أنطولوجيا الأفكار

أنطولوجيا الأفكار

في استدلال ديكارت الشهير «أنا أفكر، إذن أنا موجود» يدور ديكارت باستدلاله دورة كاملة وينتهي إلى حيث بدأ؛ ذلك لأن الوجود يستلزم التفكير كما هو مقرر في سياق الاستدلال، ولكن التفكير بدوره يستلزم سلفًا مقدمة مضمرة هي ذاتها نتيجة الاستدلال، أعني مقدمة «الوجود». غير أنه بمقدورنا استنطاق هذا الاستدلال لبيان أن الأنا أو النفس تعي وجودها حين تفكر فقط، ولا سبيل إلى ذلك بغير ذلك، فالوعي الذاتي هو الوجود المشخص، أي أن الوعي هو الذي يُخرِج الأنا من الوجود المحض والمجرد إلى الوجود الفعلي المشخص، وهو بطبيعة الحال وجود غير مادي.

وبينما نلحظ أن ديكارت لم يجد في ذلك الاستدلال مأزقًا، نجده يتأنى ويتروى في تحديد نمط العلاقة بين النفس اللامادية بطبيعتها والجسد المادي، ويعدّها مأزقًا ومعضلة؛ لأنه يحدد تلك العلاقة بالتأثير المتبادل بين النفس والجسد، أي بتأثير المادي في اللامادي، وتأثير اللامادي في المادي، ولا سيما أنه لم يكن مقتنعًا بالنظرية النيوتنية بخصوص تأثير الأجسام عن بُعدٍ بعضها في بعض، أي بغير اتصال وملامسة فيزيائية فيما بينها، فقانون الجاذبية الذي وضعه نيوتن لم يكن مقنعًا من جهة ديكارت، وكذلك من جهة نيوتن؛ لأنه كيف يتأتى للشمس مثلًا أن تؤثر في الأرض بغير اتصال فيزيائي بينهما؟ بيد أن القوة التفسيرية لهذا القانون كانت مذهلة، وكان عالميًّا ينطبق على كل الأجسام في جميع أنحاء الكون، ولو كان ديكارت مقتنعًا بقانون الجاذبية عن بُعد لكان سهل عليه تفسير نظريته المعقدة في التفاعل المتبادل بين النفس والدماغ.

العقل الهيومي

ذكر طبيب الأمراض العصبية الشهير أوليفر ساكس في كتابه «الرجل الذي حسب زوجته قبعة» أن أحد مرضاه كان مصابًا بحالة خاصة تعرف بـ«متلازمة كورساكوف»، وهي تنتج غالبًا عن الإفراط في تناول الكحول الذي يؤدي بدوره إلى نقص فيتامين (B1) في الجسم، ويقود هذا النقص إلى تأذي بروزات مخية صغيرة في منطقة تحت المهاد تدعى الأجسام الحليمية ومناطق أخرى مسؤولة عن الذاكرة. وتمتاز هذه الحالة التي عرضها ساكس بوجود فجوة وضياع في الذاكرة حجمها ثلاثين عامًا لم يستطع المريض خلالها تكوين أي ذاكرة جديدة وترسيخها في ترسانته العقلية، أي أن المريض لا يتذكر على وجه الإجمال شيئًا من الثلاثين عامًا المنصرمة؛ لأن الزمن توقف لديه عند بدايتها، وليس بوسعه حتى أن يتذكر الأحداث الجارية بعد مرور دقيقة أو نحو ذلك على انقضائها. ولكنه يتذكر بالمقابل كل شيء تقريبًا عما جرى له قبل ثلاثين عامًا (أي قبل أن يتوقف الزمن) وكأنه حدث أمس، لا بل إنه -بالنسبة إليه- قد حدث أمس من غير أن يخامره شك في ذلك. أما تلك الفجوة الزمنية الطويلة فلا وجود لها عنده، فقد دُمرت وتلاشت على وجه التقريب وسرقت من عمره ثلاثين عامًا؛ لأن أمس الذي كان قبل ثلاثين عامًا تبعه هذا اليوم مباشرة من غير انقطاع.

يتجلى فقد الذاكرة للأحداث القريبة (أي فقد الذاكرة العاملة أو المباشرة) في مواقف من قبيل: عدم قدرة المريض على ربط أجزاء المحادثة الجارية ببعضها؛ لأنه ينسى التفاصيل والأحداث بعد هنيهة فيقع في حيرة وارتباك؛ فإذا -على سبيل المثال- استسمحت المريض بالخروج لدقيقتين وخرجت ثم عدت بعدهما سيقف لك المريض عند دخولك ويمد يده مصافحًا؛ لأنه يعتقد اعتقادًا راسخًا بأنه يراك لأول مرة، ومن ثم عليك أن تعرّف بنفسك وعملك مجددًا، وإذا سألته ما أكلت قبل قليل لأجابك لم آكل بعد ولكني لا أشعر بالجوع الآن، وعلى هذا المنوال تتكرر الأحداث. كتب ساكس واصفًا مريضه:

«إنه معزول في لحظة واحدة من الحاضر، مع خندق أو فجوة من النسيان تحيط به من جميع الجهات … هو رجل بلا ماضٍ (أو مستقبل) عالق بلحظة لا معنى لها تتغير باستمرار».

ويجوز لنا أن نتخيل حياة هذا الرجل كأنها صور متقطعة منفصلة للأحداث لا يستطيع تسريعها لتعطيه انطباعًا باستمرارية الأحداث كما يحدث في تصوير الفيديو العادي، وتشبه الأحداث عند هذا المريض ما يحدث عند تبطيء اللقطة الفِلْمية إلى مرحلة الصور المنفصلة، فتغدو خلوًا من المعنى ومن الزمن ما خلا الحاضر الذي لا وجود حقيقيًّا له من غير الماضي والمستقبل. وبهذا المعنى الممسوخ ينظر الفيلسوف الإنجليزي دافيد هيوم إلى الذات ويذكر في كتابه «مقالة في الطبيعة البشرية»: «إنني إذا ما أوغلت داخلًا إلى ما أسميه «ذاتي» وجدتني دائمًا أعثر على هذا الإدراك الجزئي أو ذاك من قبيل السخونة أو البرودة، والنور أو الظل، والحب أو الكراهة، والألم أو اللذة، لكني لا أستطيع أبدًا أن أمسك بـ«ذاتي» في أي وقت بغير إدراك ما، ولا يمكنني ملاحظة أي شيء ما خلا ذلك الإدراك».

ينطبق توصيف هيوم للذات أو الأنا أكثر ما ينطبق على المصابين بمتلازمة كورساكوف وليس على الأشخاص الأصحاء؛ لأنه ينكر على الإنسان حيازته ذاتًا فعلية تجمع شتات المدركات البسيطة السطحية وتضفي عليها المعنى والعمق والاستمرارية؛ لكون كل ما ندركه بمقتضى منظوره ليس إلا مدركات مبعثرة، وإن كان ثمة ذات فهي هذه الحزمة من المدركات البسيطة. ولا يمكننا الاعتداد بهذا المذهب كثيرًا؛ لأن الإنسان سيكون بحسب نظريته شبيهًا بالمريض المذكور آنفًا فحسب، وهو اختزال مفرط في التبسيط ولا ينطبق على الإنسان كما نراه، فالنظرية توضع لتفسير الوقائع والموجودات والتنبؤ بالأحداث، فإن ضعفت قوتها التفسيرية، لما هو موجود على أقل تقدير، أو كانت ضعيفة بالأصل فلا فائدة مرجوة منها، وهذا هو الحال في النظرة الهيومية.

الدواء الوهمي

كان الأطباء يلجؤون في بعض الحالات المرضية إلى إعطاء المريض دواء وهميًّا (placebo) مكونًا من سكاكر أو ما إلى ذلك سواء عن طريق الفم أو حقنه في وريد المريض أو في بعض عضلاته. واللافت في الأمر أن النتيجة كانت ذات منفعة جلية عند بعض المرضى كما لو أنهم يتناولون دواء حقيقيًّا فعالًا، فالآلام التي يختبرونها تخف أو تتلاشى بفضل هذا الدواء الوهمي، حتى إن بعض حالات الشلل الهيستريائي يمكن أن تشفى أيضًا بمجرد حقن المريض بمادة مكونة من الماء والملح فقط. ولكن هذا الأمر مشروط بشرط حاسم وهو عدم دراية المريض بطبيعة الدواء واقتناعه بأنه سيساعده على التقليل من آلامه أو شدة إصابته.

تؤدي هذه الأدوية الوهمية في أغلب الأحيان إلى إفراز مسكنات طبيعية ينتجها الدماغ وهي شبيهة بالمورفينات وتدعى الإنكيفالينات. وفي الحقيقة ليست هذه الأدوية الوهمية بذاتها هي التي تقود إلى إفراز مسكنات الإنكيفالين لكونها أدوية خالية لا فعالية لها، بل اعتقاد المريض أن هذا الدواء سيخفف من ألمه هو الذي أدى به إلى هذه النتيجة المبهرة. والملحوظ أن إعطاء المريض مادة تثبط إفراز الإنكيفالينات، مثل دواء النالوكسون، قبل تناوله للعلاج الوهمي أدى إلى انعدام فعالية الدواء الوهمي، ولحظ كذلك أن عدم اقتناع المريض بجدوى الدواء المعطى أدى إلى نتيجة مخيبة ولم يشعر المريض بأي تحسن يذكر. وبكلمات أخرى، إن فكرة التعافي والاستفادة من الدواء هي التي قادت إلى إفراز الإنكيفالينات وحدوث التسكين بعد ذلك، وإن الدواء الوهمي كان الحامل المادي لهذه الفكرة ولم يكن الفاعل الحقيقي المؤثر في العمليات الدماغية التي نتج منها تسكين الألم.

وعليه، نستطيع القول: إنه إذا كانت الحالة الدماغية البيولوجية هي التي أنتجت الحالة العقلية (الشعور بزوال الألم)، فإن الحالة العقلية (الاعتقاد الراسخ بالتسكين والراحة)، في حالة تناول الدواء الوهمي، هي التي أنتجت الحالة الدماغية البيولوجية للتقليل من الألم والمعاناة، ولو كان الوعي وهمًا أو ضلالًا مفيدًا يبتدعه الدماغ خلال أداء وظائفه لما كان له مفعول مؤثر في الدماغ ذاته؛ لأن ما لا وجود له لا تأثير له، وهذا ما يرجح أن للوعي أنطولوجيا كيفية فاعلة، وإن كانت تختلف غاية الاختلاف عن الأنطولوجيا الموضوعية للعمليات الدماغية.

