بواسطة د. هباس الحربي - رئيس التحرير | مايو 1, 2024 | مقالات
في كثير من دول العالم، وفي الدول الفقيرة والنامية أو ما يسمَّى بالعالم الثالث على وجه الخصوص، تلقّت الشعوبُ الحالمة بواقع أفضل أفكارَ التنوير بقدرٍ كبيرٍ من الشغف والانبهار، وربما الدهشة، بل أسهمت في الترويج لها بحماسة فاقت حماسة المنظرين لها والمؤسسين لأفكارها، فقد تصورت تلك الشعوب أن هذه المصطلحات البرَّاقة في مظهرها تحمل في جوهرها أسباب الخلاص من واقعهم السلبي المَعِيش، وتُبشِّرهم بواقعهم المتخيَّل والمأمول، ولكن البحث العميق في فلسفة وأبعاد التنوير أثبت مع مرور الوقت أن النظريات البرَّاقة تختلف جذريًّا عن التطبيقات؛ فالنظريات بَدَت مُشِعَّةً وبرَّاقةً ومُبشِّرةً، بينما التطبيقات الفعلية على أرض الواقع بَدَت فادحةً ومجحفةً ومُخيِّبةً للآمال، وشَتّان بين النظريات التي فتحت أمام الشعوب المغلوبة على أمرها أبواب الأمل في الحرية والعدالة والمستقبل الواعد، والتطبيقات التي أسهمت في اندلاع الحروب، وتأجيج الصراعات، وتعطيل مسارات التنمية، وتوسيع الفجوة بين الواقع والمأمول.
لقد رسَّخت تلك النظريات البرَّاقة للتنوير بالمفهوم الغربي لكثيرٍ من التصنيفات العنصرية بين الغرب والشرق، بين الأنا والآخر، بين القوي والضعيف، بين العالم الأول المصدِّر للنظريات والأفكار والمروِّج للتنوير وما بعده، والعالم الثالث المستهلك لتلك النظريات التي يرى في ظاهرها صورة مشرقة لأحلام التقدم والتحرر والازدهار، وعلى الرغم من النتائج المنطقية التي كشفت عنها الرؤى النقدية العميقة لأبعاد ومتطلبات التنوير، فلا تزال الفجوة شاسعة بين النظريات بكل ما تحمل من وعود زائفة، والتطبيقات بكل ما ينتج عنها من مخرجات مخيِّبة للآمال، وقد يتجلَّى ذلك في منظومة التصنيفات العنصرية التي تقسِّم شعوب العالم على أساس أعراقها وألوانها، فالعِرق الأبيض -من وجهة نظر الفكر الغربي- هو الذي يملك وحده كل مقومات التحضُّر، وهو القادر وحده على قيادة العالم وإعادة بناء الحضارات، ومن بعده تأتي الأعراق الأخرى ذات الدرجات الدُّنيا من ذوي البشرة الصفراء، ثم السوداء، وصولًا إلى الهنود الحُمر الذين وضعتهم الرؤى الفلسفية الغربية في قاع التصنيف البشري، وكأنها صورة من صور التسويغ للممارسات أو الأفكار العنصرية، ويتضح ذلك بشكل لافت وصارخ عند النظر في تطبيق القيم المتعلقة بالعدالة والمساواة وحقوق الإنسان، ففي الوقت الذي يُصدِّر فيه الغرب للشرق معايير محددة لتلك القيم، ويستخدمها للضغط على الشعوب والحكومات بهدف تطبيقها والانصياع لمعطياتها، نجده يستخدم القيم نفسها في مجتمعاته بمعايير مختلفة، وربما متناقضة تمامًا مع ما يطالب به المجتمعات الأخرى.
ولأن الرهان على «سؤال التنوير ومخرجاته» سيظل مثار جدل كبير لسنوات طويلة قادمة، أردنا في مجلة «الفيصل» أن نخصص ملف هذا العدد لمناقشة «قضية التنوير» من زاوية المساءلة الموضوعية لأفكاره وأبعاده من خلال آراء نخبة من المختصين والمثقفين العرب.
