بعيدة من فرنسا عام 1943م.

الحقيقة التي صارت لا تماري فيها السيدة سيمون فايل أنها ليست حقيقة دينية مطلقة ولا حصرية، لا بل هناك مصادر وجهات ومرافق جديدة تصنع الحقائق، مثل المصانع التي يشتغل فيها العمال، هذه الطبقة المهمة في حياة الدولة والمجتمع الحديث والمعاصر. فالمصنع مع غيره من المؤسسات وورشات الشُّغل تُشَكِّل عوالم قائمة بذاتها بالقدر الذي تصنع حقيقتها القائمة بذاتها، ليس بمعزل تام عن الدين، بل كحقيقة أخرى تضاف إلى حقيقة الدين وتلك هي الحداثة في أجلى وأنصع تعريفاتها، أي الوقوف الدائم على مجالات وفضاءات وتخصصات جديدة وكيف تصنع عوالمها وكياناتها وتستقل بخصائصها ومميزاتها خاصة صلاحياتها، حتى لا تتداخل بشكل فج واعتباطي مع دوائر أخرى.

تقول سيمون فايل: «يجب ألا تحل الكنيسة محل المصنع. فالمصنع عالم آخر، يجب التعامل معه والبحث معه عن حقيقة جديدة. فالحقيقة الجديدة، لم تعد دينية حصريًّا ولم تعد خلاصًا يأتي فقط من داخل الكنيسة». وعليه، عندما ينطفئ الأمل في الضمير ويتورط الفكر في توقعات مظلمة فكل شيء يؤول إلى العتمة والديجور كما كتبت سيمون فايل: «إننا نعيش حقبة بلا مستقبل، وما ننتظره ليس أملًا.. وإنما معاناة».

ما من مقدّس إلا الإنسان العادي

الإنسان وفق رؤية وتحليل سيمون فايل هو سعي إلى الوصول إلى ما هو غير مقدس وغير عظيم، أو بتعبيرها: هو الوقوف عند غير ما هو شخصي، وتجاوز مستمر لما هو شخصي. فالإنسان حالة دائمة من العلاقة الجدلية بين ما هو شخصي وغير شخصي. تقول سيمون فايل: «يوجد في جوف كل إنسان شيء من المقدس. ولكن هذه ليست شخصيته وليست شخصيته الإنسانية. وببساطة، الإنسان هو ما هو عليه»، هذا ما ورد في مقالتها «دراسة لبيان الالتزامات تجاه البشر»، وكل إضافة إلى ما هو عليه يخرجه عن إنسانيته ليتحول إلى كائن آخر. وهكذا، فالإنسان الذي يجب البحث والتنويه به هو هذا الكائن قبل أن يحيط نفسه بهالة غير مستحقة من القدسية والتعظيم. ولعلنا لا نضيف جديدًا إذا قلنا: إن الأنبياء والرسل كافة عاشوا عاديين بين أقوامهم وإن صفة التقديس جاءتهم من جانب الأتباع الذين جاؤوا بعدهم وعظموهم لا تعريفًا بهم وبأعمالهم بقدر ما أنهم استغلوا نبوتهم ورسالتهم لأغراضهم الخاصة، على ما فعلت الدوائر الكهنوتية والأنظمة الطرقية.

يبقى الخير والقدرة على فعله هو المعيار الأخير الذي يخلع على الإنسان حقيقته وجوهر ما يقوم به ويتقوّم عليه. وبتعبير سيمون فايل: «الخير هو المصدر الوحيد لما هو مقدس في الإنسان. لا يوجد مقدس إلا الخير وما في حُكمه وله صلة به». واضح تمامًا أن صلة الإنسان بالخير صلة جوهرية تحدده في ماهيته ووجوده الأصلي، ويبقى الخير هو المبرر الحقيقي للوجود الإنساني والعيش المشترك. وهذا يقف على طرف مناقض تماما مع الأنظمة الشمولية والحكم الكُلِّياني والقيادات غير الراشدة المتعسفة والمتسلطة؛ لأنها تحرم الإنسان بوصفه إنسانًا وتحوّله إلى فرد تافه لا قيمة له أمام الفرد الأعظم وهو الحاكم، على ما بدأ يظهر في سياق ما بين الحربين العالميتين. وعليه، فإن اهتمام سيمون فايل بظاهرة الدكتاتورية الزاحفة والمستفحلة تندرج في صلب اهتمامها بالإنسان في صلته بالخير الذي يجب ألا يفقد التعاطي معه وإلا فَقَد بشريته وأهم ما يشرفه ويحفظه كإنسان. فالدكتاتورية مفسدة أيما إفساد، ومهلكة أيما هلاك للإنسان الذي يروم أن يداوم فعل على الخير كواجب نحو غيره، على ما توصي وتؤكد سيمون فايل.