التنويم المغنطيسي

يقوم التنويم المغنطيسي على فكرة الإيحاء، حيث يقوم الطبيب، أو المحلل النفسي، بإيصال الشخص القابل للإيحاء إلى درجة كبيرة من الاسترخاء فيسترخي الوعي، لكنه لا ينام، ويحتفظ الشخص بقدرته على التركيز والانتباه وتظل إدراكاته سليمة وقوته العضلية طبيعية فيستطيع النهوض والمشي والقيام بتصرفات قد تكون أحيانًا عسيرة أو مجهدة للشخص العادي، ثم يقوم الطبيب بزرع فكرة طفيلية وقهرية في عقله اللاشعوري أو بنبش عقله الباطن لاستكشاف العقد النفسية غير المنطوقة في الأحوال الاعتيادية. على سبيل المثال: يمكن للمحلل النفسي أن يوحي للشخص المنوَّم أن الماء الذي سيرتشفه لاحقًا سيكون حارًّا وبطعم الفلفل ويغرس هذه الفكرة في عقله، ثم يوقظه بعد ذلك. وعندما يعتري هذا الشخص شعور العطش ويشرب الماء سيبصقه من فوره باشمئزاز ولن يكون بمقدور أي إنسان أن يصرف عقله عن بصق الماء إلا بعد تنويمه مجددًا ونزع هذه الفكرة من عقله.

يذكر المحلل النفسي الشهير بيير داكو أنه أجريت بعض العمليات الجراحية من غير تخدير باللجوء فقط إلى التنويم المغنطيسي، وذلك بفضل الفكرة المتسلطة عن عدم الشعور بالألم التي تكبح أجزاء الدماغ التي لا تتفق هي ومغزى الفكرة الموحى بها. وجرى كذلك علاج الإكزيما الجلدية والشفاء منها عن طريق التنويم المغنطيسي، وكذلك أحدث الإيحاء للشخص المنوَّم بتعرض ذراعه للحرق إلى ظهور انتفاخات وطفح على جلده عند إيقاظه. والطريف في هذا الأمر أن الشخص لا يتذكر الفكرة الموحية، فهو لن يتحدث عن الإيحاء أو عن الحروق، بل عن مرض جلدي تعرض له أو أي شيء آخر يفسر الطفح ما عدا الحرق، أي أنه يتحدث عن العرض الناجم عن الفكرة التي جرى إيحاؤها وليس عن الفكرة بذاتها.

وثمة تجربة أجرى خلالها عالم في التحليل النفسي تنويم شخصين، ثم طلب منهما غمس أيديهم في وعاءين يحويان ماءً حارًّا، وأخبرهما أن الماء ليس حارًّا وأنهما سيشعران بحرارة الماء العادي، وأُجرِيَ لهذين المتطوعين تصوير للدماغ بالبث البوزيتروني لمعرفة المناطق النشيطة فيه، وأفضى التصوير إلى أن المنطقة الدماغية المسؤولة عن معالجة المعلومات الحسية الجسدية التي تميز مكان الألم وطبيعته ونوعه ظلت مضطرمة ونشيطة سواء أوحى المحلل للمتطوعين أن الماء حار ومؤلم أو أن الماء بارد ولا يثير الألم، أما المنطقة التي كانت منخفضة النشاط على نحو بارز فهي المنطقة الحزامية الأمامية، وهي المنطقة المعنية بالمعاناة والعذاب اللذين يرافقان الألم، وهذا يعني أن الفكرة المغروسة في عقليهما لم تتمكن من التأثير في وقف الرسائل الحسية الواصلة إلى الدماغ، ولكنها استطاعت بوضوح أن تعطل صفتي السخونة والألم من الماء المحسوس وما يرافقهما من قلق وتوتر ومعاناة.

والخلاصة مما تقدم ذكره، أنه ينبغي لنا أن نفكر في الوعي وفي العقل بوجه عام بأسلوب جديد يقوم على حيازة الوعي أنطولوجيا فاعلة تختلف تمامًا عن الطريقة التي نفكر بها في الأنطولوجيا الموضوعية للأشياء الفيزيائية. وقد يكون من السليم أيضًا ألا نقصر الوجود على الأشياء المادية ونكتفي ببحث العلاقات السببية التي تربط بعضها ببعض، بل الأوجب أن نتجرأ ونبحث عن مفهوم جديد للسببية يلبي تفسير الأنطولوجيا الفاعلة للوعي والذات على وجه العموم، وذلك عن طريق توسيع إطار العلم ليشمل الأرضية الملائمة والبحث الجاد والرصين في الوعي، من دون خوف الباحثين على سمعتهم العلمية والأكاديمية، وجعل الفلسفة دافعًا حقيقيًّا، بل ملهمًا، للباحثين لما لها من أثر فعال في التحرر من الأطر والقوالب الجاهزة لدراسة العقل والدماغ.

كونيو كاتاكورا: حرصت مؤسستنا على منع تفسير صورها للثقافة الصحراوية من وجهة نظر استشراقية

كونيو كاتاكورا: حرصت مؤسستنا على منع تفسير صورها للثقافة الصحراوية من وجهة نظر استشراقية

تحدث كونيو كاتاكورا رئيس مؤسسة موتوكو كاتاكورا لثقافة الصحراء، عن جهود مؤسسة كاتاكورا في تعزيز الثقافة الصحراوية في اليابان، عبر المشاركة في رعاية المعارض ونشر الكتب وإنشاء نظام للحفاظ على الموارد الأكاديمية لثقافة الصحراء. كما تحدث عن استفادة مؤسسته من أرشيف مركز الملك فيصل. وتطرق في حوار مع «الفيصل» إلى أعمال ندوة المروية العربية حول ثقافة الصحراء وأهمية الندوة، وعن التطور المذهل الذي شهدته المملكة العربية السعودية، وبخاصة مشاركة المرأة في رفد هذا التطور المستمر.

ويقارن كاتاكورا بين اليابان بطبيعتها الزراعية والمملكة بطبيعتها الصحراوية وسبل التعاون بين البلدين، فيما يتعلق بثقافة الصحراء وتعزيزها وكيف حافظ السعوديون على ثقافة الصحراء من خلال نزهاتهم في الصحراء أوقات العطلات.

يقارن كاتاكورا أيضًا بين اليابان والغرب من حيث نتائج الأبحاث حول الشرق الأوسط، وكيف وظِّفت أعمال الباحثين المستشرقين الغربيين في التحكم في منطقة الشرق الأوسط، وفي المقابل ساهمت أعمال موتوكو في تغيير صورة المرأة السعودية النمطية من امرأة محاصرة بالحجاب، إلى امرأة نشطة ذات أثر فعلي رغم المناخ القاسي في المملكة العربية السعودية، كما غيرت صورة الصحراء السلبية التي يُنظر إليها كأرض قاحلة أو صورة رومانسية وجمالية بوصفها بلادًا للعجائب.

كونيو كاتاكورا

مؤسسة كاتاكورا تأسست بعد وفاة موتوكو كاتاكورا، زوجته، عالمة الأنثروبولوجيا والباحثة الأكاديمية في ثقافة الصحراء، وكانت وصيتها قد تضمنت فكرة إنشاء المؤسسة ووهبت لهدف تأسيسها إرثها المادي والمعنوي من أبحاث وكتابات. وبدعم من شغف موتوكو الدائم بالصحراء، أنشأت المؤسسة جائزة الراحة، وتهدف إلى دعم الباحثين والفنانين من اليابان وجميع أنحاء العالم. تُكرّم هذه الجائزة الأفراد الذين يكرسون حياتهم لإثراء ثقافة الصحراء. يؤكد السيد «كاتاكورا» دائمًا أنه في عالم يسيطر عليه رأس المال بشكل متزايد، تأتي جائزة الراحة كوسيلة لتوفير حلول لسكان العالم الذين يتوقون إلى إيجاد وتحقيق التوازن.

كاتاكورا شارك في مايو الماضي في ندوة المروية العربية، التي نظمها مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وتركزت الأوراق فيها حول الصحراء وثقافتها. استمرت الندوة يومين، وشارك فيها مجموعة متنوعة من الباحثين والمهتمين والخبراء. في حفل الافتتاح ألقى كاتاكورا كونيو، كلمة في ذكرى زوجته الراحلة، سلط فيها الضوء على أبحاثها في المملكة العربية السعودية. ولقد تركز مجال دراسة موتوكو كاتاكورا الرئيس على العالم الإسلامي بما في ذلك الدراسات البدوية والدراسات المتعددة الثقافات. في أواخر الستينيات، زارت مخيمات البدو في المملكة العربية السعودية لإجراء أول بحث ميداني لها في الثقافة الإسلامية، حيث اصطحبت زوجها السيد «كونيو كاتاكورا» المقيم آنذاك في السعودية؛ إذ كان يعمل سفيرًا لليابان لدى المملكة.

«الفيصل» التقت كونيو كاتاكورا وحاورته حول مؤسسته والتعاون بينها وبين مركز الملك فيصل، في إطار الأبحاث حول ثقافة الصحراء.

حول المؤسسة وندوة المروية العربية

  بمناسبة مشاركتك في أعمال ندوة «المروية العربية» في الرياض حول ثقافة الصحراء التي انعقدت في بداية مايو الماضي، أَلَا حدثتنا قليلًا عن نشأة فكرة مؤسسة موتوكو كاتاكورا لثقافة الصحراء وهدفها الأساس في سنواتها الأولى، قبل التطوير فيما بعد وتعدد الأهداف والأغراض؟

  بادئ ذي بدء، اسمحوا لي أن أعرب عن خالص امتناني، نيابة عن مؤسستنا، على الفرصة التي أتيحت لنا للمشاركة في ندوة المروية العربية الثانية حول ثقافة الصحراء (أوائل مايو 2024م) وكذلك على كرم الضيافة والاستقبال الرائع الذي حظينا به. بعد وفاة موتوكو في عام 2013م، اتخذ الباحثون المؤهلون، أولئك الذين تبنوا وورثوا عنها دافعها الرئيس -«احترام الثقافة الحقيقية للصحراء»- قرارًا بإنشاء مؤسسة جديدة تحت اسم «مؤسسة موتوكو كاتاكورا لثقافة الصحراء»، التي تعتمد بشكل أساسي على ميراثها والتبرعات الطوعية الأخرى.

تعمل المؤسسة منذ بداية عهدها على القيام بأنشطة بحثية وفنية حول الثقافة الصحراوية، والتخطيط لإدارة سلسلة من المعارض والندوات حول الثقافة الصحراوية ونشر إنجازات موتوكو البحثية، وإننا ندين ونحمل عظيم الامتنان لمشاريع مركز الملك فيصل الأرشيفية في تنظيم وأرشفة المواد الأكاديمية التي خلفتها موتوكو وراءها.

