تجديد الشعرية العربية… البُعد الفلسفي

تجديد الشعرية العربية… البُعد الفلسفي

تجارب كثيرة ومتنوّعة شهدها الشعر العربي في حياتنا المعاصرة، وهي تجارب متفاوتة على المستويين (الفني والجمالي). غير أنّ الملاحَظ أنّ نسبة غير قليلة من هذه التجارب تتحرَّك في الفضاء الفنّي المتداوَل، ولا تخترق هذا الفضاء باتّجاه ما هو ساحر ومبتكَر. من جهة أخرى نلاحظ أن مجموعات أخرى من الشعراء تعتمد في قصائدها على الكتابة التقريرية المباشرة، حيث تصبح القصيدة هنا شبيهة بالخُطبة. ولذلك فأصحاب هذا الاتجاه من الشعراء غالبًا ما يلجؤون إلى تضمين هذه القصائد بالشعارات الرنّانة، التي يعتقدون أنّهم يكسبون بواسطتها تأييد الجمهور.

العلاقة بين الشعر والفلسفة

للخروج من هذه الأوضاع المربكة التي يعانيها الشِّعر، ثمّة وسيلة مهمّة لتطوير الشعرية العربية الحديثة، إلى الحدّ الذي يُمكِنُ أن تُحدث فيها تَغَيُّرًا نوعيًّا، بحيث يصبح هناك ثقل معياري للقصيدة، يمدّها بطاقة كبيرة لا تنضب، ويجعلها قابلة للحياة في المستقبل. هذه الوسيلة التي نحن بصددها، تقوم على تعميق العلاقة بين الشعر والفلسفة.

العلاقة بين الشعر والفلسفة هي علاقة قديمة، تمتدّ منذ الحضارات البشرية الأولى حتى أيّامنا هذه. وقد اتّضحت هذه العلاقة بينهما أكثر ما اتّضحت في الحقبة الإغريقية، حيث قام الجدل حولها بين الفيلسوفين الكبيرين: أفلاطون وأرسطو. في البداية رفض أفلاطون وجود هذه العلاقة، وقام بطرد الشعراء من مدينته الفاضلة. وقد علّل أفلاطون فِعلتَهُ تلك بكون الشِّعر مجرّد محاكاة للواقع، وأنّ هذه المحاكاة تقوم على تهويمات الخيال، التي تتسبّب بالاحتكام إلى قطبي اللذة والألم، بدل المنطق والقانون، ممّا يجعل الشعر آخر الأمر مضادًّا للحقيقة كما يستنتج. أمّا الفلسفة كما يراها أفلاطون، فهي تقوم على الجدل الذي يعتمد على القانون والمبادئ العقلية طريقًا للوصول إلى الحقيقة. بالنسبة إلى أرسطو فقد وقف وقفةً مغايرة ممّا طرحه أفلاطون؛ إذ اعتبر أنّ المحاكاة التي يقوم بها الشعر بعيدة من نسخ الواقع. وقد ربطها أرسطو بالخيال الذي يقوم على الخلق والابتكار. من هنا فالمحاكاة هي عبارة عن حوار عميق مع الطبيعة، يصل الشاعر بواسطتها، إلى آفاق رحبة في معرفة الحياة والوجود.

الفلسفة في الشعر العربي

على المستوى العربي، فقد ارتبط الشّعر العربي القديم ارتباطًا وثيقًا بالفلسفة. ربّما كانت الطبيعة الصحراوية المفتوحة على الأمداء، والتنقل المستمرّ، والغزوات التي تخلّف القتل والدمار، سببًا كافيًا للتأمل والشكوى والشعور بالعبث الذي يحيط بالحياة. من هنا ولدت قصيدة الشاعر الجاهلي محمّلة بالأسئلة الوجودية، والآلام الفادحة. هذا هو الشاعر امرؤ القيس يقول:

«أرانا موضعينَ لأمر غيبٍ.     ونُسحَرُ بالطعامِ وبالشرابِ

عصافيرٌ وذبّانٌ ودودٌ.   وأجرأُ من مُجَلَّحَةِ الذِّئابِ

فبعضُ اللومِ عاذلتي فإنّي.   ستكفيني التّجاربُ وانتسابي

إلى عِرقِ الثَّرى وشَجَتْ عروقي.   وهذا الموتُ يسلبني شبابي»

فهذه الرؤية التي تقدّمها القصيدة للحياة، هي محض رؤية وجوديّة. وهي بمنزلة كشف خطير أعلن عنه الشاعر في مرحلة قديمة من عمر البشرية.

وهذا هو الشاعر المخضرم (تميم بن مقبل) الذي يقول:

«ما أطيبَ العيشَ لو أنّ الفتى حجرٌ/

تنبو الحوادثُ عنُه وهوَ ملمومُ».

حيث إنّ وجوده في الحياة كحجر، ينقذه من مصائب الحياة/ وعلى رأس هذه المصائب الموت. ومثل تميم يتعذّب الشاعر المخضرم الآخر، (النَّمر بن تولب) الذي يصيح بأعلى صوته قائلًا:

«ألا يا ليتني حجرٌ بوادٍ/  أقام وليتَ أمّي لم تلدني».

تجارب شعرية مهمّة ظلّت تتوارد بعد ذلك، في العصرين الأموي والعبّاسي، وتُشرِعُ رؤاها الفلسفية في أرض الشعر، إلى أن امتزج الشعر بالفلسفة لدى شاعر، شكّلت تجربته حالةً متميِّزة في تاريخ الشعرية العربية، وهو الشاعر أبو العلاء المعرِّي. لقد كان المعري واسع الاطلاع في عدد من الحقول المعرفية، كالعلوم والفلسفات والأديان، وقد تنقّل بين عددٍ من المدن المعروفة بعلمائها ومكتباتها في ذلك الوقت، مثل حلب وأنطاكية وطرابلس وبغداد، فنهل من علمها وكتبها الشيء الكثير. إضافةً إلى ثقافته، فقد كانت إصابته بالعمى من العوامل التي وسّعت رؤيته الروحية للعالم. من قصائد المعري التي يمكن أن تضيء منهجه الشعري الفلسفي، القصيدة التي يرثي بها صديقه أبا حمزة الفقيه، والتي يقول فيها:

«غيرُ مُجْدٍ في مِلَّتي واعتقادي/ نَوْحُ باكٍ ولا ترنُّمُ شادِ

/ وشبيهٌ صوتُ النَّعِيّ إذا قيـــــــــ/ـــس بصوتِ البشيرِ في كلّ نادِ

/ أبكتْ تلكم الحمامةُ أم غنَّــــــــــ/ـــتْ على فرعِ غُصنها الميّادِ

/ صاحِ هذي قبورنا تملآُ الرَّحْبَ/ فأين القبورُ من عهدِ عادِ

/ خفِّف الوَطْءَ ما أظنُّ أديم الـــــــــ/ـــأرضِ إلّا من هذه الأجسادِ».

إذا ما انتقلنا إلى العصر الحديث، فإنّنا سنجد محاولةً جديدة لتلقيح الشعر بالفلسفة. لقد أدخل روّاد الحداثة الشعرية، الكثير من الرؤى الفلسفية في نتاجهم الشعري، وكان الشاعر بدر شاكر السّيّاب من أوائل الذين طعّموا الشعر بالفلسفة. ومن قصائده التي أبدعها في هذا المجال: (حفّار القبور، المومس العمياء، ومدينة السندباد). لقد انفتح هؤلاء الرّوّاد على أرض الأسطورة، كأرض غنيّة بالجماليات والوقائع المثيرة والأبطال الغرائبيين.

لكنّ الذي حدث فيما بعد أن الأجيال الشعرية التالية قد تخفّفت من هذا الحمل، وكانت الحُجّة عندهم هي أنّ الكتابة الشعرية العربية أصبحت مستوطنة بالأساطير الغريبة خصوصًا الإغريقية، ومنها أسطورة عوليس وبنيلوب على سبيل المثال، الواردة في ملحمة الأوديسة للشاعر اليوناني القديم (هوميروس). لقد نهل من هذه الأسطورة عدد كبير من الشعراء العرب في عقدي الخمسينيات والستينيات، وضمّنوها في قصائدهم.

ذوبان المادة الفلسفية في ماء الشعر

الآن، ولتوضيح العلاقة بين الشعر والفلسفة، نتوقّف عند مجموعة من الأسئلة: كيف نطعّم الشعر بالفلسفة؟ ما طبيعة المادّة الفلسفيّة التي يُمكن أن نُشيعها في القصيدة؟ ما طبيعة الشاعر الذي يكتب القصيدة ذات البعد الفلسفي؟

بالنسبة إلى السؤال الأوّل (كيف نطعّم الشعر بالفلسفة)؟ فالأمر هنا لا يقوم على حشو القصيدة بالمقولات الفلسفية الجاهزة، أو على استيعاب تلك المقولات بصِيَغِها الأوّليّة. الفلسفة تدخل الشعر كرؤية، كصدى أو كظلال من خلال البنية الشعرية التي تعتمد على التخييل. ومن الشروط الأساسية التي ينبغي تطبيقها، هو أن تكون الحمولة الفلسفية قد ذابت على آخرها في ماء الشعر. إنّ عدم ذوبان المادّة الفلسفية كاملة يشكّل معضلة ما، وخللًا كبيرًا في بنية القصيدة. أمّا الإجابة عن السؤال الثاني: (ما طبيعة المادّة الفلسفيّة التي يمكن أن نُشيعها في القصيدة)؟ فهي تتضمّن الرؤى الفلسفية بمعانيها المتعدّدة: ما هو معروف منها، وما هو جديد ومكتشف. هنا، لا يقوم الشاعر بتقديم عبارات بعينها تشرح للقارئ وتلقِّنه المادة السابقة، وإنّما يقوم القارئ نفسه بعد قراءة النّصّ بتكوين فكرة عن هذه المادّة، من خلال الإيحاء الذي تلقّاه. ليجدها -أي المادّة الفلسفية- تتسرّب إلى روحه وتثيره. من هنا يمكن اعتبار القراءة بمنزلة كتابة أخرى للنصّ، يقدّمها القارئ.

في الإجابة عن السؤال الثالث: (ما طبيعة الشاعر الذي يكتب القصيدة ذات البعد الفلسفي)؟ نقول: هو الشاعر الرائي صاحب الموهبة من جهة، والمثقّف أيضًا. الموهبة مهمّة في هذا المجال، ولكنّ الثقافة تكمل دور الموهبة. نعود إلى الموهبة لنؤكّد أنها أساسية؛ لكون الشاعر يستطيع من خلالها، أن يحسّ بالأشياء ويراها من زاوية نظر محدّدة ومغايرة، لا تتوافر لدى الآخرين. في الحياة ثمّة مشاهد يومية تبدو عاديّة، يمرّ عليها الناس ولا تجذب نظرهم. حين يمرّ الشاعر عليها يكتشف فيها كنزًا عظيمًا من الجمال، فيذهب بعد ذلك ويجلس في معتزله ليكتب. ليس شرطًا على الشاعر هنا أن يكون فيلسوفًا لينقل المادة الفلسفية إلى النصّ. إنه راءٍ من طراز خاص يتأمّل الوجود، ويطلق الأسئلة. لا ليصل إلى إجابات محدّدة ويستريح، ولكن ليصل إلى ذروة النشوة والتجلّي، فثمّة معراج شعري هنا يقيمه الشاعر، شبيه بالمعراج الصوفي.

نحن ضحايا أفكارنا

نحن ضحايا أفكارنا

ما نتهم به الغرب نمارسه أضعافًا مضاعفة. والشاهد يقدمه اقتتال الإخوة والأشقاء، العرب والمسلمين، في الدين والعروبة، قديمًا وحديثًا. ومثالات ذلك أن حركة حماس، عند استيلائها على غزة، قد تعاملت مع حركة فتح بانتهاك كل قيم الأخوّة والشراكة والإنسانية. وهذا مثال يشهد على أن الإنسان عندما يتعصب ويتطرف أو يغضب ويحقد، يمارس الثأر والانتقام مثل حيوان وحشي، ولا فرق بين شرقي وغربي أو بين عربي ويهودي أو بين مسلم ومسيحي.

إنها إنسانيتنا التي تكذبنا، إنسانيتنا العميقة والغائرة، الآتية من سلفنا الحيوان، والمشحونة بما تتشكل منه ذاكراتنا من الحزازات والحساسيات أو العقد والصدمات أو الجروح والانكسارات. ولهذا فنحن نبدو أكثر وحشية من الحيوان الكاسر.

وإذا كانت هذه حال الإنسان بصفته كائنًا شرسًا وعدوانيًّا، فهذه حاله أيضًا بوصفه كائنًا شبقًا وشهوانيًّا، كما تشهد أعمال التحرش والانتهاك أو الاغتصاب، للأطفال أو القصّر أو النساء، من جانب الساسة والكهنة، أو الأدباء والفنانين، فضلًا عن العاملين في ميادين الرياضة. هذا ما تطالعنا به الأنباء في الدول الغربية كفرنسا وأميركا، حيث تزداد أعمال الانتهاك عما قبل. ولعل هذا ما يحصل عندنا أيضًا ولكن في الخفاء.

صحيح أن الإنسان هو الكائن الأذكى والأقوى والأرقى، ولكنه يمارس علاقته بوجوده، على نحو ملتبس، مزدوج، مفخخ… ولذا قد يستخدم المرء ذكاءه لممارسة أبشع التصرفات أو للقيام بأقذر المهام.

لنحسن القراءة والتشخيص، بالتوقف عن القول: إن ما يحدث يفوق التصور؛ إذ هو صنيعة إنسانيتنا التي تفاجئنا دومًا بما هو سيئ ورديء أو بشع ومرعب. والمخرج هو تفكيك العدة الفكرية التي صنعتنا على أساس احتكار الحقيقة وعقلية المصادرة أو ثبات الأصل ونقاء الهوية أو تقديس الكتب وعبادة الشخصية، فضلًا عن عبادة الحيطان والمقامات.

لم يعد مجديًا إدارة الشؤون أو الدفاع عما نعتبره الحقيقة والعدالة أو الحرية والمساواة، وفقًا للنماذج القديمة التي سادت في عصر أيديولوجيات التقدم وحركات التحرر، من ستالين إلى بوتين ومن ماو إلى جينبنغ، ومن كاسترو إلى جبهة التحرير، ومن جيفارا إلى «أبو عبيدة».

ولا أظلم حركة حماس، إذ أقول: إنها تدير الشأن الفلسطيني وفقًا لنماذج ثورية قد ارتدت على حياة الناس فقرًا واستبدادًا وحصارًا. إذ هي تعاملت مع أهل غزة وكأنهم غرباء، بقدر ما حولت القطاع إلى مختبر لتجاربها ونظرياتها، هاجسها أن تبقى القيادة والقضية، وأن تنتصر الفكرة أيًّا كان الثمن. بهذا المعنى نحن ضحايا أفكارنا بالدرجة الأولى؛ لأننا نولي الأهمية للنظرية المجردة على الحياة النابضة، وللإستراتيجية العسكرية على الحياة المدنية.

لنفق من سباتنا الإنساني. فما نشكو منه هو بالذات صنيعة إنسانيتنا التي تنتج كل هذه البربرية.

إذًا، ثمة حاجة للتفكير والعمل بعدة جديدة من القيم والمفاهيم أو القواعد والأساليب، وذلك حيث الحقيقة هي ما نقدر على خلقه وتغييره، وحيث الهوية هي شبكة مبادلاتنا وصيرورة تحولاتنا، وحيث القضية هي ثمرة مناقشاتنا العمومية ومداولاتنا العقلية. ومؤدى ذلك، هو فتح الإمكان؛ لكي يرتد المرء على قناعاته الراسخة ومسبقاته المعوِّقة، فيكسر تمركزه على ذاته وتقوقعه في دهاليز ذاكرته، بحيث ينفك عن تماهيه الأعمى حتى الذوبان مع الحركات الشعبوية العنصرية، أو مع الشعارات الأيديولوجية المضللة.

صحيح أن الأيديولوجيات تجذب وتحرّك، بعناوينها الطوباوية التحررية، ولكنها تفسد وتضلل بقدر ما تحجب وتخرب، بشعاراتها الخاوية ووعودها المفخخة. آن لنا أن نستعيد عقولنا ونشغل فكرنا، إنْ في مواجهة الأمر الإلهي والخطاب النبوي، أو في مواجهة الفكر الشمولي والنظام الإمبريالي. ففي هذا العصر الكوكبي المعولم، تتشابك المصالح والمصاير على الساحة الكونية، إلى حدّ بات فيه كل واحد يؤثر في غيره، وبات كلٌّ يعتمد على كلٍّ، سواء على وجه السلب، كما هي حال من يرمي قشرة موز في الشارع ولا يضعها في سلة المهملات؛ أو على وجه الإيجاب، كما هي حال من يقلل من استخدام الطاقة الأحفورية. فنحن نشترك مع الآخر، ليس فقط في اللغة والنسب، أو في العمل والمصلحة، بل نشترك معه فيما هو أهم بكثير: تنفس الهواء المشترك، كما يقول فلاسفة البيئة وخبراء التلوث والسموم؛ لذا ما عاد يجدي نفعًا أو يحمي هوية أو يدفع ضررًا إدارة العلاقات بمفردات الانفراد والاحتكار أو الشره والتكالب أو العداء والصدام.

النصر الخادع

وإذا أردنا التخفيف من ميولنا الوحشية، يجدر بنا إعادة النظر بكل المفاهيم والطقوس التي تمجّد عمل القتل. قد يقتل المرء نظيره دفاعًا عن نفسه أو لرد أذى غيره وعدوانيته. وتلك هي ضرورة قاهرة، وليس عملًا يستحق التبريك والتمجيد. من هنا وضعت المواثيق والقواعد التي تنص على الاقتصاد في ممارسة العنف.

ولذا فأنا لم أعد أقتنع بقضية النصر والبطولة في هذا العصر الكوكبي المعولم، حيث تتشابك المصالح والمصاير على الساحة العالمية. وأخشى أن تكون حرب الطوفان، على شاكلة حرب تموز 2006م، من ناحية عواقبها غير المحسوبة، إذ كانت حصيلتها خسائر فادحة في الأرزاق والأرواح؛ لأنها جرت لحساب إيران كما صرح قبيل اندلاعها الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمد نجاد بقوله: «إذا ضغطوا علينا بالملف النووي نضغط عبر صواريخ حزب الله».

ولكن إيران لا تحسب حساب العواقب الوخيمة؛ لأن سعادة المؤمن هي أن يضحي ويستشهد لكي يفوز برضوان الله ويتبوأ مرتبته التي يستحق في جنة الفردوس. بهذا المعنى ليست المسألة هي تفاهة الشر كما تنص مقولة الفيلسوفة حنة أرندت، بل هي ثقافة الشهادة وعقلية التضحية بالبشر، لتصحّ التشبيحات الفكرية والشعوذات الغيبية. ولذا، فإن ما يجري في غزة من إبادة للحياة وللعمران، إنما يطرح أسئلته على حماس وعلى الفصائل الجهادية المشاركة معها. فهل ندمر مدينة لكي نشبع نهم المثقفين والدعاة، الوحشي، للنصر الخادع أو لتسطير البطولات الزائفة؟ وهل نحول غزة إلى ركام أو إلى أشلاء لكي يحتفي القادة في طهران بانتصار المقاومة على إسرائيل؟ هل ننتظر تمزيق أجساد الخدّج أو الرضّع من الأطفال؛ لكي نعلن انتصار حماس على فتح أو لكي تصبح الكوفية رمزًا عالميًّا للتحرر؟

مبنى هذه الأسئلة، أي ما تحجبه وتسكت عنه، هو أن ما يهم مشعلو الحرب هو بقاء القادة والقضية المقدسة، ولو فني الناس. إذًا، فعن أي نصر نتحدث، فيما الحياة تصبح شبه مستحيلة في غزة، التي يقف أهلها على مأدبة الأمم اللئيمة، لكي يتسولوا قطرة ماء أو لقمة خبز أو حبة دواء؟

لنعد النظر فيما نمجده؛ إذ هو مكمن العلة. نحن أصحاب مهن، يستوي في ذلك من يقاوم ويُقتل ومن يحرث حقله، من يجلس إلى مكتبه ومن يكتب مقالته، لاعب الكرة الذي لا يتوقف عن مباراته أو الفنانة التي تحيي حفلها الغنائي. المهم أن يتقن المرء مهنته ويخلص في عمله، ليحسّن مستوى عيشه، ويُحسن التواصل مع غيره. ولهذا فالرهان، هو أن نتدرب على ممارسة التقى الفكري والتواضع الوجودي، بأدوات العقل التداولي، بحيث نكسر نرجسيتنا الثقافية ومركزيتنا البشرية؛ لكي نعيد بناء علاقاتنا بذواتنا البشرية وبالأرض والطبيعة.

بهذا المعنى فأنا أعتبر وائل الدحدوح، الإعلامي الغزاوي الناجح والمميز، الذي أُبيدت عائلته ولم يخرج عن طوره، بل كظم غيظه وتابع عمله، إنما يجسد بتواضعه وصبره الجميل وصموده العجيب، نموذج الإنسان الذي نتطلع إليه. فهو بحق جدير بلقب الفلسطيني الأول قبل إسماعيل هنية وخالد مشعل. فلا شبه لوائل الدحدوح إلا نيلسون مانديلا.