بواسطة ريناتا ساليكل - باحثة سلوفينية - ترجمة: أحمد محمد بكر موسى - باحث مصري | مايو 1, 2024 | علوم
يمكن للفن، بمساعدة الصور أو الفيديوهات المقنعة، أن يعرض للناس المخاطر القادمة من أعلى، مثل: المراقبة المفرطة والهجمات العسكرية وتغير المناخ، التي تهدد جميعها سلامة الناس الجسدية والعقلية. وقد يساعد الفن أيضًا الأشخاص على التعامل مع الصدمات التي يعانونها بسبب هذه التهديدات. ومع ذلك فالفن لا يوضح فقط ماذا يعني أن يكون الهواء الذي نتنفسه، والسماء التي ننظر إليها مكانًا غير آمن، بل شيئًا يمكنه أن يقتلنا. ومن المفارقة، أن من في السلطة يستخدمون الفن أيضًا آلية لشرعنة ممارساتهم.
عندما تشجع الحكومات على المراقبة المتزايدة والهجمات الجوية، فإنها غالبًا ما تلجأ إلى التقاليد الفنية. وقد تستخدم صورًا خيالية لإظهار جبروت القوة العسكرية، وتعرض آليات مراقبة كأنها قادمة من أفلام هوليوود، وتخلق أوصافًا جذابة لفوائد التقنيات الجديدة، غالبًا ما تشبه حبكة من رواية خيال علمي.
يوجد دائمًا بعد سياسي في النقاش حول التهديدات القادمة من أعلى وكيف يمكن للناس حماية أنفسهم. ويؤدي الفن دورًا حيويًّا في المعركة السياسية بين شرعنة الحكومات والشركات للتهديدات القادمة من أعلى، ونقد هذه التهديدات التي تأتي في الغالب من المجتمع المدني.
الحاجة إلى حقوق إنسان جديدة
اقتراح حق إنساني جديد يعالج الأبعاد النفسية والجسدية للتهديدات التي يواجهها الناس من أعلى يمثل خطوة أساسية في النضال ضد الأخطار الجديدة المرتبطة بالمراقبة والتطور العسكري الذي يحدث في المجال الجوي والفضاء الخارجي، وكذلك التهديدات البيئية المتزايدة الآتية من الهواء الملوث.
ومع ذلك فالسؤال هو ما إذا كنا بحاجة إلى حقوق إنسان جديدة. بالفعل، في نهاية الألفية الماضية، وضِعت المفاهيم العالمية، فيما يسمى بأزمنة ما بعد الحداثة، تحت المجهر. وبينما كان نفوذ حقوق الإنسان موضع تساؤل في كثير من الأحيان، فقد ظلت هذه الحقوق مرجعية مهمة في النضالات السياسية؛ لأنها بدت كضرورة معيارية تتجاوز السياسة والقانون.
شهدنا في السنوات العشرين الماضية، وبخاصة بعد الهجوم الإرهابي في نيويورك في 11 سبتمبر تغيرًا أساسيًّا في مفهوم حقوق الإنسان. وتبلورت بعد هذا الهجوم فكرة الاستباق في السياسة الأميركية، وشهدنا أيضًا إعادة تعريف للذاتية. وناقشنا في مجال علم الجريمة في العقدين الماضيين إستراتيجيات مختلفة لاستخدام التدابير الاستباقية. وأصبح نموذج ما قبل الجريمة، الذي لفت انتباه الجمهور إليه لأول مرة فِلْم هوليوود «تقرير الأقلية»، موضوعًا أساسيًّا للنقاش. وطُورت في ظل هذا النموذج جميع أنواع تقنيات المراقبة الجديدة، وهو ما أعطى الانطباع بأنه يمكن للمرء التنبؤ بالهجمات أو السلوك الإجرامي المستقبلي ومنعهما. وتمتلئ اليوم مدننا ومجالنا الجوي وفضاؤنا الخارجي بأجهزة عالية التقنية مثل كاميرات التعرف إلى الوجه، والطائرات من دون طيار التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، والعديد من الأقمار الصناعية التي من المفترض أن تزيد أمننا.
