بواسطة فابيان برناردت - كاتب ألماني - سوار ملا مترجم سوري | يوليو 1, 2024 | ثقافات
في ذلك المكان، حيث قضيتُ أولى سنوات حياتي، كان ثمّة بيتٌ مهجورٌ لا يريدُ الأطفال اللعب أمامه، أما البالغون فكانوا كلّما يمرون به في الليل يعجّلون خطاهم من دون أن يعلموا سببًا لذلك. لا أحد كان يعرف في الحقيقة ما الذي قد جرى داخل هذا البيت، ولم يكن يتحدّث أحدٌ عن الأمر أيضًا؛ بيد أنّ الجميع كان يشعر، كلٌّ بطريقته الخاصّة، أنّ ما قد جرى فيه ليس أمرًا حسنًا.
لعل بعضكم قد مرّ في تجربة مشابهة في وقت ما: رجفان بسيط، اضطراب يبدو بلا سبب مُترافق مع شعورٍ غريب بأنّك لستَ وحدك. هكذا، كما لو أنّ غياب أحدٍ أو شيءٍ منقضٍ يكتسي على حين غرّة ملامحًا تُحَسُّ بوضوح، لكن من دون أن تُرى. ربّما لم يكن مكانًا، بل ذكرى أو حلمًا متكرّرًا جعلكَ تعيش هذا الشعور. هكذا، كأنّ الموتى ما برحوا هناك؛ كما لو أنّهم يريدون منّا أن نفهمَ أمرًا معيّنًا.
لكلٍّ منا أرواحه وأمواته. أحيانًا نزورهم، لكنّهم، في الغالب، هم من يزوروننا؛ إذ ثمّة استمراريةٌ لحياةِ الموتى في ذاكرة الأحياء. وهذا ليس أمرًا بالغ الغموض. لكن ثمّة حياةٌ لاحقةٌ(1) (Nachleben) أبعد من ذلك، ثمّة عودةٌ شبحيّة لا تستند إلى الذاكرة أو إلى أيّ أثرٍ آخر. إذن، فما الحياة اللاحقة الشبحيّة؟ ولمَ يعود بعضُ الموتى بهيئة أشباح؟ إلام يلمّحون؟ وماذا يمكننا أن نتعلّم من ذلك؟
عودةُ المُبعَدِ
تجد الفلسفة صعوبةً في أخذ مثل هذه الأسئلة على محمل الجدّ. صحيحٌ أنّها، ككل العلوم الذهنيّة، تُجري نوعًا من الحوار مع الموتى، لكنّها ترفض أن ترى نفسها علمًا للأرواح. فبمجرّد الانتقال من صيغة المفرد إلى الجمع(2)، ومحاولة القيام بفلسفة للأرواح بدلًا من الروح، تُبدي حدود هذا التخصّص حساسيةً وكأنّه أُفرِطَ في مدِّها. لم يكن عصر الأنوار بدايةً لِعَدّ الفلاسفة والعلماء أنّ مهمّتهم الأساسيّة تكمن في اصطياد الأرواح؛ فالفلاسفة، تبعًا لمهنتهم الكلاسيكيّة، هم صائدو أرواح، وغاية عملهم هي خلق الشفافية وجعل التفسير ممكنًا. حيث تُعرض الوقائع في جملٍ خبريّة وتُوضَع الظواهر في مفاهيم يمكن السيطرة عليها. وكلّ ما يتعذّر تناوله بهذه الطريقة غير مرحّب به عندها. وتبعًا لذلك، استُبْعِدَ كل ما هو شبحي، بلا هوادة، من ذلك المجال الذي يمكن عدّه موضوعًا للبحث الفلسفي.
أمّا الأرواح نفسها فلا تولي أيّة أهميّة لذلك؛ فهي تواظبُ غزوها للحاضرِ من دون أن تؤثّر فيها هذه المناورات. بل كيف يمكن اعتراض درب كائن اسمه ليس إلا بمنزلة مرادفٍ لـ«عودة المُبعَدِ/المنسيّ/ المطرودِ الحتميّة»؟ فلا عجب أن يخشى الأحياءُ قربها. ولا عجب أن تكون الأرواح مصدر إزعاج. فهي تمنحنا شعورًا بأن شيئًا ما ليس على ما يُرام، مُثيرةً إحساسًا بالشؤم والاضطراب. وليس ثمّة حاجة للإيمان بوجود الأرواح؛ كي نعترفَ أن كلّ حكاية عن الأرواح هي في الوقت عينه إخطارٌ بخللٍ ما. الأرواح مُدرَكات تقتحمُ على نحو غير متوقّعٍ النظام القائم، لتُنبِّه الأحياءَ إلى أن شيئًا من داخل هذا النظام قد فَسدَ. إنّها (الأرواح)، ميتةٌ من دون أن تكون قد ماتت فعليًّا، ليست حاضرة تمامًا ولا منقضية تمامًا، تُشيرُ إلى شيءٍ معيّن، في الحياة الفردية أو المجتمعيّة، لم يُتغلَّبْ عليه. يمكن لهذا الشيء أن يكون دَينًا رمزيًّا أو أخلاقيًّا لم يُسَد، حزنًا مُعوِّقًا، حوارًا أخيرًا لم يحدث، جريمة بلا عقاب أو ظلمًا لم يُعرفُ بعدُ على أنّه كذلك.
في قصص وأفلام الرعب الخياليّة التي تنتجها الصناعة الترفيهية المعاصرة، تُقدِمُ الأرواحُ، كما هو معلوم، على أفعالٍ خرقاء ونمطيّة نسبيًّا؛ قاصدةً ذلك النوع البسيط من أثر الصدمة، كأن تُغلِق الأبواب بقوّة، أو أن تُوقِعَ الأشياء أرضًا، أو أن تُطبِّل على الجدران كالأطفال. على حين أنّها، في الواقع، عادة ما تقدّمُ مطالبها بشكل أشدّ تكتمًا؛ إذ تقفُ خلال النهار، هكذا من دون أن نلحظها، على الحافات المائعة لإدراكنا، أو تستقر سرًّا في ذكرياتنا أو تتسلّل في الليل إلى أحلامنا. يصحُّ على جميع الظواهر الشبحية أنها تظهر بشكل عاطفي في المقام الأول، كمزاج مُشوَّش أو شعور غامض. وإن كانت الأرواح علامات للاضطراب، فإن الانفعال هو الوسيلة الأولية التي يتبدّى من خلالها هذا الاضطراب.