الخلق والخرق

لا شك أن معركة الطوفان شكلت حدثًا غير مسبوق وغير متوقع، قد باغت حكومة نتنياهو وأحدث صدمة في العقل الإسرائيلي، بقدر ما فاجأ العرب والعالم. وربما فوجئت حماس هي نفسها بما صنعته دون أن تفكر فيه أو تحلم به. وهذا شأن الحدث الخارق. إنه يتعدى صانعيه بأصدائه ومفاعيله. ولذا فقد غير قواعد اللعب وأحدث تحولًا في الرأي العام العالمي، بحيث عادت معه القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام، وعلى نحو جعل كثيرين في الدول الغربية يتراجعون عن تأييد إسرائيل لمناصرة أهل غزة.

ومن المعلوم أن اليهود قد استغلوا المحرقة التي تعرضوا لها، فاستعمروا عقول الأوربيين والأميركيين، إلى حد جعل الواحد منهم يخشى، ليس فقط من نقد اليهود، بل من الحديث عنهم، حتى لا تسلّط فوق رأسه تهمة المعاداة للسامية. هذا المعطى قد تغير بعد حرب الطوفان؛ إذ فتح الإمكان للتحرر من عدوانية إسرائيل وإرهابها. وتلك هي المفارقة: هشاشة القوة الغاشمة وقوة الضعيف الخارقة.

ومع ذلك، فإن حماس بالرغم من نجاحها المذهل على المستوى التقني والعسكري، ما جعلها تخرق السياج العازل وتجتاح إسرائيل، لتستولي على بعض المستوطنات والمعسكرات، فإنها تتصرف على المستوى الفكري كمنظمة دينية ملتزمة بأوامر الشرع ونواهيه. فهي ليست حركة تحررية، وإنما هي منظمة إسلامية أصولية تقاوم بواجب شرعي جهادي، لا لتحرير فلسطين بل من أجل صحوة الأمة الإسلامية، والعمل على إقامة دولة الخلافة وتطبيق الشريعة، كما يصرح قادتها عند كل مناسبة.

ومن الشواهد أنه عندما توفي الشاعر محمود درويش حرّمت الصلاة عليه؛ لأنه كان ذا ميول يسارية علمانية، فيما كانت الحكومة الإسرائيلية تقول عن قصائده: إنها أقوى من البنادق، ولذا منعت ترجمتها إلى اللغة العبرية لإدراجها في مناهج التدريس.

المراد من هذه العودة النقدية على الذات، أن نفكر بصورة مختلفة تنفتح معها الآفاق والأبواب والمخارج، بكسر القوالب الجامدة والأنساق المغلقة، أو بالانفكاك عن الثوابت المعوّقة والأساطير المؤسّسة. مثل هذا العمل النقدي التنويري، الكاشف أو الفاضح، يتيح لنا، من ناحية مقاربة الواقع وفهمه، أن نعرف ما لم نكن نعرفه أو أن نقرأ ما لم يُقرأ من قبل، كما يتيح لنا، من ناحية معالجة الواقع وتدبّره، أن نفعل ما لم يكن بمستطاعنا فعله أو القيام به.

بهذا المعنى كل واحد يلعب لعبته ويصنع حقيقته أو يجترح معجزته، ليس بالمعنى اللاهوتي أو الغيبي، بخرق قوانين الطبيعة أو القفز فوق الواقع، بل بالمعنى الوجودي، العقلاني والتنويري والإيجابي، على سبيل الخلق لوقائع في هذا المجال أو ذاك، تضاف على سجل الحقيقة، وتشكل إضافة قيمة على رصيد المعرفة، بحيث تمكّن صاحبها من خرق الحدود المرسومة وتغيير الشروط المفروضة، وعلى نحو تتغير معه قواعد اللعب وعلاقات القوة، بقدر ما تتغير خريطة القراءة وشبكاتها.

وتلك هي المعجزة. إنها ليست الإنصات إلى هذا المشعوذ أو ذاك الديناصور الفكري. وإنما هي الاشتغال على الواقع لتحويله وإعادة بنائه، بكسر منطق الثبات والهوية أو المماهاة والمطابقة، للتفكير والعمل، بمنطق التحويل الخلاق والتركيب البناء أو التداول الحر والتفاعل المثمر، بحيث يتحول كل فرد إلى لاعب فاعل، يشارك في صنع ذاته وبناء عالمه.

هنري ماتيس: أفضل الرسامين من يُنسَوْنَ لأنهم لم يتشكلوا على ما أردنا أن يكونوا

هنري ماتيس: أفضل الرسامين من يُنسَوْنَ لأنهم لم يتشكلوا على ما أردنا أن يكونوا

في الخامس من أغسطس، عام 1946م، بعد عامين من تحرير باريس من قبضة الألمان، زار جندي أميركي يدعى جيروم سيكلر هنري ماتيس. كان سيكلر شغوفًا بالفن الحديث، وقد اهتم بعقد حوارات مع بعض الفنانين الفرنسيين البارزين في ذلك الوقت: كان ماتيس من بين هؤلاء.

قبل بضعة أشهر فقط، كان ماتيس يعيش في فانس، على طول لاكوت دازور. كان يعاني في هذه المدة سرطان الاثني عشر لمدة خمس سنوات وكان الألم يسيطر عليه ويجعله يتقلب ويتأوه طوال الليل. كانت الممرضة تدلك ساقيه وتهيئ له شراب الأعشاب، وتقرأ له تحت ضوء خافت. وعلى الرغم من هذا الكابوس الجسدي، ازداد خيال ماتيس تفتحًا.

عندما زار بيكاسو وفرانسواز جيلو هنري ماتيس بفانس، وجداه جالسًا على السرير، مسلحًا بمقص كبير، ممسكًا بورقة ملونة بيدٍ بينما تتساقط قُصاصات كثيرة -ما أصبح يعرف باسم «القواطع»- على أغطية السرير من حوله. ذهل بيكاسو في صمت. وتذكرت جيلو في وقت لاحق فقالت: «جلسنا هناك مثل الحجارة».

وفي ليالٍ بيضاء، عادت إلى ماتيس ذكريات تاهيتي حيث عاش ورسم عام 1930م «بحنان ووضوح». وفي الصيف عاد إلى شقة العائلة في شارع مونبارناس، بباريس، حيث كانت الجدران مغطاة بنسيج بني رملي لم يُغَيَّرْ منذ عام 1926م. في تلك الغرف خاصةً، حاور سيكلر ماتيس. لقد حُفِظَ نصُّ الحوارِ بدقة في صندوق من الورق المقوى منذ ما يقرب من سبعين عامًا. أُجريَ الحوار الذي بلغ عدد كلماته نحو 3000 كلمة باللغة الفرنسية وتُرجم لاحقًا إلى اللغة الإنجليزية.

في الجزء الأول من الحوار، بدأ سيكلر بالسؤال عن استخدام ماتيس للموضوع بصفته مصدر إلهام. كان سيكلر قد أجرى سلسلة من الحوارات مع رسامين فرنسيين آخرين في ذلك الوقت، وكان يعلم أن ماتيس كان يختلف عن هؤلاء في قضية الموضوع… في الجزء الثاني من الحوار، تأخذ الأمور منعطفًا سياسيًّا. وفي الجزء الثالث، كان التركيز على أسئلة عن المنظور والإيقاع والخط ونظرية الألوان. وإجابات ماتيس هنا دقيقة ومضيئة.

في مقابلة إذاعية، سئل ماتيس: «لماذا ترسم يا سيد ماتيس؟»، فأجاب «لترجمة مشاعري، مشاعر وردود أفعال حساسيتي من خلال اللون والرسم…». وفي حوار مع الإذاعة الفرنسية عام 1946م، سئل ماتيس سؤالًا مفتوحًا: «كيف تعبر عن نفسك؟» فأجاب: «فيما يتعلق بالرسم الخاص بي، أتبع مشاعري الداخلية قدر الإمكان». ويبدو أن ماتيس تنبأ بصعود التعبيريين التجريديين: «الأولاد السيئون» الذين يحتاجون إلى الاعتماد اعتمادًا كبيرًا على «الغريزة» لإنتاج عمل في ثقافة تفتقر إلى تقاليد الرسم العميقة (على الأقل بالنسبة لماتيس، مقارنة بفرنسا).

الموضوع هو أنا

  ما أهمية الموضوع في الرسم؟

  أنت تطرح سؤالًا قد يكون من الضروري تأليف كتاب للإجابة عنه. السؤال معقد جدًّا. يرى بعض الناس اليوم، أن الموضوع ليس ضروريًّا. لدي دائمًا موضوع. الموضوع هو أنا وهو ما أراه. ومن دون موضوع، لماذا علينا أن نشتغل، أَلِتَغطِيَة اللوحة فقط؟

  لقد تحدثتُ إلى عدد من الرسامين الفرنسيين الجيدين ويصر كثير منهم على أن الموضوع ليس مهمًّا.

  من الضروري دائمًا الانطلاق من موضوع ما، حتى وإن تركه الفنان بعد ذلك. إنها المرأة الجميلة التي ترضيك، المناظر الطبيعية التي لها شكل معين يتوافق مع حساسيتك. أشتغل دائمًا على موضوع، إنه دائمًا موضوع يضعني في جو معين لا أستطيع الحديث عما يقوله الآخرون. الشيء الرئيس هو أن أشتغل على موضوع يلهمني.

  يبدو أن اختيارك الخاص للموضوع أو نقطة الانطلاق يدور دائمًا حول الزهور والنساء، وكأنه ثيمة ذات تنويعات.

  قبل أن أبدأ عملي أتمشى في حديقتي. قبل العمل في ورشتي الخاصة، أنظر إلى الزهور، شجرة، شكل من أشكال الغصون. أنا مهووس بالزهور، بمزيج من الخطوط. وعندما أعود، أتغذى من ذلك وأصنع شيئًا آخر، شيئًا مختلفًا تمامًا. هذا النقد الذي أبديه وأنا في ورشتي ليس مهمًّا. ما يهم هو النتيجة. عندما أتعرض لانتقادات شديدة من قبل رسامٍ ما، أقول له: «ضع عملك بجانب عملي وسنرى». إن سيزان هو الذي بدأ النقد ضدي. أتذكر أميركيًّا أراد الذهاب إلى جنوب فرنسا فطلب مني بعض المعلومات، «هل هناك منازل مثل المناظر الطبيعية في لوحات سيزان؟». كانت لدي ورشة للطلاب. كرر أحد الطلاب الذين تحدثوا إلى جيرترود شتاين كلماتي. أجابته: «نحن أميركيون». لا، ليس الشيء نفسه. لقد احتفظ بالكلمات وليس بالفكرة.

  قرأت اقتباسًا تقول فيه: إنك ترسم لوحاتك وأنت جالس على كرسي.

  قلت ذلك قبل أربعين عامًا، عام 1906م، ووجدت نفسي مقيدًا به طول حياتي. لقد كرره الناس مراتٍ عديدة لدرجة أنه أصبح شعارًا. أعتقد أن الفن لا يكون بشعًا. هناك ما يكفي من التعاسة ليتجه الانسان نحو الفرح. على المرء أن يحتفظ بالبشاعة والتعاسة لنفسه. يمكنه دائمًا العثور على شيء لطيف. التعاسة لا تدوم وهذا يمنحنا تجربة. لسنا بحاجة إلى إصابة الناس بإكراهاتنا. علينا أن نصنع شيئًا هادئًا. نقدم فنًّا حافزًا يقود روح المشاهد إلى مجال يضعه خارج إكراهاته.

الفن والجمهور

  ومع ذلك، فإن فنانين مثل غويا ودوميي لم يفلتوا قط من وقائع الحياة الأكثر قسوة. واليوم لدينا الغارنيكا. انظر إلى الآداب. لدينا شكسبير، ميلتون، بلزاك، إنهم رائعون لأنهم على وجه التحديد كانوا قادرين على إبراز كل جوانب الحياة.

  للفن التشكيلي ميزة على الأدب من ناحية أنه أكثر اتساعًا. الأدب شيء دقيق. أما المعنى التشكيلي فشيء فوق ذلك وأكثر اتساعًا. أما الإنسان البسيط، والعامل، فلا بد أن يكون هناك شيء في اللوحة يرضيه ويجد فيه إحساسه الذي سيمكنه من تقديرها. سيقدر الغني لوحة بثمنها، لكن الإنسان العادي سيحب اللوحة لأنه يشعر أنها جيدة حتى وإن لم يعرف السبب. سيقول المصرفي عن اللوحة: «إنها جيدة مثل اللوحات الأخرى لأنها بالسعر نفسه، 200.000 فرنك».

  هناك نقاش كبير يقودُه على الخصوص نقادُ الفنّ المعادون، مفاده أن الفن الحديث يعادل الاحتيال، وأن الفنان يحاول أن يمرر شيئًا ما للجمهور. وعلى الرغم من أن هذا الجمهور يقبل الفن الحديث عندما يُدمج في الهندسة المعمارية والإعلانات والملصقات، فإنه لا يزال يرفض قبول الرسم الحديث. فما الذي يمكن فعله في رأيك لسد هذه الفجوة؟

  من يهتم بالسؤال؟ إنهم الرسامون والنقاد. بدأ الأمر بهذه الطريقة، وانتقده الجميع، لكن الأمر لم يزعجني قط. قلت لنفسي: «عندما أعبّر بوضوح عما أرسمه، سيفهم الجميع». واصلت عملي وقُبِلتُ. لا يفهم بعضُنا بعضًا قط، نسلم بذلك جدلًا. يتعين على الرسامين فقط العمل بإخلاص مع الطبيعة أو من دونها وبعد ذلك سيأتي الجمهور. لا يتعين على طباخ أن يطلب دائمًا الموافقة وأن يطلب من الآخرين تذوق الأطباق التي يُعِدها. إذا كان عليك أن تزعج نفسك مع الجمهور، والرسم، وفنه، وما يمكن قوله، فإنك لن تصل أبدًا، فالأمر معقد جدًّا.

هناك فن، مشروع رسم اللوحات، وما تشعر به. من الضروري إبداع شيء ما بلغة واضحة. وستُقبَل اللوحة يومًا ما، لا يمكنك فعل أي شيء لتعزيز ذلك. لقد رأيت دائمًا أولئك الذين يحبون الرسم، كانوا هم الذين لم يكن لهم ابن. علمت ذات مرة أن رجلًا كان يتابع لوحاتي مدة عشرين عامًا ولم يكن أحد يعلم ذلك. لم يتحدث الناس قط عن الرسم كما هو الحال الآن. آمل أن يكون الرسام اليوم جيدًا، لكني لست متأكدًا. لا يوجد إلا عدد قليل من الفنانين المهمين في كل عصر. ليس من الضروري أن يكون هناك فيلق من الرسامين. يعتقد الرسامون أنهم موجودون لأن الناس يتحدثون عنهم. الأمر أبسط وأصعب من ذلك. هناك العديد من الرسامين الجيدين في كل عصر، ولكن هؤلاء قلة بالنسبة لجميع الرسامين الذين ليسوا كذلك.

الفنان وضرورة المعاناة

  إذا كان الفنان يؤدي مثل هذا الدور المهم في المجتمع، ألا تعتقد أنه يجب تقديم دعم حكومي للرسام مثلما يقدم لأي موظف حكومي آخر؟ ولن يقلق عن مصدر رزقه. يمكنه أن يعيش حياة أسرية طبيعية مثل أي شخص آخر. ولن يكون تحت رحمة وكيل. يجب أن يكون حرًّا حقًّا في الرسم.

  أنا ضد اليسر. إذا تركنا للإنسان إمكانية الحصول على تقاعد خاص بالرسم، من الحكومة، لجميع الأشخاص الذين يرغبون في الرسم، فإن جميع الهواة سوف يتناولون الفرشاة. وهذا مستحيل، لا بد أن يكون هناك قلق. وبإعطائنا للذين يريدون الرسم، فمن الضروري وضع حاجز قوي جدًّا يمنع غزو الرسام الرديء. في كل مرة يصل فيها الطالب الذي يكرس حياته للرسم إلى المدرسة لأول مرة، عليه أن يتلقى وابلًا من ضربات العصا، وبعد ذلك يعود إلى منزله وسيرى عند ذاك إن كان يريد البدء من جديد. فإذا كان هناك اختبار من هذا القبيل، فسيكون هناك عدد كبير ممن لن يعودوا.

من الضروري أن تكون الحياة صعبة حتى تتشكل حياة الإنسان. وهذا يمنحه قوة. الفن شيء استثنائي. يعتقد كثير من الناس أنهم فنانون لأنهم يشاهدون غروب الشمس الجميل أو الزهور. واليوم مع التطور الحضاري الذي وصلنا إليه، أصبح الجميع محبًّا للفن، لكن هذا لا يعني أن الجميع أصبح قادرًا على تناول الفرشاة ليرسم. لن يتمكن المرء من القيام بأكثر من هذا إذا كان الجميع يرسم. أتحدث إليكم بصدق. أتمنى أن تختار لجنة من الفنانين المعترف بهم الشباب الموهوبين في الرسم وأن تمنحهم الدولة إعانة. لكن الأعمال التي ينتجها هؤلاء يجب أن تكون في ملكية الدولة التي ستضع هذه اللوحات الفنية في متاحفها، بحيث يمكن أن يراها القادم إلى فرنسا لرؤية الرسم الفرنسي والأميركي،… إلخ.

ولا شك أن أفضل الفنانين لن يكونوا أولئك الذين لم تعترف بهم لجنة الفنانين. الأفضل هم الذين سيصلون بأنفسهم. ستعترف بك لجنة الفنانين. ستجلس على كرسيك وتقول في نفسك: «أنا فنان معروف». وهذا يمنحك الفخر والتظاهر. على المرء أن يحافظ على الرغبة في العمل. عليه أن يعاني من أجل ما يحبه. إنها الحقيقة في نظري، وقد لا يكون الأمر كذلك حسب رأيك.

أقول لك ما أُومِنُ به. هؤلاء الشباب الذين سيُعتَرف بهم بصفتهم فنانين، لن يكونوا من بين أولئك الذين سيصبحون أفضل الفنانين. الأفضل هم أولئك الذين سيُنسَوْن لأنهم لم يتشكلوا على ما أردنا أن يكونوا. أولئك الذين سيعملون بروحهم وبالرغبة في التعبير عن أنفسهم. هؤلاء هم الذين سيصبحون أفضل الرسامين.

  يبدو لي أنه كلما زاد عدد الرسامين كان ذلك أفضل. فهذا يجعل الناس يفهمون الفن أكثر. وهذا يخدم بهذه الطريقة هدفًا تعليميًّا. هذا أولًا، وثانيًا، كلما زاد عدد الرسامين، زاد احتمال وجود المزيد من الرسامين الممتازين. يمكنك بالتأكيد الحصول على تفاح جيد من بستان لأشجار التفاح أكثر من حصوله من شجرة واحدة. إذا حصلنا على عشرة فنانين جيدين فقط من أصل 10.000، فذلك أفضل من وجود رسام جيد واحد في الألف. في الولايات المتحدة، في أثناء مدة الكساد، أنشأت الحكومة برنامجًا فيدراليًّا للفنون منح فرص عمل للعديد من الفنانين، إضافة إلى افتتاح العديد من المدارس الفنية للمبتدئين. وقد عرف هذا الرسم الأميركي قفزة رائعة. كانت بداية العديد من الرسامين الجيدين في تلك الحقبة. وفي الرسم على الجدران على سبيل المثال، كان العديد من الجدران مزينًا بجداريات. وعلى الرغم من أن كثيرًا منها كان رديئًا، فإنه أكسب بلدي بداية تقليد في الرسم على الجدران. لماذا على الفنان أن يتضور جوعًا؟ لماذا علَيَّ أن أكون مثل عمال النظافة في المجتمع؟

  أنتَ لستَ محققًا حقيقيًّا. أنت ترغب في فرض أفكارك علي. كل الفنانين الذين عانوا الجوعَ والبردَ رسموا لوحةً جيدة؛ بيكاسو، ماغريت، روولت، وأنا، جميعنا بدأنا هكذا. الوقائع لها دلالة ما. يبدع الفنان الحقيقي من أجل أن يرى بوضوح ما بداخل نفسه، لفهم نفسه. لا يمكن أن نفهم لوحة ونحن لا نفهم صاحبها. الأسئلة التي تطرحها علي ليست معقدة كثيرًا. هي بسيطة جدًّا وواضحة. من الواضح أنه من أجل أن يكون لنا فنانون جيدون، فمن الضروري ألا يأكلوا جيدًا.

  ولكن بمجرد أن تتوقف عن الشعور بالبرد والجوع، فهذا لا يمنعك من الاستمرار في تطوير فنك. بالحديث عن المعاناة والفن، أخبرني العديد من الرسامين أن الحرب على سبيل المثال لم تؤثر بشكل من الأشكال في لوحاتهم.

  من المستحيل ألا يشعر الفنان بآثار الحرب. هذا يجعله يأخذ الأمور بشكل أعمق، لما عليه القيام به، لا يمكن أن يغير عمله.

  يبدو أن الحرب لم يكن لها أي تأثير في الفن في فرنسا! وأنا لا أفهم ذلك.

  علينا أن نذهب إلى منازل جميع الرسامين. علينا أن نذهب مرة واحدة في الأسبوع، مرة واحدة في الشهر إلى جميع الورشات، وعلينا كسر جميع اللوحات بالزجاجات، علينا كسر الزجاجة. لكن الزجاجة مثال سيئ. فالموضوع نفسه، يمكن أن نعبر عنه بطرق مختلفة، لكن الزجاجة رسمها سيزان وهذا ليس جيدًا. الأشخاص الذين يرسمون الزجاجات هم الأشخاص الذين يقولون لأنفسهم: «الزجاجات جيدة لأن سيزان رسمها».

  عندما يشتغل الرسام داخل ورشته الخاصة، فإنه لا يفهم ما يحدث في الخارج.