وشهدنا في العقدين الأخيرين أيضًا إعادة تفسير الحق في الحرب عبر مفهوم الضربات الجوية الاستباقية، الذي استخدمته الولايات المتحدة منذ عهد إدارتي بوش وأوباما. ووضعت الولايات المتحدة خلال رئاسة أوباما تصورًا للاستخدام الاستباقي للقوة من أجل إرساء الأساس القانوني لعمليات القتل المستهدف للأفراد المشتبه في أنهم قادة لتنظيم القاعدة والجماعات المرتبطة به. وأُعيد تفسير الاستخدام الاستباقي للقوة بحيث حُذِفَ عنصرانِ تقليديانِ رئيسانِ من تعريف مصطلح «التهديد الوشيك» وهما: الآنية واليقين (Badalič 2021).
وبدأت الولايات المتحدة على نحو متزايد تسويغ القوة العسكرية بوصفها استخدامًا وقائيًّا للقوة. ومع عملية إعادة صياغة المفاهيم، تجاهلت الولايات المتحدة أنواع مبادئ القانون الدولي كافة. ومن بين هذه المفاهيم مفهوم الضرورة، وهو أحد المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني. ومع هذه التغييرات، شهدنا أيضًا إعادة تفسير للذاتية. فيُنظر إلى الناس بشكل متزايد على أنهم مشتبه بهم محتملون. والافتراض هو أن كل شيء من حولنا ينبغي النظر إليه على أنه تهديد، حيث لا يمكن لأي درجة من الذكاء أو التأمين ضمان عدم حدوث الضرر؛ لذلك نعيش باستمرار في توقع شيء ما. وغالبًا ما تركز إستراتيجيات ما قبل الجريمة التي تستخدمها الحكومات على التهديدات غير الآنية. إنهم يتكهنون ويؤلفون الجرائم المستقبلية المحتملة لمنع حدوثها.
تهديدات حقيقية ومتخيلة
تختلف المراقبة اليوم عما تأمله ميشيل فوكو في كتابه «المراقبة والمعاقبة» (Foucault 1977). فبدلًا من السيطرة على السكان عبر حبسهم وتشكيلهم كمواطنين مطيعين، تشجع المراقبة في أيامنا هذه الناس على الاستهلاك وزيادة القدرة على التنقل والتواصل. وتستخدم التحليلات التنبؤية المعلومات المتعلقة باستهلاك الأشخاص وتحركاتهم. ويصبح الجسم المادي للشخص أيضًا مصدرًا قيمًا للمعلومات؛ لأنه يصدر بيانات يمكن استخدامها للتنبؤ بالتحركات والأفعال المستقبلية. كما تستخدم هذه الأنواع الجديدة من المراقبة المعلومات البيولوجية عندما تحاول التنبؤ بالخطورة المستقبلية للأشخاص.
غالبًا ما تؤدي المراقبة، بمساعدة التحليلات التنبؤية، إلى طمس الخط الفاصل بين التهديدات الحقيقية وغير الحقيقية. ويشبه تخيل التهديدات المستقبلية بطريقة غريبة العمل الفني. وتُستخدم القصص الخيالية والصور المتقنة التي تصاحب خطابًا ما قبل الجريمة لشرعنة آليات المراقبة التي تتتبع حياتنا اليومية، وترى كل إنسان مشتبهًا به محتملًا.
ومع ذلك، يمكن أيضًا استخدام التقنيات الجديدة بنجاح في النضالات العامة من أجل حقوق الإنسان. ففي خلال حرب البوسنة والهرسك في أوائل التسعينيات، كانت صور الأقمار الصناعية أساسية في اكتشاف المقابر الجماعية التي حفرها الجيش الصربي في جميع أنحاء البلاد. أنكر الجيش الصربي وجود المقابر الجماعية حتى كشفت كاميرات الأقمار الصناعية مساحات عديدة من الأراضي المحفورة حديثًا. في عام 1999م، في أثناء حرب كوسوفو، جمعت أقمار SPOT التجارية الفرنسية بياناتٍ من ارتفاع 822 كيلومترًا لإظهار النزوح والدمار الذي يحدث على الأرض. وبذلك اطلع الجمهور على التطهير العرقي بمساعدة صور الأقمار الصناعية، التي كشفت عن مقابر جماعية ولاجئين في الجبال، وإحراق المساجد والقرى وعمليات الترحيل المنظمة. وكما تشير لورا كورغان، أظهرت صور الأقمار الصناعية قدرًا أقل من الحقائق على الأرض مقارنة بقدرة التقنية على تسجيل هذه الحقائق بتفاصيل دقيقة (Kurgan 2013).