«سبع ليالٍ وثمانية أيام» لسعيد بنسعيد العلوي… استفزاز الفكر بأسئلة وجودية

«سبع ليالٍ وثمانية أيام» لسعيد بنسعيد العلوي… استفزاز الفكر بأسئلة وجودية

نبه ميشيل فوكو إلى أهمية عدم إغفال أي إشارة في الخطاب، فالإشارات شفرات لا بد من فك ألغازها، للوصول إلى النص. غلاف الرواية لوحة لهنري إدمونكروس، تمتد على قماشها أرض بلون أخضر غامق يشوبه الرمادي، في أعلى الغلاف سماء تناثرت عليها النجوم واخترقها نور، لعله نور الفجر القادم بعد السحر، لون الأرض ملتبس، ولون السماء إشراقات لعلها الأمل. العنوان: «سبع ليالٍ وثمانية أيام»، عتبة مفتوحة على احتمالات كثيرة، وفي ثنايا الذاكرة ما ورد في القرآن عن عقاب قوم عاد؛ ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾.

الطبيعة هنا تسخر لمهمة العقاب وتأتي في شكل طوفان، أو ريح صرصر، زلازل أو طير أبابيل، والعلاقة معلقة بمتن الرواية حتى نتبين صواب أو خطأ التأويل. وتبرز العلاقة بالزمن التي طالما طالعتنا في عناوين كتابات روائية وسير ذاتية كثيرة منذ «ألف ليلة وليلة».

عتبة أخرى لا بد من الوقوف عندها، النص المقتطف من كتاب ابن بطوطة «تحفة النظار في غرائب الأمصار، وعجائب الأسفار» تنفي الفقرة علاقة العنوان بالآية من سورة الحاقة، فالنص يصف معاناة ابن بطوطة (الفردية)؛ فقد أوى في محنته إلى قرية للكفار عامرة، حرمه أهلها الماء والطعام، وجردوه من كل ما يملك وأصبحت الطبيعة أرأف يستجديها قطرة ماء ليحيا.

كتب غولدمان: إن رؤية العالم ليست واقعة فردية؛ لأن الفرد المبدع لا يخلق بنية فكرية متناغمة من تلقاء نفسه، ولكن يبلورها بشكل واضح ويرتقي بها درجة عالية من الانسجام، حتى ترقى إلى مستوى الإبداع الخيالي.

قد ينطبق ذلك على ما اتجهت إليه الرواية العربية خلال العقد الثاني واستمرارًا في العقد الثالث من هذا القرن إلى ما وصف بالتخييل التاريخي، تستحضر فيه سيرة أشخاص أو تسرد أحداثًا مفصلية في التاريخ، ولعل الاضطرابات التي يشهدها العصر قد جعلت المثقف يبحث في التاريخ عن جذور الأزمات والنكبات، أو يتساءل عن ضياع ذلك التراث الحضاري بأسمائه الكبيرة التي كان لها دور في قيام النهضة الأوربية، وخلافًا للروايات التاريخية الكلاسيكية التي وقفت عند المراحل المضيئة في ذلك التاريخ وأسطرة شخصيات بعينها، نجد أن التخييل التاريخي في الرواية الحديثة، وقد استفاد من بحوث الأنثروبولوجيا وكشوفات الأركيولوجيا، عمد إلى البحث عميقًا في التأثيرات النفسية وفي التفاصيل الصغيرة الغائبة في سرديات التاريخ، وبالتالي طرحت من جديد الأسئلة الوجودية الحارقة التي يتصدرها السؤال من نحن؟ ومن الآخر؟

ليس معنى هذا أنني أصنف رواية «سبع ليال وثمانية أيام» (الصادرة عن المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء) ضمن هذا الاتجاه، وإن لم تكن بعيدة منه تمامًا؛ لأنها تطرح بدورها سؤال الهوية وكل الأسئلة الفرعية له. معاناة ابن بطوطة في النص الافتتاحي للرواية من كتابه «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار»، وتقلب أحواله في رحلة دامت ما يقرب من ثلاثة عقود، وتلخيص تجربته التي اعتبرت رائدة فيما يعرف بأدب الرحلة في النص الختامي على ظهر الغلاف؛ جعله ذاتًا من ذوات الرواية. حياة تتجاور رغم بعد المسافة الزمنية مع حيوات أخرى، تلتقي معه وحوله وبدورها تعيش فيما بينها حيوات متجاورة شكلًا غير أنها متقاطعة مضمونًا، سواء كان موطنها جنوب المتوسط أو شماله، أو قدمت من فج عميق، أو عالم كان في ظهر الغيب وطفا ذات رحلة على سطح المحيط (أميركا).