  الرسام ليس سيدًا في ورشته الخاصة أكثر مما هو سيد خارجها. يحتاج إلى تمثيل الأشياء في إطار يتماشى مع مشاعره. الفنان يخرج، يرى شيئًا يغنيه، فيعود إلى منزله. فهم الموضوع يجعله يستفيد مما رآه. رسمت لوحة فتاة صغيرة أمام النافذة. تركتها من أجل الذهاب إلى جزر المحيط الهادي، لآخذ القارب، للذهاب إلى نيويورك، مدينة رائعة، المباني الكبيرة جدًّا جعلت السماء الزرقاء تبدو عالية جدًّا. عبرت أميركا. زرت شيكاغو، لوس أنجليس. لم أكن أرغب في رؤية شلالات نياغرا؛ لأني رأيتها في كثير من الصور. زرت سان فرانسيسكو. غادرت إلى تاهيتي. رأيت نباتًا مختلفًا تمامًا، كل شيء جميل ومثير. زرت جزر المرجان حيث الهواء النقي والأسماك المختلفة. عدت عبر قناة بنما، وتوقفت في المارتنيك وغوادلوب، ثم عدت إلى مرسيليا. عدت إلى الورشة الخاصة بي ونظرت إلى لوحتي مرة أخرى فانتهيت منها. وبعد مرور وقت قصير وضعت زخرفة عبرت فيها عما شعرت به خلال رحلتي، وأنا مدين لهذه الرحلة بما قمت به. ليس الموضوع هو المهم. الموضوع يضعك على الطريق، لكنه لا يهم.

الشكل، اللون والإيقاع

  أحب لوحاتك، لكني أريدك أن ترسم شيئًا آخر، ليس المرأة فحسب.

  الله الذي خلقك لم يهبك القدرة على أن ترسم كل شيء. الفنان يغير الفكرة. يمكن للمرء أن يعبر عن الموضوع نفسه بالوسائل نفسها دائمًا. لقد رسم رفائيل الفكرة نفسها دائمًا، ولكن ليس دائمًا بالتعبير نفسه. إنها الذريعة، وإذا لم أقم بالتعبير نفسه فذلك لأن الطبيعة متنوعة، إن الفكر يمنحك تعبيرات مختلفة. على المرء أن يعمل لمدة طويلة لكي يقدم هذه الأشياء. لماذا تجعلني أبدع أشياء مختلفة. أتواصل مع الطبيعة من خلال أشياء معينة. لماذا نبحث في مكان آخر؟

  هل تستخدم اللون بطريقة علمية؟ ما نظريتك عن اللون، وبخاصةٍ فيما يتعلق بمفهومك للمنظور؟

  لا، أنا لا أستخدم الألوان بطريقة علمية، وليس لي نظرية في اللون. ليست لدي أي نظرية، حتى في الرسم. هذا لا يأتي إلا مما أعرف عما أتطلع إليه. أنا أعمل وأنتظر ما سيأتي. عندما بدأت الرسم، قمت بنسخ لوحات متحف اللوفر وانتهيت إلى توضيح كل ما فكرت فيه، وكيف أن هذا اللون شيء جميل جدًّا. لماذا نخلط الألوان. لماذا لا نستعمل الألوان كما هي بشكل طبيعي. لقد بحثت عن توليفاتي بتوليفات من الألوان التي لا تدمر نفسها. يتم المنظور في رأسي وليس على الورق. هذا يتعلق بك وبالأفكار التي لديك. أبسط الأشياء هي الأصعب. هل يمكننا أن نفهم عدم استعمالنا المنظور مثلما يستعمله الإيطاليون؟ البدائيون أيضًا لم يكن لهم منظور. على المرء أن يرى الألوان وكأنها أصوات. التوافق الموسيقي له تعبير معين. لديك تناغم ألوان له أصوات معينة. كل الموسيقا مكونة من سبع نوتات. وبهذا نقيم التناسق. كذلك الأمر في الرسم.

  لا تنس أن لدينا إيقاعًا في الموسيقا. بنوتة بسيطة واحدة، على سبيل المثال، يمكن أن يكون لديك عدد كبير من المشاعر المختلفة حسب الإيقاعات.

  في التأليف (الرسم) أيضًا يوجد إيقاع. تكتسب توليفاتي أيضًا من خلال إيقاعها، ما يمنحها حياة أعمق. إن الإيقاع هو السبب في أن توليفاتي لم يعد لها المظهر نفسه؛ انظر إلى ذلك الرسم على الحائط، المرأة تضع ذقنها على يدها، وتلك الذراع ليست كذلك في الواقع، إنها نحيفة جدًّا، لكني قمت بتغييرها لأقدم إيقاعًا أفضل. وانظر إلى هذا الرسم. العنق ليس له صفات الملابس نفسها. إن التغيير في الإيقاع يعطي التغيير في الجودة.

  ما العلاقة بين الشكل واللون في رأيك؟

  الأمر معقد. هذا مرتبط ببعضه الآخر (ماتيس يشبك يديه) هكذا. يُدَار الأمر تلقائيًّا. إنه مثل رجل وامرأة.

  حسب ما رأيته في الرسم الفرنسي، فهو اندفاعة لبيكاسو، اندفاعة لماتيس، قليل من الفن البدائي وانتهى الأمر.

  نعم، إنه كوكتيل.

  في أي اتجاه تعتقد أن الرسامين الفرنسيين سيتجهون؟

  لا أعرف كل شيء. لا يمكنني أن أتنبأ.

الحاجة إلى نموذج

  الولايات المتحدة بلد جديد يحظى بقوة كبيرة.

  يتمتع الفنانون في أميركا بقدر كبير من القوة، لكن هل لديهم صوت؟ يمكن أن يكون لديك عدد كبير من الموسيقيين، وعدد كبير من المطربين، ولكن لا تملك أي موهبة. في أميركا رسامون يقدمون أعمالًا متقنة مثل موسيقا الجاز. لا بد أن تكون لدينا غريزة. أعتقد أنه لا يوجد في أميركا كثير من الشباب السيئ، بعض المصرفيين الذين لا يرغبون في أن يكونوا مصرفيين، الذين لا يرغبون في أن يكونوا رجال أعمال. نخلق الفنانين مع الحالمين. يمكن أن تملك قوة، وإذا كنت لا تملك موهبة فلن تصل أبدًا.

  ما رأيك في الفن التجريدي؟

  هناك تجريد وهناك شبه التجريد. لا أعرف شيئًا. لا أفهم. حتى لا نستعمل لغة العامة، لا بد أن يكون لدينا ما نقوله. إذا لم تحصل على ما لديك للتعبير عنه، فإنك ستصبح مجرمًا. إذا أحس فنان تجريدي بالخطوط، فإنه سيعطينا خطوطًا إيقاعية. إذا كان ملونًا فسيعطينا ألوانًا جميلة، وهذا لا يعني أنه سيكون مفهومًا. فهل هذا آتٍ من شيء بشري يمكنه أن يتواصل؟

  يجب أن يكون لك شيء للرجل في اللوحة.

  أردتَ أن تتحدث معي عن وجهة نظر ماركسية في الرسم. آمل أن تتغير لأن تفكيرك سيتطور. إنها الثورة المستمرة. أنا أيضًا أعيش ثورة مستمرة. أنا أيضًا أعمل لمدة خمسة وخمسين عامًا أحاول إصلاح نفسي قدر الإمكان، من دون التمسك بالشيء نفسه فيما أقوم به.

  جميع الرسامين عصبيون ويعبرون عن عُصابهم في لوحاتهم.

  هل تعتقد أني عصبي؟ هل يظهر هذا في لوحاتي؟

  هل يمكنك أن تشرح لنا سبب تفضيلك لرسم النساء وعدم رسمك للرجال تقريبًا؟

  أنا أرسم النساء. لو لم يكن هناك نساء لرسمت الزهور. لقد اخترت النساء؛ لأن لهن إيقاعات ونِسَبًا، وأشكالًا ترضيني. سأرسم رَجُلًا، رجل أعمال أميركيًّا على سبيل المثال، بكل سرور؛ لأن ما يهم هو أن يكون لديك نموذج سيصبح مثيرًا للاهتمام. لا أستطيع أن أرسم امرأة جميلة غبية. في الطرح الأول إذا كانت جميلة، سأعيرها أشياء. في الجلسة الثانية سأجد نفسي أمام لا شيء. أحتاج إلى نموذج يتمتع بالذكاء والحساسية. هناك رجال وسيمون جدًّا، أقوياء، ذوو عضلات مفتولة، فقط أجد في المرأة الشيء الكثير لأرسم اللوحات أكثر مما أجده في الرجل. أود أن أرسم المصارعين وهذا يثير اهتمامي، أو أرسم لاعبي هوكي الجليد. كنت أود أن أرسم المتزلجين في سويسرا، لكن الطبيب منعني من الذهاب إلى هناك.


مصدر الحوار: مجلة The design Observer

تجليات الفن في العمارة… رحلة بصرية عبر الزمن

تجليات الفن في العمارة… رحلة بصرية عبر الزمن

العمارة والفنون البصرية

علاقة تكافلية مدهشة

علاء حليفي كاتب ومعماري مغربي

منذ فجر الحضارة حتى يومنا الحالي، لطالما شكلت العمارة مرآة تعكس التطور الفني والثقافي للمجتمعات البشرية، حيث تداخلت الفنون البصرية والهندسة المعمارية عبر العصور في علاقة تكافلية مدهشة، فأثر كل منهما في الآخر وألهمه بطرق لا تُحصى، وهو ما أنتج إرثًا معماريًّا وفنيًّا لا يُنسى، ترك بصمته على مختلف الحضارات البشرية؛ إذ إن الفنون البصرية لم تكن مجرد زينة للعمارة، بل كانت وما زالت جزءًا من الهوية المعمارية، تضفي عليها روحًا وحياةً، وتجعلها تنطق بتفاصيل الحضارات والثقافات عبر مختلف العصور.

تَأمُّل هذا الترابط العميق يكشف لنا عن رحلة مليئة بالإبداع والتعبير الفني والسعي المستمر نحو الجمال والكمال. في هذا المقال، سنتجول جولة تاريخية لاستكشاف التأثيرات المتبادلة بين الفنون البصرية والهندسة المعمارية. سنبدأ بشكل مختصر بفحص الأشكال الفنية الكلاسيكية وكيف ساهمت في تشكيل العمارة في الحضارات القديمة، قبل أن ننتقل إلى العصر الحديث لنتعرف بالتفصيل إلى الفنون المعاصرة ودورها في تطوير المفاهيم المعمارية التي يتبناها الجيل الحالي من المعماريين مثل المعمارية الأميركية سيران أرسلان، التي سوف نحاورها حول عملها الفني والمعماري وعلاقته بالتطور الذي شهده الذكاء الاصطناعي والفنون الرقمية في السنوات المنصرمة.

التطور التاريخي للعمارة والفنون البصرية

تعود أصول هذه العلاقة الساحرة بين الفن والهندسة المعمارية إلى البدايات الأولى للحضارة في بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة. فقد كان الفن والهندسة المعمارية آنذاك متداخلين كما لو كانا عملًا ومجالًا واحدًا، حيث كانا يعكسان على نحو مادي وواضح رمزية السلطة والدين والنظام الاجتماعي السائد آنذاك. في بلاد ما بين النهرين، كانت الزقورات ترتفع بشموخ نحو السماء، مزينة بنقوش معقدة تجسد الآلهة والأساطير الملحمية. أما في مصر، فقد كانت الأهرامات تمثل مآثر خالدة للفراعنة، تعكس براعة هندسية وزخرفية، ومزينة بالهيروغليفية والمنحوتات الفريدة.

أما في العصر الكلاسيكي، فقد شهد العالم طفرة في الابتكار الفني والمعماري، حيث كانت اليونان وروما في طليعة هذا الإبداع، فالمعابد اليونانية، مثل معبد البارثينون، كانت تجسّد التوافق بين الفن والهندسة المعمارية، بفضل تفاصيل منحوتة وأقواس معقدة تزين أعمدتها الشامخة. وفي روما، أظهرت الكولوسيوم والبانثيون روعة الهندسة المعمارية وتكامل الزخارف الفنية، وهو ما جعل إنجازات الحضارات القديمة تظل حية حتى يومنا الحالي.

وقد كان عصر النهضة بمنزلة لحظة محورية في تطور الفن والهندسة المعمارية، حيث اجتاحت النزعة الإنسانية وإحياء المُثل الكلاسيكية جميع أنحاء أوربا، فأَخْفَى الفنانون والمعماريون مثل برونليسكي ومايكل أنجلو الخطوطَ الفاصلةَ بين الفن والهندسة المعمارية، وزيّنوا المباني بالعناصر النحتية والزخارف. وتشهد القباب المرتفعة لكاتدرائية فلورنسا والواجهات المزخرفة للقصور في البندقية على هذا التزاوج بين الجمال والبناء.

أما مع بزوغ العصر الحديث، فقد تغيرت العلاقة بين الفن والهندسة المعمارية على نحو كبير؛ إذ تبنت حركات مثل آرت نوفو وآرت ديكو موادَّ وأشكالًا جديدة، وهو ما أدى إلى تحدي الأفكار التقليدية للجمال والهندسة، حيث عمد المعماريون مثل غاودي ورايت إلى استعمال الأشكال العضوية والتقنيات الفنية المبتكرة، ليخلقوا مبانيَ تجمع بين الوظيفية والإبداع، متجاوزين المألوف ليحولوا العمارة إلى أعمال فنية في حدّ ذاتها.

صوت جديد يتمرد على كل ما هو كلاسيكي

في المشهد المعاصر للقرن الحادي والعشرين، يستمر التفاعل بين الفن والهندسة المعمارية في التطور، مدفوعًا بالتقدم التكنولوجي والعولمة والنماذج الثقافية المتغيرة، حيث يتعاون المهندسون المعماريون والفنانون في مشاريع طموحة تدفع حدود الإبداع والابتكار، فقد فتح تطور التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي آفاقًا جديدة، وهو ما سمح بازدهار أشكال فنية ومعمارية تجريبية غير مسبوقة في بيئتنا المبنية.

منذ تسعينيات القرن الماضي، حتى مطلع القرن الحادي والعشرين، ظهرت على الساحة أشكال جديدة من الفنون المعاصرة، غير الفنون الكلاسيكية مثل الرسم والنحت. إنها أشكال فنية حديثة قادها الجيل الجديد من الشباب، نتيجة تمردهم على الفنون الكلاسيكية؛ لكونها لا تناسب أصواتهم ولا تعبر عن رؤاهم وأفكارهم، وكانت إحدى أولى هذه الفنون المعاصرة هي فن الغرافيتي الذي ظهر وانتشر في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي في مدينة نيويورك الأميركية، عندما بدأ الشباب في استخدام الطلاء على الجدران لإنشاء صور وكتابات على المباني، تعبيرًا عن سخطهم وغضبهم على حال المدينة التي كانت تتخبط في براثن الفقر والبطالة آنذاك.

يُعَدُّ فن الغرافيتي أحد أهم أشكال الفن المعاصر التي ظهرت من العدم، وارتبطت ارتباطًا جوهريًّا بالعمارة والمدينة، حيث كانت المباني المعمارية بمنزلة اللوحات التي يبدع عليها الفنانون أعمالهم، فصار لهذا الفن القدرة على بث حياة جديدة في المساحات الحضرية المهملة، وتحويل المباني المهجورة والجدران الفارغة إلى أعمال فنية نابضة بالحياة، فأصبحت المستودعات والأنفاق والأزقة المهجورة مثل لوحة قماشية لفناني الغرافيتي لإطلاق العنان لإبداعهم، وحقن ألوانهم وتعبيراتهم في الزوايا المنسية من المدينة. ومن خلال استعادة المباني والمساحات المهملة وإعادة توظيفها كمواقع للتعبير الثقافي، طمس فن الغرافيتي الحدود بين الفن والهندسة المعمارية، داعيًا الناس إلى إعادة تصور بيئتهم المبنية.

وفي علاقة الغرافيتي بالعمارة، يقول فنان الغرافيتي الأميركي «دريكس وان» في محاضرة له بمدينة سان فرانسيسكو: إن فن الغرافيتي، غالبًا ما يُساء فهمه على أنه مجرد تخريب، لكنه في الحقيقة يحمل أهمية أعمق تتجاوز مظهره السطحي؛ إذ إن الأمر لا يتعلق فقط بالطلاء غير المصرح به على الجدران، بل هو شكل من أشكال التعبير، واستعادة الفضاء العام والبيئة المبنية للسكان، حيث يكمن جوهر الكتابة على الجدران في تحديها للمعايير التقليدية وتأكيدها الفرديةَ وصوتَ جيلٍ كامل من الشباب. ربما لا يختار السكان هيئة المباني التي تحيط بهم، لكن فن الغرافيتي يجعلهم يستعيدون حرية تزيينها بأفكارهم وألوانهم الخاصة، بالنسبة للمجتمعات التي غالبًا ما تُتجاهَل أو تُهَمَّش، تصبح الكتابة على الجدران صوتًا ووسيلة لاستعادة بيئتها وتأكيد وجودها.

العمارة والفنون الرقمية: محاكاة المستقبل

في عصرنا الحالي، الذي يتسم بالابتكار الرقمي والتطور التقني، تشهد مجالات الفن والهندسة المعمارية تقاربًا عميقًا، مدفوعًا بالتقنيات التكنولوجية المتطورة والإبداع اللامحدود، حيث تُحدث الفنون الرقمية، التي تشمل مجموعة واسعة من الوسائط مثل الصور المولدة بالكمبيوتر (CGI)، والنحت الرقمي، والمنشآت التفاعلية، ثورة في التصميم المعماري، وتقدم للمهندسين المعماريين أدوات جديدة للاستكشاف والتعبير، حيث إن تأثير الفنون الرقمية على الهندسة المعمارية يعيد بشكل ما تشكيل البيئة المبنية بطرق غير مسبوقة في التاريخ.

وقد أحدث التقاطع بين الهندسة المعمارية والفن الرقمي ثورة في الطريقة التي نتصور بها المساحات ونصممها. من قبلُ، ارتكزت الممارسات المعمارية التقليدية على الصياغة اليدوية والنماذج المادية. أما اليوم، تتيح الأدوات والبرمجيات الرقمية للمهندسين المعماريين إنشاء تصميمات أكثر تعقيدًا ودقة وابتكارًا. لا يقتصر الفن الرقمي في الهندسة المعمارية على مرحلة التصميم؛ بل يمتد إلى التصور وعرض المشاريع. يمكن للمهندسين المعماريين والمصممين الاستفادة من التطور التقني والذكاء الاصطناعي لاستكشاف مناطق إبداعية مجهولة، وإنشاء أشكال وهياكل قد يكون من المستحيل تصميمها يدويًّا.

إن هذه التكنولوجيا تساعد في خلق تصاميم معقدة وجمالية تتجاوز الحدود التقليدية للعمارة. يتيح هذا النهج أيضًا للمعماريين تجربة التصاميم بطريقة تفاعلية ومبتكرة، وهو ما يساهم في تحسين الكفاءة والإبداع في العمل المعماري. إن الجمع بين العمارة والفن الرقمي والذكاء الاصطناعي يعيد تعريف ممارسات التصميم ويقدم رؤى جديدة حول كيفية تكامل التكنولوجيا مع الفن في خلق مساحات معمارية فريدة ومستديمة.

سيران أرسلان: حين يجتمع الفن الرقمي بالعمارة فرارًا من الواقع

تُعد سيران أرسلان، وهي مهندسة معمارية وفنانة رقمية أميركية مقيمة في مدينة نيويورك، أحد أهم الشخصيات التي تدمج الفن الرقمي بالهندسة المعمارية في زمننا الحالي، فهي إضافة إلى عملها التطبيقي كمعمارية، لها مشروعها الخاص ‘Exit’ الذي يُعَدّ مختبرًا تجريبيًّا للمساحات المعمارية المتخيلة التي تجمع الفن الرقمي بالعمارة في مزيج ساحر وطلائعي.

بوصفها معمارية متعددة المهارات، يتأثر عمل سيران بتقنيات فنية مختلفة بما في ذلك الرسم والكولاج، إضافة إلى التقنيات الرقمية المعززة بواقع الذكاء الاصطناعي؛ إذ تمثل أعمالها نقطة التقاء بين الهندسة المعمارية التقليدية والتكنولوجيا الحديثة، بخلقها فضاءاتٍ معماريةً لا تقتصر على تلبية احتياجات الحاضر فحسب، بل تستشرف المستقبل بتصميمات ذكية تجمع بين الفن والعلم في توازن مثالي، وهو ما سوف نستكشفه في الحوار التالي الذي أجريته معها:

  هل بإمكانك أن تحدثينا كيف أتتك فكرة دمج الفن الرقمي بالعمارة؟

  بدأ كل شيء خلال فترة الحجر الصحي خلال أزمة كوفيد-19، حيث قضيت جل الوقت في بيتي، أعمل في العالم الرقمي؛ لذا قد كان لديّ متسع من الوقت، فشرعت في تصميم ما يستهويني حقًّا، فصرت أرسم كل ما يخطر في ذهني من عوالم ثلاثية الأبعاد، حيث أدمج العمارة بالفن الرقمي على شكل مساحات متخيلة تخرج عن المألوف، التي هي عبارة عن انعكاسات غير تقليدية لبيئتنا الحقيقية. إنها أفكار مستعارة من الحياة الواقعية ولكنها توضع في سياقات ساخرة وغير متوقعة، إن أعمالي بكل بساطة هي خروج من الواقع، نحو واقع متخيل، بعيدًا من العمارة التقليدية، وعن الفن بمفهومه الكلاسيكي.