ثمّة انفعالٌ كامن خلف كلّ روحٍ: عدم راحة كامنة، ارتباك لا يمكن تفسيره، إصغاءٌ مُتخوّفٌ ورجفان، هاجسٌ رقيقٌ حول ذنبٍ أو حزنٍ منسي منذ زمن. تحثّنا الأرواح على أخذ مثل هذه المشاعر المزعجة على محمل الجد والبحث عن جذورها. وبمجرد أن يتلاشى أوّل فزعٍ تُسبِّبهُ لنا الأرواحُ، يتولّى ظهورها حافزًا مُتواصلًا لنوع من العملِ التأويلي. ويكون ذلك، بتفسير الإشارات وقراءة ما بين السطور والانتباه إلى ما لم يُقَل في كلمة
أو عبارة معينة؛ لذلك بوسعنا أن نتعلّم من الأرواح طرح الأسئلة الصحيحة.
إبهامٌ مُنتِج
كلمات مثل روحي، شبحي وغير ميّت، هي شَفَراتٌ لحقيقة أن الماضي بالكادِ ينقضي بصورةٍ تامّة. وذا يتوافق أيضًا مع حقيقة أن الأرواح تظهر على نحو خاص هناك، حيث يتعلّق الأمر بالحياة اللاحقة لفظائع ماضية وتجارب ظلم جماعي. حذّر الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، على سبيل المثال، عندما دُعي إلى إسرائيل في عام 2020 للاحتفال بالذكرى 75 لتحرير أوشفيتز، من أن «الأرواح الشريرة ذاتها تظهر اليوم بأشكال جديدة»؛ إذ كان قد حصل، قبل ذلك ببضعة أشهر، هجوم إرهابي يميني على كنيس يهودي في مدينة هاله. لا تزال «شواه»(3) إلى يومنا هذا تُجابَه بأيديولوجيا الاشتراكية القومية، هذه التي لا يمكن قتلها. والأمر عينه يصحُّ على الحياة اللاحقة لأرواحِ الاستعمار كما للعبودية على الجانب الآخر من الأطلسي. مفكّرات مثل سعيدية هارتمان وكريستينا شارب تُبرزن في كتاباتهنّ كيف أنّ العنف الاستعماري المرتكب ضد السود وغير البيض ما برحَ مُستمرًّا، على نحو خفيّ، حتى وقتتنا الراهن. وبالاستناد إلى ذلك، يتبدى أنّه ليس من قبيل المصادفة أن تلعب روحٌ الدور الرئيس الخفي في واحدة من أهم الروايات حول العبودية، «محبوبة» لـ توني موريسون. لكن ليس كل ميت يعودُ بهيئة روح؛ فالعاملُ الحاسم والجوهري لتحقّق ذلك هو «ما لم يُخلَّص».

كوينتين ميلاسو
الفيلسوف الفرنسي كوينتين ميلاسو، الأقل شهرة عن مساهماته الأخرى في مثل هذه الموضوعات، كتب مقالًا افتتحه بالسؤال التالي: «ما الشبح؟» وكان جوابه: «ميتٌ لا نفلحُ في الحزن من أجله، يضطهدنا ويرفض العبور إلى الضفة الأخرى؛ إلى هناك، حيث يرافقنا المتوفّون على بعد مسافة كافية لنعيش حياتنا من دون نسيانهم، ولكن أيضًا من دون أن نموت موتهم؛ من دون أن نكون أسرى لحظاتهم الأخيرة». وبذلك يبدو أنّ إجابة هذا السؤال قد تمّت. لكن ميلاسو يصرّ ويسأل مباشرً مرة ثانية، كما لو أنه نفسه لم يرض عن الإجابة التي قدّمها: «ما الشبح الذي يصبح شبحًا بشكل جوهريّ، شبحًا بامتياز؟» في إجابته الثانية يتّضح المقصود بعبارة «ما لم يُخلَّص»: «الأشباح الجوهرية هي حالات الموت الرهيبة: الموت المبكر، الموت البغيض، موت الأطفال، موت الآباء الذين يعرفون أن أطفالهم محكوم عليهم بالموت نفسه، وثمة حالات أخرى أيضًا. (…) الأشباح الجوهرية هي الموتى الذين يرفضون دومًا العبور إلى ضفتهم، المنسلّون بعناد من أكفانهم ليُعلموا الأحياء أنهم، بالعكس من كل يقين، ما زالوا محتفظين بمكانهم بينهم؛ بأن نهايتهم لا تحمل أيّ معنى ولا تبلغ أيّ اكتمال. كما أنها ليست بالضرورة ظلالًا تصرخ من أجل الانتقام، بل ظلال تصرخ بما يتجاوز كل انتقام».