  كيف رأيتم ندوة «المروية العربية» التي نظمها مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية والتي شارك فيها باحثون سعوديون وعرب من مختلف أنحاء العالم، وما تعليقاتكم عليها؟

  في الواقع، كانت ندوة رائعة جدًّا، وقد تناولت موضوع «ثقافة الصحراء»، التي استهدفت في الأصل التركيز على القيمة الأكاديمية العظيمة لأعمال ونتائج الباحث السعودي البارز الدكتور سعد الصويان حول التاريخ الشفهي العربي والشعر النبطي، إلى جانب نتاج ومخرجات البحوث الثقافية الأنثروبولوجية وكذلك الاكتشافات الأثرية. لم تشرف الندوة بحضور باحثين سعوديين فحسب، بل أيضًا علماء من الخليج وإفريقيا وأوربا والولايات المتحدة، إضافة إلى اليابان، وساهموا بنشاط في تبادل وجهات النظر حول موضوع الندوة، وإننا لنتوقع نتائج رائعة للنهج الشامل لموضوعات الندوة وأبحاثها وآثارها التآزرية في الندوات المستقبلية.

  

بين اليابان والمملكة

  كيف رأيت السعودية بعد عودتك بعد غياب طويل؟ ما الذي لحظته خلال زيارتك ولفت انتباهك في الغالب؟

  سمعت من أصدقاء سعوديين ولحظت بأم عيني أن المجتمع السعودي يمر بتقدم وتحول مذهلين، وبدعم من النفط وموارد الطاقة الأحفورية الأخرى، أدت جهود التحضر السريعة والبارعة إلى ظهور ناطحات سحاب رائعة في المدن الكبرى. ومن الجدير بالذكر أن مشاركة المرأة في المجتمع تتحقق الآن على نطاق أوسع، هذا إضافة إلى جهود الترويج للسياحة الظاهرة بشكل واضح.

  فيما نعرف عن اليابان من تطورها الدائم نحو التكنولوجيا، حتى إن بعض بلاد العرب تدعوها «كوكب اليابان» لتفوقها في المجال التقني، ومما نعلم عن الخطط السعودية نحو التطوّر والتحضّر والتغييرات الإيجابية الحالية، فما الذي جعل من ثقافة الصحراء خاصةً موضوعًا لاهتمام المؤسسة والتعاون بين اليابان والمملكة؟

  تحظى اليابان، بوصفها دولة منعزلة صغيرة، بأقل الموارد الطبيعية، ولهذا كرست القوى العاملة من أبنائها لبناء وتطوير عملية التحديث والتصنيع والتطور التكنولوجي. لا نملك في اليابان بيئة طبيعية مثل الصحراء القاحلة، ولا أسلوب حياة يعتمد على التنقل «البدو الحضري»، وهو الأسلوب الذي حافظ حتى الأشخاص المعاصرون في المملكة العربية السعودية عليه خصوصًا في عاداتهم في الخروج في العطلات للاستمتاع بنزهة عائلية فوق الكثبان الرملية أو في الوديان. فيما نملك نحن اليابانيون مساحات مماثلة وإنما من القرى الزراعية حيث نسعى، اتباعًا لتقاليدنا، للحصول عبر زيارتها على الدعم الروحي أو العاطفي من ممارسات مثل الزراعة وصيد الأسماك.

على أساس الخلفيات المشتركة المذكورة آنفًا، قمنا نحن اليابانيون بتطوير التعاون مع الشعب السعودي، وبخاصة الشباب في مجالات التعليم العالي والتدريب الفني خاصة. على حين أصبح استنزاف الموارد على نطاق عالمي قضية مهمة، يسعى المجتمع إلى مواجهتها بكل الطرق الممكنة.

تعتقد المؤسسة أن البحث في الثقافة المتضمنة لكل مؤثراتها، من الملابس والغذاء والمسكن إلى الروح بهدف التكيف مع بيئة الصحراء القاسية، أمر مفيد للغاية ومن شأنه التأثير في مستقبل المجتمع العالمي، بما في ذلك اليابان. في الواقع، منذ سنوات تأسيسها الأولى، اهتمت مؤسستنا باستكشاف أبرع الطرق والأساليب للاستفادة من المواد البحثية التي تركتها موتوكو. ولحسن الحظ، في عام 2015م، أتيحت لنا الفرصة لزيارة وادي فاطمة وأعجبنا بمودة السكان المحليين الدائمة للراحلة موتوكو؛ لذلك أصبحنا نؤمن بأهمية التوضيح الأكاديمي لتراث الثقافة الصحراوية والحفاظ عليه وإتاحته على المدى الطويل، وذلك عبر إجراء إعادة مسح بالتعاون مع السكان المحليين، لجميع التغييرات التي شهدها مجتمعهم على مدى نصف القرن الماضي.

  ماذا يضم المتحف الذي أنشأته المؤسسة بالاشتراك مع طلاب أبحاث من اليابان الذي تبنَّته حكومة مدينة يوكوهاما والمعهد الوطني للدراسات الإنسانية بجامعة أكيتا اليابانية؟

  عملت مؤسستنا، بمصادر تمويل محدودة، على تعزيز الثقافة الصحراوية في اليابان عبر المشاركة في رعاية المعارض ونشر الكتب مع بعض المتاحف مثل: «المتحف الوطني للإثنولوجيا» في أوساكا، و«متحف يوكوهاما للثقافات الأوراسية» في يوكوهاما. و«متحف الصناعة المعدنية بجامعة أكيتا» لإقامة معارضه وندواته. علاوة على ذلك، تجري مؤسستنا بحثًا مشتركًا وأرشفة رقمية للصور التي التقطتها موتوكو مع المتحف الوطني للإثنولوجيا، ونرى أنه من المهم إنشاء نتائج أكاديمية جديدة وإنشاء نظام للحفاظ على الموارد الأكاديمية لثقافة الصحراء واستخدامها على المدى الطويل.

الدبلوماسية وتذليل العقبات

  هل ساهمت خبرتك بوصفك سفيرًا في البلاد العربية أو ساعدت في أداء مهمتك كمستعرب وباحث في ثقافة الصحراء؛ أعني تواصلًا مع الناس وبخاصة سكان الصحراء، غير الودودين في العادة مع الأغراب بدافع من الحذر واحترام القبلية؟

  كما لا بدّ أنكم تعلمون أن الدبلوماسية هي فن يمكن من خلاله التوصل إلى تسوية سلمية للنزاعات وتعزيز الصداقة بين جميع الأمم والشعوب، وتتضافر جميع عناصرها المتنوعة مثل السياسة والاقتصاد والجغرافيا والأنثروبولوجيا وكذلك اللغويات للعمل كوسيلة للاتصال مع العالم وفهم الآخرين وأنفسنا معهم قدر الإمكان؛ لذلك أعتقد أن مسيرتي الدبلوماسية السابقة هي الأساس الذي نتجت عنه مهنتي الثانية في دعم مؤسسة أبحاث «ثقافة الصحراء»، حيث يعد التواصل المباشر عبر اللغة العربية أمرًا في غاية الأهمية، بهدف تعميق التفاهم المتبادل لتجنب سوء الفهم. كما أنني أثق في أهمية أن يكون للدبلوماسيين علاقة أوسع مع شعب بلد ما، وأن يتعرفوا إلى ثقافتهم.

الاستفادة من أرشيف مركز الملك فيصل

  إلى أي مدى يتقاطع مشروع «المروية العربية» البحثي الحضاري الذي ينهض به مركز الملك فيصل وخطط نشر المؤسسة وأبحاثها التي تمت بالتعاون مع المركز عبر تزويدها بالمواد الأرشيفية. وما نقاط التقاطع والتعاون المستقبلية من أبحاث أو ترجمات مثلًا؟

  نحاول حتى هذه اللحظة مشاركة طرق حفظ وأرشفة المواد البحثية الفوتوغرافية لموتوكو كاتاكورا مع مركز الملك فيصل، مستفيدين من إطار مشاريعه الأرشيفية، ونتوقع أن يؤدي تركيز مشروع «السرد العربي» على «ثقافة الصحراء» إلى توليد رؤى متعددة التخصصات عبر مختلف الموارد الأكاديمية، بما في ذلك اللغويات والأنثروبولوجيا الثقافية وما إلى ذلك. إضافة إلى ذلك، فإن إدراج مشروع الثقافة الصحراوية من مختلف المناطق يشير إلى إمكانية إجراء دراسات مقارنة في المستقبل. ناهيك عن أننا، وعبر دمج المعرفة المكتسبة حديثًا في أرشيف أبحاث مركز الملك فيصل، نعتقد أنها لم تصبح مصدرًا قيمًا للباحثين فحسب، بل ستعدّ أيضًا أحد أهم الموارد والمصادر التعليمية لمجموعة واسعة من المستخدمين والمستفيدين.

الرؤية الاستشراقية للصحراء

  هل تعتقد أن رؤية المستشرقين للصحراء تأتي من منظور أصيل، أم إنها تحمل الكثير من عوامل الانبهار أو تختلف باختلاف خلفية المستشرق الذي رواها؟

  إذا كنتِ تقصدين بكلمة «المستشرقين» العلماء والباحثين الأوربيين أو الأميركيين المتخصصين في منطقة الشرق الأوسط، التي تصبغ مصطلحاتها بالإرث الإمبريالي والاستعماري، فإنني أرى الفارق الدقيق هو أن اكتشافاتهم الثقافية والأنثروبولوجية كانت تُستغل كأداة لحكم تلك الشعوب. وفي هذا الصدد فإن اليابان، بوصفها دولة آسيوية ناشئة حديثًا، هي دولة نظيفة تاريخيًّا؛ لذا، بالمعنى الدقيق للكلمة، لا يُصَنَّف المتخصصون في شؤون الشرق الأوسط لدينا على أنهم «مستشرقون».

  في رأيك؛ ما تأثير هذه الرؤية الاستشراقية للصحراء في العرب أنفسهم، وفي أي شخص غير عربي مهتم بالصحراء؟

  التزامًا بتعريف «المستشرقين» أعلاه، لا أستطيع أن أتحدث عن رؤيتهم للصحراء، لكني أعتقد حتى الآن أن معظم الباحثين في الصحراء يميلون إلى التركيز على الأبحاث الأثرية أو الجيولوجية أو الجغرافية، مع وجود عدد قليل جدًّا من الباحثين الأميركيين أو العلماء الأوربيين الذين كرسوا اهتمامهم بالناس، وبخاصة النساء، فيما يختص بأسلوب الحياة المعيشية. على سبيل المثال، تمكنت موتوكو من التقاط صورة المرأة النشطة ذات الأثر الفعلي، في المناخ القاسي في المملكة العربية السعودية، على عكس الصورة السائدة في الدول الغربية عن «المرأة السعودية المحاصرة بالحجاب». كما أدركت موتوكو من خلال أعمالها الميدانية أن الصحراء لا ينبغي عدّها أرضًا قاحلة؛ صورة سلبية نموذجية، ولا بلاد العجائب؛ صورة رومانسية وجمالية. ومن خلال مشاركتها لنتائجها ورؤيتها، حرصت مؤسستنا على منع تفسير صورها للثقافة الصحراوية من وجهة نظر استشراقية عندما تُدرَس أو تُنشَر علنًا. حتى إن المؤسسة قد عهدت إلى الأشخاص موضوع الصور للحصول على إذن بعرض الصور التي التقطتها لهم، وعملنا معًا لإجراء إعادة المسح في المنطقة المذكورة ضمن البحث.