يتحرر السرد من حدود الأسبوع، ويمتطي جناحي ذلك الطائر الأسطوري يطوي المسافات والأزمان ويحمل معه على جناحيه شخوصًا وحكايات. نخطو في اتجاه اليوم الأول، أو الباب الأول الذي أشرعه السارد على مدينة تعلو هضابًا «طنجة العالية» وتنحدر نزولًا إلى البحر، ورجل غريب المحيا، والاسم يصعد غير مبالٍ بالنداء، وبين اليقظة والنوم وانزياحات حلم يستجديه الرجل قطرة ماء، قبل أن نعرف اسمه من النداء كانت بشرته السوداء علامة جانبني الصواب في تبينها فقد خلتها تحيل إلى الوطن إفريقيا، وتبادر إلى ذهني عطيل في مسرحية شكسبير وتلك العلاقة الاستشراقية المبكرة بين الغرب ديدمونة والشرق عطيل، غير أن الاسم يحيل إلى شرق أبعد، إلى وطن بلا حدود لملمت أطرافه رحلة ابن بطوطة.

الغريب دلشاد أو القلب الفارح اسم ثنائي يطلق على الرجل والمرأة ابتداءً من بلاد فارس حتى عمق آسيا، وحضر الاسم في عنوان رواية الكاتبة العمانية بشرى خلفان «دلشاد.. سيرة الجوع والشبع»، كذلك دلشاد في النص حيثما ولى وجهه يجد عطشانَ ينتظر إبريقه. يفصل دلشاد في أمر الحيرة في شخصه؛ فهذا السواد هو المداد الذي نقش على الورق كتابة «سواد العينين يحف بهما البياض» (ص: 11)، وفي همس بين الأنين والضحكة المكتومة نعثر على السر المكنون في ديوان سيدي عبدالرحمن المجذوب. دلشاد إذن كتاب أي «خطاب» لغة، تشكيل، موسيقا، إشارات وعلامات…

وكما حضر دلشاد في اليوم الأول حضرت طنجة سليلة الآلهة، ومهبط قلوب الفنانين والمبدعين القادمين من كل أطراف الدنيا، طنجة التي شهدت الولادة الأولى لابن بطوطة وسوف تشهد له ولادة أخرى في الرواية، وبين الولادتين حلم يحلق به على جناح طائر عظيم حتى أقصى الشرق، ويعرج ناحية الجنوب صوب الوطن الأكبر إفريقيا. يتحول الحلم إلى خريطة رحلة في تفسير شيخ الزاوية المرشدي، وسيرة رحلة في كتاب ابن بطوطة.

ونتساءل: لماذا رحل ابن بطوطة في زمن حكم فيه «بنو مرين» المغرب من أقصاه حتى حدود مصر؟ لعله اقتنع بالقول الذي شاع عند أهل الصوفية، وقد كان من المريدين: «الفقير كالماء إذا طال مكثه في موضع واحد تَغيَّرَ وأَنْتَنَ». والسياحة مشتقة من الفعل ساحَ، وهو من صفات الماء الحاضر كثيمة محورية في الرواية.

عودة ابن بطوطة

تتوزع فصول الرواية بين ليالٍ وأيام، تتخللها أسماء شخوص أو ذوات اجتمعت احتفاء بمرور سبعة قرون على وفاة ابن بطوطة. العناوين التمييزية للشخوص هي: طاهر التلمساني، عثمان الشرادي، إيزابيلا فاريا. اختارها السارد ليمرر من خلال حكاياتها علاقتها بابن بطوطة وعلاقتها بالسفر حبًّا، كرهًا، دهشة، حيرة، اكتشافًا، إثبات وجود أو صحيفة أمجاد تتنازعها وجهات نظر ومراكز قوى. ويصبح الهدف أهدافًا تخضع لقيم العولمة تلبس قناع الحق في ملكية ابن بطوطة. ولأن الغرب حاضر فلا بد أن يحضر معه دليله الاستشراق بكل ما له وما عليه. وبعيدًا من التخييل التاريخي، قريبًا من التخييل الروائي، يعود ابن بطوطة إلى طنجة بعد رحلته الطويلة إلى الشرق، لعل دلشاد الذي بحث عنه هناك كان أقرب إليه هنا، تراوده ذكريات المتع التي نالها ومباهج الحياة التي نعم بها، عرف الحب والعشق وأيام السعد والهناء في حضرة الأمراء والكبراء، واكتوى بنار الفرقة والهجران.

سعيد العلوي

يحضر ابن بطوطة في الندوة بصفة ملاحظ تتلى على مسامعه نسخ مختلفة لكتابه، مزيدة، منقحة، محرفة، يجتر مرارة الخيبة، فيترك المجلس وقد امتلأ غمًّا وكدرًا. ويأتي اليوم السادس الذي يوافق الجمعة في تقويم الأسبوع، ماذا لو كتب ابن بطوطة فصلًا آخر يضيفه إلى تحفته، ألم يكن الهدف الأول لرحلته دينيًّا فليقصد المسجد مع المصلين، وجد الإمام شاهرًا سيف الكراهية والعنف، يوزع التهم ويقيم محكمة التفتيش.