من الأرواح يمكننا أن نتعلم أن مفاهيم مثل: الحياة والموت، الحضور والغياب، الحاضر والماضي، لا تمثّل دائمًا مقولاتٍ قابلة للفصل تمامًا. إنها تجسيدات غير مادية لما يتملص من تصنيفات واضحة. إن مسألة الأرواح أو الأشباح، وفقًا للفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، هي «مسألة الحياة والموت خارج إطار التضاد بين مقولتي الحياة والموت»؛ إنها مسألة «إمكانية الرؤية غير الحسيّة لغير المرئي»، التي تعرضها الأرواح علينا. والانشغال بها يعني مواجهة ذلك الجانب من التاريخ الحقيقي، المُنصرِف عن الخطاب: الموتى الذين لا أسماء لهم، الأصوات التي نُسِيَت، المساحات الفارغة في الأرشيف، وكلّ وجود فردي خلف تلك الأعداد المجهولة للموتى. شخصية الشبح تمكّننا من معالجة الأبعاد الكامنة للماضي، تلك المستعصية على المنطق التمثيلي للتأريخ التقليدي. أن تكون العبودية وراء المحيط الأطلسي كتكوين تاريخي ينتمي إلى الماضي، فذلك لا يعني أن تاريخها قد انتهى. فإرثها ما فتئ مؤثرًا، ولا يتوقّف عن تشويه الحاضر. ما ينطبق على الحياة اللاحقة للاستعمار، ينطبق، بالمثل، على جميع الخيالات وحالات اللاتزامن(4) الشبحيّة، التي تغزو الحاضر الحديث.
مقبرة الوعود المنكوثة

روبرت هاريسون
لكن لماذا تحديدًا الأرواح تعود؟ ما أصل العناد الذي ترفض به الاعتراف بالحدود الأخيرة والعبور إلى الضفة المقدرة لها؟ في وسعِ التاريخ الثقافي أن يوجّهنا نحو إجابةٍ ما. في «معظم ثقافات العالم»، يكتب روبرت هاريسون، «الموتى هم مُطارِدون يُذكّرون الأحياء (…) بذنبهم تجاه أسلافهم ويدعونهم للوفاء بالتزاماتهم. (…) إنهم يزعجون نومنا، يستعمرون مزاجنا، يهمسون في الظلام، ويتسللون إلى خيالنا، ويحثّوننا على مواصلةِ عملِهم لأجل الذين لم يولدوا بعد». من الصحيح أيضًا أن الأرواح تأتي من الماضي؛ لكن رغباتها تحوز معنى ملموسًا للحاضر والمستقبل. وصف بول ريكور التاريخ بأنه «مقبرة وعود منكوثة. وأعتقد أن الأرواح موجودة لتذكيرنا -نحن الأحياء- بتلك الوعود الخائبة والمَخُونة. يقينًا، ينطوي ذلك على احتجاجٍ ضد فعلِ النسيان وشكلٍ من أشكال الحداد. ولكن ليس هذا فقط: فحين تُذكّرنا الأرواح بالوعود التي أُخلِفَت في وقتٍ مضى، إنما، وقبل كلِّ شيء؛ لأنها تريدنا أن نملأها بحياة جديدة. إنها تُطالبنا بإنهاء ما لم ينتهِ، ليبدأ شيء جديد.
ولعلّ أهمّ ما يمكننا تعلّمه من الأرواح، هو: أننا مَدِينون ليس فقط لأولئك الذين أتوا من قبلنا، ولكن أيضًا لأولئك الذين سيحيون من بعدنا. فمثلما يتعايش الأطفال، في كثير من الأحيان، مع أجدادهم بصورةٍ أفضل من آبائهم، هناك أيضًا رابطة خاصة بين الموتى والذين لم يُولدوا بعد. لا أستطيع إخباركم بما حدث في منزل طفولتي. لكن من يدري؟ ربما، في يوم من الأيام، أخبر أحفادي.
المصدر: https://www.philomag.de/artikel/von-geistern-lernen?amp
حوامش:
(1) Nachleben: كلمة ألمانيّة مركّبة، معناها الاصطلاحي هو الحياة بعد الموت، «الحياة الآخرة».
(2) مفردة Geist الألمانيّة مركّبة دلاليًّا، إحدى دلالاتها هي «الروح»، ومن هنا المصطلح الألماني المركّب Geisteswissenschaft بمعنى علم الروح، ويُقصد به مختلف العلوم الإنسانيّة. أمّا مفردة Geister فهي جمع Geist وتعني أرواح؛ بربطها بمفردة علم أي Wissenschaft، نحصل على مصطلح مركّب هو Geisterwissenschaft أي علم الأرواح. (المترجم)
(3) اللفظ العبريّ للهولوكوست. (المترجم)
(4) Ungleichzeitigkeit وبالإنجليزية Non-simultaneity. وقد تكون هذه فرصة مناسبة للاطلاع على مفهوم «اللاتزامن» عند إرنست بلوخ، أو تذكّره (المترجم).
بواسطة عثمان الشيخ خضر النور - كاتب سوداني | يوليو 1, 2024 | كتب
لم يكن في أقصى كوابيس الفتاة الصغيرة (ميرا)، الأميركية المُنحدرة من أصول عربية التي تبتدر توًّا مسيرتها الدراسية في جامعة أيوا، أنّ بداية الطريق ستكون بهذه القسوة؛ إذ ستخوض في صراع مع خمسة كُتاب عرب، دُعُوا إلى برنامج الكتابة الإبداعية في هذه الجامعة برفقة كاتب إسرائيلي، وكُتاب آخرين من أنحاء مختلفة في العالم.
هكذا تقودنا رواية «عشرة أسابيع بجوار النهر» للروائي السعودي عبدالله الوصالي، في هذا الطريق الوعر وطرق أخرى أكثر تعقيدًا، في حكايات تتناسل بعذوبة وانتقالات غير عجولة بين غرفة ميرا في السكن الداخلي بأيوا، ومنزل أسرتها في شيكاغو، حيث والدها وحبيبها «مايكل»، وبين شوارع المدينة الصفراء وحرمها الجامعي، بعد أن تعرّفت إلى مجموعة الكُتاب القادمين للمشاركة في البرنامج، نتتبّع رحلاتهم وتناقضاتهم وحواراتهم، واختلافاتهم الشخصية والمذهبية والسياسية، وتَشكُّل ونشوء العلاقات بينهم، وتقاربهم ونفورهم، واتحادهم واختلافهم وحميميتهم. إضافة إلى جلساتهم مع «الدكتور أدريان» أستاذ اللغات السامية ومشرفها في برنامج الترجمة.