عن جائزة الراحة وكتب موتوكو

  هل أعلن عن الفائز بجائزة (الراحة) لهذا العام، 2024م؟ وهل تتابع المؤسسة الفائزين سابقًا بالجائزة والتأكد من تنفيذ مشاريعهم أو اقتراحاتهم؟

  أنشأت مؤسستُنا جائزةَ «الراحة»؛ لاكتشاف ودعم الباحثين والفنانين، ليسوا اليابانيين فقط، ولكن من جميع أنحاء العالم، الذين يصعب العثور عليهم كما «الزهور المتفتحة في الصحراء». كما أننا ساهمنا في تطوير ثقافة الصحراء عبر تقديم الدعم لتلك الزهور في الصحراء من مختلف أنحاء العالم. منحت المؤسسة ثلاث جوائز من جوائز «الراحة» حتى الآن؛ الأولى لزوجين متطوعين يابانيين، كرسا جهودهما لمنع التصحر والتثقيف البيئي للأراضي القاحلة في منغوليا الداخلية، والثانية للسيد عبدالرحيم الأحمدي، المدير السابق لمركز التنمية الاجتماعية في وادي فاطمة، الذي شجع موتوكو على إجراء بحثها الثقافي الأنثروبولوجي في وادي فاطمة، والثالث لباحثة يابانية، أستاذة المتحف الوطني للإثنولوجيا، لأبحاثها المتعمقة في صحراء منغوليا. تقيم المؤسسة عادة حفلًا لتوزيع الجوائز بهدف مشاركة أنشطتها على نطاق أوسع وأعمق؛ بسبب نفاد مصادر مناسبة لتمويل الجائزة، علّقت مؤسستنا منح جائزتها التالية حتى حين.

  بوصفك مترجمًا ذا تاريخ مثير للإعجاب، حيث عملت مترجمًا رسميًّا لرئيس الوزراء ووزير خارجية اليابان، هل تفكر المؤسسة في ترجمة كتاب الراحلة الدكتورة «موتوكو كاتاكورا»، بعنوان: «أهل الوادي.. دراسة للمجتمع السعودي أثناء مرحلة الانتقال» إلى لغات غير العربية ونسختها اليابانية الأصلية بالطبع؟

  صدر كتاب «القرية البدوية» للراحلة الدكتورة موتوكو كاتاكورا باللغة الإنجليزية عن مطبعة جامعة طوكيو، ثم تُرجم لاحقًا إلى اللغة العربية بمساعدة تطوعية من رئيس تحرير صحيفة المدينة، الراحل «محمد صلاح» ونشرته شركة نشر سعودية. وفي حين أن هذا الكتاب هو إنتاج أكاديمي يعتمد على بيانات كمية، فإن «ملاحظات عربية» (بقلم موتوكو كاتاكورا والصادر عام 1979م) قد كتب في الأصل لعامة الناس باللغة اليابانية بناءً على بيانات نوعية، ولكنه لم يترجم إلى العربية أو الإنجليزية. هناك أيضًا كتاب بعنوان: «تقنية يوتورو» وقد كتب مستهدفًا القراء اليابانيين كذلك، ومتاح أيضًا باللغة اليابانية فقط. إضافة إلى ذلك، بعد مرور نصف قرن على «القرية البدوية»، عملت المؤسسة على نشر كتاب مهم، صدر فعليًّا عام 2019م، ملخّصًا نتائج بحث إعادة مسح التغيرات في وادي فاطمة، ويجري حاليًّا تقويم فكرة نشره باللغتين العربية والإنجليزية. ونأمل أن تُمنح هذه الكتب الفرصة لقراءتها على نطاق واسع من جانب السعوديين وغيرهم.

رسائل فلوبير تضيء عزلته وهواجسه الكتابة، يا لها من مهنة! يا لها من غرابة مقدسة!

رسائل فلوبير تضيء عزلته وهواجسه

الكتابة، يا لها من مهنة! يا لها من غرابة مقدسة!

في منزل صغير طُليت جدرانه الخارجية بالأبيض، في قرية كرواسّيه الهانئة على الضفة الغربية لنهر السين، منطقة النورماندي شمال فرنسا، أمضى غوستاڤ فلوبير (1821– 1880م)، أحد أعلام الأدب الفرنسي والعالمي الكبار، خمسًا وثلاثين سنة من حياته منعزلًا ومنجزًا مؤلّفاته الأساسيّة وعلى رأسها «مدام بوڤاري» (1857م) الرواية التحفة والمرجع، فضلًا عن «التربية العاطفية» و«سالامبو» و«بوڤار وپيكوشيه» و«رحلة إلى الشرق»، مؤلَّفه الأخير هذا يتضمن مشاهدات رحلته بين مصر وسوريا ولبنان وفلسطين، ولطالما كان الشرق هاجس فلوبير شابًّا.

لكن مراسلاته الغزيرة، سواء الأدبية أو العاطفية أو العائلية، تشكل في حدّ ذاتها إرثًا أدبيًّا ضخمًا نُشر في أجزاء عدة ولم يُترجم إلى لغتنا العربية. ولهذا السبب اخترتُ من هذه المراسلات بضع رسائل تضيء إضاءة خاصة على أفكار فلوبير المتعلّقة بالكتابة والعزلة والحياة والموت، التي عبّر عنها لأشخاص عديدين، ومن بينهم أدباء كبار أمثال: ڤيكتور هوغو، وجورج صاند، وغي دو موباسان، وإيڤان تورغنيف، أو لنساء أُغرم بهنّ وبالأخصّ لويز كوليه، الشاعرة الأقرب إلى قلبه وروحه التي استمرّت علاقته بها نحو سبع سنوات كانت في معظمها عشقًا أفلاطونيًّا، وتعبيرًا عاطفيًّا وفكريًّا من خلال الرسائل المتبادلة؛ إذ أسرّ لمحبوبته الجميلة بمكنونات قلبه وبقلقه من الموت والشيخوخة والمرض، وبنظرته المتشائمة إلى الوجود.

إنها بضعة نماذج من مجموع رسائل فلوبير، التي تُعدّ في ذاتها عملًا أدبيًّا، وتكشف جوانب من شخصية فلوبير، وأفكاره في الأدب والحياة، وعزلته، وقلقه، وصداقاته الأدبية، وكثيرًا ممّا يلقي الضوء على سيرة حياته التي لم تكن طويلة (58 عامًا) وتركت لنا مع ذلك تحفًا أدبية عظيمة أشهرها على الإطلاق «مدام بوڤاري» التي أفنى سنواتٍ طوالًا لإنجازها لتكون درّة تاج في الأدب الفرنسي والعالمي.

إلى لويز كوليه

(كرواسيه، 16 ديسمبر 1852م)، ليلة الخميس، الساعة الأولى بعد منتصف الليل.

ماذا يحدث لصحتك، عزيزتي المسكينة؟

ما كل هذا القيء وآلام المعدة وسوى ذلك؟ إني متأكد من أنكِ على مقربة شديدة من ارتكاب حماقة ما. كم أود معرفة أنك تعافيتِ تمام العافية. لا أخفيكِ أن قدوم الإنجليز كان مفرحًا جدًّا لي. وحقّ إله العشق لن أعيش أبدًا قلقًا مماثلًا. لا أدري كيف لم يمرضني ذلك، على ما يقال. اقتتُّ من دمي، متمنيًا لو كان دمكِ. غير أن البهجة التي ساورتني بعدئذٍ كانت، على ما أظن، مريحة.

لويز كوليه

عملتُ منذ يوم السبت باندفاع تام وفيضٍ غنائي. قد تكون خلطة رهيبة. مؤسفٌ أنها تسليني الآن، حتى لو اضطررت إلى محو كل شيء لاحقًا، كما حدث لي مرارًا. إني أصف في هذه اللحظات زيارة مربية. الذهاب يتم عبر درب ضيقة والعودة عبر درب أخرى. أسير، كما ترين، فوق العظام المحطمة في كتاب ما بعد الموت، لكنني أعتقد أن هذا التوازي لن يسحقني. رائحة الريف والسماء والأسرة أفضل بقليل من وجه صديقنا. الباريسيون جميعًا ينظرون إلى الطبيعة على نحو رثائي ونظيف، من دون أبقار ونبات قرّاص. إنهم كالسجناء يحبونه بطريقة طفولية وحمقاء. يكتسبون ذلك في سن باكرة تحت أشجار تويلوري. أتذكّر، في هذا الصدد، نسيبة لأبي، أتت لزيارتنا مرة (الوحيدة التي رأيتها) في ديڤيل، وكانت تشمّ الرائحة، منتشيةً، مولعةً. «أوه! يا نسيبي، قالت، أفرحني بوضع القليل من السماد في محرمتي، أحبّ هذه الرائحة». لكن نحن الذين لطالما أزعجنا الريف، ورأيناه باستمرار، اختبرنا بطريقة أكثر اتزانًا جميع روائحه وكآباته!

إنه لأمر حسن ما تقولينه لي عن قصة روجيه دوبوڤوار، وعن الشال الملوّح من العربة، إلخ. أوه! كم هناك من موضوعات!

هل تلحظين أنني أُمسي كاتبًا أخلاقيًّا! أعساها علامة شيخوخة؟ ولكنّني أتحوّل بالتأكيد إلى الكوميديا الرفيعة. تراودنا أحيانًا رغبة في الصراخ في وجه البشر، سأفعل هذا يومًا، بعد عشر سنين من الآن، في رواية طويلة وسيعة الإطار، وفي انتظار ذلك تعاودني فكرة قديمة، إنها فكرة قاموسي للأفكار المسبقة. أتعرفين ماذا يعني ذلك؟ تثيرني المقدمة كثيرًا في شكل خاص، والطريقة التي أتخيّلها بها (ستكون كتابًا كاملًا)، ولا قانون يستطيع النيل مني على رغم أني سأهاجم الكلّ. سيكون ذلك تمجيدًا تاريخيًّا لكل ما نقر به. سأثبتُ أن الغالبية كانت دومًا محقة، والأقلية دومًا على خطأ. سأقدّم الكبار أضحيةً لسائر الأغبياء، والشهداء لسائر الجلّادين، بأسلوب مدفوع إلى أقصاه، مثل السهام النارية.

والأمر ذاته للأدب، سأثبت، وهذا سهلٌ، أن الهزيل، الذي في متناول الجميع، هو الشرعي الوحيد، وأنه يجب بالتالي فضح أي نوع أصيل بكونه خطيرًا وغبيًّا وما إلى ذلك. هذا المديح للسفالة البشرية بمختلف وجوهها، الساخرة والنابحة من أولها إلى آخرها، المليئة بالاقتباسات والأدلّة (التي من شأنها أن تثبت العكس) والنصوص المرعبة (سيكون الأمر سهلًا)، والهدف، أقول، هو الانتهاء مرة واحدة ونهائية من كل الانحرافات من أيّ نوع كانت. وأدخل من هنا إلى فكرة المساواة بشكلها الديمقراطي الحديث، بحسب تعبير فورييه القائل: إن العظماء سيصبحون عديمي الفائدة، وأود القول: إنه لهذه الغاية أُعِدُّ الكتاب الذي نقع فيه، بالترتيب الأبجدي، على سائر الموضوعات المحتملة، على كل ما يجدر بالمرء التفوّه به في المجتمع كي يكون لائقًا وودودًا.