هذه المساحات الخيالية تدرُس كيفية تأثير البيانات الرقمية والذكاء الاصطناعي على ثقافة التصميم المعماري. إنها تمثل وجهة نظري حول الممارسة التقليدية للهندسة المعمارية حيث أقوم بتصميم الصورة أولًا، لا المخطط. إن اللغة المعمارية لعملي الفني والتقني متجذرة في فكرة الهروب من الواقع والتفكير خارج الصندوق. المغزى من أعمالي هذه هو إثارة الناس والجمهور؛ إذ إنني أستطيع أن أصنع صورًا مثالية جدًّا لدرجة أنها تبدو واقعية رغم أنها متخيلة، وغالبًا ما يسألني الناس، «أين التقطتِ هذه الصورة؟» «أين يوجد هذا المبنى؟» لكن الحقيقة أنه غير موجود بتاتًا.

بعيدًا من عملي الكلاسيكي بوصفي مهندسة معمارية، أعتقد أن الفن الرقمي يمثل أداة عظيمة لطرح رؤيتي والوصول إلى جماهير أكبر، وبناء أسلوب فريد ومتسق. في نهاية المطاف، حلمي هو جعل هذه المساحات تنبض بالحياة، وصناعة نوع جديد من رواية القصص المعمارية، وهو نوع يجمع بين الواقع والخيال، وتجربة أحدث التقنيات لإنشاء بيئات رقمية، كما أنني أُومِن أن هذه التصورات الرقمية، قد تصبح في السنوات القادمة، الواقع الجديد لمهنتنا كمهندسين معماريين.

الخروج من الواقعي إلى الفانتازي

  هل يمكنك أن تخبرينا بالتفصيل عن مشروعك الشخصي Exit الذي يدمج المعمار بالفن الرقمي؟

  المشروع يسمى ‘Exit’ أي «خروج»؛ ذلك لأن أعمالي المعمارية والفنية بالمشروع هي بمنزلة خروج من الحياة الواقعية إلى واقع خيالي وفانتازي. وهو مشروع فني أعمل عليه منذ بضعة أشهر، يجمع مجموعة من المساحات المعمارية والفنية التي تكسر الجماليات الدنيوية للواقع المبني، حيث حاولت إنشاء بيئات رقمية وتجربة التكنولوجيا الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي وبرمجيات التصميم لسرد قصص مرئية متخيلة لكن ذات رسالة ومغزى. لقد بدأت العمل على هذه المجموعة منذ بضعة أشهر فقط كاستجابة لواقع الممارسة المعمارية. أبدأ بلوحة فارغة من البرنامج التقني وأتعامل مع ما أشعر به. تبدأ القصة كمفهوم لإثارة إعجاب الجمهور بجماليات فائقة الواقعية، أتعمد في بعض الأحيان ترك عيوب حقيقية في تصميم المساحات المتخيلة لتشبه الواقع، حيث تبدو المساحات مبهجة، وأحيانًا مبهرة، ولكنها تظل على الدوام غريبة مقارنة مع الواقع.

إن أعمالي المعمارية والفنية تحمل طبيعة شخصية للغاية؛ لأنني أحب إثارة استفزاز الناس والجمهور. أظن أن ذلك هو المغزى من كل فن، كانت فكرة هذه التصاميم هي أنني أستطيع أن أجعل أي شخص يؤمن بأي واقع أريده، إذا جعلتها حقيقية بدرجة كافية. والآن بعد أن اكتشفت المزيد من البرامج التقنية، يمكنني أن أجعل الصور مثالية لدرجة أنها تكاد تكون واقعية.

  ما الذي يلهمك في أعمالك، بين العمارة والفن؟

  الحقيقة أن أشياء كثيرة تلهمني، قد يبدو الأمر متناقضًا، حيث إنه رغم أن أعمالي تستشرف المستقبل، لكن أكثر ما يلهمني هو العمارة التي أُنشِئَت قديمًا؛ إذ أشعر أن الهندسة المعمارية هي مهنة تتعلم فيها الكثير من الماضي، تجعله ملكًا لك، ثم تعيد اختراعه. أنا أستلهم أعمال العديد من المهندسين المعماريين مثل: ريكاردو بوفيل، وباولو مينديز دا روشا، ولويس باراجان، وبيتر زومثور. وأيضًا بعض الفنانين الرقميين الذين يعملون على الوسائط التقنية مثل: فيليب دوجاردان وفيليب شيرر.

دون أن ننسى الكتب، والأفكار الفلسفية التي تغني أعمالي المعمارية والفنية. أحد المفاهيم الكبيرة التي درستها بعناية شديدة هو اليوتوبيا المغايرة لميشيل فوكو التي يصفها بأنها مساحات استطرادية متحولة وغير متماسكة ومزعجة. إنها عوالم داخل عوالم وهو ما يشبه أعمالي في Exit. أنا أيضًا أسافر كثيرًا وأتأمل البنايات والإضاءة حتى الأصوات، أنا أحاول اثارة إلهامي بكل ما هو موجود حولي؛ ومن ثم صناعة عالمي الخاص.

بين العمارة والفن الرقمي

  ما رأيك في استخدام البرمجيات الفنية التقنية في عملِ المعماريِّ؟ هل يَحدّ من الإبداع أم يزيده أم كلا الأمرين؟

  هناك ضجة كبيرة حول التصميم الرقمي، وبخاصة الجيل الأصغر من المعماريين مثلي. إن ثقافة إنتاج المساحات المعمارية تتوسع فعليًّا في العالم الرقمي حيث يمكنك بيع التصميمات المعمارية الرقمية بآلاف الدولارات هذه الأيام. أحد أسباب ذلك هو أن البرامج أصبحت سهلة الاستخدام، ويمكن للجميع الوصول إليها؛ لذلك هناك مساحة أكبر لاستكشاف قدراتك الإبداعية. إنه نوع من التوسع خارج حدود ما يمكن فعله كمهندس معماري. أعتقد أنه أمر يحررك، حيث يمكنك الاستكشاف وإنتاج المزيد. في الماضي، كان الاستكشاف المعماري فيزيائيًّا، من خلال صنع النماذج والمواد المختلفة. أعتقد أنه عندما تعمل رقميًّا، يكون الأمر أسرع، ويمكنك اختبار خيارات متعددة. يستغرق الأمر وقتًا أطول عندما تفعل ذلك بالشكل التقليدي، وأظن أنه عاجلًا أم آجلًا، سوف ينتهي نُقاد هذا المزيج بين الفن الرقمي والعمارة، إلى تقبله، بل أظن أنه في القريب العاجل، سوف يصير ضروريًّا لمستقبل المهنة.

  أخيرًا، في رأيك، ما مستقبل الفن الرقمي والذكاء الاصطناعي وتأثيرهما في عمل المعماري؟

  سوف أتحدت بناءً على مساري الشخصي، أنا مهندسة معمارية في الممارسة العملية وأوسّع رحلتي الإبداعية إلى مجالات فنية وتقنية مختلفة، تتخذ منعطفات مفاجئة من حيث التعاون والمشاركة. أعتقد أن وجود أساس متين وخلفية فنية في الهندسة المعمارية هو أمر مهمّ جدًّا لكل معماري بهدف بناء صوته وبصمته الخاصة في الميدان.

بعيدًا من الصور الواقعية للغاية والتصوير الدقيق لما تبدو عليه المشاريع المبنية بمجرد اكتمالها، التقنيات الفنية الحديثة هي أدوات تسمح بتقديم ما هو أعمق من البناء المادي، فهي تساهم في مشاركة الأجواء والعواطف التي يصورها المهندسون المعماريون. إن استخدام الوسائط التقنية، جنبًا إلى جنب مع التركيبات المعمارية والفن والإضاءة والموسيقا في كثير من الأحيان، قد ولّد نوعًا جديدًا من رواية القصص المعمارية، وجعل من العمارة أكثر إنسانية وفنية، لا مجرد أعمدة خرسانية باردة.


مراجع الصور:

https://news.artnet.com

https://www.dezeen.com

https://www.dailysabah.com/arts/ceren-arslans-exit-extraordinary-spaces-break-ordinary-order/news

https://en.studiomercado.com/post/dialogue-ceren-arslan-architectural-designer-digital-artist

https://exitceren.com/collection/parliement

https://voyagela.com/interview/check-out-ceren-arslans-story/


العمارة والفن، في مديح المكان والإنسان

أسعد الأسدي معماري عراقي

كانت العمارة فنًّا، حين كان الفن يتأسس على محاكاة موضوع ما والتمثيل له، وكان جمال العمل الفني حصيلة تلك المحاكاة. وكانت مهارة العمارة تتمثل في محاكاة وتمثيل وتوظيف طراز معماريّ معتمد، وتعتني بصنع موجودات منشغلة بحضورها وتجسدها وتشكلها، أكثر من استجابتها لما يلزمه طبيعة استعمالها، كما حدث في العمارة الحديثة، حين تعمقت في تعقيدات توظيفات الأبنية وتعدد أنماطها، فجعلت تصنع أشكالَ أبنيةٍ متعلقة بوظيفتها ومعبرة عنها.

تحولات جوهرية

وحين تحرر الفن من المحاكاة والتمثيل، وأصبح معنيًّا بنفسه مستقلًّا عما هو خارجه، وامتلك حرية يحسد عليها، مهتمًّا بالمعرفة والاكتشاف وصنع ما يميّزه، تحررت العمارة أيضًا، لكنها لم تعد فنًّا، كانت قد غادرت تكرار طرزها القديمة، وابتكرت نصًّا شكليًّا مستجيبًا للوظيفة والتقنية، غير أنها لم تمتلك استقلالية الفن وحريته، ولم تستطع أن تتجرد من الجانب النفعي الذي يستدعي وجودها، ويتدخل في تشكل نتاجاتها، ولذلك صعب عليها أن تتغاضى عن الاستجابة لتفاصيل حياة الإنسان اليومية، كما أتيح للفن أن يفعل. وقد واصلت اعتناءها بالجمال بقدر مهارتها في صنع الأمكنة، في أثر التغيرات التقنية وتحولاتها الثقافية، وحين تعقدت المدينة وتعددت وظائفها، تكفّلت العمارة بمهمتها الاجتماعية في تنظيم أشياء الإنسان وأمكنته وأزمنته، حينها لم تعد مقولة الفن كافية لها أو متوافقة مع التزاماتها الواقعية المعقدة، وفي أثر تلك التحولات الجوهرية في طبيعة كلّ منهما، امتلك الفن عالمه، وامتلكت العمارة عالمها.

العمارة ليست متعلقة بالإنسان وحده، فهي احتفاء بالمادة والكتلة والشكل واللون والبيئة والمكان. يدخل الإنسان الأبنية كي يستعملها، يتلقى كامل معطياتها ويشهد على إبداعها، وقد يكون هو أحد أبعاد وجودها، لكن العمارة تصنع موجودات تمتلك ثقل حضور، وقيمة منجزٍ ماديّ، وتصنع سياسته في تعاطي العالم وإعادة إنتاج أمكنته وأزمنته وأشياءه، موجودات تزيد على كونها وقائع تتأسس في علاقة مباشرة مع الإنسان الذي ينسج في العالم حكايته، من دون أن يكون العالم صنيع تلك الحكاية، ولا أن يكون وجوده رهينًا بها. فالعمارة ليست صنيعة الإنسان وحده، وهو حين يدخل أبنيتها بقصد الانتفاع بها، يحدث أن يدخلها انسحارًا بها أيضًا، وهو يبحث عن الدهشة والمتعة والغرابة ولقاء ما يفوق المتوقع. يدخل الأبنية في تطفل وعيه على الموجودات والعالم، طامحًا إلى أزمنة من الجدة وأمكنة تفيض عن الألفة، فهو يدخلها ليس في استثمار ما يخدمه فيها وحده، ولكن في اكتشاف ما يبهره من جمالها أيضًا.

الوظيفة والجمال والفن

الجمال مقولة متعلقة بماهية أي شيء، فهو يكون جميلًا جماله هو، حين يكون ما هو، ويقدم لمتلقيه متعة حسية وذهنية. ولذلك ثمة فكرة جميلة، ذكية ونادرة وملهمة، وثمة شيء جميل، يمكنه أن يقدم متعة مدركة. حتى الأشياء الوظيفية النافعة في قدرتها أن تكون جميلة، وقد يلزمها ذلك، كما يحدث في العمارة، حين يكون جمال المبنى أحد أعمدته، فضلًا عن وظيفته ومتانته، وهو جمال لموجود يخدم إنسانًا لا يكتفي أن يرقبه ويتأمله. وجمال المبنى بعض ماهيته، يتجسد في شكل يتوافر على علاقات وتناسبات ورموز. وهو جمال يختلف عن جمال العمل الفني الذي يتصف بتحرره من شيء لازم، أو مرجعية شيئية أو فكرية سابقة تتدخل في قياده، وقد تجرد من المنفعة والنزعة الإنسانية، وتمتلك استقلالًا وانشغالًا بصنع عالم يخصّه ويميّزه، يتعلق بابتكار شكل حسيّ وذهنيّ لم يعد ملتزمًا أن يكون جميلًا، وقد يبدو غريبًا أو قبيحًا وهو يقدم تصورًا جديدًا عن الشيء، في شكل يبرر ذاته ويفسّرها، ويكون هو برهانها بوصفه عملًا حريته أشدّ قواه حضورًا وفعلًا. غير أن جمال العمارة متعلق بدواعٍ واقعية متعددة، هو جمال مبنيّ من مادة وشكل، يخدم إنسانًا ووظيفة، يسكن مكانًا يفعل في شكله ولغته وجماله؛ إذ إن مكان المبنى ليس موضعه وحده، ولكن بيئته وما فيها، من أبنية قريبة ولغة عمارة وثقافة مكان ونهج مدينة. وفي سعي العمارة جعل أبنيتها جميلة، فعل لا يحيلها أعمالًا فنية؛ إذ إن جمال الشيء لا يصنع منه عملًا فنيًّا، فالجمال غير متعلق بالفن وحده، ولا حتى به؛ إذ لا يعني الفن الجمال، ولا يعني الجمال الفن.

وفي ضوء هذا التصور، لا يكون الجمال مفصل تعلق العمارة بالفن، إنما الفن في العمارة أمر آخر، يظهر في ذهاب العمارة صوب الغرابة والاختلاف، في انزياح نحو أن تكون فنًّا، وهي تبني أشكالَ أبنيتِها وَفْقَ دوافع تفوق متطلبات توظيفها، مجانبة ما يلزم، حد أن يتدخل الفن في صياغة الحياة في المبنى الذي يكون مكانًا نذهب إليه ونمارس فيه ما يتيحه من أفعال، بكيفية لا علاقة لها بالضرورة بما هي أحلامنا، التي هي أمر لا يمكن التثبت منه، ولا الثبات عليه، ويصعب أن نصفه تمامًا، ويحار المبنى أن يفي باحتياجات العديد المختلف والمتحوّل من أحلامنا، وهو الذي يمكنه أن يكون في صورة حلم متعيّن بوضوح كافٍ. ولذلك تعجز العمارة أن تفي بأحلام شاغليها، فيكون مجديًا لها أن تكون فنًّا يمتلك حريته ونزقه، بديل أن تواصل الاعتقاد في أنها ماكنة كفؤة ومثالية للعيش فيها.

ومن الملاحظ ما تحاوله العمارة التفكيكية، من قود العمارة إلى منطقة الفن من جديد، وهو أمر تنجح فيه، لكنه خيار يصعب تعميمه، على الرغم من قبول وقائعه الفردية، بوصفها وقائع فردية، لا يمكنها أن تصنع توجهًا عامًّا، ولم يتحقق لها ذلك. وهي تسعى في العديد من تجاربها إلى إنتاج أشكال متحررة من متطلبات واقعية، مع أنها ملتزمة بدخول الإنسان إليها واستعمالها، ولكن ليس في قدر حاجته ولا بسببها وحده، بل في سعة وشكل ما يتيحه فضاؤها وكتلتها، غير المنقادين إلى متطلبات الحاجة وحدها، ولا المكتفيين بها. فهي تسعى لأنْ تصنع فنًّا في التحرر من نفعية العمل المعماري والتزامه باشتراطات الإنسان، منشغلة في أغلب أمثلتها بابتكار المزيد من الشكل، في واقعة بصرية وذهنية مربكة ومشوشة، يعوزها كي تُدرك العميق من التفسير. فهو شكل يستدعي ما يفوق التعاطي البصري المباشر، حيث تختلط فيه الأشياء والعناصر والأشكال اللازمة لدواعي وظيفية أو إنشائية أو سواهما، مع نقيضها من عناصر وأشكال أخرى غير لازمة، تمارس دورها بوضوح في بلبلة الصورة وتعقيد تلقيها، وفي اختفاء ما هو لازم في شبكة ما هو غير لازم، فيكون النص مختلفًا يفتقد إلى مداخل واضحة ومحددة لاكتشافه، وتكون مهمة التلقي أن يدرك الوضوح في صورته المرتبكة وغير الخاضعة لمهيمن محسوب، فيكون تأويلها بناءً في الممكن وغير المتوقع، مبرهنًا على توصلاته في ابتكار حجة يصنعها، مفارقًا ما هو واقعي، قاصدًا ما يذهب إليه الفن من تحرر في أعمال ذات تعقيد شكلي وثراء فكري مثير.


البيوت الدمشقية واللوحات الجدارية المدمجة مع عمارتها الداخلية

  

إيمان عسلية معمارية سورية

ترتبط العمارة منذ نشأتها بأنواع الفنون وعلى رأسها الرسم والنحت، وقد كان لها عند هيغل المكان الأول بالتصنيف بوصفها فنًّا في حدّ ذاتها. فهي عنده «تمثل بدايات الفن» وكل الفنون وجدت بعدها، وكأنها الوعاء الحاضن للفنون، يتكامل فيها العمل المادي مع المعنوي «لتحقيق كلية العمل الفني». والتقارب الأساسي بين العِمارة والرسم يتمثل في أن إدراكها يتم من خلال حاسة البصر؛ فهي تشكيلات بصرية تعبر عن المكنونات الداخلية لصانعها، إلا أن الأولى تستوعب «أبعاد المكان الثلاثة»، وأما الثاني فيتمثل ببعدين اثنين على السطح(1). والعِمارة بتعريف جون راسكن هي «الفن الذي يرتب ويزيّن الصروح التي يشيّدها الإنسان»(2).

وفي تتبع السياق التاريخي وبناء على التعريفات السابقة، فإن منطقة بلاد الشام قد شهدت منذ آلاف السنين عمارة متقنة يختلط فيها الوظيفي مع الجمالي. فلقد تأسست دمشق في الألفية الثالثة قبل الميلاد، وهي واحدة من أقدم المدن في الشرق الأوسط وكانت مركزًا ثقافيًّا وتجاريًّا مهمًّا. نستشهد هنا بقول مارك توين: «لم يُسجّل حدث في العالم إلا وكانت دمشق حاضرة تتلقى أخباره، فمهما رجعت بذاكرتك إلى الماضي السحيق فستجد أن دمشق كانت دومًا قائمة…»(3).

البيوت الدمشقية من الداخل والخارج

وأبرز ما هو قائم حتى اليوم وما يميّز مدينة دمشق هو بيوتها التقليدية من العصر الإسلامي، خصوصًا عمارة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. إن أهم التقسيمات المعمارية لتلك البيوت هي الباحة الداخلية: الصحن الذي يتمحور حوله البيت بالكامل، وقد كان هذا النموذج نتاجًا حيًّا لتفاعل الظروف البيئية والاجتماعية والمكانية. وقد تطور في الفترة الإسلامية ليتلاءم مع الحياة الأسرية حتى أصبح البيت بكل تفاصيله بمنزلة الجنة لساكنيه. حافظت البيوت الدمشقية التقليدية على تشابهها من الخارج، من حيث الجدران الصماء والفتحات القليلة ومواد البناء، واختلفت عمارتها الداخلية تبعًا للحالة الاقتصادية والمكانة الاجتماعية لمالكيها، خصوصًا على صعيد التزيين وتعدد قاعات الاستقبال. يشير زكريا محمد كبريت إلى كيفية تعدد النماذج المعمارية للبيوت الدمشقية على مستوى المساحة والكسوة حسب الحالة الاجتماعية والاقتصادية للعائلات الدمشقية. كان أبرز المميزات للبيوت التي عُرفت باسم أصحابها الوجهاء الدمشقيين، اللوحات الجدارية المدمجة مع تفاصيل العمارة الداخلية.

تصنف البيوت الدمشقية لخمسة أنواع: البيت متعدد الصحن، متعدد الصحن والطوابق، المتعدد الطوابق وأحادي الصحن، الأحادي الصحن والطوابق، البيت المختلف. ونقلًا عن كبريت توصل الباحث أنطون عبد النور إلى اقتراح ثلاثة نماذج للسكن في المدن السورية: أحدها هو الدار ذات الباحة المركزية، وهو الأكثر شيوعًا في دمشق، وقد اعتمدها أبناء الطبقة الميسورة من الإداريين العثمانيين والأشراف والتجار. يتألف من الإيوان وعلى جانبيه حجرات الاستقبال، وبقية الغرف متقابلة حول الصحن. وللمسكن طابق ثانٍ وأحيانًا ثالث(4).

في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تحت الحكم العثماني، تأثرت مساكن دمشق بالعلاقة التفاعلية بين الإنسان والمكان. الأعيان والوجهاء سعوا لتمييز أنفسهم اجتماعيًّا من خلال تصميم منازلهم التي تأثرت بالجوانب الثقافية والسياسية والاقتصادية، مع الحفاظ على العناصر الأساسية للبيت التقليدي الإسلامي. تميزت هذه المنازل بقاعة الاستقبال المعروفة بالغرفة الدمشقية، التي تضم جزأين: الطزر (المجلس المرتفع لجلوس الضيوف)، والعتبة (الجزء الأقل ارتفاعًا مع بحرة في الوسط). بنيت الجدران من الحجر وزينت الأسقف بالعوارض الخشبية المرئية والمزخرفة.