تعيد تقنية الأقمار الصناعية الجديدة تفسير الحقائق على الأرض. فهي تخلق واقعًا يخدم أغراضًا معينة؛ أحدها خلق الذاكرة الثقافية، كما كان الحال في وقت الحروب في البوسنة والهرسك وكوسوفو وغيرها من البلدان التي مزقتها الحروب.
ومع ذلك، غالبًا ما خدمت صور الأقمار الصناعية أغراضًا أقل احترامًا. اعتمدت الجيوش في العقود الأخيرة على المجال الجوي والفضاء الخارجي لمهاجمة الأعداء المفترضين والسيطرة عليهم. ويؤدي الخيال في هذه العمليات أيضًا دورًا مهمًّا. ولا يقتصر الأمر على أن الصور التي تُنشأ بواسطة الحاسوب لما يحدث على الأرض يمكن أن تكون غير موثوقة إلى حد كبير، ولكن يمكن أيضًا التلاعب بها بسهولة بحيث تصبح الأشياء غير مرئية. في بعض أجزاء كاليفورنيا، لا تُظهر خرائط غوغل الشوارع والمنازل؛ لأن الأثرياء في هذه المنطقة تمكنوا من إقناع جوجل بالحفاظ على خصوصية مساكنهم عن عامة الناس. وتبدو المنازل التي هاجمها الجيش الأميركي في باكستان بمساعدة الطائرات من دون طيار سليمة في صور الأقمار الصناعية. فلا تخلق قنبلة الطائرة من دون طيار سوى فتحة صغيرة في سقف المبنى، وهي فتحة غير مرئية من بعيد. وحقيقة أن القنبلة التي انفجرت داخل المنزل أدت إلى مقتل سكانه تظل مخفية وغير معترف بها.
الجدال بين أنصار كانط وفوكو
تتأمل شونا إلينغوورث في معرضها الفني «طبولوجيات الهواء» المعركة الدائرة حاليًّا في الفضاء الجوي والفضاء الخارجي، حيث تُستخدم التقنيات الجديدة للمراقبة والتدمير (Downey 2022). وتدور هذه المعركة حول أكثر من مجرد تحديد الدولة التي ستستخدم، بأحدث التقنيات، الفضاء المرتفع فوق سطح الأرض لأغراضها الاقتصادية والسياسية. وتستمر المعركة أيضًا لتفسير ما يعنيه أن تكون إنسانًا وما الخيالات والذكريات التي تُنشأ بمساعدة التقنيات الجديدة.
كما توجد معضلات تتعلق بحقوق الدول والشركات التي تمتلك هذه التقنيات وحقوق من يعاني استخدامها. وقد أدت هذه المشكلات إلى مشروع محكمة الفضاء الجوي، الذي فتح نقاشًا عامًّا حول ما إذا كانت التغييرات التي نلحظها فيما يتعلق بالفضاء الجوي والفضاء الخارجي تتطلب وضع تصور قانوني لحق إنساني جديد.
لكن السؤال هو: هل نحن حقًّا في حاجة إلى حق إنساني جديد؟
ارتبط تأكيد أو رفض أهمية مفهوم حقوق الإنسان في الفلسفة المعاصرة بكيفية المقاومة المشروعة للقوانين غير العادلة. وتختلف الإجابات عن هذا السؤال بين ما يسمى بالفلسفة الكانطية الجديدة وبين تلك الأكثر توافقًا مع نظرية ميشيل فوكو. يزعم الكانطيون الجدد أنه من الضروري أن يكون هناك مبدأ تنظيمي يوجه للناس سلوكهم ويحكمون به على عدالة القانون نفسه. أما هؤلاء الفلاسفة، فحقوق الإنسان هي فكرة تنظيمية يجب التسليم بها كمبدأ لأفعالنا. ومع ذلك فهو يظل دائمًا مبدأ غير قابل للتحقيق.