نص متعدد المستويات
في تقنية كتابته يتأرجح النصُّ المكتوب في 280 صفحة -مقسمة في واحد وثلاثين فصلًا إضافة إلى مقدمة وخاتمة- ما بين تقنيات سردية عدة: فهناك المذكرات التي تسير في خط أفقي من دون قفزات كبيرة وحبكات معقدة من جهة، وبين الرواية التي تجمع عددًا من الشخوص والقضايا من جهة ثانية، حيث بدخول جَدّةِ ميرا في بداية الرواية إلى البيت يَحدث تغيّر في حياتها، ليعود تأثير الجَدّة في الأحداث بنهاية الرواية ليكمل دائرية الحكاية. كما أنك تجد نصًّا شعريًّا جميلًا سَكب فيه الكاتب عُصارة تجربته اللغوية، فمعظم مقاطع النص مكتوبة بشاعرية عالية ولغة رفيعة وتكثيف راقٍ تجعلك تعيد قراءة بعض المقاطع أكثر من مرة، وهناك أيضًا نص يتخذ خلفية مسرحية تتنقّل فيه الشخوص على مسرح واحد وتمارس أدورًا مختلفة مع تغيّر طفيف على الخلفية.

عبدالله الوصالي
يمكن أن يُؤول القارئ النصَّ على أنه مذكرات شخصية لفتاة تعمل مُترجمة تصارع في اختيار نصوصٍ من لغتها الأم في تجربتها الأولى، مع مُشرفها. ولنقرأ في صفحة 14 من الرواية: «الأمر لا يتعلّق بوهمية الشخوص، فهي واقعية جدًّا، بل بما كنت أفكر فيه خلال تلك الفترة وما وقع أثناءها من أحداث وتفاصيل. ومع ذلك فلا شك في وجود نواة صلبة من الحقيقة تقف عليها كل هذه المدوّنة، نواة هي روح تلك الأسابيع القليلة التي تنبعث لي كلّما قرأت ما كتبت».
ويمكن أيضًا قراءة النص بوصفه نصًّا سياسيًّا من الدرجة الأولى، وذلك لاستعراضه للربيع العربي في فورته الأولى، ثم القضايا التي تدور في الدول التي أتى منها الكُتاب، أبطال القصة: (محمود-مصر، مرتضى-العراق، شادية-السودان، مرهف-السعودية، سلمى-سوريا)، وقضية الصراع العربي الفلسطيني وقضايا أخرى جاء ذكرها في أثناء سرد قصة سلمى. ويمكن عدّ النص نصًّا مكانيًّا بالدرجة الأولى يؤرخ للمدينة الصفراء، ولنقرأ في صفحة 32 من الرواية: «بتّ أسمي مدينة أيوا المدينة الصفراء بسبب طغيان اللون الأصفر على كلّ شيء تقريبًا، اللون الذي اتخذته الولاية شعارًا لها مع اللون الأسود. ولأني أعتقد أن اللون الأسود ليس في الحقيقة لونًا وإنما هو غياب للألوان، اعتبرت أن اللون الأصفر هو الذي يعلن عن حضوره».
تتساوى البطولة بين الشخصيات إلى حد كبير وينفرد المكان بالبطولة المطلقة؛ فـ«ميرا» على الرغم من أنها السارد الوحيد للقصة فإنها كانت لا تصنع أحداثًا بالقدر الكبير، إضافة إلى بروز المكان بشكل لافت في سطوره، ويكاد كل حدث يظهر جديدًا يُمهَّد له بوصف المكان وصفًا كثيفًا.
ويمكن تأويل النص على أنه من أدب الرحلات فالوصف الدقيق للمدينة والجامعة، بما فيها أسماء المتاحف والقاعات والمطاعم والمقاهي والشواطئ، وتاريخ المكان وحالة الطقس يمكن أن تمنحك حضورًا كبيرًا وإن لم تزرْه. ويمكن عدّ النص نصًّا توثيقيًّا إذ يمكن الرجوع إليه مصدرًا لمعرفة عوالم برنامج الكتابة الإبداعية في جامعة أيوا، وبداية تأثير منصات التواصل الاجتماعي في الحياة اليومية. نجد الكاتب يذكر بوضوح أن هناك رسالة جاءت على الواتساب أو الماسنجر أو على الفيسبوك، وهي أشياء قد لا نجدها في كتابات اليوم قياسًا على زمن أحداث الرواية في العام 2014م.
خرجت من «عشرة أسابيع بجوار النهر» مُرهقًا، فعلى الرغم أزيز مكيف الهواء في غرفتي فإنني كنت متعرّقًا، فقد أحالتني هذه الرواية إلى عوالم عشتها سابقًا في ظروف تشبه ما عاشته ميرا، ظروف الحنين للأماكن والرفقة والسواحل، التعرّف إلى الغرباء والاندماج في مجتمعات سريعًا، والانعتاق منها بالسرعة ذاتها. فتحت ذهني على الصراعات التي يعيشها الكُتاب بعضهم مع بعض، رغم الصورة الوردية التي يضعها المُتلقّون عن حياتهم، والمثالية التي يتصوّرونها عن تصرّفاتهم الشخصية وحيواتهم الخاصّة. قفزت إلى ذهني تساؤلات تخص جدوى برامج الكتابة المغلقة وتأثيرها في المشاركين فيها، وعن برنامج الكتابة بأيوا الذي يتواصل تنظيمه كل عام، منذ ذلك الحين وإلى الآن، وأخرى تخص مصاير الشخصيات وتحوّلاتهم الثقافية والفكرية والسياسية، وأخرى أشد إلحاحًا تخص المدينة الصفراء التي أحببتها.