تستخدم الغرفة الدمشقية مجموعة متنوعة من المواد الغنية مثل الحجر بأنواعه، الرخام، الخشب، الزجاج، والفسيفساء الخزفية (القيشاني(5)). طُورت أنماط الزخرفة مثل الأبلق، الذي يستخدم مداميك بألوان متناوبة (غالبًا الأبيض والأسود)، وزخارف العجمي، التي تعتمد على ملء الزخارف المحفورة بمادة ملاطية ملونة. استمرت أيضًا زخرفة الخشب بأسلوب الأرابيسك، الذي يتميز بتشابك الزخارف النباتية والهندسية والخطية(6).

إن اللافت في تلك الحقبة هو انتشار الرسوم الجدارية التي اندمجت مع التقنيات الزخرفية للحرفيين الدمشقيين. ومع دخول التأثيرات الأوربية في بداية القرن التاسع عشر، تغيرت المواد وتقنيات التنفيذ، وهو ما أثر في خصائص الجدران الداخلية. لم يقتصر التزيين على الجدران، بل شمل أيضًا أسقف البيوت الدمشقية. السقوف كانت تُغطى بصناديق مزخرفة وتضاف لها مقرنصات، وتغطى بألواح خشبية مزينة بالرسوم. في وقت لاحق، تأثرت بالأسلوب الأوربي وتغطت بالقماش المزخرف برسوم زيتية لنمط غربي. الرسوم واللوحات التصويرية كانت تملأ الفراغات بين السقف والكسوة الخشبية للجدران.

نماذج معمارية

يُعَدّ «بيت نظام» الذي يقع في دمشق القديمة في حي مئذنة الشحم، عقار 314- 334، من أهم النماذج المعمارية وأغناها فنيًّا ومعماريًّا وأقدمها. حيث يعود أقدم تاريخ وُجِد على جدرانه لعام 1758م. يضم البيت ثلاثة صحون و35 غرفة وقاعة، وثلاثة إيوانات وأقسام السلملك والحرملك والخدملك. ولكن يعتقد أن الدار قديمًا كانت دارين منفصلين، وللبيت واجهتان رئيستان شرقية وغربية من الحجر المنحوت المطلي بكلسة ترابية، وخاليتان من الزخارف. الدار الغربية منه كانت تُعرف بـ«بيت ناصيف باشا العظم» المميز منها الإيوان الجنوبي وسقفه المغطى بخشب العجمي وجدرانه المزينة بالأبلق. وأما الدار الشرقية «بيت علي آغا خزنة كاتبي» فتُعَدُّ تحفة معمارية دمشقية غير تقليدية. أهم وأجمل وأكبر قسم فيه هو قسم الحرملك الخاص بالنساء والأولاد. يتميز هذا القسم بوجود قاعة رئيسة في الجهة الشمالية منه مقابل الإيوان، تضم نقوشًا جدارية وزخارف خشبية ولوحات متكررة في الجزء العلوي من الجدار على جوانبه الأربعة، وقاعة ثانية في الجهة الشرقية من الإيوان وهي قاعة العنب، وسميت بهذا الاسم لأن عناقيد العنب أساس زخرفتها وسر جمالها. وقد زُينت جدرانها أيضًا بلوحات في القسم العلوي منها(7).

تتوزع الفراغات حول الصحن الرئيسي ذي الشكل المستطيل. أكثرها أهمية قاعة الاستقبال الشمالية التي زُين الجزء العلوي لجدارها المقابل لواجهة مدخل القاعة بلوحة بانوراما لمدينة إسطنبول تبلغ مساحتها 3.50 أمتار مربعة تقريبًا. سمات العمل الفني في هذه القاعة مشابه لقاعة العنب في بيت نظام(8).

وكمثال آخر نذكر بيت «محمد هادي المجلد» في محلة النوفرة- قيمرية عقار رقم 252. كباقي البيوت التقليدية تتوزع الفراغات حول صحن مستطيل تتوسطه البحرة، يطل عليه الإيوان الجنوبي كاشفًا عن لوحاته البديعة ذات المشاهد الطبيعية والمعمارية التي توزعت على جداريْهِ الشرقي والغربي وسقفه ذي العوارض الخشبية المزينة بالرسومات. يتميز بيت المجلد بلوحاته الجدارية، وبوجود أقواس مذهبة ومزخرفة في أغلبية غرفه، ومنها أقواس ثلاثية الفصوص مدهونة ومحفورة، حتى النوافذ محاطة بأطر خشبية محفورة ومزينة(9).

تأثير أجنبي وموروث متراكم

وفي التساؤل المطروح حول هوية الحرفيين الذين كانوا ينفذون هذا النوع من الرسم التصويري على جدران وأسقف القاعات الدمشقية، اعتقد بعض أن هذه الصور رُسِمَت بوساطة حرفيين ومهندسين مشرفين قدموا من تركيا ومن أوربا، ونقلوا تقنياتهم للحرفيين المحليين. في حين يذكر الباحث ستيفان ويبر أنه جرى التعرف إلى بعض الأسماء فقط من توقيعهم أو نقوش تركوها للدلالة على هويتهم إلا أنها حالات فردية قليلة ولم تكن شائعة؛ لذا رُسمت هذه اللوحات من دون معرفة الأشخاص ولا خلفيتهم التدريبية. ولكن يذهب بعض الباحثين إلى تأكيد أنه فن محلي تميّز به الحرفيون الدمشقيون؛ لأن مثل هذه الحِرف، وإن كانت تتأثر عبر الزمن بموضوعات وأفكار خارجية، إلا أنها حرف متوارثة تستلزم المهارة والدقة. فبالمقاربة والقياس والتحليل التاريخي العميق لجذور الفن الإسلامي عرض لنا الدكتور عفيف بهنسي أنماطًا منها: فن الرقش العربي والتصوير الجداري بالفسيفساء والمنمنمات، والرسم على ورق المخطوطات، وغيرها من الحرف التي كوّنت أسسًا تنفيذيةً اتبعها الحرفيون وطوروها. كما جاءت هذه اللوحات بموضوعاتها الزخرفية وألوانها ملائمة للبيئة الدمشقية المسلمة(10).

وبحسب دراسة الدكتور عبدالسلام، إن تصميم تلك القاعات معماريًّا وفنيًّا إنما «هو تجسيد واقعي لموروثات متراكمة، ونتاج حياة مجتمعية واقعية، وميثولوجيا دمشقية متكاملة معًا، عكست جوانب تراثية سورية مادية ومعنوية متعددة». كذلك فإن آنكه شيراز الباحثة في مجال ترميم الغرف الدمشقية ذهبت في بحثها إلى أن مواد الصباغة والطلاء المستخدمة لا بد أن تكون قد صُنعت يدويًّا في ورش محلية ومن مواد محلية، أجملها الصبغة الصفراء البرتقالية ذات اللون الشبيه بالذهبي(11).

كل ما تقدّم من عناصر يوضح لنا أنه على الرغم من أي نظريات تقول إن لوحات البيوت الدمشقية مستوحاة من ممارسات فنية عثمانية أو غربية، فإن طابعًا دمشقيًّا كان سائدًا بشكل واضح على صعيد الموضوعات والعناصر الموجودة في اللوحة والمواد المستخدمة. وربما إذا تتبعنا الخصائص التشكيلية من لون وتكوين ودرجات الضوء، فإننا سنحصل على تأكيدات إضافية على دمشقيّة تلك الجداريات، وهذا بحث منفصل يتخصص فيه مؤرخو الفن.


جدلية العمارة والنحت

  

بنيونس عميروش فنان وناقد مغربي

تعد العمارة من أقدم الممارسات التي تحقَّقت بغاية الاحتماء، منذ وجود الكائن البشري، من الكهوف البدائية وبناء المآوي البسيطة بمواد المحيط الطبيعية، إلى أن تشَكَّلت قواعد التشييد وتداعياته الإبداعية. ومع تطور طرق معالجة مواد البناء وتَقدُّم التقنية، تجاوزت العمارة إطارها الحِرَفي، واتخذت بُعْدها المِهني التَّخَصُّصي، وفق تصورات المهندسين المعماريين الذين يصممون الوَحدات والمُجَمَّعات المَدَنِيَّة، ويعملون على ترجمة تطبيقات الهياكل التَّخطيطية لتشييد المباني والصُّروح الحضارية، ضمن عملية تنظيم المجال وتوظيف المفاهيم الجمالية، مع الأخذ في الحُسْبان المعطيات الاجتماعية والبيئية ضمن نظرة شامِلَة للإدماج الملائم لنوع البناء وطبيعة وظيفته؛ السكنية منها والدينية والتجارية والمؤسساتية والصناعية والدِّفاعيَّة والمشهدية وسِواها، بحيث تعكس العمارة ثقافة الشعوب، وتُجَسِّد الأساليب البنائية للأمم، فيما ترسم معالم التمييز بين العصور والجُغْرافِيّات.

العمارة وفن النحت

إذا كان الوجه الوَظيفي يجعل العمارة تخضع إلى قوانين وإلزاميات مرهونة بفعل العَيْش الداخلي، فإن جانبها الإبداعي، في حال البِنايَة الموصولَة بقدر من الإبداع، يَمْنحها الصِّفَة الفنية والجمالية، ولذلك جذَّر الفن المعماري انتماءَه إلى حقل الفنون التشكيلية، بوصفه فنًّا يقوم على تشكيل المادة، فيما يتناغم مع التصوير والنحت، بوصفهما فَنَّيْنِ قائمَيْنِ بذاتيهما. غير أنَّ العِمارة والنحت يشْتَركان في كَوْنِهِما من الفنون الفضائية بامتياز؛ إذ يتَّخِذان حيزًا مجسمًا في الفراغ من خلال تشكِيلِيَّة المادة الصَّلْبة التي تُحافِظ على شكلها النهائي، فيما يتَحَدَّدُ الفارق في الجانب الإجرائي للعمارة التي تتضمن فراغات داخلية للسكن والإقامة. كما يلتقيان ويتداخلان في النحت المعماري الذي يعتمد فيه المعماريون والنَّحَّاتون تقنيات النحت ومفرداته في تشييد الجسور والأبراج والأضرحة وغيرها من المنشآت الفنية، حيث يتكامل النحت مع بِنْيَة المِعمار، فيما الأعمال القائمة بذاتها تُعَدُّ جزءًا من التصميم الأصلي في النحت المعماري.

الأمر هنا يتعلق بمختلف أشكال النحت المُنْدمج مع المعمار، والمَوْصوفة بالمنحوتات الزُّخرُفية التي تمثل نماذج هندسية مُتَّفَق عليها، أو أشكالًا طبيعية مُنَمْنَمَة عامة، تعمل على زخرفة بناية أو أثر تاريخي أو شيء مُجَسَّم (إفريز، تيجان الأعمدة وغيرها)، والمنحوتات التَّزْيينية، بوصفِها أعمالًا منحوتة (تماثيل صغيرة) مُخَصَّصَة لتكون مُدْمَجَة في بناية أو أثر تاريخي أو أثاث أو شيء مُجَسَّم. فيما تُوَظَّفُ أنماط المنحوتات الزُّخْرُفية والتَّزْيينِيَّة في الصالونات والأدراج والأبواب والأعمدة وأقواس النَّصْر وغيرها. كما دأب العديد من المعماريين على تصميم وتنفيذ مُنشآتهم على شاكِلَة التأليف النَّحْتي، إلى الدرجة التي يُنْظر إليها من الخارج بمعايير النحت، وهي النماذج العديدة في تجارب المِعْمار المُعاصر، وبخاصَّة ما يُنْعَتُ بالعِمارة النحتيَّة، كما هو الشأن في أعمال المِعمارية العراقية، ذائعة الصيت، زُها حديد (1950- 2016م) على سبيل المثال لا الحصر؛ ذلك أن «العمارة» بالمعنى الصحيح، هي تلك البنايات التي تمتلك صفات الـتأثير والإبهار، ومن دون ذلك، فهي مُجرد مَبانٍ.

في حين، تتعدد مظاهر النحت التي يمكن حصرها في صِنْفَيْن شامِلَيْن: الناتِئ (البارز)، والمُحَدَّب. تندرج أشكال النحت الناتِئ في مُسَطَّحات، ومُخَصَّصَة بعُمق مُتغير، فيما تُكَوِّن مرحلة وُسطى بين التصوير والنحت المُحَدَّب، وتُمَثِّل عامة مناظر تُقرأ كما تُقْرَأ اللوحة. وفي مقابل النحت البارز الموصول بتزيين جُدران وأعمِدَة البنايات، تتحقق علاقة العمارة بالنحت المُحَدَّب بوصفه عملًا مستقِلًّا من خلال صنف المنحوتات الصَّرْحِيَّة (أو المَيْدانية)، وهي المُحدَّبات التي تُعَدّ جُزْءًا من مجموعة معمارية أو منظر طبيعي، تُنجَز بمَقاسات كبيرة، وتهدف إلى تزيين أو إعطاء دلالة خاصة لموقع معين.

في تصنيف الفنون من وِجْهَة نظر ميتافيزيقية، يصنف هيغل الفنون بناءً على الشكل والمضمون أو المادة والروح، حيث يَعُدّ العمارة فنًّا رمزيًّا، تليها الفنون الكلاسيكية مثل النحت، ثم الفنون الرومانتيكية كالتصوير والموسيقا والشعر. يرى هيغل أن النحت يحقق الروحي في شكله المادي ويقترب من العمارة؛ لأنه يصوغ الحسّي في شكل مادي مع مراعاة علاقته بمحيطه. هذا يقود إلى ارتباط دائم بين النحت والفضاءات المعمارية، مثل الممرات والساحات العامة في المدن، حيث تُنَصَّب المنحوتات الصرحية.

تأثير الوسط الاجتماعي والجغرافي

في ارتباط وثيق بالمدينة الحَديثة، يلعب الفضاء العمومي دورًا أساسيًّا في التحضر الحديث، الذي يشمل الممارسات والذِّهْنِيات والمواقف والقيم الثقافية. الثقافة الحضرية، وفق الأنثروبولوجي إدوار برنيت تايلور، هي مجموعة مركبة من المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والعادات المكتسبة. تشكل المدينة جزءًا أساسيًّا في تنشئة الأفراد اجتماعيًّا من خلال تفاعلهم في المجال الحضري. وفقًا لهنري لوفيفر، «المدينة هي إسقاط للمجتمع في المجال». هذه المفاهيم تؤثر في تصميم وتخطيط المدن، حيث يسعى المهندسون المعماريون إلى إنشاء نماذج معمارية تحقق الحق في المدينة، وتناسب المجال الاجتماعي والجغرافي.

في السياق ذاته، فإن هذه النماذج المعمارية التي يقترحها المهندسون المعماريون، لا بد أن تُصَمَّمُ وفق تخطيط مَديني يأخذ في الحُسبان السَّلاسَة المُرورية والتواصلية (بالمعنى المكاني) بين المجموعات البنائية والشوارع ونقط تقاطعاتها واستدلالاتها، لكن دون إغفال التفكير في جمالية هذه الفضاءات العمومية الخارجية (الفراغات العامة)، باعتبار هذه الفضاءات الخارجية فراغات مشتركة بين عامة الناس في تَحَرُّكاتهم وتَنَقُّلاتهم داخل الحاضرة، وضمنها النافورات ومساحات التَّجَمُّع والتَّنَزّه، المُمَثّلَة في الساحات والميادين والحدائق والمساحات الطبيعية ومختلف الفُسَح المعمارية، من حيث إمكانية تجهيزها لتكون فُسْحات مكانية قابلة لتَنْصيب مختلف المُجَسَّمات والأنصاب التذكارية والمُنْشَآت الفنية. علمًا أن إنشاء وتوسيع المدن، أضحى يدفع، أكثر فأكثر، المتدخلين من مهندسي الهندسة المَدَنية  ومهندسي التخطيط الحضري والتَّعْميرِيّين بالأخذ في الحُسْبان، البُعد الجمالي الذي يُعَضِّد الجانب السوسيولوجي، ومن ثمة تضع ضمن تصاميمها العمرانية للمدن الحديثة والمعاصرة، منذ التصاميم الأساسية الشاملة، النقط والأماكن المناسبة والمُخَصَّصَة لزرع القطع النحتية من تماثيل نصفية وصروح حَجْمية وغيرها من الأشكال الكُتلية والفضائية، في مواقع الفراغ المُحَدَّدَة والمدروسة، بحسب طبيعة النسيج الحضري بوصفِه كُلًّا متناغمًا. وهذا ما يبرر وجوب تعاون المهندسين المعماريين والتَّعميريّين مع الفنانين التشكيليين مصورين ونَحّاتين.

إضافة إلى ذلك، فإن الاستئناس بتَذَوُّق النحت ومختلف أنماط التشكيل الحَجْمي، ينطلق أساسًا من المعمار وامتداده المَديني؛ لكونه الجنس الفني الذي يخرج إلى الشوارع والميادين لتحسين الذائقة الجمالية العامة وأنسنة الفضاءات المدنية. الأنسنة تتحقق داخل الصروح من خلال تأمين مواقع معنوية للفرد وتلبية الحاجة الجمالية المتأصلة في النفس البشرية، وهو ما يمنح الإنسان قيمة ومعنى. الفن يرضي هذه الحاجة الجمالية، شاملًا القطع الفنية مثل: العمارة والنحت والتصوير، وسلوكيات الحركة مثل: الموسيقا والرقص والغناء والرياضة (رفعة الجادرجي، «في سببية وجدلية العمارة»، 2006م).

تزاوج النحت والطبيعة

تبقى مَشْهَدِيَّة الطبيعة بدورها من أساسيّات العمارة والنحت، ففي الوقت الذي تسعى فيه المدينة المعاصرة لنَيْل حصَّتها الكافية من المساحات الخضراء، ينفتح النحت الصَّرحي على الطبيعة أكثر فأكثر، خصوصًا أن الفنون منذ أن كانت، باتت تنطلق من الأحداث الطبيعية لاستعادة إيقاعها العُضْوي في اتجاه اكتشاف «الطبيعي» من جديد. فإذا كانت رؤية الخَلْق المرتبطة بصيغة بلاستيكية مع خالقها، يُنظر إليها وفق الإحساس بوحدة الوجود الجديد، فإن الفنان النَّحّات، بداية من القرن السابع عشر، عمل على التَّحقُّق من أفكاره حول الطبيعة، مثلما يظهر ذلك، حينما يشتغل في المجال الخاص بالطبيعة كالحديقة أو المتنزه أو الفيلا أو القصر وغيره. كما نلحظ أوج هذا الزواج بين النحت والطبيعة من خلال النوافير التي تَتَّحِد مع الهندسة المعمارية والتماثيل الحَيَّة، التي تجتمع مع البساتين ومسارات الظِّلال، بفضل إبداعات النحات والمهندس المعماري والخبير بالنبات أندريه لونوتر في قلعة فِرساي بوصفها أكثر أماكن الإقامة الريفية فَخامة حينها.

في هذا السياق، نستحضر نافورة بروفيدنس التي تُضْفي على ساحة السوق الجديد الواقعة في قَلْب البلدة القديمة في فيينا، طقسًا باذخًا خلاقًا، يُلقي بظلاله على هذا الفضاء التقليدي الموصول باللقاء والتبادل. تعود هذه التُّحفة الفنية المُشَيَّدَة في 1739م لرافائيل دونر (1693- 1741م)، الذي يعتمد رَفاهَة الروكوكو(12) بلمسته الخاصة. وعلى حافة ضِفاف النافورة المَعْمولَة بالرصاص، تتمَثَّل الأجسام المجازية للأنهار الأربعة التي تُغَذّي النمسا، بحيث تؤلف ذلك التوافق الكلاسيكي الذي يُشْعِرنا بالصَّدى الخافِت لأنهار الواجِهة البحرية لفِرْساي.

الفضاء العام متحف مفتوح

من ثمة، تتَحَقَّق طبيعة النحت كفن شامل، في أوجه ارتباطه بالعِمارة عمومًا؛ إذ لا بد أن يحتفظ النحت بعلاقات راسخة مع باقي الفنون الأخرى. ذلك أن البِنايات الكُبرى من قبيل الكنائس والقُصور والقِلاع وسواها، تتطلب نوع النَّحّات المُتَمَكّن، غير أن براعة النحات الكبير هنا، تشترط دعم فريق كبير من مُنْتِجي الصُّوَر؛ لتمسي اللغة المتخصصة بعد هذا التعاون الإبداعي جزءًا من خطاب أرحب وأكثر ثراءً.

وعبر العصور، يسجل القرن الثامن عشر صلاحية لافتة، بوصفه عهد تخطيط المدن بامتياز؛ التخطيط الذي يُراعي الوجه الجمالي كإلزامية حَضَرية قاطِعَة؛ فعملية شق الطرق والمداخل والمخارج وما يليها من شروط انسياب الحركة لولوج الميادين والمرافق العامة الأكثر مَكانَة، لا تمر دون الاهتمام الفعال بالديكور والجمال، والحال أن هذه المعادلة بين التشييد والتجميل تُحيلنا على ذلك الارتباط العُضْوي الوَثيق بين الماء والتماثيل، بوصف الماء مصدر الحياة؛ إذ يُبرِّر حضور النحت ويُمَجِّده، فيما يُشَدِّدُ تَمَظْهره الجذّاب للعِيان.