على العكس من ذلك، يقاوم الفوكويون فكرة وجود مبدأ تنظيمي ما ويقولون: إن المرء يحتاج إلى إزالة الغموض عن مفهوم حقوق الإنسان؛ لأن هذه الحقوق مرتبطة بشدة بآليات السلطة. ويرى هؤلاء المفكرون أنه ليست هناك حاجة عند مقاومة القوانين غير العادلة للاحتكام إلى حقوق الإنسان العالمية؛ لأنها جزء من هيكل السلطة، فيكون حكمها على هذا الهيكل غير مُجْدٍ.
يعترض الكانطيون الجدد على هذا الرأي، ويقولون: إن هذا المنظور الفوكوي يحاول إغراق القانون في التاريخ، وعبر القيام بذلك، يفقد الوسائل للحكم على الممارسات اللاشرعية. ولتقييم فاعلية القانون، من وجهة النظر الكانطية الجديدة، يجب أن تكون لدينا فكرة تنظيمية تاريخية أو حتى لا سياسة مثل حقوق الإنسان.
يتوقف سبب حاجتنا إلى حقوق الإنسان على المفهوم الكانطي للذاتية، الذي يُنظر إليه في المقام الأول على أنه ذاتية غير قابلة للتحديد، وهذه الذاتية هي أيضًا جوهر تصور الديمقراطية. كانت فكرة كانط المهمة هي أن البشر لا تحددهم الطبيعة أو الثقافة، وأنه بمساعدة مفاهيم مثل الحرية والحقوق، يمكنهم إجراء تقييم نقدي لبيئتهم الاجتماعية.
هناك شيء غير قابل للتحديد في جوهر الذاتية الكانطية، ولهذا السبب لا يمكننا تعريف الذاتية البشرية إلا جزئيًّا. والشيء نفسه ينطبق على حقوق الإنسان. فعلينا السماح باستمرار بتفسير جديد لحقوق الإنسان وتوسيع نطاقها. وعندما نطالب بحق جديد من حقوق الإنسان، فمن المفيد أن نعود إلى الفيلسوف الفرنسي كلود ليفورت، الذي قال: إن حقوق الإنسان تشكل عنصرًا أساسيًّا في الديمقراطية، تحديدًا لأنها ترتكز على فكرة الذاتية غير المحددة. إن مساهمة حقوق الإنسان في الديمقراطية تكمن في حقيقة أن حقوق الإنسان لا يمكن تعريفها بشكل كامل أبدًا. ولا يمكن تحديد طابعها بشكل كامل، كما أن التحديات التي تواجهها تتغير أيضًا؛ لذلك يخترع المجتمع باستمرار حقوقًا جديدة.
عارض كلود ليفورت بشدة المنظرين الذين يرون الحقوق بوصفها بقايا من الماضي، وأنها قد جُردت من أهميتها منذ مدة طويلة (Lefort 1986). وشدد على أن حقوق الإنسان، بسبب طابعها المجرد وغير المحدد، لا يمكن وضعها في نطاق تاريخي محدد، وهو ما يعني أنه لا يمكن تحليلها بسهولة من الناحية الجينية كما يحلو للفوكويين فعله. ولا يمكن قياسها أو التحكم فيها.
ومع ذلك، يحتفظ مفهوم حقوق الإنسان بقدرته على نقد الأوضاع الجارية في كل عصر طالما ظل فكرة عالمية غير محددة، وهو ما يعني أنه سيكون هناك دائمًا معركة من أجل معناه. وستوجد دائمًا إمكانية خلق حقوق جديدة، مثل الحق في العيش من دون تهديد جسدي أو نفسي من أعلى.
مجلة الحرب الرقمية (2023م) بتاريخ 19 ديسمبر 2023م
Notes:
https://www.businessinsider.in/From-hiding-their-mansions-on-Google-Maps-to-building-500000-panic-rooms-rich-people-are-sparing-no-expense-to-keep-their-lives-private-and-secure/articleshow/66681557.cms.
https://forensic-architecture.org/investigation/drone-strike-in-miranshah.
References:
Badalič, Vasja. 2021. The war against vague threats: The redefinitions of imminent threat and anticipatory use of force. Security Dialogue 52 (2): 174–191.