بواسطة حاورها: جهاد الرنتيسي - كاتب وروائي أردني | يوليو 1, 2024 | حوار
التجريب والغربة والاغتراب ثيمات أساسية في أعمال الروائية المصرية الدكتورة مي التلمساني، وهي تشكل أنماط السلوك اليومي، وطرائق التفكير، والعلاقات بين البشر. حول هذه السمات وحضورها حاورتها «الفيصل» انطلاقًا من روايتها المشتركة مع إدوار الخراط «صدى يوم أخير» التي صدرت مؤخرًا.
لعبة الكتابة المشتركة
● صدرت مؤخرًا روايتك المشتركة مع إدوار الخراط «صدى يوم أخير»، أنتما تنتميان لعالمين مختلفين، لكنكما حافظتما على السياق العام للرواية، لأي حد استطعت الاحتفاظ بهوامشك؟
■ التقينا أنا وإدوار صديقين، وكان ناقدًا لجيل التسعينيات ومواكبًا لحركة النشر في جيلنا ومعنيًّا بكل جديد في مجال الرواية والشعر، أو ما أسماه بالحساسية الجديدة، مما قرب بيننا على الرغم من الاختلاف المشار إليه من ناحية الأسلوب والمشروع الإبداعي. كتب الفصل الأول في الرواية وكتبت الفصل الثاني، وهكذا حتى انتهينا من النوفيلا التي نشرت مسلسلة في مجلة سيدتي اللندنية. كان من الضروري حين وافقت على خوض مغامرة الكتابة المشتركة أن ألتزم بسياق الحكي على أن تكون لدي مساحة للتجريب، سواء بالاقتراب من عوالم الخراط المثيرة من ناحية استخدام اللغة وولعه بوصف الحواس، أو بالابتعاد منها لكي أجتذب خيط الحكي لمنطقة التأمل النفسي من منظور نسوي، وهي المنطقة التي تثير انتباهي على الأخص. وأعتقد أنني لست غريبة عن عالم الفن التشكيلي الذي تدور فيه أحداث الرواية، مما يسر الحفاظ على المعادلة السردية فيما يشبه لعبة البنغ بونغ، حتى تفوز النوفيلا في نهاية اللعبة، ونفوز كلانا بتجربة الكتابة المشتركة.
● تعاملت مع الحلقات التي كتبها إدوار انطلاقًا من «الرد» و«النقد»، هل رأيتِ في حلقاته ميلًا للمناكفة؟
■ أعتقد أننا كنا حريصين على نجاح التجربة أكثر من حرصنا على المبارزة الأدبية. فكما ناكفني في الفصل الأول، ناكفته في الفصول التالية. كنا ننصب الفخاخ في النص على أمل أن يقع فيها الآخر ويخرج منها معافى وسليمًا، وهو فعليًّا ما حدث، حتى إن بعض القراء انتبه لصعوبة التعرف إلى اختلاف الأسلوب من فصل لآخر، وتساءل عن خطة مسبقة للكتابة نفذناها معًا. والحقيقة أننا من دون ترتيب مسبق، وبلا حوار أو نقاش بيننا، انغمسنا في لعبة الكتابة المشتركة بهدف المغامرة واللعب والتجريب، وجاءت النتيجة لصالح الكتابة في اعتقادي.
أشكال مختلفة للاغتراب
● غربة الإنسان عن ذاته ومحيطه ثيمة عوالم أعمالك الروائية، ألا ترين أنها تجاوزت، من خلال تركيزك عليها، الإشكالية لتتحول إلى جوهر حياة الكائن البشري؟
■ أتفق معك في مقولة: إن الغربة باتت جوهر حياة البشر، الغربة بمعنى الاستلاب، الاغتراب عن الذات، الاغتراب في المكان الأصلي والاغتراب بعيدًا منه. أختلف في كونها فقدت بريقها بالنسبة لي. هي تتخذ في كل الأعمال سواء الإبداعية أو الأكاديمية أشكالًا مختلفة كما أن طرق تناولها متشعبة. أحيانًا لا أعيها في أثناء الاشتغال عليها، لكنها في النهاية تتجدد في كل عمل، وتجدد احتمالات فهمها بشكل مغاير في كل مرة، من الغربة بمعنى الاغتراب عن الذات والوطن الأم، إلى الغربة بمعنى الاستغراب والدهشة إزاء كل سقوط للبشر، أفرادًا أو جماعات. هذا المنحى الأخير، الاستغراب، يدهشني في كل مرة لكوني أثق في قدرة البشر على النهوض بعد كل كبوة. ربما يبدو هذا ضربًا من التفاؤل الساذج، لكنه في جوهره يعينني على تجديد الوعي بقدرات البشر وحدودهم، ويدفعني للحركة خارج أنساق التفكير السائدة.
● في رواية «دنيا زاد» أخذت الغربة شكلًا جديدًا، تمثل في الغياب والحضور الملتبس للطفلة التي توفيت في أثناء الولادة. هل تعمدت نبش قضايا نسوية غير مطروقة؟
■ هي بالأساس رواية سيرة ذاتية، لم تكن وراءها قصدية أبعد من الحكي، على الأقل في لحظة الكتابة. والحكي، كما هي الحال في ألف ليلة وليلة، هو سعي مضمر للخلاص. بمرور الوقت، أدركت أن دنيا زاد لم تزل حاضرة على الرغم من الغياب، شكلت بغيابها وعيًا مختلفًا باغترابي في هذا العالم، فقد البراءة إزاء الألم، ووعي القدرة الكامنة على النهوض من كبوة الموت رغم الأسى، ووعي الموت بوصفه صنوًا للحياة نجربه ونختبره ونحيا به ومعه في تجاور مستمر.