إن إخراج فن النحت إلى الحدائق والفضاءات الرَّحْبَة والمَطْبوعَة بالحَميمِيَّة مع الشعب، إنما هو إخراج الفن من طابعه النخبوي الموسوم بالاستحواذ ضمن نزعة المِلْكِيَّة الذاتية والفردية؛ إذ تبقى الصُّروح النَّحْتية مُثْبَتَة في الفضاء الخارجي بوصفها من مُمْتَلَكات الحاضرة وقاطنيها وزُوارها، في إطار ما يسمى بالمِلْك العام. ففي الوقت الذي يصبح فيه الفضاء المُحْتَضِن للأعمال النحتية مُحيطًا للالْتِفاف الجَمْعي، فإن ذلك يمنحه صِفة نَمط من أنماط متاحف الهواء الطلق، المفتوحة باستمرار في وجه الزُّوار بدون تَذْكرَة، حيث يتحول الفضاء العمومي إلى وِعاء للمتاحِف المُنْفَتِحة، وحافظ لتُراثِها الصَّرْحي كخِبْرة وكموروث فني وثقافي.(13)


فن النحت وتأثيراته في العمارة المحلية بالمملكة العربية السعودية

  

ريم فاروق الصبان – خبيرة سعودية وباحثة في التراث

يعد فن النحت والنقش من الفنون القديمة التي اعتمدها الفنان للتعبير عن النفس ومحاكاة الأحداث من حوله وتجسيدها وتخليدها لمن بعده. يُعَدّ هذا الفن رسالة يقدمها الفنان بمهارة عالية، يبذل فيها قوته ويعكس مشاعره وأفكاره بقالب إبداعي فريد. ويمكننا الادعاء أن فن النحت هو أبو الفنون؛ فقد ظهر هذا الفن في النقوش التاريخية قبل الميلاد بآلاف السنين. بدأها الإنسان الأول على جدران الجبال والأحجار حتى انتقلت إلى المباني؛ مثل: المنازل والقصور والقلاع.

يمكن تعريف فن النحت بأنه قطع الأشكال والزخارف دون فصلها عن السطح المعمولة فيه، ومنه النحت البارز الذي يقارب التجسيم، والنحت الغائر الذي تكون عناصره الزخرفية غائرة عن السطح، والنحت البسيط، وهو نحت قليل البروز، يبدو غائرًا أحيانًا، مثل لوحات النحت الإغريقي، أو خفيفًا غائرًا مثل لوحات النحت المصري القديم.

في التاريخ الإسلامي نجد أن النحات العربي قد خلد هذا الفن وأبدع فيه أيما إبداع، مثل نقوش قصر الحمراء الخالدة التي شكلت بصمة لإتقان العمل وإبداع الفكر وروحانية الفن. ومن يحظى بزيارة جامع قرطبة سيمر عند مدخله بخزانة كبيرة تمثل جدارية كاملة نقشت على معروضاتها أسماء الفنانين الذين كان لهم دور في نحت هذه الأعجوبة المعمارية الفريدة، والذين عُدّوا المعلمين الأوائل والمدرسة التي نستقي منها فنون البناء بأنواعه إلى وقتنا الحاضر.

النحت في مناطق المملكة

لقد حبا الله عز وجل الجزيرة العربية بأن تكون منبع كثير من الحضارات التاريخية، التي ما زلنا نكتشف عمقها حتى يومنا هذا عن طريق قراءة منحوتات المكتشفات الحضارية التي خلفها الأولون والتي تحكى قصص وبطولات ويوميات كان الفضل لإحيائها في يومنا هذا للنحات الذي خلد هذه القصص عبر أعماله التي نراها وما زلنا نكتشف المزيد منها.

إن منطقة الجزيرة العربية قد تأثرت بفن النحت والنقش تأثرًا كبيرًا، فنجده قد انتقل بكل تقدير إلى عناصر زخرفية تشكل جزءًا مهمًّا لتزيين المباني والمساكن المحلية بمختلف مناطق المملكة العربية السعودية الخمسة: الوسطى والشرقية والشمالية والجنوبية والغربية. كما نلحظ بعض الاختلافات في مواقع تطبيقه في المباني أو تقنياته أو موضوعاته وأشكاله، حيث شكلت البيئة المحيطة بالفنان أرضًا خصبة يستلهم منها نقوشه ويستثمر مواردها الطبيعية ويشكلها بيده الماهرة في الفراغات الداخلية والخارجية للمباني.

وسنستهل قراءاتنا بالمنطقة الشمالية أرض حضارتي ثمود والأنباط، حيث شكلت العوامل الطبيعية للجبال الرملية الحمراء منحوتات طبيعية ألهمت يد الفنان وشجعته على وضع بصمته عليها، فنجد إبداعات فنون النحت على هذه الجبال تحكي قصصًا تاريخية على هيئة كتابات أو رسومات، وعلى واجهات القصور والمعابد التي منها على سبيل المثال قصر البنت بمدائن صالح والقصور المحيطة بها وهي تكسوها منحوتات هندسية وحيوانية، بعضها على هيئة حيتان داخل شكل مثلث، أو منحوتات لشخصيات في تلك الحقبة أو لحيوانات وطيور ومخلوقات أسطورية.

ولا يفوتنا عند زيارة مدينة العلا التاريخية ملاحظة تأثر العمارة المحلية للمنطقة بهذا الفن، حيث نجد عند تجولنا في مدينتها القديمة وبين بيوتها المحلية أن أبوابها قد اعتلتها قطعة منحوتة تسمى معماريًّا (مفتاح عقد) لتميز الدار عن غيرها. كما أن كل مدخل لدار يحيط به زخرفة تختلف عن أبواب الدور الأخرى.

مميزات المنطقة الوسطى والشرقية

عند انتقالنا للمنطقة الوسطى (بمنطقة نجد)، نلحظ هذا الفن قبل دخولنا المبنى، حيث تزين النقوش الأبواب بأشكال هندسية متكررة ومتوازنة تدمج الخطوط مع الدائرة والمربعات بشكل جميل، تمثل دوران الشمس والتلال والنجوم ودورة القمر وربما أضيفت إليها بعض الألوان الزاهية، التي تكسر جمود المباني الطينية المصمتة من الخارج وترحب بالداخل إليها. فنجده عند الدخول وقد استمر النحات بنقوشه البديعة، حيث يحيط هذا الفن بجدران المجلي كإطار يتوسط الجدران بالعرض، فيحيط جدران المجلس ويتجمع في صدره كنقطة التقاء لنجد أجمل النقوش وقد غطت منطقة الوجار، وهي منطقة تتكون من أرفف على الجدران تُرص عليها دلال القهوة الذهبية، وعلى أرضيته موقد الفحم الذي تصنع عليه القهوة السعودية الأصيلة، ويلتف الضيف مع أهل البيت حول هذه المنطقة المزخرفة بالنقوش، التي أتقن النحات تزيينها بالنقش على الجدران الطينية المغطاة بخامة الجص الأبيض بشكل بديع.

ولو صادفنا الحظ وتجولنا قليلًا داخل المنزل النجدى، الذي يتميز بوجود الصحن السماوي داخله مثل البيوت العربية، نجد أن شرفاته قد زينت بنهايات مسننة نحتت بعناية لإضفاء جمال يعزز التقاء السماء بالمبنى، وهو ما ينعكس على نفسية الساكنين داخل هذه المباني ويربطهم بالطبيعة، فنجدها عند رفع النظر إليها وقد ارتبطت السماء بالصحن السماوى ليلًا ونهارًا كفراغ مفتوح صمَّم النحات إطارًا بديعًا لها لا يمل النظر إليه.

ننتقل إلى المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، أرض النخيل والواحات والمزارع الخصبة، حيث سجلت مؤخرًا واحة الأحساء كأحد مواقع التراث العالمي. نجد أن النحات تأثر بالبيئة المحيطة به، فنجد الأشكال المجردة للنخيل تشكل جزءًا رئيسًا في موضوعاته الفنية، وقد اعتمد الجص كمادة أساسية في تشكيلاته النحتية، فنجدها وقد فرغت الألواح الجصية كخلية متشابكة بديعة لتغطي الفتحات الخارجية للمباني، كما نجد بعض النقوش المحفورة بالحفر الغائر تعلو الأبواب وأجزاءها وترحب بالداخل إليها بأشكال نباتية من تحوير أفرع النخيل بشكل مبدع وجميل. إن استخدام الجص الأبيض على الجدران يشكل أهمية كبرى في زخرفة المباني بالمملكة؛ لسهولة تصنيعه وتوافره في المناطق، ولقوة تماسكه وقدرته الهائلة على امتصاص الرطوبة والاحتفاظ بها في الأجواء الحارة وتلطيف الأجواء داخل الغرف.

ولعلنا نجد خير مثال للإبداع في فن النحت في المنطقة الشرقية، واجهة مدخل سوق القيصرية التاريخي بمدينة الهفوف، وتتميز بالأقواس المؤطرة بزخارف نحتت عليها تحويرات لأفرع النخيل الملتوية والمتتالية بشكل جميل. كما نلحظ زخارف تملأ الجدران والواجهة بشكل متكرر ومتوازن.

نماذج مختلفة للنقوش

كما ظهرت تسميات عدة للنقوش التي نراها منتشرة في مناطق المملكة منها «البيذانة»، وهي تنتج من تقاطع مجموعة من الدوائر، وتكون رباعية أو خماسية أو ثمانية، ونقش «الهيلة» وهي تشبة حبة الهيل (الحبهان) وترص على شكل وردة، وهناك نقش الزهرة والمرش. كما ظهر شكل النجمة، والشكل الشجري، وورقة التين، والجرو، وهي مشتقة من ثمرة القرع حيث تتميز بطول رفيع من الأعلى ومنتفخ في الجزء السفلي، وتزين بها الأبواب بشكل طولي بعد نحتها على الخشب، ويطلق على هذه الأجزاء (خشم الباب). وعند توظيف هذه العناصر على أطر الأبواب الخشبية في شكل شريط متتابع تسمى هذه العناصر في مجملها (جلود)، نجدها منتشرة في كثير من المباني بمناطق المملكة.

كما اشتملت بعض القصور بالمنطقة الشرقية على نقوش كتابية نقشت بالاستعانة بالجص على الأبواب بأسلوب زخرفي متشابك تصعب قراءته، ويحتفظ متحف الدمام الإقليمى بباب منقوش عليه آية الكرسي وينسب لمدينة القطيف.

أما في المنطقة الجنوبية للمملكة (منطقة عسير) التي تشتهر بمزارع الجبال والأودية، فقد اشتهرت بتزيين المنازل بالأصباغ الملونة والرسومات المتشابكة والهندسية والطبيعية وفن (القط)، ولذلك نجد فن النحت يظهر بالمنطقة بشكل متواضع؛ حيث يقتصر على بعض العناصر الداخلية للمبنى وملحقاته مثل الأعمدة الداخلية. كما نلحظ النقوشات على أبواب المنازل والنوافذ الخشبية وقد جرى دقها بشكل دقيق، بعضها تركت كما هي، وبعضها لونت بألوان زاهية تبهر الناظرين. ونجد توظيف فن النحت على الأواني الخشبية، التي تعلق عادة على الجدران، وعلى بعض الأواني الفخارية المستخدمة لحفظ الأطعمة أو مباخر لوضع البخور عليها لإضفاء روائح طيبة للمجالس والملابس.

وأخيرًا في المنطقة الغربية، أرض الحرمين الشريفين، نجد أن زخرفة المباني متأثرة بالكتابات الدينية التي تُزين بالأشكال النباتية والهندسية البديعة. فنجد النحات وقد استعان بخامة الخشب بشكل واسع ونقش الأبواب الخارجية والداخلية، لتعكس الزخارف المنقوشة والمنحوته ثراء المالك وجمال وفخامة المنزل كلما ارتفع مستوى النقش والنحت عليها. كما نلحظ تطبيقات فن النحت والنقش على النوافذ والمشربيات والرواشين الخشبية وعلى واجهات المباني الحجرية. وتتنوع تقنيات هذا الفن الجميل (فن النحت) الذي يعكس تنوعَ وخلفيات مَنْ استوطنوا فيها بحكم الحج والعمرة والتجارة، فنجد النحات هنا يلعب دورًا روحيًّا عند تزيينه الفراغ بالآيات القرانية والأحاديث النبوية التي تمنح أهل البيت راحة نفسية دائمة.

كما نلحظ أيضًا تجميل الفراغ الداخلي بأكاليل من الزهور وقد نحتت على الأركان، وبعضها قد وظفت عنصر الماء كقنوات مائية داخل الجدران ونوافير ترطب الأجواء الداخلية للمبنى، مثل ما نجده في قصر الكعكي في الطائف وغيرها من القصور. كما نلحظ بعض العناصر المعمارية كالكوة وقد تعلوها عقود زخارف حلزونية وتزين من الجانبين بأعمدة رفيعة منحوتة بدقة، تضفي جمالًا بديعًا على الفراغ عند إضافة عنصر الإضاءة وهو ما نجده منحوتًا على جدران بيت نصيف الأثري بجدة، وفي العديد من المباني التاريخية بالمنطقة الغربية.

وختامًا، وبناءً على ما سبق نجد أن فن النحت، بتعدد مستواياته من البسيط إلى المعقد، قد كان له دور كبير في تزيين العمارة المحلية وسمح للساكنين بالتمتع بالجمال وحب الحياة والاستمتاع بها. كل هذه المشاعر الإيجابية التي صنعها الفنان النحات بحب انتقلت في أثناء عمله لمحيطه ومجتمعه، كرسالة عرفان رسمتها هذه القطع الفنية وكتبت لها الخلود ما بقيت.


العمارة والسينما، شاعرية الصورة والبناء

  

سلطان فادن – معماري سعودي

هذه المقالة عبارة عن تدوين لبعض الملحوظات والتحليلات على مدى أكثر من ثلاثين عامًا، عن العلاقة بين فن العمارة وفن السينما. ونهج المقال سيكون بأسلوب القفزات وعلى شكل أبواب، كنهج بعض السرد السينمائي المميز، مع بعض الأمثلة.

عن الثقافة البصرية والتفاعل بين العمارة والسينما

لا شك أن العالم يعيش حاليًّا حاضرًا مختلفًا ومتطورًا عن سابقه، وقد استفاد كثيرًا من التقنية والاتصالات؛ حتى أصبح التواصل البصري ركيزة أساسية ليس فقط في التواصل بين الناس، بل حتى في تكوين ثقافات شعبية مستندة على المخزون والتفاعل البصري.

هنالك علاقة ليست جديدة، بل جذرية وقديمة وعميقة، علاقة خفية متبادلة وأعمق من الربط المباشر، تنامت مع الزمن وتطور فن السينما. بالنسبة للتفاعل بين السينما والعمارة، فإن «العمارة المتأصلة للتعبير السينمائي والجوهر السينمائي للتجربة المعمارية» هو حوار معقد، وغالبًا ما يكون متعدد الأوجه بين كلا المجالين. في حين تعد صناعة السينما من أكثر المجالات إبداعًا وشهرة التي يمكن أن توفر للمعماري مجموعة واسعة من الوظائف. في الواقع، أولئك الذين لديهم خلفيات معمارية ينتقلون إلى صناعة الأفلام منذ عقود.

الفِلْم السينمائي قادر على التقاط وتقديم الأفكار لعامة الناس التي لولاها لبقيت ضمن الواقع المهني. وتتيح العلاقة بين الفِلْم والعمارة التفكير في أهمية العمارة كعنصر لا غنى عنه في كل تطور يتضمن المكان والزمان والناس، وذلك من خلال عرض أفلام حول العمارة، يتعرض الأشخاص فيها للقضايا الحضرية والبيئية لصور جديدة يمكن أن تغير تصورهم تصويرًا أسرع مما سيفعله واقعهم خلال حياتهم.

منذ سنوات تعقد ندوات ومحاضرات، وتُدَرَّس مواد جامعية لتقدير فن العمارة في تخصص السينما، وهناك مواد في علوم السينما والفنون البصرية تُدرَّس في تخصص العمارة. تُستخدم العمارة لتلبية كل من المتطلبات العملية والتعبيرية، وبالتالي فهي تخدم كلًّا من النهاية النفعية والجمالية.

ينشئ المعماريون تصميمات لمشروعات البناء الجديدة والتعديلات وإعادة التطوير. يستخدمون معرفتهم المتخصصة في البناء ومهارات الرسم عالية المستوى لتصميم المباني الوظيفية والآمنة والمستديمة والممتعة من الناحية الجمالية. فِلم Metropolis (1927)، للمخرج فريتز لانغ، هو مثال على تصوير المستقبل على أنه ديستوبيا (رؤية سوداء لمستقبل المجتمع) بتشكيل وتصور معماري وعمراني منذ نحو مئة عام في السينما.

يقول المخرج الإسباني أليكس دي لا إغليسيا: السينما تأخذك إلى أماكن يستحيل الوصول لها. السينما تعني وجودك في أماكن لا يمكنك أن تكون بها في الحياة الواقعية، وفجأةً تكتشف أنها موجودة، وتُعد جزءًا من منطقة غير معروفة حيث يمكنك أن تصبح منقبًا عن الآثار لتجدها.

من الصعب تخيل السينما وهي تجري في فراغ أو في فضاء بمعناه الآخر. لا يمكننا أن ننتقل بعيدًا من واقعنا إلى عالم الفِلْم الذي نتابعه وننغمس فيه. وبالنسبة لعلاقة العمارة بالأفلام فلطالما كانت هناك علاقة قوية بين العمارة والسينما. أما علاقة الأفلام بالعمارة فهي تحتاج إلى إجابة طويلة: هناك أوجه تشابه رائعة بين الأفلام والعمارة.

هناك فكرة الفراغ السينمائي، واللقطات الشاملة، واللقطات المتتابعة التي تؤكد السرد المكاني، وهناك فكرة العمارة كبطلة للفِلْم وتؤدي دورًا محوريًّا أساسيًّا فيه، على سبيل المثال أفلام مثل: Psycho، و Bladerunner، لكن هناك علاقة واحدة يُتغاضَى عنها وهي الطريقة التي يجري بها ربط كل منهما.

في حين أن المعماريين المخرجين كلٌّ في مشروعه يحصل على الجزء الأكبر من الفضل في بناء فِلم جيد الصنع، فإن جودته تعتمد على العديد من المساهمين الذين يضيف كل منهم إلى جودته. وذلك لأن الفراغ ليس ثابتًا، فجزء كبير من كيفية تجربتنا للفراغ له علاقة بما نشعر به ونحن نتحرك خلاله.

هل هناك أرضية مشتركة لفن العمارة والسينما؟ السينما عبارة عن مسرح للتعبيرات والكتابة السردية، ومن ناحية أخرى، فإن العمارة هي هوية جريئة وطويلة الأمد تتحدث عن نفسها من خلال الإنشاءات المبنية. كلاهما له علاقة طويلة المدى، وهي سطحية وعميقة. أهمية فن العمارة للسينما مثل النقل الفوري (Teleport) كتلك التي تستخدم في سلسلة (Star Trek).

العمارة تلهم السينما والعكس

السينما في منطقها السردي هي الكتابة بالحركة، مع تتابع الأحداث التي يجري توصيلها من خلال المرئيات والصوت. العمارة، من ناحية أخرى، هي سلسلة من الأحجام التي تفتح وتضغط بطريقة بنائية. الارتباط بينهما -الحدث السردي والحجم المرئي- يوحي بالرابط المشترك بينهما، وهو الزمن.

يؤكد الزمن، وهو جانب جرى تجاهله كثيرًا في صناعة الأفلام وعرضها، على تراكم حدث مجرد في غياب الحدث المرئي والسردي. ينشأ من نهج يجري فيه إبطاء إيقاع الفِلم عمدًا، بحيث يمكن تمديد دقيقتين إلى خمس دقائق أو العكس. أيضًا كان التعبير عن الصلة بين العمارة والسينما لأول مرة من خلال التصاميم الداخلية للمخرجين التعبيريين الألمان مثل: فريدريش فيلهلم مورناو، وروبرت وين. مصممون مثل ألفريد كوبين، استخدموا التوتر بين الأسود والأبيض، واللونان المزدوجان للسينما يمثلان العقل والمادة؛ لخلق توتر يجري تمثيله غالبًا من خلال الأشكال المثلثية الناتجة. تأثر أورسون ويلز، مخرج فِلْم «المواطن كين» (Citizen Kane) بمن سبقوه إلى حد كبير وأعاد توجيه جمالياتهم المعمارية لالتقاط علم الأمراض العصبي في غياب الحدث.

السينما في بعض الأعمال، على عكس العمارة، تدور حول أو تناقش علم الأمراض. مثل تسلسل جريمة القتل في أفلام ألفريد هيتشكوك، والخوف المرضي من نوع الرعب والشذوذ العقلي في أفلام مثل: «طيران فوق عش الوقواق» لميلوش فورمان، أو فِلْم «البرتقالة الآلية»  (Clockwork Orange) لستانلي كوبريك. العمارة، في أسمى جمالياتها، تتعلق بالنسب والتناسب، والبناء الموجود في الإطار، سواء كانت مباني كبيرة أو صغيرة، بعيدًا من المساحات التي تجتاحها السينما. في فِلْم المخرج ستانلي كوبريك «البريق» (The Shining) يؤدي عدم التناسب في حجم موقع الفِلم والفندق والديكورات الداخلية إلى تعزيز العلاقة المتناقضة بين الحركة والمسار، لإبعاد المشاهد عن الراحة. وفيها يصنع كوبريك أكثر من مجمعة تكعيبية تدمر المخطط الكامل. وُضِعَ مخطط الفندق في هذا الفِلم على شكل متاهة خارج المنشأة. وفي وقت لاحق وُضِعَت متاهة مماثلة في التصميمات الداخلية للفندق. وجد المحللون أن المتاهتين لا تتطابقان في الواقع. غالبًا ما لحظ أعضاء طاقم الفِلم أن كوبريك غيّر أجزاءً من المتاهة بحيث كان الشحن المباشر للفِلم غير متماثل وتوقيع وإبعاد المشاهد، دون وعي، عن السرد.