Downey, Anthony, ed. 2022. Shona Illingworth: Topologies of Air. Toronto, London: Sternberg Press and the Power Plant.
Foucault, Michel. 1977. Discipline and Punish: The Birth of the Prison. London: Viking.
Kurgan, Laura. 2013. Close Up at a Distance: Mapping, Technology, and Politics. Boston: MIT Press.
Lefort, Claude. 1986. The Political Forms of Modern Society: Bureaucracy, Democracy, Totalitarianism. Boston: MIT Press.
بواسطة محمد الداهي - كاتب مغربي | مايو 1, 2024 | مقالات
يأتي كتاب «لا شيء قيل من قبل»(1) ليتوج الجهد الذي كرسه المؤلف فيليب فوريست للتعريف بمنجز «النظرية الفرنسية» وأصولها وغاياتها وخلفياتها المعرفية وروافدها(2). يسعى الكتاب عمومًا إلى مناقشة من يزعم أن الحداثة انطفأت جذوتها، وأن الأدب لم تعد له جدوى في حياتنا الراهنة بدعوى أن «كل شيء قد قيل» واستنفد قيمته، ولم يبق للخلف ما يقوله أو يبدعه. وهذا ما حتم على المؤلف -بحسب ما ورد في كلمة ظهر الغلاف- أن ينأى بنفسه عن الصخب الإعلامي والطرح الأكاديمي المتعالي لمساءلة «الكلام الأدبي» وحفزه على التصالح مع نفسه ومع الواقع المتغير، والاستجابة لمتطلبات العصر الراهن (المحدث بعد كل شيء).
ينطلق فيليب فوريست في بداية الكتابة من قول سورن كير كيغارد مفاده أن الجيل الجديد يتعلم من الأجيال الأخرى، لكنه لا يمتثل حرفيًّا للجيل السابق؛ لأنه مضطر إلى البدء من الصفر لإثبات ذاته، والتميز عن السلف. وهذا ما يبين أن التاريخ البشري لا يتوقف على ما مضى فحسب، بل يجب عليه أن يدبِّرَ لحظة الحاضر ويواجهها ويسائلها بحثًا عن أفق جديد ومغاير.
استوحى المؤلف عنوان كتابه من قول شهير لإيزدور دوكاس: «لم يقل أي شيء»، التي تتموضع بين قولين شهيرين لكل من جون دو لابرويير الذي يدافع عن عبارة «كل شيء قد قيل» وفيليب جاكوتي الذي يلحّ على أن «لا شيء قيل من قبل». يعزز لابرويير الطرح الكلاسيكي الذي يقر أن الأدب مضطر إلى تقليد الماضي بوصفه تجسيدًا للجمال الخالد المتمثل في الأشكال الثابتة. وتأتي الأطروحة الحداثية النقيض لدوكاس لإثبات توجه الأدب نحو المستقبل بما له من قدرة على ابتكار جمال متجدد في أشكال متحركة. وتندرج عبارة جاكوتي في إطار التركيب المابعد حداثي الذي يموضع الأدب في حاضر موزع بين الذاكرة المحيلة إلى الماضي والرغبة الملحّة في المستقبل.
تبنى فيليب فوريست طرح دوكاس «لم يقل أي شيء» الذي وإن استوعب تناقضات الحداثة والتباساتها، فهو -مع ذلك- يصر على الرهان والوَعْدِ بغدٍ ممكن.
الحداثة والطليعة
يرى لويس أراغون أن الحداثة لا تستقر على تعريف جامع. فهي «تذوب في الفم إبان تشكلها»، و«تزحزح المفاهيم جميعها». لا يتوقف إشكال الحداثة عند عدم ثبات محتواها. إن الإقرار بأنها تتغير لا يعني أنها غير موجودة. فهي تتبدل بمرور الوقت مستعيرة الأشكال المتتالية والمتصارعة أحيانًا. لكنها تظل بمنطق هذا التعبير ثابتة، وتقتضي التفكير فيها ومساءلتها.