● أخفقت محاولة «الأم/ البطلة» في إعادة تشكيل العالم وفقًا لقانون الغياب، وفي الإخفاق إمعان بالاغتراب يأخذ شكل ندبة في الذاكرة، ألا ترين فيضًا من الخيال، ولا سيما أن المفقود كان جنينًا؟
■ إحساس الأم في الراوية بأن رحمها كان قبرًا لابنتها قبل أن تولد جعلها تغترب عن جسدها، وتسعى من خلال الحكي لِبَثّ الحياة في جسد ابنتها الراحلة، لتشكلها من جديد كشخصية من ورق. الإشكالية الرئيسة هنا، في اعتقادي، تتعلق برغبة الخلق، البعث، أو الخلود. أيضًا هناك رغبة في الكتابة عن جسد الأم وعلاقته بجسد ابنتها وكيف تغترب الأم عن جسدها وتشحذ كل طاقتها للكتابة عن جسد ابنتها الراحلة، لاستعادته ولو بشكل افتراضي، وربما لتخليد اسمها ووجهها وحياتها، تلك التي انتهت في رحم الأم، والأخرى التي بدأت بعد موتها من خلال الكتابة. هي حقًّا ندبة في الروح.
● «الذاكرة موصل للدهشة» في رواية «هيلوبوليس» مما أظهرها عاملًا من عوامل الاغتراب، هل قصدتِ تحولًا في وظيفتها لتصبح الوظيفة الجديدة استثناءً؟
■ بل هي قاعدة أراها تجدد علاقتنا بالماضي، وبخاصة أن الذاكرة انتقائية بالضرورة، تطفو على سطحها أحيانًا وبلا ترتيب مسبق أو قصدية، أحداث نظنها قد طواها النسيان. الجدلية التي تطرحها العبارة التي تشير إليها يا جهاد هي أن الذاكرة موصل جيد للحزن كما أنها موصل جيد للدهشة، تدهشنا أحيانًا حالة الحزن الماضية ونتعجب كيف تجاوزناها بثبات، كما يدهشنا تجدد الحزن كلما ثارت الذكرى. نغترب زمنًا قصيرًا حين نعود بالذاكرة إلى الماضي، نغترب عن حاضرنا ربما، لكننا نغترب عن ماضينا أيضًا ونعيد تشكيله وتركيبه وفقًا للحظتنا الراهنة. في «هليوبوليس» أغترب عما أعرف فأترك فسحة من الخيال لشخصيات هي في النهاية من بنات أفكاري، وأقترب منها وأناجيها وأستنطقها لعلني أفهم شيئًا عن هذا الماضي.
شخصيات تكمل بعضها
● ظهر المكان أداة لقياس الزمن وتحولاته في بعض حالاته، ألا ترين أن «هيلوبوليس» تحاكي الزمن في اغترابها أكثر من المكان؟
■ هما صنوان، الزمكان بتعبير باختين، لا مجال للفصل بينهما، وإن كنت أرى أن المكان إشكالية نسوية بمعناه المادي الملموس، بمفرداته اليومية، في مقابل الوعي المجرد بالزمن وأفاعيله وتحولاته. لكن يعجبني فيما تقول تعبير «المكان أداة قياس الزمن» وأتفق معك تمامًا في المقولة التي تنطبق بقدر كبير على «هليوبوليس» الرواية والحي. المكان بطل الرواية، وهو شخصية ذات ملامح تاريخية وجغرافية مهمة، لكنه يتجلى أيضًا عبر الزمن وتحولاته هي محور الاغتراب. لولا تحولات الزمن لما اغتربنا عن المكان. وفي الأحوال كافة، لا سبيل لقياس فعل الزمن المجرد إلا من خلال المكان المادي المعين.
● في رواية «أكابيللا» تحاول كل من «ماهي» و«عايدة» التعرف إلى جوانب معتمة من شخصيتها أو البحث عن الناقص فيها من خلال الأخرى مما يوحي بعدم استيعاب الذات، هل أردت إحداث استدارة تضع الرجل في دائرة اللغز بدلًا من المرأة؟
■ الغموض يخص الإنسان بصفته كائنًا ملتبسًا وشديد التعقيد حتى في أكثر حالاته وضوحًا. أردت أن نأخذ في الحسبان تداخل النوع (رجل وامرأة) والتشابهات الكثيرة من ناحية أشواق كل منهما، خلافًا لما هو سائد في ثقافتنا العربية. فكرة أن الحب المتكرر حق للرجل على سبيل المثال، وحق مستلب للمرأة. فكرة عفا عليها الزمن. وما يبدو غامضًا في شخصية ماهي الراوية وصديقتها عايدة، يتكشف من خلال قلب المنظور الجندري، هما بالنسبة لي إنسان وامرأة، بهذا الترتيب. إنسان غامض قبل أن يكون امرأة غامضة. والرجال في الرواية كذلك يحيطهم كثير من الالتباس، هي دوائر تفضي إحداها للأخرى.
● «أتخيل الحياة ولا أعيشها، أحلم وتنقصني الإرادة». هل قصدت تحديد منطقة رمادية بين الاغتراب والعجز مع وصول بطلة أكابيللا إلى هذه الحالة؟
■ لم أفكر في العجز، لكنك تلفت نظري لذلك الملمح في شخصية «ماهي». فعلًا هي بشكل ما تشعر بالعجز وتكرر النمط السائد عن الزوجة المستقرة وفقًا لمنظومة المجتمع المحيط بها حتى تتمرد قليلًا في النهاية، وتعيد تشكيل حياتها كما تهوى. لكنها تغترب أيضًا كما حاولت أن أقول في نهاية الرواية؛ لأنها تسعى لتكرار نمط حياة عايدة.

التعدد لا الأحادية
● «القليل من الحب فرض على النساء، والكثير حق مكتسب للرجال»، ألا ترين أنك أخذت منحى أسطرة ذلك الشعور الإنساني خلال توظيفه في إظهار مظلمة النساء وذكورية المجتمع؟
■ أعتقد أننا بحاجة لتوظيف الأسطورة طالما استمرت ذكورية المجتمع الرأسمالي، سواء كان عربيًّا أو غربيًّا، فيما يخص علاقات الحب والجنس وصراع السلطة الدائر بين النساء والرجال. قد تبدو المقولة مكررة، لكنها تستهدف أيضًا شريحة من القراء تحاول تحييد الصراع لصالح الرجل، ورأيي أننا بحاجة لفضح الأسطورة وكشف عوارها كلما أمكن ذلك.