يمزق ابن بطوطة هذه الصفحة، ويمضي. اسمه المتناثر فوق المتاجر الصغيرة وعناوين لبعض الأزقة يصيبه بخيبة أخرى، فبعد مجالسة القضاة والفقهاء وأعلى سلطة في الأمصار التي حط بها الرحال، يصبح شخصًا مبتذلًا كل هذا الابتذال. يفتح صفحة جديدة فلعل في مكان آخر يعثر على المراد، يقصد الطائر المعدني ليرحل إلى شرق البلاد، التي تراجعت حدودها حتى الزاوية البوشميسية، يلبي نداء المنادي للقاء القطب الرباني رضوان المشتهر بأبي الغوث، عجيبة أخرى من عجائب الأسفار تحل فيها الطائرة محل الطائر، والسيارة رباعية الدفع بدل الناقة والفرس، غير أن العجائب لا تتغير؛ فللشيخ كما يروى بقرة حلوب تذكر بما روي عن بقرة إبراهيم عليه السلام التي كان يحلبها ويسقي بلبنها الواقفين ببابه.

غير أن العجيبة التي هددت هذه الورقة بمصير سابقتها هو الترف الذي يناقض صفة الفقير السائح، الملتحف جبته الصوفية، التائه بحثًا عن قطرة ماء تروي عطش الروح، ونور يهديه إلى سدرة المنتهى. تحولت الطقوس الروحية إلى طقوس ولائمية يدير نشيدها متعهد الحفلات، وخطب أقرب إلى الحذلقة اللغوية، في تناقض غريب بين اللباس الأوربي الذي ارتداه الخطيب وحثه في خطابه على إلغاء العقل. وهدايا تتقاطر من كل حدب وصوب على مقام أبي الغوث.

أيقونية الأسماء

طاهر التلمساني: طاهر اسم فاعل للطهر، وتحاول هذه الذات إثباته في إعلاء صارخ من شأنها، وشأن التراث بديلها الموضوعي. الطهر قناع تختفي وراءه المصلحة الشخصية.

عثمان الشرادي: اسم أيقوني آخر فهل يحيل إلى التاريخ الديني أو إلى تاريخ المغرب؛ فأحد مؤسسي الدولة المرينية هو عثمان بن عبدالحق. أما الشرادي فاسم مشتق من الشرود وصيغة مبالغة له، وهو شكل من أشكال التيه، الذي عاشه ويعيشه عثمان في زمن الأزمة.

إيزابيلا فاريا: لاسم إيزابيلا بعد أيقوني. قد يحيل إلى إيزابيلا القشتالية، عنوان نكبة الأندلس، وإيزابيلا فاريا هل هي حفيدة إيزابيلا القشتالية، أم حفيدة هرقل، تكفر عن خطيئة فصل قارتين، وتحاول رتق ذلك الشق. ابن بطوطة: اسم له بعد أيقوني في التاريخ والأدب وفي الرواية هو رمز للمثقف المهووس بالسفر بمعناه الحقيقي والرمزي بحثًا عن أجوبة للأسئلة الحارقة والمقلقة. سونية: في قاموس المعاني: اسم علم مؤنث يوناني، وهو الصيغة الروسية لصوفيا، بمعنى المعرفة والحكمة. جيفرسون: هل هو جيفرسون ديفيس، أو توماس جيفرسون. أم هما معًا، جيفرسون الجنوبي المشارك في الحرب الأهلية إبقاء على نظام العبودية، أو الثاني علم من أعلام الديمقراطية.

السفير مولاي التقي: أيقونة أخرى، شخصية نمطية لصورة الشرق أو المغرب الفُلكلورية كما يراها الغرب.

الإبداع وإعادة تشكيل العالم

عنون شوبنهاور أهم كتبه «العالم إرادة وتمثلًا»، وقبله سئل البسطامي وهو في حضرة التجلي عما يريد فأجاب: «أريد ألا أريد»، والإرادة في الحالتين شعور الإنسان بكونه قادرًا على إعادة تشكيل العالم. في هذه الرواية تجتمع كل عناصر الإبداع، تناص يتجاوز نصوص كتاب ابن بطوطة المكتوبة الواردة في الرواية بالخط المضغوط، إلى فنون الكتابة التراثية والنصوص الدينية الصوفية، تنساب كلها في سرد يتحف النظار بلوحات تشكيلية، ويبهر المشاهد بمشاهد مسرحية، وصور سينمائية، ويستفز الفكر بأسئلة وجودية، ويقف التاريخ أمامه حائرًا متسائلًا: هل يعيد مراجعة رقوقه؟