لويس أراغون
بالرجوع إلى تعريفات الحداثة يتضح أنها لا توجد إذا ما اعتبرناها لحظة زمنية يمكن أن تقْتطعَ من سيرورة الزمن ببدايتها ونهايتها. في حين توجد الحداثة إذا ما اعتبرت توجهًا نحو الجديد النشيط على نحو كوني ومستديم، وبطريقة متغيرة بحسب وظائف العصور والثقافات المعنية. غالبًا ما يرجَع إلى شارل بودلير بصفته أول منظر للحداثة، لكن تصوراته -في مجملها- لا تخلو من التناقض. وهكذا تتحدد الحداثة في نظره بصفتها «الجمال الجديد» و«الرومانسية الممتدة» و«الجمال المتضمن للخالد والثابت»، و«الجمال العابر والمؤقت في لحظة الحاضر» و«جمال اللحظة المتكررة» (التمجيد البطولي للحاضر قي تغيره وديمومته).
اقترنت الحداثة مع شارل بودلير بالطليعة التي استلهم مفهومها من المعجم العسكري ليعنى به نخبة أو جماعة متقدمة على عصرها تنتقد المواضعات الأدبية والفنية والسياسية السائدة، وترهص بقيم وبدائل جديدة. وهي بذلك «تضطلع بثورة مضاعفة (أحيانًا تكون ثورة شاملة باستهداف العادات والأخلاق)، وتحدث قطيعة مع الوعي للتقدم على العصر سواء أتشبثا بعملية الهدم (العدمية) أم سعيا إلى إدراك مثال إعادة البناء (أبحاث حول الشكل، العمل السياسي، الطّوبى)»(3).
التقليد والتجديد
تشيد الحداثة بشعرية الحاضر، وتراهن الطليعة على ضرورة تجديد الفن. وكلاهما يلحّ على مراجعة تمثيل الواقع والطرائق الفنية المعتمدة لتصوير الواقع، وعلى اقتراح بدائل جديدة تستجيب لمتطلبات العصر وانتظاراته. ومن ثم يتضح البون بين «جمالية التقليد» التي يتشبث بأهدابها أتباع التقليدية وبين «جمالية التجديد» التي يدافع عنها أنصار الحداثة.

ستندال
سارت الركبان بترديد المحاكاة الأرسطية حرصًا على ترسيخ نمط فني وجمالي لتمثيل الواقع. وهكذا نعاين حضور المفهوم بصيغ مختلفة في كثير من المحطات عبر التاريخ. ومن ضمنها: «الفن الشعري» (بيان التقليدية) لبوالو، و«معالجة الجميل» لديدرو، وفي مقدمة فصل من فصول رواية «الأحمر والأسود» لستندال، وفي رواية «الجلد المسحور» لبلزاك، وفي تصورات كوتفرايد وليام لبنيز صاحب القول الشهير «روح الشاعر مرآة العالم». في كل هذه المحطات وغيرها تحضر بشكل أو بآخر عبارة «المرآة المركزية» التي وإن كانت تموه الواقع تعد ثمرة وانعكاسًا له. لا تفي المرآة بنقل الواقع كما هو، بل تعيد تمثيله وتشكيله بالنظر إلى موقف الكاتب من العالم. وهذا ما جسده لافونتين في قوله الموحي: «لست عبدًا عندما أقلد»، وفي قوله المستوحى من عوالم بيتارك وسنيك وهوراس: «الشاعر مثل النحلة التي تصنع عسلها مما تأخذه عن الآخرين»(4).
يراهن أنصار التجديد على عدم إنتاج الواقع بالوسائل والأدوات المستهلكة والمتقادمة، وعلى إعادة قراءة أرسطو بالنظر إلى إيثاره الشعر (الانزياح عن الواقع، والإرهاص بالممكن) على التاريخ (التقيد بما حدث)، وعلى تمييزه بين «احتمال الوقوع» و«حقيقة ما وقع»، وبين ملفوظات الواقع وملفوظات التخييل.
إن التجديد -بحسب بيير برتراند- هو خلق شيء جديد من العدم بفضل الخيال. وهو -في نظر جاك دريدا- اكتشاف ما وجد من قبل. وهكذا يرى فيليب فوريست أن التقليد والتجديد يتبادلان الأدوار فيما بينهما وإن كانا يختلفان ظاهريًّا. كل طرف يستدعي الآخر: التقليد بالنسبة للمحافظين يفرض التجديد، والتجديد في نظر المحدثين يستند إلى التقليد. مع العلم أن «التجديد في تصور المحافظين لا يلتبس بمعنى التجديد عند المحدثين. التقليد كما يتمثله المحدثون لا علاقة له بالتقليد كما يتصوره القدامى»(5).