● للاغتراب ملمح التشظي، وتعددية المداخل في رواية «الكل يقول أحبك» ألا ترين في ذلك عجزًا عولميًّا عن ترتيب أوليات الهوية؟
■ لا أصدق مقولة «ضياع الهوية»، أصدق التعدد لا الأحادية. منذ عصور الحضارات القديمة حتى اليوم، يحكمنا كبشر قانون التعدد والتجاور، لكننا نأبى تفسير التاريخ بهذا المنطق، ونهوى على الأقل على مدار القرنين التاسع عشر والعشرين حتى اليوم، تصور العالم بمنطق قومي أحادي النزعة. التشوهات ليست ناجمة عن التعدد ولا عن ضياع الهوية الواحدة، بل عن فرض الهوية الواحدة بوصفها الأفق الوحيد للبشرية، على الرغم من عوار هذه الفكرة التي فرضها على العالم عصر التصنيع الأوربي ومقولات الفكر القومي الأوربية. المهاجرون في كندا كما ترصدهم الرواية يقعون، إلا نادرًا، في هذا الفخ، وكأن الازدواجية الثقافية دخيلة على الثقافة العربية. هو منظور في رأيي يحتاج لإعادة نظر، وبخاصة أن عصور النهضة الأولى للحضارة العربية الإسلامية عصور تعدد وتجاور بين لغات مختلفة وهويات مختلفة أيضًا، يمثلها في نظري الفارابي وابن سينا وابن رشد وابن خلدون وغيرهم.
● «في غمرة اللهاث والمنافسة على إثبات وتجديد الثقة تتلف العائلة وتذوي ولا أحد يعرف من أين يأتي العطب». هل هي سمات الآخر الغربي أم تشظيات القادم بحثًا عن انتماء آخر؟
■ هي سمة العصر، أراها متجلية في المهاجر العربي إلى كندا وفي شرائح أخرى من السكان الأقدم في كندا مثل الكيبيكيين ذوي الأصول الفرانكوفونية والأنغلوسكسون. لا أقصد العائلة العربية فقط، أقصد العائلة بصفتها منظومة ومؤسسة بشرية. الأسرة تحتاج لنقد كبير في جوهرها، والزواج أيضًا.
أوطان المهاجر
● يتحدث كمال المصري في «الكل يقول أحبك» عن رغبة في حياة ثانية، فرصة أخرى في الحياة نفسها، مما يوحي بغربة عواملها مركبة، هل ترين في الشعور بالتعاسة شكلًا من أشكال الاغتراب؟
■ بالفعل، أرى كما تقول: إن تعاسة كمال المصري وشقاءه ناجمان عن شعور الاغتراب عن الوطن الأم، وشعور الاغتراب داخل منظومة الزواج نفسها. تلك التركيبة لو شئنا هي بالضبط ما أردت التعبير عنه من خلال شخوص الرواية على اختلافها. قدر الهجرة يلعب دورًا مهمًّا في الشعور بالاغتراب وما يصاحبه من تعاسة، لكن ثمة مشاعر أخرى هي أيضًا مشاعر اغتراب أو استلاب، ترتبط بالزواج كمؤسسة دائمة متوقع أن تقوم على أسس صلبة وعلى رغبة متجددة في الاستمرار مهما كانت عواقبها على النفس. فرصة أخرى في الحياة نفسها هي ما تسعى إليه شخوص الرواية من الرجال، من خلال تعدد العلاقات خارج الزواج، ومن خلال الهجرة أيضًا.
● تستغرب نورهان، إحدى بطلات الرواية، من الاستمرار في استخدام مصطلح «المهجر»، هل ترين في إدمان الاستثناء ما يكفي للتخلص من القاعدة المفترضة؟
■ بالعكس، أرى أن الاستثناء يؤكد القاعدة المفترضة. القاعدة هي كلمة «مهجر» و«هجرة»، والاستثناء أن نتعامل مع القاعدة بقدر من الاستهتار قد يشي لدى نورهان وغيرها بنوع من المراهقة الفكرية، وبخاصة أنها ليست أستاذة جامعية. الموقف من المصطلح مختلف في الرواية، فكمال المصري الأستاذ الجامعي يستطيع مناقشة المصطلحات وتفنيدها والتأريخ لها، أما نورهان فهي تستغربه من واقع خبرتها العملية، ولا ترى أن مهجر بدايات القرن العشرين تعبير صادق عن تجربتها الخاصة.
● يجد كريم ثابت صعوبة في الاعتراف لزوجته بفتح علاقة على الطريقة الغربية خشية مطالبتها بحقها في أن يكون لها عشيق غيره، ويندفع لحث إيليشيا على الاعتراف بانجذابها نحوه، هل هو التعويض عن عقدة النقص أم العجز عن فهم الذات؟
■ كلاهما. لقد وضعت يدك على أهم ملمحين في شخصية كريم ثابت: الشعور بالنقص والعجز عن سبر أغوار ذاته. على الرغم من أنه أستاذ جامعي ومفكر بمعنى من المعاني، إلا أنه يعاني عدمَ القدرةِ على فهم ذاته وحدودها. ويشبه «بسام الحايك» مع فارق أن بسامًا يتأمل ويصل لحلول تخص نظرته لنفسه، هما شبيهان في علاقاتهما النسائية المتعددة، مختلفان في وعيهما بدوافع التعدد.
● يأخذ الهروب من الحزن المقيم والاحتماء من الذكريات منحى العمل ومطاردة النساء لدى شخصية الحايك، هل يعني ذلك تحول المرأة إلى وطن موازٍ؟
■ المرأة سكن الحايك. يصر على احترام زوجته الكيبكية على الرغم من تكرار الخيانة؛ لأنها وطن بديل، مثلها مثل نساء أخريات في حياته عَدَّهن وطنًا وسكنًا. كما تتعدد الأوطان في حياة المهاجر، تتعدد العلاقات النسائية في حياته. العمل وسيلة لإزجاء الوقت. أعتقد أنه مضطر للعمل، ولو خُيِّرَ بين العمل والصعلكة لاختار الأخيرة.