أخال أن الكتاب بمجمله سيكون رائعًا مثل طلقة. سيكون ضروريًّا، على امتداد صفحات الكتاب، ألّا تكون هناك كلمة من بنات أفكاري، وبمجرد قراءته لن يجرؤ أحد على التحدث عنه، خشية التفوّه بشكل عفوي بجُملٍ يتضمنها. فضلًا عن ذلك، قد تلائم بعض المقالات لتفصيل رائع لكلمات مثل رجل، امرأة، صديق، سياسة، أخلاق، قاضٍ. نستطيع في بضعة أسطر تشكيل نماذج وإظهار لا ما ينبغي أن يُقال فحسب، بل ما ينبغي أن يظهر.

فلوبير

قرأتُ في الأيام الأخيرة حكايات بيرّو الخرافية، إنها ساحرة، ساحرة. ما رأيك في هذه الجملة: «كانت الغرفة صغيرة جدًّا إلى حدّ أنّ ذيل الفستان ما كان ليتمدّد». تأثير هائل، أليس كذلك؟ والجملة تلك: «جاء ملوك من كلّ البلدان، بعضهم محمول على كرسي، وآخرون بعربات ذات عجلتين، والقادمون من بعيد على ظهور الأفيال، أو النمور، أو النسور». فلنقل، طالما أن الفرنسيين باقون، فإن بوالو سيكون شاعرًا أكبر من هذا الرجل. ينبغي وضع قناع للشعر في فرنسا، فنحن نكره الشعر، وبين سائر كتّابه، ليس هنالك ربما إلا رونسار الذي كان بكل بساطة شاعرًا، مثلما كان الشعراء في العصور القديمة ومثلما هم في بلدان أخرى.

لعل جميع الأشكال التعبيرية كتبت، وأعيدت كتابتها. كان ذلك من حصة الأوائل. ما تبقى لنا، هو الخارجيّ من الإنسان، الأكثر تعقيدًا، إنما الأكثر تفلتًا من شروط الشكل. أعتقد أيضًا أن الرواية حديثة الولادة، تنتظر هوميروس خاصتها. كان بالزاك رجلًا عظيمًا لو أحسن الكتابة! ولكن لم يَفتْه سوى ذلك. ما كان فنانٌ لينجز بهذا القَدْر، وما كان لينعم بهذا الحجم.

آه! ما يعوز المجتمع الحديث، ليس المسيح، ولا واشنطن، ولا سقراط، ولا حتى ڤولتير، بل أريستوفان، ولكنه سيُرجم من الجمهور، ثم ما الفائدة من أن يقلقنا كل ذلك، وأن نفكر باستمرار، وأن نثرثر؟ فلنرسم، فلنرسم من غير نظريات، دونما قلق من تركيبة الألوان، ولا من البعد في لوحاتنا، ولا من الوقت الذي تستغرقه أعمالنا.

الريح شديدة الآن، النهر والأشجار تزأر. كنت أكتب الليلة مشهدًا صيفيًّا مع ذباباته الصغيرة، والعشب تحت الشمس، إلخ. كلّما كنتُ في بيئة معاكسة كلّما رأيتُ الآخر أفضل. تلك الريح القوية سحرتني طيلة المساء. إنها تهدهد وتدوّخ كل شيء في الوقت نفسه. كانت أعصابي متوتّرة إلى حد أن أمي، وقد جاءت إلى غرفتي عند الساعة العاشرة لوداعي، جعلتني أطلق صرخة رعب رهيبة أخافتها هي نفسها. خفق قلبي طويلًا واستلزم الأمر مني ربع ساعة لأتعافى. تلك هي انشغالاتي حين أعمل. شعرت، بفعل تلك المفاجأة، بإحساس ضربة سكين حادة اخترقت روحي. يا لنا من آلة بائسة! كلّ ذلك لأنّ الرجل المسكين كان يقلب عبارة!

اعملي بجدّ، ابقَيْ أسبوعًا إضافيًّا هناك، لا تستعجلي، عاودي مراجعة كل شيء، عرّي نفسك، تعلّمي كيف تنتقدين نفسك، أيتها الغالية المتوحّشة. وداعًا، تأخر الوقت، ألف قبلة، اعتني بنفسك.

إليكِ حبيبتي الغالية

إلى لويز كوليه

(كرواسيه في 24 إبريل 1852م)

تحدّثينني عن إحباطاتك! لو ترين إحباطاتي! لا أدري كيف لا تنفصل يداي عن جسدي أحيانًا من التعب، وكيف لا يُهرس رأسي. أعيش حياة قاسية، خالية من أي فرح ظاهر، ولا أملك ما يعينني سوى نوع من الغضب المستمر، الذي ينضح أحيانًا بالعجز، بيد أنه مستمرّ. أحب عملي حبًّا مسعورًا ومنحرفًا، مثل زاهد يخدش قميصُ الشَّعْرِ بَطْنَه.

أحيانًا، عندما أرى نفسي مفرغًا، عندما تعصيني العبارة، عندما أكتشف بعد خربشة صفحات طويلة أنني لم أكتب جملة مفيدة، أنهارُ فوق أريكتي وألبث في حالة من الذهول وفي مستنقع داخلي من السأم. أكره ذاتي، أتهم نفسي بجنون الكبرياء الذي يجعلني ألهث خلف الوهم. كل ذلك يتغيّر بعد ربع ساعة، ينبض قلبي فرحًا. الأربعاء الماضي، اضطررتُ إلى النهوض لجلب محرمة الجيب. الدموع كانت تسيل على وجنتيّ. كنت قد خفّفتُ عن نفسي في أثناء الكتابة، مستمتعًا بعذوبة، من التأثّر بفكرتي، ومن الجملة التي تحملها، ومن الرضى الذاتي عن العثور عليها.

مرة جديدة في عزلتي. من فرط شعوري بحالة سيئة، أتمكن من الإحساس بأنني بحالة حسنة. من الآن ولمدة طويلة لا أطلب شيئًا آخر. إلامَ أحتاج في نهاية الأمر؟ أليس إلى الحرية والترويح عن النفس. لجأتُ إراديًّا إلى أمور كثيرة تُشعرني بالثراء وسط الحرمان المطلق. يا لها من مهنة! يا لها من غرابة مقدسة! فلنبارك على رغم كل شيء هذا الألم المقدس، من دونه لا يحلو العيش.

لقد انفصلتُ تمامًا عن العالم الخارجي وأعيش في عزلة قاسية. إني أقدّر أولئك الذين يعيشون على انفراد، منطوين على ذواتهم. فلنغلق أبوابنا ولنصعد إلى أعالي البرج العاجي. يجب أن نغلق جميع نوافذنا ونضيء الثريات. الطبيعة جميلة، والأشجار خضراء زاهية، لكنني لا أتمتع بها إلّا من خلال نافذتي. لقد أقمتُ حولي حصنًا منيعًا. لم تصدقي حين قلتُ لكِ: إني عجوز مسن. إني أخاف دومًا من الكتابة. هل تشعرين مثلي بتلك الرهبة العظيمة قبل شروعك في عمل فني؟

وداعًا عزيزتي لويز، أفكّر بك، فكّري بي

رسالة إلى فيكتور هوغو

(كرواسيه، 15 يوليو 1853م)

كيف أشكرك، سيّدي، على حضورك الرائع؟ وما عساي أقول؟ سوى ما قاله تاليران للوي- فيليب الذي أتى لزيارته في أثناء احتضاره: «إنّه الشرف الأكبر الذي حظيت به في منزلي». إنما هنا تنتهي المقارنة، للعديد من الأسباب. إذًا، لن أخفي عليك، سيدي، أنك وبقوة دغدغت في قلبي ضعف تفاخري على ما كان كتب هذا القدير راسين. شاعر صادق، ويا لكمّ الوحوش التي كان ليعثر عليها كي يصفها، وهي مغايرة وأسوأ مئة مرة من تنّينه- الثور!

فيكتور هوغو

المنفى، على الأقلّ، يحميك من الرؤية. آه! لو تعلم في أيّ أرجاس نغرق! تتأتّى الفضائح من الفساد السياسي، ولا يسعنا القيام بخطوة واحدة من دون أن ندوس شيئًا قذرًا. الجوّ مثقل بالروائح الكريهة. هواء رجاءً! هواء! أفتح النافذة وأستدير نحوك. أسمع خفقات أجنحة ملهمتك القوية، وأستنشق مثل رائحة الغابة ما ينبعث من أعماق أسلوبك.

في كل الأحوال، سيدي، كنتَ في حياتي هوسًا رائعًا، حبًّا طويلًا، لا يخفت. قرأتك في ليالي الأرق المشؤومة، وعلى شاطئ البحر، فوق الرمال الناعمة، تحت شمس الصيف الدافئة. حملتك معي إلى فلسطين، وأنتَ من كان يعزّيني أيضًا حين كنتُ أموت سأمًا في الحي اللاتيني. دخل شِعرُكَ في بنيتي مثل حليب مربيتي، فأبياتك تلازم ذاكرتي إلى الأبد. أشد بتفاخر على اليد التي كتبت «أحدب نوتردام» و«نابليون الصغير»، هذه اليد التي نحتت عمالقة ونسجت للخونة ضروبًا مرة.

مرّة جديدة، ألف شكر لك سيدي، من أعماق قلبي.

رسالة إلى جورج صاند

(جوابًا على رسالة اطمئنان وجهتها الكاتبة إلى فلوبير الذي دأب دومًا على مخاطبتها بـ«معلمتي الغالية»، ولا تحمل هذه الرسالة الجوابية تاريخًا)

كلا، معلمتي الغالية! لستُ مريضًا، ولكنني كنتُ منشغلًا بنقل إقامتي من باريس ومعاودة الاستقرار في كرواسّيه. ثم إن والدتي كانت متوعكة جدًّا. هي بخير الآن. كتبت هذا الأسبوع قرابة ست صفحات، وهذا أمر حسن لي، هذا العمل مؤلم جدًّا لي على أي حال. الصعب، هو معرفة ما ينبغي عدم قوله. سأروح عن نفسي قليلًا بالإفصاح عن رأيين قاطعين أو ثلاثة حول فن الكتابة. ستكون فرصة للتعبير عما أفكر فيه، أمر عذب لطالما حرمت نفسي منه. إنك تقولين لي أشياء جميلة جدًّا وطيبة جدًّا أيضًا لكي أستعيد حميّتي. لا أملكها البتة، لكنني أتصرف كأنني أملكها، ما يعني ربما النتيجة عينها.