تتيح العمارة والأفلام الوعي التهديمي

العمارة والأفلام تهيئ الوعي التهديمي بالتطورات التي تشمل المكان والزمان والناس. لقد أثر انخفاض المشاركة الاجتماعية والسياسية للبشر على مقياس صورتنا المجتمعية. وأدى هذا إلى تراجع تأثير الناس في التنمية المكانية. تثير العمارة والأفلام وعيًا تهديميًّا يساعد الناس على تخيل المستحيل، وكشف ما جرى نسيانه وإعادة تصور مستقبلنا الحضري. فمثلًا الفِلم البرازيلي «مدينة الله» وهو دراما وإثارة ترافق الشخصية الرئيسة في عشوائيات مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، تتنامى الأحداث المحبطة حتى الوصول إلى نهاية مقبولة نسبيًّا.

هناك أدوات وتقنيات معمارية في السينما. ففي صناعة الأفلام، لديك مهندس صوت، ومصور سينمائي، ومهندس إضاءة، ومصمم أزياء، وباحثون؛ للتعرف إلى المكان والزمان بشكل صحيح. وفي العمارة، لديك جميع مهارات أعضاء المكتب المختلفين: الفنيون، المصممون الداخليون، مساحو التكلفة أو الكمية، مديرو الموقع، ثم معلمو البناء ومقاولو الباطن. المبنى الرائع، هو كالفِلم الرائع، وعلى المخرج والمعماري العمل وفهم الاتجاه والتوجه. والعمارة المصممة تشبه لوحة مصورة، أو مع روايات مفردة مسبقة الصنع تجعل استخدام المبنى صعبًا أو مزعجًا، على الأقل، بمجرد استخدامه بطريقة مختلفة.

وجميع العلاقات الأخرى: المفاهيمية، الفنية، المكانية، السردية، إلخ. مثيرة للاهتمام كطريقة لرؤية الفن المعماري من منظور مختلف، لكن العلاقة دائمًا ما يجري تأكيدها بشكل مبالغ فيه، وحرفي جدًّا.

الفِلم عبارة عن فضاء، معبأ، ثنائي الأبعاد (كما هي الحال في جوانبه الحركية) أما العمارة ثلاثية الأبعاد (والحركية) فلا مفر منها. فنيًّا، تجتمع السينما والعمارة في كثير من الأسس والتقنيات الفنية، منها اللقطات المتناظرة. ومنظور النقطة الواحدة. الفِلم الكوري «طفيلي» (parasite) هو مثال ممتاز «للحرفنة» والأفضل لربط السينما بفن العمارة. الذكاء والدقة في هذا الفِلم ظهر أولًا في الطريقة التي يستخدم فيها الفِلم فن العمارة، باستخدام منزلين مبنيين من الصفر في تصميم إنتاجي رائع رشحه لجائزة الأوسكار للتصميم الإنتاجي، إضافة إلى جوائز أخرى. وللتحضير المسبق للفِلم، أجرى فريق المخرج بونغ مقابلات مع معماريين وقاموا بجولة في منزل فرانك لويد رايت في لوس أنجليس؛ إذ إن «المساحة البسيطة تجعلك تشعر أن كل ما تراه هو كل ما هناك».

قُدِّمَتْ عائلة بارك الثرية في الفِلم، وكأن منزلهم هو مركز الحركة لمعظم الفِلم. تمامًا مثل الطابق السفلي الذي يمثل مكان كيم وعائلته في المجتمع، فإن مسكنهم الأنيق والحديث يمثل منزلتهم. يقول بونغ: «إنهم يريدون التباهي بأن لديهم هذا الذوق الرفيع».

الاستعارة المركزية في هذا الفِلْم الغني بالرمزية هي السلالم. ينظر بونغ إلى السلالم على أنها أداة حاسمة في نقل رسالة الحراك الاجتماعي إلى جمهوره. بينما يرى متابع الفِلم الشخصيات باستمرار وهي تصعد وتنزل الدرج اعتمادًا على موقعها في التسلسل الهرمي الاجتماعي. وكمثال آخر لكن عن قمة العلاقة الشاعرية في فِلم «المريض الإنجليزي» نشاهد العسكري الهندي البريطاني، وفي فترة استراحة من الحرب، وهو يدعو بطلة الفِلْم، الممرضة (جولييت بينوش)، لمعايشة تجربة فريدة.


العمارة والفن في زمن الذكاء الاصطناعي

  

مي عبدالسلام سليمان – معمارية مصرية

نشهد الآن الثورة الصناعية الخامسة التي تتجه نحو دمج التكنولوجيا الآلية والذكاء الاصطناعي في الصناعات المتنوعة. فقد أثر الذكاء الاصطناعي بشكل ملحوظ في جميع التخصصات، وخصوصًا الفن والتصميم المعمارييْنِ. ولعلّ بعضًا يتساءل: هل هذه الطفرة التكنولوجية والتزايد الملحوظ في عدد أدوات الذكاء الاصطناعي، التي نرى تقدمها وتطورها في فترات متقاربة، سيطور الفن والهندسة المعمارية إيجابيًّا أم سيكون له تأثير سلبي في الفن ومهارات الإبداع للإنسان. وإلى أين ستقودنا هذه التكنولوجيا؟

إمكانيات الذكاء الاصطناعي

لكل تكنولوجيا إيجابيات وسلبيات. وتحديات التكنولوجيا الحديثة ليست استثناءً ومن مميزات دمج الذكاء الاصطناعي: زيادة كفاءة العملية التصميمية في مراحلها المختلفة بداية من مرحلة البحث، ثم تكوين الفكرة إلى بناء الفكرة في البرامج ثلاثية الأبعاد، ثم توليد البدائل المختلفة لتصميم ما وتقييمها والمفاضلة بينها لاختيار الأفضل والأنسب لهدف التصميم حتى نصل إلى استخدام بعض الأدوات في مرحلة إنشاء المباني وتشغيلها فيما بعد، مما يسمح للمهندسين المعماريين بالتركيز بشكل أكبر على التفكير التصميمي أو الجوانب المعقدة والإبداعية لعملهم، إضافة إلى تقليل الوقت المستهلك في العمليات التي كانت تتطلب الكثير من الوقت في الماضي باستخدام الطرق التقليدية.

ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على توليد الصور فقط كما يعتقد بعضٌ، ولكن له إمكانيات متعددة أخرى مثل توليد مخططات عامة، أو مساقط أفقية مبنية على قوانين، أو قواعد تصميمية معينة. فهناك العديد من أدوات الذكاء الاصطناعي الآن، ولكن يمكننا تقسيمها إلى ثلاث فئات رئيسية في الهندسة المعمارية: الذكاء الاصطناعي التوليدي، ونماذج اللغات الكبيرة، وأتمتة التصميم.

فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي التوليدي، نستشهد بالبرنامج الأكثر شهرة (ميدجورني) وقدرته على خلق إمكانيات تصميم جديدة وتنوعات مبنية على مجموعة كلمات نصية. ويساعد في استخدام الكلمات المناسبة وتحديد معايير معينة للتحكم في النتائج المولدة، كما يساعد بشكل كبير في تنمية خيال المهندس المعماري بمفاهيم جديدة ودمج مفهوم واحد أو أكثر معًا مثل الوحي من الطبيعة أو دمج أكثر من نمط معماري، وينتج عن هذه العملية صور ببدائل متعددة يمكن أن تكون مختلفة عن البيئة المبنية الحقيقية وتساعد في تطور وبناء الفكرة. كما يمكن للبرنامج تحويل رسم بسيط أو سكتش معماري إلى فكرة مطورة باستخدام الكلمات المناسبة التي تشرح تفاصيل الفكرة لغويًّا فيحول البرنامج كل كلمة إلى صور مترجمة للنص. ومن التجارب الشخصية فقد ساعد استخدام هذه الأدوات في رؤية العمارة الإسلامية من منظور جديد وبناء مكتبة مرئية مختلفة عما نراه في البيئة المبنية الحديثة أو التاريخية. فقد اعتمدت على إظهار مبادئ العمارة الإسلامية أكثر من تقليد الأشكال النهائية للعقود أو الأنماط الإسلامية كما هي في السابق.

وكمثال على دور نماذج اللغات الكبيرة في تحليل البيانات والنمذجة التنبؤية، نستشهد ببعض الأدوات الأكثر شهرة مثل ChatGPT الذي يساعد في مرحلة البحث والاطلاع على إيجاد المصادر من الكتب والإنترنت، وقد تطورت الإمكانيات الآن إلى تحليل النص والصور مثل الخرائط والرسومات. وفي جانب أتمتة التصميم نرى في مجال الإنشاء روبوتات البناء التي تعمل على أتمتة عمليات البناء المختلفة، وهو ما يعزز الدقة والسلامة والإنتاجية. يمكن للروبوتات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي أداء مهام مثل: البناء بالطوب، وصب الخرسانة، والطباعة ثلاثية الأبعاد حيث يفهم الروبوت إحداثيات الجدران، ويبدأ في صب الطين أو أي مادة صديقة للبيئة كخلط الرماد والخرسانة على سبيل المثال. وستغير هذه التكنولوجيا بشكل جذري سرعة البناء والتكلفة والإبداع.

ليست معركة بين الإنسان والآلة

في المقابل لا تخفى علينا السلبيات التي قد تنتج عن استخدام الذكاء الاصطناعي كحال الاعتماد الكلي على أي تكنولوجيا أخرى مثل الاعتماد على ركوب السيارة أكثر من المشي والتريض واستخدام الآلة الحاسبة أكثر من استخدام العقل للحساب؛ لذا لا ينبغي أن نستخدمها بشكل مفرط بما يؤثر في إبداع الإنسان ومهاراته. ومن السلبيات الأخرى الواضحة أن كل أداة مُبَرمَجة على مجموعة صور أو مجموعة قوانين، وقد نرى كثيرًا منها منحازًا أكثر للعمارة الغربية بينما توجد أمثلة معدودة تعبر عن ثقافتنا العربية والإسلامية. فمحدودية المعلومات الموجودة في كل أداة على حدة تضطر المصمم للتنقل من أداة إلى أخرى لتنفيذ فكرة معينة لتحقيق أقصى استفادة.

أدت تلك المعلومات المحدودة إلى تكرار كلمات معينة في النص، وأصبحت معظم المقالات، أو الكتابات المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي مشابهًا بعضها بعضًا؛ وذلك لاستخدام أدوات التدقيق اللغوي نفسها وتصحيحها بالأسلوب نفسه. وعلى صعيد إنتاج بدائل الصور فمحدودية المكتبة الخاصة بكل أداة أدت إلى تكرار التصاميم، وبخاصة تلك التي تظهر وكأنها مبانٍ نحتية غير واقعية، مما يبدو وكأننا ندور في حلقة، حيث يتضاءل عنصر التحديث تدريجيًّا، وهنا يكمن الركود الإبداعي لهذه الأدوات. فحتى الآن يُعَدّ الذكاء الاصطناعي محدودًا، فهو مقيد بكمية البيانات المدخلة إليه، ويزيد ابتكاره بزيادة هذه البيانات، ولكنه يفتقر إلى مهارة الابتكار والتعاطف وفهم مستخدم المكان والإحساس والمشاعر الطبيعية للبشر. هذه المهارات تنبع من التجارب الحياتية والخبرات التي لا يمكن للآلات المتقدمة والذكاء الاصطناعي أن تحاكي البشر بشكل كامل حتى لو جرى برمجتها كليًّا بكل المعلومات المتاحة لتنفيذ مهمة ما.

والأمر الآن لا يتعلق بمن سيفوز في معركة الذكاء الاصطناعي: هل الإنسان أم الروبوت؟ ولكن الهدف هو الموازنة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي في العمارة، على عكس الثورات الصناعية السابقة التي ركزت في المقام الأول على الأتمتة واستبدال العمالة البشرية بالآلات، لتؤكد الثورة الصناعية الخامسة التعاونَ بين البشر والذكاء الاصطناعي. بإدارة الاستخدام المناسب للتكنولوجيا والتركيز على تعزيز الجوانب الإيجابية لها، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون شريكًا قيمًا للإبداع البشري وتعزيز التقدم في مجالات الفن والتصميم المعماري، وهو ما يؤدي في النهاية إلى مستقبل يزدهر فيه التوازن بين التكنولوجيا والإبداع الإنساني.

يرى كثير من المعماريين بعض إيجابيات فتح آفاق جديدة للذكاء الاصطناعي عند إدخال هذه التقنية للعملية التصميمية أو الإنشائية جنبًا إلى جنب مع ما يتميز به التفكير البشرى لحل مشاكل معينة في تصميم ما لمبنى معين أو منطقة معينة. فمن الواجب عند استخدام أي تقنية جديدة بطريقة حكيمة ودمجها بالشكل المناسب في أي مجال أو تخصص. وهو التكامل نفسه بين برنامج CAD وBIM واعتبار المبنى كيانًا واحدًا متعدد الأنظمة، ومن ثم البرمجيات البارامترية التي تساعد على دمج الرياضيات والأتمتة في التصميم. الآن نشهد دخول الذكاء الاصطناعي إلى هذا المجال، وأعتقد أن هذا سوف يرفع مستوى مجال الهندسة المعمارية بطريقة أعلى في التصميم والبناء، وسيوفر الوقت ويعزز التحسين.


المراجع:

غوميث، إيميليو. «أشعار عربية على جدران قصر الحمراء ونوافيره». ترجمة خالد الريسوني.

Hyland، Garth.Diraiyah – a photographers Study –

النويصر، محمد. خصائص التراث العمراني في المملكة العربية السعودية (منطقة نجد) دارة الملك عبدالعزيز.

دارة الملك عبدالعزيز.

النقوش الجصية الحسائية- سلسلة دراسات التراث العمراني الوطني (1).

سوق القيصرية- أمانة الأحساء.

الوايل، سعيد. الأبواب والنقوش الخشبية التقليدية في عمارة المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية.

وزارة المعارف، بيت نصيف جدة، مؤسسة المشهور للمعدات.

السيد، قاري. ملامح من التراث العمراني في محافظة الطائف.

أبو زيد، عبدالعزيز. المعماريون في جدة القديمة.

خطابي، صالح. الأعمال الخشبية في العمارة التقليدية بمنطقة المدينة المنورة.


هوامش:

(1) هيغل، «فن العِمارة»، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت، 1979م، ص ٢٠-٢١.

(2) راسكن، جون، «القناديل السبعة في العمارة»، ترجمة محمد يسار عابدين وزاهي نديم رستم، 2024م، ص ٣٥.

(3) كنان، بريجيت، «دمشق القديمة وكنوزها الدفينة»، ترجمة محمد علام خضر، دار رسلان: دمشق، 2011م.

(4) كبريت، زكريا محمد، «البيت الدمشقي خلال العهد العثماني»، الجزء الثاني، مؤسسة الصالحاني، دمشق، 2000م، «النموذج الثاني مسكن الطبقات المتوسطة الدخل، بدون باحة ويتألف من قسم استقبال وخدمات في الطابق الأرضي وقسم للمعيشة فوقه في طابق مستقل، النموذج الثالث مسكن الفقراء الريفيين القادمين إلى دمشق واستقروا في أطراف المدينة وهو مسكن (الحوش) يضم هذا النموذج وحدات سكنية عدة تسمى« بيتًا» وهي غالبًا غرفة تسكنها عائلة واحدة، وأما فراغ الباحة أو الحوش استعمل كفراغ عام للاستقبال ومعيشة ومطبخ وممر لكل أفراد العائلات المتجمعة في «الحوش».

(5) انظر: عبدالسلام، محمد أحمد محمد، «الغرف الدمشقية العثمانية ودورها في إثراء العروض المتحفية وحفظ التراث السوري المادي واللامادي، دراسة متحفية تراثية»، مجلة البحوث والدراسات الأثرية، العدد الرابع عشر، جامعة المنيا، 2024م.

(6) انظر: الشهابي، قتيبة، «زخارف العمارة الإسلامية في دمشق»، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1996م.

(7) انظر كبريت، زكريا محمد، «البيت الدمشقي خلال العهد العثماني»، الجزء الثاني، مؤسسة الصالحاني، دمشق، 2000م.

(8) Weber, Stefan, “Images of Imagined Worlds: Self-Image and Worldview in Late Ottoman Wall Paintings of Damascus,” in The Empire in the City: Arab ProvincialCapitalsin the Late Ottoman Empire, eds. Jens Hanssen, Thomas Philipp, and Stefan Weber (Beirut: BTS 88, 2002), 145-171.

(9) انظر: كبريت، زكريا محمد، «البيت الدمشقي خلال العهد العثماني»، الجزء الثاني، مؤسسة الصالحاني، دمشق، 2000م.

(10) انظر: بهنسي، عفيف، «جمالية الفن العربي»، عالم المعرفة، الكويت، 1979م.

(11) syrian-heritage.org

(12) روكوكو من Rocaille، وتعني الحصى. طراز زخرفي بطابع أرستقراطي، يعتمد في التزيين الداخلي والنوافير باستعمال الحصى والأصداف، يمس الهندسة المعمارية والنحت والتصوير، عُرِف في فرنسا، باريس بداية، خلال القرن الثامن عشر في عهد لويس الخامس عشر، وانتشر في بلدان أوربية أخرى، ألمانيا والنمسا خاصة.

(13) باروك، من مصدرها البرتغالي Barroco، حركة فنية مناهضة للكلاسيكية، تتميز بالضخامة والتفاصيل المثيرة، نشأت خلال القرن السابع عشر في إيطاليا، وانتشرت في البلدان الكاثوليكية: النمسا، وإسبانيا، وبافيير، وأميركا اللاتينية.

كيف شَكَّلَ الحرير والنسيج تاريخ البشرية؟

كيف شَكَّلَ الحرير والنسيج تاريخ البشرية؟

يقول بعضٌ: إن التاريخ بدأ بالكتابة، غير أننا نقول: إن التاريخ بدأ باللباس. في البداية، كانت هناك ملابس مصنوعة من الجلود سلخها البشر الأوائل من الحيوانات وعالجوها، ثم صمموها لتناسب جسم الإنسان. ولا تزال هذه التقنية تستخدم في القطب الشمالي. بعد ذلك جاءت المنسوجات. كان النساجون الأوائل ينسجون المنسوجات على شكل جلود الحيوانات، أو يرفعون زغب النسيج محاكاة لمظهر الفراء، مما يجعل القماش أكثر دفئًا وراحة.

جرى تدوين التحول من الملابس الجلدية إلى المنسوجات في أدبنا المبكر، كما هي الحال في ملحمة جلجامش البابلية؛ إذ تحول إنكيدو، وهو رجل متوحش يعيش في سهول بلاد ما بين النهرين، إلى كائن متحضر بسبب الكاهنة شمحات من خلال الجنس والطعام والملابس. تبدأ اليهودية والمسيحية والإسلام رواياتها عن أصولها بمشهد خلع الملابس. آدم وحواء كانا عاريين، يأكلان من الشجرة المحرمة، وعليهما أن يهجرا جنة عدن. وأقدم بصمات للنسيج في الطين عمرها نحو 30.000 عام، وهي أقدم بكثير من الزراعة أو الفخار أو المعادن.

البداية من الصين

في القرن الحادي والعشرين، عادت «طرق الحرير» إلى الظهور اسمًا جامعًا لمشروع بنية تحتية، مسيس للغاية في جميع أنحاء آسيا. يأتي اسم طرق الحرير من أصل وانتشار تربية دودة القز، وهي تعمل على صنع ألياف الحرير، التي لعبت فيها النساء الصينيات دورًا خاصًّا. يعزى اكتشاف ألياف الحرير إلى الإمبراطورة لينغ شيه، المعروفة باسم لي تشو. تقول الأسطورة: إن شرنقة الحرير سقطت في فنجانها وبدأت في التحلل في ماء الشاي الساخن، بينما كانت جالسة تحت شجرة التوت.

في اللغة الصينية الحديثة، يعاد بناء كلمة «حرير»، بشكل شائع على أنها من الصينية الوسطى. استغرق الأمر ما يقرب من ألف عام لكلمة «حرير» للسفر من الصين إلى شمال أوربا عبر آسيا الوسطى وإيران. وفي آسيا القديمة، كان الحرير ثمينًا ومرغوبًا حتى من جانب الأقوياء. يقال: إنه في العام الأول قبل الميلاد، دفعت الصين للغزاة من الشمال 30.000 لفة من الحرير و7680 كجم من خيط الحرير و370 قطعة من الملابس. فمن بين الأصناف الأقل قوة، تمتلك المنسوجات قيمة أكبر.

اعتقد العالم اليوناني والروماني الكلاسيكي أن الهند هي مركز المنسوجات والملابس الرائعة، ويخبرنا مرسوم دقلديانوس للأسعار القصوى لعام 301م أن رطلًا رومانيًّا واحدًا من الحرير الخام يكلف ما يساوي أجر حداد لتسع سنوات. وفي روما، أصبح الحرير رمزًا للإسراف والتفسخ، ورآه بعضٌ فاسدًا ومعاديًا للرومان. كما قيل: إن كليوباترا كانت ترتدي ملابس غير لائقة تمامًا من أصل صيني، تكشف عن ثدييها وعن غرورها، وتشير إلى الأخلاق الرخوة والجشع. وقد رفض الشاعر الروماني هوراس النساء اللواتي يرتدين الحرير، بحجة أن خفته تعني أنه «قد تراها، كما لو كانت عارية… يمكنك قياس شكلها بالكامل بعينيك».