● ألا ترين أن حضور عبدالوهاب وأم كلثوم، في الرواية، تجاوز محاولة تأثيث الحدث إلى دلالات التعويض؟
■ ملاحظة شديدة الرهافة، لم أفكر فيها بهذا المعنى وأنا أكتب، لكني أستطيع أن أجيبك بصفتي ميّ التلمساني بأن لحضورهما في حياتي الشخصية معنى التعويض فعلًا. هما مؤشران على ميراثي الثقافي العائلي أيضًا. حضورهما حضور لعائلتي (خصوصًا أبي وأمي) في النص، ولكن بشكل خفي. هما أب وأم بديلان بالنسبة لي بصفتي عربية مصرية في الشتات. والأخ الذي لم تلده أمي هو عبدالحليم حافظ.
● يفرض الحدث التكنيك الروائي، وأشكال السرد، هل كان تقسيم الرواية نتيجة لتشعبات عوالم ومظاهر الاغتراب في الغرب؟
■ كل فصل من الفصول الخمسة يضم صوتًا بضمير المتكلم وآخر بضمير الغائب، تتبادل هذه الأصوات الضمائر حتى الفصل الأخير المخصص للحايك. أردت أن أوزع الأصوات بهذه الطريقة، في إشارة لتعدد وجهات النظر، وكل صوت يناقض ما يعرفه الآخر عنه، حتى يستولى الحايك على الأصوات جميعًا من خلال إشارته للجيلي فيش. الطفو هو قدر المهاجر، وهو قدر الإنسان بصفة عامة لوجوده دومًا بين حدين: المعرفة المبتسرة، واليقين المطلق. مظاهر الاغتراب في الغرب تخلخل العلاقة بين الحدين، فيصير المهاجر مثل الجيلي فيش، يولد كل يوم من جديد، وتتوالد لديه رغبات وأشواق منسية تجدد خلايا حياته بمعنى من المعاني.
بواسطة محمد نجار الفارسي - قاص مصري | يوليو 1, 2024 | نصوص
– 1 –
الليل يغشى النجوع. الظلام ينسل فيملأ الفراغ بالسواد والقلوب الملتاعة بالرعب. الناس يحتمون بحوائط دورهم بأسقفها الجريدية. من ذا الذي يواتيه الإقدام ويخرج من جحره الطيني و(ناجح) يجوس النجوع برجاله فوق نوقهم؟! حوائط الدور الواطئة لا تستر دواخلها. يرون رؤوسهم الملثمة بالشيلان والعمم البيضاء تتأرجح للأمام والخلف جراء حركة النوق. لا يُعرف من أي الآفاق يجيئون. يهبطون من الجبل. من بين زراعات القصب الكثيفة. من قرى شرق النهر. لا أحد يدرك خبره، سوى اسمه الذي ترتعد الفرائس للفظه.
– 2 –
يسبق قدومهم تصاعد العفار واختلاط رغاء نوقهم الصاخب. لفرقعة أسلحتهم تتصلب النجوع. تفر الكلاب الضالة لتحتمي بالصحراء. يفزع الكبار لصغارهم ومعيزهم السائمة. تبدو القرية خاوية. لا حياة فيها. يلفها صمت موحش.
يجيء ثلاث مرات؛ عقب جني المحاصيل. فى السنوات الأخيرة قل ما يحصل عليه (ناجح) من الزرّاع فكثر تردده. كل شهر، ثم كل أسبوع، ثم كل يوم. لم يذر لهم ما يقتاتونه. كثيرون هجروا القرية.
– 3 –
مر أكثر من عام ولم يطأ (ناجح) القرية؛ منذ أن وضع فوهة الكلاشينكوف على صدغ الدرويش. على الرغم من إحساس الدرويش آنذاك بفوهة الكلانشيكوف المعدنية الساخنة لم يرتعد أو يتصبب عرقًا كغيره. أحرج (ناجحًا). الناس تعحبت فلم تدرك ما منعه من ضغط زناد الكلاشينكوف. وقتئذ جذب الدرويش منه ماسورة الكلاشينكوف ولفظ كلامًا سالقًا لا يخرج إلا من فم درويش:
– إلى متى ستظل تريق دماء الضعفاء. تستبيح لنفسك كد المحتاجين. تلقي الروع في قلوب الملتاعين؟!
ثم رمقه بحدة وأردف:
– أما آن لك لترحم؟
حينها أدبر (ناجح). اختفى برجاله خلف الكثبان الرملية ناحية زوال الشمس.
– 4 –
تعجبوا مما يرونه أمامهم. أهذا المترجل بسرابيله المهلهلة، بلا ناقة، بلا لفيف، بلا لثام، (ناجح)؟! بعضهم قال: هو هو. آخرون أنكروه. لكن؛ نفس سلاح الكلاشينكوف -بعُلاقته المميزة- في يده؛ غير أنه فى هذه المرة وحيدًا يجر قدميه. هذه المرة لم يصوب مدفعه في صدور الناس. جوّف سلاحه ولم يُبقِ منه سوى هيكله الخارجي. بين طرفيه شد وترًا. طفق يعزف به في الطرقات وعلى الأبواب. يتهلل وجهه لتصفيق الأطفال المنغم المتسق مع عزفه. يسر لالتحام الكبار به. غير مصدق أن الوجوه الباسمة التي تحيط به بحب وتتشبث به ليمكث بينهم، هي نفسها التي كانت تدعو الله لتنشق الأرض وتطمره. يعرفهم تمامًا… هذا أخذ بقرته؛ وهذا عنزته؛ وهذا راقه شاله فنزعه من فوق رأسه؛… كلهم حوله.
– 5 –
بشغف يسأل العابرين:
أين الدرويش؟