لم أعد أشعر برغبة الكتابة؛ إذ كنتُ أكتبُ خاصة لشخص لم يبقَ موجودًا، هذه هي الحقيقة! ومع ذلك أستمر في الكتابة. بيد أن التذوق لم يعد ملازمًا لها، فارقني الانجذاب. قلة صغيرة من الناس تحب ما أحبه، يقلقها ما يقلقني! هل تعلمين في هذه الباريس، الكبيرة جدًّا، بيتًا وحيدًا يتكلّمون فيه عن الأدب؟ ولو تُطُرِّقَ إليه عَرَضًا، فدومًا من زواياه الثانوية والبرّانية، حول مسألة النجاح، الأخلاق، الجدوى، الآراء حوله، إلخ. يخيّل إليّ أنني أغدو متخلّفًا، كائنًا غير متصل بالإبداع المحيط به.

لا أطمح إلى أكثر من الارتماء في حضن عاطفة جديدة. ولكن كيف؟ أصدقائي القدامى جميعهم تقريبًا تزوّج، وهم يفكرون في تجارتهم الصغيرة طوال السنة، وفي الصيد خلال العطلة، وفي لعبة الورق بعد العشاء. لا أعرف واحدًا منهم قادرًا على تمضية مدة بعد الظهر برفقتي لقراءة شاعر. لديهم أعمالهم، أنا لا أعمال لديّ. لاحظي أنني في الوضعية الاجتماعية نفسها التي كنت فيها في عمر الثامنة عشرة. ابنة أختي، التي أحبها كأنها ابنتي، لا تسكن معي، وأمي المسكينة أصبحت عجوزًا بحيث إن أي محاورة معها خارج موضوع صحتها أمر مستحيل. كل ذلك يجعل الحياة قليلة المرح.

أما النساء، فلا تمدّني «منطقتي الصغيرة» بهنّ، ثم إنني لم أستطع قطُّ جمع ڤينوس مع أبولون. فإمّا أحدهما أو الآخر؛ لكوني رجلًا متطرفًا، شخصًا يهب نفسه بأكملها لما يمارس.

أستعيد دومًا عبارة غوته: «إلى ما وراء القبور تقدّم»، وآمل أن أتعوّد على فراغي، كلما ازددتُ معرفةً بكِ، ازداد إعجابي، كم أنتِ قوية!

ما خلا القليل من سبينوزا وبلوتارك، لم أقرأ شيئًا منذ عودتي إلى كرواسيه، فأنا منهمك في عملي الحالي. إنه عمل سيمتد بي إلى نهاية يوليو.

أُقَبِّلُكِ.

إلى غي دو موباسان

(كرواسيه 19 فبراير 1880م)

عزيزي الرجل الطيب.

الأمر صحيح إذًا؟ ظننتُ في البدء أنه مزاح! ولكن كلا! أوافق. إنهم مليحون في إتامب! هل سنخضع لجميع المحاكم على الأراضي الفرنسية، حتى المستعمرة منها؟ كيف يجوز أن شطرًا من بيت شعري نُشر في الماضي في إحدى الصحف الباريسية التي لم تبقَ موجودة، يُلاحق بسبب إعادة نشره في جريدة محلية لعلك لم تمنحها إذنًا بذلك وكنتَ تجهل وجودها بلا ريب؟ علامَ نحن مرغمون اليوم؟ ماذا ينبغي أن نكتب؟ كيف ننشر؟ في أي بلادة ذهن نعيش!

«والإساءة إلى الأخلاق الدينية» لدى مثولي أمام قضاة الغرفة الثامنة في المحاكمة التي منحتني شهرة هائلة وأعزو إليها ثلاثة أرباع نجاحي.

موباسان

الخلاصة لا أفهم شيئًا من ذلك! هل أنتَ ضحية ثأر شخصي؟ ثمة خلف ذلك شيء لا يمكن تفسيره. هل يُدفع لهم مقابل تشويه سمعة الجمهورية من خلال إمطارها بالازدراء والسخرية؟ إني أُومِنُ بذلك.

أن تُلاحَق بسبب مقال سياسي، فليكن، مع أنني أتحدى سائر المدعين العامين أن يثبتوا لي الفائدة العملية من ذلك. ولكن من أجل أبيات شعرية، من أجل الأدب. لا! هذا قاسٍ جدًّا!

سوف يجيبونك بأن في شعرك ميولًا فاحشة! يجب الاتفاق بشكل نهائي على مسألة الأخلاق في الدولة. ما هو جميل هو أخلاقي، هذا كل ما الأمر لا أكثر.

الشعر، مثل الشمس، يضع ذهبًا فوق الروث. مؤسف للذين لا يرونه. لقد تناولتَ العادي، على أفضل نحو، وتستحق الإطراء لا الغرامة والسجن.

يقول لابرويير: «إن روح الكاتب تكمن في حسن التحديد وحسن التوصيف». لقد أحسنتَ التحديد وأحسنتَ التوصيف. ما المطلوب أكثر من ذلك؟

تفضح نظام الدولة، حتى إلغائها جميع الكلاسيكيات اليونانية والرومانية، بلا استثناء، منذ أريستوفان حتى الطيّب أوراس والرقيق ڤيرجيل. ثم، ومن بين الأجانب، شكسبير، غوته، بايرون، ثرڤانتس، ورابليه عندنا «الذي تتدفق من عنده الآداب الفرنسية»، يليه شاتوبريان الذي تدور تحفته حول حشرة، ثم موليير. انظر غضب بوسويه عليه، والكبير كورناي، الذي يدور «تيودور» خاصته حول البغاء، والأب لافونتين، وڤولتير، وجان جاك روسو، إلخ، وحكايات بيرّو الخرافية! بعد ذلك، يجب إلغاء كتب التاريخ التي تلوّث المخيّلة.

إني أختنق سخطًا.

مَنْ سيُفاجأ؟ الصديق باردو! هو الذي كان شديد الحماسة عند قراءته مسرحيتك، بحيث شاء التعرّف إليك وإلحاقك بوزارته بعد حين. العدالة تعامل محميّيها جيدًا.

ولديك ڤولتير ليس الرجل بل الصحيفة التي مازحتني قبل بضعة أيام بلطف حول معتقدي الهوسيّ بالكراهية الأدبية! صحيفة ڤولتير هي المخطئة! فأنا، أكثر من أي وقت مضى، أُومِنُ بالكره اللاوعي في الأسلوب. حين نكتب بطريقة جيدة، يكون هناك ضدنا عدوّان: الجمهور؛ لأن الأسلوب يرغمه على التفكير، وعلى العمل، والدولة؛ إذ تشعر بامتلاكك قوة، بينما لا تحب السلطةُ سلطةً أخرى. قد يتبدل نظام الدولة، الملكية أو الإمبراطورية أو الجمهورية، غير مهم! المعايير الجمالية الرسمية لا تتبدل! فبفضل مناصبهم، يحتكر وكلاؤها -إداريين وقضاةً- الذوق (راجع الاعتبارات المتعلقة بتبرئتي). هم يعرفون كيف يجب أن نكتب، خطابهم معصوم من الخطأ، ويملكون الوسائل اللازمة لإقناعك.

لن تحاكم، ولن تُدان. ثمة سوء فهم، خطأ. لا أدري ماذا. وزير العدل سيتدخل! لم نعد في أيام السيّد ڤيليل. ومع ذلك، من يدري؟ للأرض حدود. لكن غباء الإنسان لا حدود له.

أقبلك، رجلك العجوز: غ فلوبير

إلى إيڤان تورغينيف

(كرواسيه 22 ديسمبر 1878م)

عجوزي الغالي.

إيفان تورجنيف

لا بدّ أن صمتي يفاجئك؟ عذري ويا للأسف شرعيّ. مررتُ في متاعب مادية، في قلق عنيف، إلى حدّ أنني أعجب لبقاء رأسي بين كتفيّ! ضاع أملي كليًّا في استعادة ثروتي! لن أتأكد من مصيري إلا في نهاية يناير. سأعلمك بذلك قرب المدفأة. لا تخبر أحدًا بذلك.

لم أكن يومًا في حاجة إلى أحد، كم أنا في حاجة إليك. صحبة عزيزي تورغنيف مفيدة لقلبي وروحي وأعصابي. إني أنتظرك، مطلع يناير. ليس قبل ذلك، أولًا لأنه رأس السنة، ثانيًا لن تكون مرتاحًا هنا بسبب أحوال الطقس الرهيبة، ثالثًا ابنة أختي وزوجها سيحضران مغادرتهما إلى باريس.

لن أكون موجودًا في باريس قبل مطلع فبراير؛ لذا أنتظرك بعد خمسة عشر يومًا أو ثلاثة أسابيع. سأقرأ لك ثلاثة فصول من «بوڤار وپيكوشيه»، تبقى لي ثلاثة فصول! لكن قبل معاودتي الكتابة، أحتاج كثيرًا إلى ثلاثة أو أربعة أشهر من القراءات.

إلى لقاء قريب، أليس كذلك؟

عجوزكَ غ فلوبير


المصدر:

Correspondance Flaubert, Folio, 1998.

Gustave Flaubert – Guy de Maupassant, Correspondance, Flammarion, 1993.

Gustave Flaubert – George Sand, correspondance, La part commune, 2011.

ألمانيا الشرقية: ماذا كسبت وماذا خسرت بعد ثلث قرن من الوحدة؟

ألمانيا الشرقية: ماذا كسبت وماذا خسرت بعد ثلث قرن من الوحدة؟

تقترن نهاية جمهورية ألمانيا الشرقية في أذهان الأوربيين بصورة حشد من الناس الذين يهدمون جدار برلين بابتهاج، وتُعَدّ إعادة توحيد ألمانيا في 3 أكتوبر 1990م أحد أكثر الأحداث سرورًا في ألمانيا وغرب أوربا. لكن هل هذا ما يراه اليوم الألمان الشرقيون بعد ثلث قرن من وحدة ألمانيا؟ وكيف يتذكرون التغيرات الاقتصادية والاجتماعية الجذرية التي شهدوها بعدها؟ وكيف يختلفون عن الألمان الغربيين في الرؤية؟

في أحدث الدراسات الأوربية حول هذا الموضوع، «ألمانيا الشرقية بعد ألمانيا الشرقية. قصص الألمان الشرقيين»، المنشورة في فرنسا بمناسبة الذكرى الثلاثين للوحدة، تحاول الباحثتان الفرنسيتان-الألمانيتان آنييس آرب وإليزا غودين- شتاينمان، فهم ما تبقى من تجربة ألمانيا الشرقية حتى اليوم، وما الذكرى التي يحتفظ بها عنها من عاشوا فيها، وهل ما تزال آثار إلغائها ملموسة؟

المثير في هذا العمل هو أنه إلى جانب تقييمات الخبراء يتضمن عرضًا مباشرًا لذكريات العديد من سكان ألمانيا الشرقية ويعطي تقييمات مختلفة للحياة فيها. وتتميز هذه الدراسة أيضًا، بالابتعاد من الصورة السائدة بعد الوحدة لألمانيا الشرقية بأنها دكتاتورية قاسية وهيئة أمنية، وعوضًا عن ذلك فهي تتبنى نظرة أكثر اعتدالًا لهذه الدولة وتطرح سؤالًا عما يمكن أن يستفاد من تجربتها في عصر مراجعة توجهات وقيم ديمقراطيات السوق.