لطالما مثلت التقنية وراء الحرير لغزًا تاريخيًّا. لكن الاكتشاف الأثري الأخير لغرفة دفن سلالة هان في القرن الثاني قبل الميلاد لامرأة في تشنغدو، قد حل هذا اللغز. فقد احتوى قبرها على ورشة نسيج مصغرة مع نماذج خشبية من النساجين بحجم الدمية التي تعمل بنمط يظهر مع آلية متكاملة متعددة الأعمدة ودواسة لتشغيل نسيج النول. لم يبتكر الأوربيون نول المداس، الذي يعزز القوة والدقة والكفاءة، إلا بعد ألف عام من ذلك الوقت.

هذه التقنية ظهرت أيضًا في مدينة دورا أوربوس، الصالحية، الحدودية في سوريا، التي يعود تاريخها إلى السبعينيات الميلادية. ومع ذلك، يمكننا أن نكون واثقين من أن التقنية المعروفة باسم taqueté التي نُسِجَت لأول مرة بألياف الصوف في بلاد الشام. ومن هناك انتشرت شرقًا، وحولها الفرس وغيرهم إلى نسيج قطني طويل مركب ذي وجه لطيف يسمى ساميت. أصبحت الساميت أغلى وأعرق سلعة على طرق الحرير الغربية حتى الفتوحات الإسلامية.

معظم الحرير في العصور الوسطى المبكرة في أوربا كان بيزنطيًّا وليس صينيًّا. كما صدرت الدول الإسكندنافية منتجات الفراء إلى آسيا، التي غذت الاستهلاك الفاخر في بيزنطة وشرقها، بما في ذلك المعاطف، وأيضًا الزركشة للقبعات والأحذية، وحواف القفطان والياقات.

النسيج يوحد العالمين الإسلامي والصيني

في ظل الممالك الإسلامية للأمويين (661-750) والعباسيين (750-1258) والإلخانيين (1256-1335) والمماليك (1250-1517)، تطورت هدايا الملابس الدبلوماسية إلى أردية شرف. في اللغة العربية، تسمى هذه الخلافة أو الشرف، وهي ثياب ثمينة يمنحها الحاكم لنخبه. ثم يرتدونها لإظهار الولاء. يبدو أن تقديم الهدايا الحريرية كان يعمل في كلا الاتجاهين، وقد يتلقى الخليفة مئات الملابس من أحد رعاياه.

ازدهرت صناعة النسيج الضخمة، الخاصة والملكية، في بغداد في القرنين التاسع والعاشر، وكانت توظف ما لا يقل عن 4000 شخص في صناعة الحرير والقطن وحدها. يشيد علماء الإسلام الأوائل بآسيا الوسطى ليس بفضل حريرها فحسب؛ بل أيضًا بسبب صوفها والكتان والفراء وبخاصة القطن الفاخر. وقد شهد القرن العاشر أيضًا انتشار الإسلام، وأدى تقدم شبكات التجارة إلى نهضة في غرب إفريقيا في النسيج وإنتاج المنسوجات.

في عام 977م في البلاط العباسي، أرسل الأثرياء هدايا للخليفة عضد الدولة، مكونة من 500 ثوب، من الأجود إلى الخشن، وهو مثال ممتاز على «الدبلوماسية الحريرية». استثمرت الممالك العباسية في ورش نسيج القصر التي تنتج أنماطًا وتقنيات متطورة، مثل التيراز الشهير التي هي في الأصل كلمة فارسية. ثم أصبح مصطلح «طراز» يستخدم للأقمشة المزخرفة أو المطرزة الرائعة ذات النقوش المنسوجة لاسم الحاكم. وربما كان الغرض من منسوجات الطراز، على الأقل في البداية، شكلًا من أشكال الضرائب أو الجزية التي دفعتها المقاطعات في آسيا الوسطى لتكريم الحكام الجدد عندما استولوا على السلطة. وقد خصص المؤلف ابن خلدون، الذي كتب في القرن 14، فصلًا كاملًا عن منسوجات الطراز في كتابه.

انتهى الحكم العباسي في عام 1258 عندما غزا المغول بغداد تحت قيادة هولاكو، حفيد جنكيز خان. أخذ هولاكو لقب إيل خان؛ للإشارة إلى أنه كان تابعًا للخانات المغولية العظيمة في الصين. صُوِّر أحد خلفائه في نسيج حريري دائري، يوحد المفاهيم الرمزية والجمالية في كلا العالمين الإسلامي والصيني. وتشير الميزات التقنية لهذا النسيج، المصنوع باستخدام خيط ذهبي مع قلب قطني، إلى أنه ربما صُنِعَ في منطقة زراعة القطن إلا أنه مِن نسْج النساجين الصينيين.

ارتفعت الواردات الأوربية من الحرير من الصين وآسيا الوسطى باطراد في العصور الوسطى. في عام 1099م، بعد الاستيلاء على القدس من فرسان الحملة الصليبية الأولى. وفتح إنشاء الدولة المسيحية في الأرض المقدسة طرقًا تجارية جديدة، مما سهل صعود دول-المدن الإيطالية المبكرة. كما ساعد التوسع نحو الغرب للإمبراطورية المغولية تحت حكم جنكيز خان وخلفائه على زيادة قوة هذه المراكز التجارية الإيطالية. وقد ساعدت كميات كبيرة من الحرير الخام القادمة إلى إيطاليا على حفز التقدم الإبداعي والتقني في أوربا، وتوليد تقنيات وأنماط جديدة. كما أذكت الأقمشة المنسوجة نسجًا خاصًّا الابتكار في الزخرفة وإدخال «نول المداس» في أوربا في العصور الوسطى. وفي حين كانت الصين مصدرًا مهمًّا للحرير والسلع الأخرى، كانت جنوب آسيا منذ حقبة طويلة جزءًا من شبكات التبادل التي تربط عالم المحيط الهندي بالخليج وإفريقيا وأوربا وجنوب شرق وشرق آسيا.

 

أساطير وتنافس تجاري وجاسوسية

لا ينبغي لنا أن نعد زراعة الحرير الأوربية ونسج الحرير فقط مشروعًا تجاريًّا قصيرًا أو مجرد ملحق للهيمنة الصينية أو الآسيوية. فقد ظلت إيطاليا منتجًا عالميًّا رائدًا على مدى قرون عدة؛ أولًا من الأقمشة الحريرية ثم من خيوط الحرير، والحفاظ على مكانتها كثاني أكبر مصدر في العالم لخيوط الحرير بعد الصين في ثلاثينيات القرن العشرين. فحتى يومنا هذا، لا تزال القدرة والخبرة الإيطالية في إنتاج الحرير قائمة. كما ظهرت مؤسسات حرير جديدة. ففي فالنسيا في إسبانيا، أقيمت «بورصة للحرير» بين عامي 1482 و1533م وذلك لتنظيم وتعزيز تجارة المدينة.

نشأت العديد من الأساطير حول الحرير، ويرجع ذلك أساسًا إلى قيمته، بالتزامن مع تقنية تربية دودة القز، وإنتاج الحرير، التي جرى حراستها بغيرة في الصين لآلاف السنين. ربما تحكي الأسطورة الأكثر شهرة عن راهبين اثنين قاما بتهريب بيض دودة القز إلى أوربا، وبالتالي كسر احتكار الإنتاج وكشف كيفية صنع الحرير.

وفي النصف الثاني من القرن السابع عشر، أصبحت باريس مركزًا لإنتاج المنسوجات الأوربية والتصميم والتقنية. وشمل ذلك ظهور بيئة تسوق فاخرة من المحلات وبيوت الأزياء. نشرت مجلات الموضة مثل: (Le Mercure galant) تقارير عن الأناقة والاتجاهات الجديدة من البلاط الملكي. زودت أكبر دور الأزياء الباريسية، مثل شركة عائلة غوتييه، خزائن العائلة المالكة والنبلاء، وامتلكت أسهمًا في شركة الهند الشرقية الفرنسية. استثمر الملك لويس الرابع عشر ووزيره جان بابتيست كولبير في إنتاج الأزياء والمنسوجات كقطاع مبتكر مهم لإظهار عظمة فرنسا.

وشكلت الواردات غير القانونية للمنسوجات الأجنبية والنسخ الفاخرة تحديًا للتجارة الفرنسية والإنتاج المحلي. كان لدى المستهلكين الفرنسيين رغبة كبيرة في المنسوجات الأجنبية، وأغرقت الأقمشة الملونة والرخيصة السوق. ووصلت المنتجات غير المشروعة من آسيا عبر مراكز تجارية في الفلبين والمكسيك، مما شكل ضغطًا على الأقمشة الأوربية والسلع العصرية من ناحية السعر والجودة. أرسل الملك لويس الرابع عشر ملك فرنسا وحفيده فيليب الخامس ملك إسبانيا جان دي مونسيجور، وهو جاسوس صناعي وتجاري، في مهمة إلى مكسيكو سيتي لجمع معلومات استخباراتية عن التجارة القانونية وغير القانونية بين الهند والصين وأوربا. تناول تقريره الاستخباراتي المفصل تجارة المنسوجات والملابس والأزياء. وكتب بقلق بالغ:

«لقد حصل الصينيون على أنماطنا وتصميماتنا التي استخدموها استخدامًا متقنًا، ويمكنهم اليوم إنتاج سلع عالية الجودة، على الرغم من أنه ليس كل ما يأتي من هناك يمكن أن يتطابق مع المعايير الأوربية. لقد ولت الأوقات التي كان بوسع المرء أن يفترض فيها أن الصينيين خرقاء، أو بدون موهبة تجارية، أو أن سلعهم ليست مطلوبة».

كما أشار مونسيجور إلى أن الحرير الصيني كان منافسًا قويًّا بسبب انخفاض أسعاره. ففي المكسيك، حتى عامة الناس كانوا يرتدون ملابس حريرية صينية. وعندما غزا المغول المنتصرون أرضًا جديدة، اختاروا الحرفيين، وبخاصة النساجون، وأنقذوا حياتهم لأنهم كانوا مهمين لاحتياجات الإمبراطورية وطموحاتها الآخذة في التوسع. ثم تلقى هؤلاء الحرفيون المهرة أمرًا بالاستقرار حيث احتاجتهم الإمبراطورية، ومن هنا جاءت التحركات القسرية واسعة النطاق لعمال النسيج داخل الإمبراطورية المغولية.

بدءًا من القرن 15، جلب استعمار الأميركتين أكبر حركة عمل نسيج قسري في التاريخ؛ إذ شرد قسرًا نحو 13 مليون شخص، ونقلهم من غرب إفريقيا إلى منطقة البحر الكاريبي وأميركا الشمالية. كان العمل القسري محوريًّا في إنشاء وتطوير صناعة النسيج التي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على القطن والنيلي. وإلى اليوم، فإن حصاد القطن يحظى بعمالة كثيرة، ففي كل عام من شهر سبتمبر إلى شهر أكتوبر، يقطف ملايين العمال القطن في تركمانستان وأوزبكستان وباكستان والهند والولايات المتحدة والصين. وهنالك نحو 60 في المئة من 40 مليون شخص يعملون في صناعة الملابس اليوم هم في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وغالبًا ما تكون ظروف العمل ومستويات الأجور سيئة، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى الضغط لخفض تكاليف الإنتاج.

الملبس ثقافة ورمز

يعلم الجميع أن الكساء يمكن أن يرمز إلى القوة والإرث والمجد، فضلًا عن الهوية والتطلعات العرقية أو الوطنية. في ملابس رجال السلطة، نلحظ بمرور الوقت كيف تؤكد الملابس على رأس الحاكم وكتفيه وجذعه، وحزامه، القوة الجسدية. إن اختيار الملابس البسيطة، التي يفضلها العديد من قادة الجناح اليساري، تبرز أيضًا المعاني ومصدر قوتهم. وفي أوساط النخبة في أجزاء كثيرة من أوراسيا، أصبحت تقاليد اللباس الغربية رمزًا للعقلية التقدمية. وفي أواخر القرن السابع عشر، فرض بطرس الأكبر الملابس الغربية على الإدارة المدنية لروسيا. وفي اليابان في عهد ميجي، تبنى الحاكم وعائلته ملابس غربية كاملة. كان الإمبراطور الياباني يرتدي سيبيرو، وهو المصطلح الياباني لـ«البدلة» المشتق من سافيل رو، شارع لندن الذي كان موطنًا لأفضل خياطي الرجال.

في أوائل القرن العشرين، أصبحت الملابس سهلة المنال ورخيصة لدرجة أن الحكام يمكن أن يطلبوا من رعاياهم ارتداء ملابس بطريقة معينة وتكييفها مع سياسة الحاكم. لقد أرادوا أن يعكس عامة السكان قيم الحكام ومعتقداتهم السياسية وطموحاتهم. وأصبح ارتداء القبعة الغربية والتخلي عن غطاء الرأس العثماني والإسلامي التقليدي للعمامة والطربوش عملًا سياسيًّا للالتزام بجمهورية كمال أتاتورك. وأصبحت أغطية الرأس للرجال رمزًا قويًّا للأيديولوجية، وعوقب من يرتدي القبعة «غير المنتسبة» بالغرامات، وأحيانًا بعقوبة الإعدام.

يذكر أن استعارات النسيج اكتسبت رواجًا لتمثيل كل من عهد الحرب الباردة، مع «الستار الحديدي»، والنهاية التاريخية للحقبة في عام 1989م، مع «الثورة المخملية» في تشيكوسلوفاكيا. تلعب التعبيرات على كل من نعومة القماش (المخمل) وقدرته على التغطية والإخفاء (الستارة). وفي الثقافة الشعبية، كان الجينز، والجينز الأزرق، هو الذي جذب خيال الشباب في الشرق، كرموز للشباب والحرية السياسية والأخلاقية.

على مر التاريخ، وفي جميع أنحاء العالم، حاول الحكام السيطرة على الناس من خلال تنظيم ملابسهم. يمكن أن تكون اللوائح إلزامية أو محظورة، وتحمل معاني وتداعيات جنسانية واجتماعية. تشير قواعد اللباس، من الجيش إلى الزي المدرسي، إلى التوافق السياسي والاجتماعي، للتعبير بصريًّا عن الوحدة والولاء والالتزام. وفي الوقت نفسه، يهدف الحظر أو التجريم أو اللوم على ممارسات اللباس لبعض الأفراد أو الجماعات إلى استبعادها.

كان الهدف الرئيس موجهًا دائمًا إلى ممارسات اللباس، مع إعطاء أهمية أكبر للأقمشة والألياف والنسيج والديكور أكثر من القصات والخياطة. في ليما، بيرو، في أميركا الاستعمارية الإسبانية، نصت قوانين الفخامة على منع النساء من أصل إفريقي أو مختلط من أصل إفريقي وأوربي من ارتداء القماش الصوفي أو الحرير أو الدانتيل. ومع اشتداد العولمة، جلبت معها اختراقات تقنية في النقل والاتصالات والتجارة، التي من خلالها أصبح اللباس أكثر توحيدًا، مع تضاؤل العديد من ثقافات الملابس الغنية والمتنوعة في العالم.

عصر الآلة والتقنيات الحديثة

ليس من المستغرب أن نعرف كثيرًا عن منسوجات وملابس النخبة أكثر مما نعرف عن ملابس الناس العاديين على طرق الحرير. علم الآثار يمكن أن يساعدنا على ذلك. كانت سترة شهر أباد تخص عامل منجم ملح، ربما حوصر وقتل عندما انهار المنجم في عام 400 م تقريبًا، نُسِجَت من القطن أحادي اللون وخياطتها في سترة بطول الركبة بأكمام طويلة. ربما كان الخياط يعرف حجم جسم العامل أو عن كدحه الشاق في مناجم الملح، حيث أُدخِلَت الوصلات في مناطق الإبط وعند الوركين لتزوده بحرية أكبر عند الحركة.

في العالم الاجتماعي للبرجوازية الغربية الصاعدة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، نجد العديد من منتجات طرق الحرير، سواء في المنسوجات أو التصاميم. ارتدت السيدات شالات الباشمينا العصرية والناعمة بأنماط بيزلي القادمة من إيران وآسيا الوسطى، وهو أسلوب انتقل من تمثيل الروابط بين بريطانيا وإمبراطوريتها في آسيا.

كانت نساء الإمبراطورية الإسبانية يرتدين مانتون دي مانيلا، المعروف أيضًا باسم الشال الإسباني، الذي أخذ اسمه من مانيلا في الفلبين، حيث تُدُووِلَ شرقًا عبر المحيط الهادئ إلى الإمبراطورية الإسبانية للأميركتين. كان، في الأصل، ثوبًا حريريًّا مزينًا بالتطريز، ومنسوجًا في جنوب الصين، الذي تُدُووِلَ من أواخر القرن السادس عشر عبر مانيلا والمستعمرات الإسبانية الأميركية، ثم انتقل إلى أوربا عبر إسبانيا.

في تحقيقه حول طبيعة وأسباب «ثروة الأمم» (1776م)، كتب آدم سميث أن التجارة لم تكن مفيدة للشركاء التجاريين فحسب، بل للمجتمع كله. لتوضيح حجته، استكشف المزايا التنافسية للقماش مقارنة بالقمح. كان إنتاج المنسوجات بالنسبة لسميث علامة على الديناميكية الاقتصادية. فبعد الثورة الفرنسية فقط أُلغِيَت لوائح الملابس ويمكن لمواطني الأمة ارتداء ما يحلو لهم: «كل شخص حر في ارتداء أي ملابس وإكسسوارات من جنسه يجدها ممتعة».

تاريخ النسيج من شأنه أن يحدث، لاثنين من الألمان، ثورة في المشهد السياسي في القرن التاسع عشر. كان فريدريك إنجلز سليل العائلة التي تقف وراء «مصنع غزل القطن إرمين وإنجلز» في غرب ألمانيا، واستقر في مدينة مانشستر الإنجليزية، وهي مركز رائد لتجارة وتصنيع القطن العالمي. تأثر كارل ماركس بشكل كبير بصديقه المقرب إنجلز وبصناعة النسيج على وجه الخصوص. في «رأس المال» (1867م)، أوضح ماركس حججه حول الطبقات العاملة من خلال الإشارة إلى البروليتاريا اللامبينية، أو «بروليتاريا الخرق»، وباستخدام مثال المعطف كرمز لقياس العمل والموارد والتقنيات والمكافآت غير المتكافئة للرأسمالية.

في القرن العشرين، أثرت التحولات السياسية والأوضاع الاقتصادية الجديدة والأيديولوجيات سلبًا في النسيج الحرفي وأنواع أخرى من الحرف التقليدية على مستوى العالم. لقد شهد فقدان كثير من ثقافة حرف النسيج الدقيقة. وقد جعلت التقنيات الجديدة الحرف اليدوية قديمة أو باهظة الثمن؛ فالتحضر لديه أزياء موحدة، ولم يعد الناس يرغبون في القيام بما ينظر إليه على أنه أعمال نسيج شاقة.

بالملابس بدأ التاريخ

تأتي كلمة «نص» (text) من اللاتينية «texere» («النسيج»)، ويشير النص، شكليًّا واشتقاقيًّا، إلى كيان منسوج؛ لذلك يمكننا القول: إن التاريخ لم يبدأ بالكتابة، بل باللباس. قبل التاريخ، كان هناك عري، على الأقل في التقليد الإبراهيمي. وهكذا تمثل الملابس بداية التاريخ والمجتمع. إن تمثيل العري كجزء من حياة برية وما قبل متحضرة يعكس المنظور الاستعماري الأوربي للإنسان العاري على أنه «متوحش».

أما اليوم، فأي قميص معروض للبيع في أي متجر حول العالم هو نتيجة لشبكة متشابكة بدقة من التعاون العالمي والتجارة والسياسة. من حقول القطن في تكساس أو تركمانستان، إلى مصانع الغزل في الصين، ومصانع الملابس في جنوب شرق آسيا، والطابعات في الغرب، وأسواق الملابس المستعملة في إفريقيا، يسافر القميص آلاف الكيلومترات حول العالم. وجدت منظمة السلام الأخضر أن الأوربيين والأميركيين الشماليين، في المتوسط، يحتفظون بملابسهم لمدة ثلاث سنوات فقط.

هذا هو تأثير الموضة السريعة التي ترسخت منذ بداية القرن الحادي والعشرين، حيث كانت الملابس، لآلاف السنين، دائمًا باهظة الثمن، وتستحق الإصلاح والمحافظة، وصنعت لتدوم. جنبًا إلى جنب مع تسارع الاستهلاك حل انخفاض الأسعار وضاق هامش الربح باستمرار. يتطلب نموذج الأعمال التجارية للأزياء السريعة تجارة عالمية سلسة، ووسائل نقل غير مكلفة لمسافات طويلة، وعمالة مرنة رخيصة وموارد طبيعية وفيرة. هذه المعادلة تتغير في عالم يزداد حرارة وفي ظل تصاعد العوائق التجارية. يرتبط مستقبل الأقمشة والمنسوجات والملابس بالسمات العظيمة للحاضر والمستقبل.


المصدر:

مجلة AEON، ويستند هذا المقال إلى فصل كتبته ماري لويز نوش وفنغ تشاو وبيتر فرانكوبان، نُشِرَ في تقرير اليونسكو عن المنسوجات والملابس على طول طرق الحرير (2022م) الذي حرره فنغ تشاو وماري لويز نوش.