 

خسائر ألمانيا الشرقية بعد الوحدة

أول ما تشير إليه الباحثتان هو الاختلاف الكبير في صورة الوحدة بين الألمان الغربيين، الذين يرونها ثورة سلمية سعيدة غير مسبوقة في ألمانيا، والألمان الشرقيين الذين يرونها تغييرًا جذريًّا، وأحيانًا ضمًّا عدوانيًّا لدولتهم من جانب ألمانيا الغربية، وذلك رغم أن معظمهم صوتوا لصالح الوحدة، ولكن بالنسبة لهم تجربة الوحدة لم تكن دومًا إيجابية، والوضع في ألمانيا الشرقية لم يكن دومًا سلبيًّا.

وعند قراءة العديد من المقابلات التي تعبر عن الأسف بشأن كيفية توحيد البلاد وعدم إعطاء «المسار الثالث» فرصة، يتولد إحساس بمدى حدة عملية تفكيك البلاد، وفي الواقع، المسار الثالث نوقش مناقشة جدية عام 1989م، حتى ممن شاركوا بنشاط في المظاهرات الاحتجاجية كحركة «المنتدى الجديد»، وكانت إعادة بناء ألمانيا الشرقية المطروحة تريد الحفاظ على الاشتراكية، وترفض النموذج الرأسمالي الألماني الغربي.

لكن ما جرى بالفعل لم يكن توحيدًا، بل ضمًّا لألمانيا الشرقية من ألمانيا الغربية. وقد قرر هلموت كول ليس إنشاء دولة موحدة جديدة بدستور جديد، بل توحيد البلدين توحيدًا سريعًا باستخدام المادة في دستور ألمانيا الغربية التي تسمح بإدراج أراضٍ جديدة ضمنها، ولم تُدخِل ألمانيا الشرقية معها أي شيء من خصوصياتها إلى دولة الوحدة، على الرغم من أن العديد من مواد دستورها كان يستحق مصيرًا أفضل من التجاهل؛ مثل: قانون الجنسية، وتشريعات حقوق المرأة، والحق في السكن وفي العمل، التي كانت ضمانات قانونية في ألمانيا الشرقية، لكن الوحدة لم تحافظ عليها.

حينها، وافق الألمان الشرقيون على خطة كول، ولكن بعد سبع سنوات انتقده المثقفون الألمان، واتهموه بشن «حرب باردة ضد الدولة الاجتماعية»، واصفين السنوات التي تلت الوحدة بأنها «مرحلة عصر جليدي»، ونتيجة لذلك فقدت ألمانيا الشرقية كثيرًا من سكانها، حيث غادرها قرابة مليوني شخص بين عامي 1990-2003م، وربع السكان بين عامي 1991-2017م، وكان بين المهاجرين المهمين خريجو الجامعات الباحثين عن وظائف، والنساء اللاتي لم تعد كثيرات منهن، مما أدى إلى تخلخل النسب الجنسية في المناطق الشرقية.

وإضافة إلى ذلك، فقد عانى شرق ألمانيا معاناة شديدة من البطالة التي لم يعتد الناس على وجودها هناك، وانخفضت فرص العمل فيها إلى النصف منذ نهاية عام 1989م حتى نهاية عام 1992م. وفي بداية عام 1993م أصبح هناك نحو 200 ألف شخص بلا مأوى، واضطر العديد من الألمان الشرقيين أكثر من مرة لبدء كل شيء من الصفر، وتركوا عائلاتهم للبحث عن عمل في الغرب، وغالبًا ما كان هذا العمل مهينًا. وهكذا اهتزت جميع معايير القيم فجأة، وهذا ما أدى إلى تداعيات نفسية مروعة، كالإدمان على الكحول والعجز والاكتئاب الذي يدمر العائلات، وقد زادت حالات الانتحار، وتراجعت معدلات الولادة. وفي عام 1994م بلغ معدل الولادة في شرق ألمانيا (الذي كان يعلو كثيرًا قبل عام 1989م على نظيره في الغرب الألماني) 0.77 طفل لكل امرأة، ولم تشهد أي دولة في العالم معدلًا منخفضًا كهذا.

استبداد اقتصاد السوق

ترتبط هذه التغييرات المريعة إلى حد كبير بالهيئة المشهورة بسوء السمعة «ترويهاند» (Treuhand)، التي تأسست في 1 مارس 1990م لإدارة عملية انتقال جميع المؤسسات العامة في ألمانيا الشرقية إلى اقتصاد السوق، وخصخصتها بأسرع ما يمكن وفقًا لشعار «الخصخصة السريعة هي أفضل علاج»، وتحت هذا الشعار، باعت ترويهاند 8.5 آلاف مؤسسة ألمانية شرقية إلى مستثمرين خاصين من غرب ألمانيا في معظم الأحيان، وقد أدى عدم وجود تدابير قانونية وسياسية مناسبة لضمان بقاء بعض الصناعات والمؤسسات الثقافية الألمانية الشرقية إلى حصول الشركات الغربية على حرية كاملة لفرض قانونها الذي كان قانون الأقوى.

نُقِلَت الأصول من الشرق إلى الغرب في البلاد بشكل ضخم، ونقلت ترويهاند 80% من الملكية الصناعية إلى الألمان الغربيين، الذين صاروا الآن يمتلكون نحو ثلاثة أرباع أراضي وعقارات ألمانيا الشرقية. وبرأي الصحافي أوتو كيلر فترويهاند لم تخدم إلا مصالح رأس المال الألماني الغربي، وقد كان هدف تصفية الشركات الألمانية الشرقية غالبًا هو تدمير المنافسين المحتملين. وقد أدت عمليات الخصخصة هذه إلى تقليص هائل في فرص العمل في الشرق، وشهدت ألمانيا الشرقية في أوائل التسعينيات احتجاجات ضد ترويهاند تتهمها بـ«القتل الرحيم النشط» لفرص العمل في ألمانيا الشرقية.

وفي عام 1992م، كتب الكاتب الألماني الشرقي الشهير غونتر غراس: «استبدلت ألمانيا بجدار برلين فجوةً اجتماعية»، وصار المواطنون السابقون في ألمانيا الشرقية يشعرون بشدة بتجاهل تجربتهم الخاصة وعدم حصولهم على حقوقهم، وهذا ما تعزز على مر السنوات التي تلت الوحدة؛ بسبب ضعف تمثيل الألمان الشرقيين في الطبقات الحاكمة في ألمانيا الموحدة، بقطاعاتها السياسية والاقتصادية والإعلامية، وهذا ما يرتبط بالنواقص القانونية لعملية الاندماج السريعة.

وبدوره، تعرض التراث الثقافي الألماني الشرقي أيضًا لتقليل القيمة والمصادرة بشكل مشابه، وفي التسعينيات، كانت البحوث عامةً حول ألمانيا الشرقية تُجْرِيها معاهدُ البحث الغربية، التي توحدها رؤية أنّ المجتمع الألماني الشرقي كان خاضعًا لجهاز الدولة الشمولي القمعي. وبدورهم، تعرض الباحثون الألمانيون الشرقيون لعمليات فصل بالجملة، وكانوا يلاقون صعوبات كبيرة في التعبير عن آرائهم ونشر أعمالهم، فقد جرى تثبيت معايير متعصبة في المجتمع العلمي بسرعة، واختزلت صورة الجمهورية الشرقية في منظومة أمنية، وشُبِّهَت الدكتاتورية الاشتراكية بالنازية.

وفي رأي الباحثتين المذكورتين آنفًا، أنّ المقارنة بين ألمانيا الغربية كـ«مجتمع حرية» وألمانيا الشرقية كـ«مجتمع قمع» سطحية، وأن دور جهاز أمن الدولة مبالغ فيه، وهو فعليًّا كان أضعف مما يعتقد في الوقت الحاضر، وأن تقسيم الألمان الشرقيين إلى «قامعين» و«مقموعين» منافٍ للحقيقة، وفعليًّا كان هناك خيارات كثيرة بين المعارضة الراديكالية للنظام وبين قبوله قبولًا تامًّا ونهائيًّا.

وبعد بضع سنوات من الوحدة، صار كثير من الألمان الشرقيين يشعرون بالخيبة العميقة بشأن «مكاسب الحرية»، فقال المخرج الألماني الشرقي فرانك كاستورف عام 1997م: إنه يعتقد أن الألمان الشرقيين كانوا في الاستبداد الجمعي أكثر حرية مما هم في المجتمع الحديث، وأنهم الآن يشعرون بالسطحية، وليس بالحرية. وقالت الكاتبتان أنجيليكا غريبنر وسكارليت كليمت، المهمشتين سابقًا في ألمانيا الشرقية: إن النظام الجديد قمعي كالنظام القديم، وقد استبدل بالاستبداد السياسي فيه استبداد المال، والرقابة القوية بقيت موجودة، والعوامل السياسية هي الحاسمة في الحصول على الدعم المادي للفنون والبحوث العلمية، والغربيون لا يفهمون كم هي حريتهم ضئيلة، وهم يقدمون كل شيء لإرضاء أرباب العمل.

أما ضحايا القمع السياسي في ألمانيا الشرقية، فقد خابت آمالهم بالحصول على العدالة في ألمانيا الغربية في كثير من الأحيان؛ بسبب الشكليات القانونية الباردة والمنعزلة.

شرعنة الوحدة

وبعد ثلث قرن من سقوط الشيوعية، لا تزال الصناديق الخاصة الكبيرة تدعم الأبحاث التي تفرض فيها عملية المطابقة بين الدكتاتوريتين الألمانيتين النازية والاشتراكية في القرن العشرين، التي تهدف إلى تشويه صورة ألمانيا الشرقية وشرعنة الوحدة بالشكل الذي حدثت فيه، وشرعنة نموذج المجتمع الذي أرسته.

وعلاوة على ذلك، فالعديد من الألمان الشرقيين -الذين نشؤوا على احترام بطولة المقاومة الشيوعية ضد الدكتاتورية الهتلرية، وجهود الشيوعيين الذين أنشؤوا جمهورية ألمانيا الشرقية، وكانوا يحلمون بأن يظهروا للعالم أن ألمانيا ليست فقط بلد الكارثة النازية، وإنما هي بلد الاشتراكية، وأول مجتمع غير طبقي في غرب أوربا- يشعرون بالأسى لاختفاء عدد كبير من النصب واللوحات التذكارية والتماثيل من الأماكن العامة بعد الوحدة، وقد ظهرت في مكانها لوحات تكرم «ضحايا الفاشية والدكتاتورية»، وتساوي بين الاشتراكية والنازية.

اليوم يَجمع الألمانَ الشرقيين، حتى أولئك الذين يرون منهم أن زوال جمهورية ألمانيا الشرقية أمر إيجابي، شعورٌ بخسارة لا تعوض، وقد شرحه المؤرخ الألماني الشرقي غيرت ديتريخ بالقول: إن كلمة «جمهورية ألمانيا الشرقية السابقة» هو كلمة مثيرة للسخرية مثل كلمة «جدي السابق» عن «جدي المتوفى»، ويكفي أن نتحدث عن الأقارب المتوفين والبلاد المتوفية بصيغة الماضي.

إن الإحباط والغضب من التجريم السائد في الخطاب العام للماضي الألماني الشرقي، والمطالبة بالمزيد من النزاهة والموضوعية في وصف تاريخ البلاد، توضح الحجم الهام للتصويت لحزب «البديل» اليميني المتطرف في شرق ألمانيا. وفي رأي الباحثين فهذا الدعم لهذا الحزب «المضاد للنظام» لا يرتبط بالعادات الموروثة من جمهورية ألمانيا الشرقية كما يعتقد بعضٌ، ولكنه بالنسبة للألمان الشرقيين أسلوب للرد على الإساءة والظلم اللذين تعرضا إليهما بعد الوحدة.

وبعكس ذلك، يمكن للنظرة المدققة لتاريخ جمهورية ألمانيا الشرقية، والاهتمام الأوسع بتجربتها، واعتبار مجتمعها ليس دكتاتورية وحسب، بل نموذجًا اجتماعيًّا بديلًا لديه حسناته، أن تخفف شعور الألمان الشرقيين بالإهانة، وبعد ثلاثين عامًا، برأي آنيس آرب وإليزا غودين-شتاينمان، حان الوقت لندرك أن التجربة الجماعية لجمهورية ألمانيا الشرقية ليست كلها عديمة الجدوى.

تقول الكاتبة الألمانية الشرقية ساسكيا هيلموند: «خلال فترة الأزمة العميقة في نظام السوق الحرة، يمكن أن يكون من الضروري طلب خبرات ومهارات الأشخاص الذين عاشوا في مجتمعات مختلفة، سواء كانت رأسمالية أو اشتراكية، وإذا كنتم تستمعون بعناية، فسيخبركم الألمان الشرقيون عن أولوية الروابط الاجتماعية، وكيف يمكن العيش بسعادة دون استهلاك، وسيذكرونكم بمدى أهمية الدولة التي تراقب الاقتصاد بدرجة معينة، وتخطط وتستثمر وفقًا لاحتياجات السكان».

وهذا هو الوقت لفهم ما يمكن أن نأخذه من الماضي إلى المستقبل، والعمل في الحاضر مسلحين بهذه المعرفة.


المصدر: https://globalaffairs.ru/articles/gdr-posle-gdr

«نزوح» لحبيب سروري… متعة التخييل العلمي في الرواية

«نزوح» لحبيب سروري… متعة التخييل العلمي في الرواية

يعد التخييل العلمي ميدانًا ثرًّا وغامضًا في عالم الرواية عمومًا، والرواية العربية خصوصًا، حيث يجمع بين الخيال والعلم، يستشرف المستقبل ويستكشف أفكارًا ومفاهيم علمية وتقنية تخيلية. ومن ميزات روايات الخيال العلمي أنها تخرج عن المألوف وتسعى لاستكشاف أبعاد مبتكرة، سواء كان ذلك في عوالم فضائية بعيدة أو في المستقبل البعيد.

في الأدب العربي، لا يزال التخييل العلمي تيارًا حديثًا نسبيًّا، ويمكن القول: إن الخيال العلمي باللغة العربية لا يزال يختط لنفسه مساره الأدبي الشائك، الذي قد يبدو للقارئ وكأنه يعيد إنتاج روايات أو أفلام غربية سباقة في هذا المجال. ومن اللافت أن مواضيع الخيال العلمي باللغة العربية متنوعة بين التطور التقني، والرحلات الفضائية، والاستكشافات العلمية، حتى التأملات في مستقبل المجتمعات البشرية، وتعتبر الرواية وسيلة فعالة لاستكشاف القضايا الاجتماعية والسياسية والبيئية بطريقة مبتكرة، كما تشكل منصة للتفكير في المستقبل وحَفْز الخيال والإبداع لدى القراء والكتاب على حد سواء.

بين حقائق العلم والتخييل الأدبي

يعد الروائي اليمني المقيم في فرنسا حبيب عبد الرب سروري واحدًا من أبرز الروائيين العرب الذين يوظفون التخييل العلمي في رواياتهم، بحيث ينسج عوالم روائية إبداعية بناءً على أحدث ما توصلت إليه التقنية الحديثة، وذلك بطريقته الخاصة التي تجمع بين المعرفة العلمية واللمسة الأدبية.

في روايته الأحدث «نزوح» (دار الساقي، بيروت، ٢٠٢٤م) تنطلق الشخصيات (سباسكي، فيشر، خولة، جلال، مانيارا… في رحلاتها الفضائية المفعمة بالعشق والتطلعات، حيث يتحول الشغف إلى وقود يدفعها نحو استكشاف عوالم مجهولة، يتلاقى فيها العقل والقلب والروح في تناغم وانسجام يساهم في تعزيز روح الابتكار.

تركز «نزوح» على جانب التخييل العلمي في الرواية العربية، حيث تعتبر التقنية والعلم مجالات غير مألوفة لكثيرين، وبعيدة من أجواء الرواية والأدب، والكاتب يوظف خبرته العلمية الطويلة كعالم في علوم الكمبيوتر، في روايته التي تأخذ من العلم حقائقه ومن الأدب تخييله وجمالياته.

عبر ثمانية وعشرين فصلًا تمزج رواية «نزوح» بين عالم الخيال والواقع في عالمنا الحديث، فتنطلق رحلات استكشافية نحو الفضاء والمستقبل، في حين يرزح كثيرون في قيود الماضي، وقيود التقاليد والعادات التي تقصيهم عن التفكير العلمي وتبقيم أسرى أوهام ماضوية.

تدور أحداث «نزوح» داخل مركبتين فضائيتين مغلقتين، وفي أمكنة وجغرافيات متخيلة، كذاك المكان الذي يسميه أرخبيل سقطرى «الجديدة»، حيث يضع مجموعة شخصيات في المركبتين ويصور أحلامها وأوهامها وخيالاتها وذكرياتها الماضية منها، وتلك التي ترنو إليها في مستقبلها. ينسج حبيب عبد الرب سروري علاقات متشابكة بين شخصيات فريقي المركبتين، حيث يوجد خمس شخصيات في كل مركبة، ويقتفي أثرها في حاضرها وماضيها ويمضي بها ومعها في رحلاتها في الفضاء، فيصور المستقبل المأمول وكأنه ماضٍ منشود.

تصور «نزوح» تفاصيل الرحلة الفضائية ويوميات رواد الفضاء، وتأخذ القارئ في رحلةٍ مثيرةٍ عبر الفضاء، حيث يتعرف إلى كيفية تفاعل رواد الفضاء مع عواطفهم ومشاعرهم وتجاربهم الجديدة، وتعرض تجارب الشخصيات في المحطة الفضائية، وكيف تتأقلم مع الحياة في بيئةٍ غير مألوفة، فلا جاذبية ولا هواء ولا حياة تقليدية. وفي وسط هذه الرحلة، تتعرض الشخصيات لمواقف تحدٍّ ومواجهات مع أنفسهم وواقعهم الجديد الغريب. تتضح مشاعرها المتضاربة وهي تحاول التكيف مع هذا العالم الجديد الذي يفرض عليها قوانين جديدة.

نزوح إلى العقل والسلام

يختار الكاتب لروايته إطارًا زمنيًّا مستقبليًّا، ما يضعها في روايات الخيال العلمي، ولكنها في الوقت نفسه تتسم بأدبيتها العالية، حيث الخيال مدماكها الرئيس الذي يجسد هيكل الرواية، وتأتي التفاصيل الأخرى لتؤثث فضاءها بما يتناسب ورحلات التخييل والاستشراف المستقبلية، بالاعتماد على معطيات واقعية وسابقة، ناهيك عن الاتكاء على الجديد والمكتشف في مجال علم الفضاء، بالموازاة مع التغلغل في نفوس الشخصيات.

على الرغم من الانطلاق من الواقع وما يسم الرواية من واقعية، وبخاصة في الفصول المتعلقة بحيوات الشخصيات على الأرض، فإن التأمل يحضر في الرواية كعنصر رئيس، حيث كل شخصية تتأمل في ذاتها ومحيطها، في ماضيها ومستقبلها، والرواة بدورهم ينتقلون من ذواتهم لذوات الآخرين في رحلة بحث واستنطاق وتأمل، وكأن فلسفة الحياة والأشياء جزء من صياغة الرحلة المستقبلية أو عنصر من عناصر استمرارها.

يشدد الروائي في روايته على أن الحب وحده هو الذي يمكن أن يتكفل بإنقاذ البشرية، وذلك من خلال علاقات الحب التي قد تبدو في بعض الأحيان متمردة وغرائبية على المركبتين، إلا أنها تصور غرائبيات النفوس وتحولاتها النفسية والتغيرات التي تقودها في مساراتها ومستقبلها.

يلفت حبيب عبد الرب سروري في روايته إلى أن الحضارة البشرية أصبحت خطرة على نفسها وعلى البشر، وأن الحروب والكوارث التي تسود قد تسرع في الخراب وتجلب المزيد منه، وأن ذلك ينذر بعواقب وخيمة يصعب احتواؤها مستقبلًا. ويشير الروائي إلى أن روايته «نزوح» لا تبحث عن رسم سيناريوهات مفترضة لهندسة حياة ومجتمع في المستقبل القريب، وأنها توجب البحث عن سبل لتجميل الحياة على كوكب الأرض، بالحديث عن سيناريوهات مغادرته، ما يفرض على القارئ التدبر في جدوى النزوح نفسه، وكيف أنه يفترض أن يكون نزوحًا إلى السلام والبناء ونزوعًا إلى العقل والمنطق في مواجهة قوى التدمير والظلام.

تبرز التساؤلات الفلسفية حول معنى الوجود والمكانة البشرية في الكون، وكيف يمكن للإنسان أن يستمر في العيش والتطور في بيئة غير الأرضية. بهذه الطريقة، تقدم رواية «نزوح» لقارئها تجربةً مميزةً ومثيرةً، تفاصيلها تلامس أعماق الإنسان وتثير الفضول والتأمل في مستقبل البشرية وعلاقتها بالفضاء والعوالم الأخرى.

نجح الروائي حبيب عبد الرب سروري في مسعاه لإطلاق صفارات الإنذار والتحذير من أجل استنفار القوى لحماية الحياة على الأرض والاعتناء بمستقبل الكوكب وسكانه، بحيث يكون النزوح إلى العقل والبناء قبل التمادي في سبل التخريب والدمار.