لا يتلاعب فيليب فوريست بالألفاظ بقلب مواقعها، بل يريد أن يؤكد حقيقة سبق لديدرو أن أدلى بها: «إن التقليد الجيد هو تجديد متواصل». ومجمل القول: إن فوريست لا يدعم أطروحة القطع مع النماذج القديمة، بل يصرّ على تمثلها ومساءلتها وتجديدها؛ سعيًا إلى اكتشاف «الثروات الخفية».
عملت البنيوية على استبعاد «المحاكاة الكلاسيكية»، وتحديد الحداثة بصفتها زمنًا لما بعد التمثيل، ونزوعًا إلى التعامل مع النص بطريقة محايثة احتفاءً بعالمه المغلق، وبشعريته التي تعد الموضوع الحصري للكتابة (ما يصطلح عليه بالنصيَّة (Textualisme)؛ أي النص في ذاته ومن أجل ذاته).
النص والواقع
يميل المؤلف فيليب فوريست إلى الاتجاه الأدبي الذي يدعم التمثل المضاد بصفته وجهًا من وجوه «الحداثة الجمالية» التي تشي بأزمة المحاكاة كما عبر عنها كل من مارسيل بروست: «تكمن الحياة الحقيقية في الأدب»، وبول فاليري: «لا وجود لمعنى حقيقي في النص»، وبول ريكور: «اللغة تتناغم مع ذاتها»، وألان روب غرييه: «ليس للكاتب الحقيقي ما يقوله»، وستيفان ملارميه: «موضوع أعمالي كلها هو الجمال، وما الموضوع الجلي إلا ذريعة للوصول إليه (الجمال)»، وشارل بودلير: «ليس للشعر من هدف غير ذاته». وهذا ما تَعزَّزَ بفضل تناسل مفاهيم من قبيل «الواقعية المضادة» أو «الواقعية العليا» (السوريالية) أو «الواقعية الجديدة» حرصًا على النأي بالنص عن الواقع، وجعله أكثر انغلاقًا على ذاته ومكتفيًا بمؤهلاته الجمالية والفنية التي تسعف على التجديد ومواكبة روح العصر، ومتسمًا بعمقه الداخلي «الذي تتجلى فيه الإنتاجية؛ أي الكتابة التي لا تختزل في معنى أحادي، بل في معنى يتآزر مع الحركة الجماعية (الاندلالية)»(6).
يتضح مما سبق أن موضوع جمالية النص هو الأدب «لاكتشاف ماهيته الخاصة، والتعبير عنها»(7). يجد اتجاه التمثيل المضاد ملاذه في عيِّنة من الأعمال التي تدعم صحة طرحه (روايات غوستاف فلوبير مثلًا)، في حين يجد أنصار التمثيل ضالتهم في أعمال كثيرة من قبيل روايات هنري دو بلزاك الذي كان يستعين بالتوثيق حرصًا على نقل الواقع بأمانة، وتقديم نظرة عامة عن البشر وقيمهم وعاداتهم في مختلف التجارب البشرية (التمثيل الشامل).
ينظر النقد إلى تجربة بلزاك من وجهات نظر متعددة. هناك بلزاك نذير الواقعية والتمثيل الواقعي، وهناك بلزاك كما صوره ألان روب غرييه (بلزاك الحداثي لعدم استقرار عوالمه الروائية، ولعدم توافقها، ولعدم استنفاد معانيها) ورولان بارت في كتابة «س/ز» وإن كان يعرض الواقع فرواياته تتسم بالعمق، وتخفي أسرارًا، وتخلق كائنات في هيئة الملائكة والوحوش. وهناك من يدرج بلزاك في عداد الرومانسية التي أرست دعامات الجمالية الحديثة (فيكتور هيغو، بلزاك، ستيفان مالارميه، فلوبير) ما بين عامي 1830م و1869م، وآثرت الرمز والسامي على المبتذل والمكرور. وفي السياق نفسه، تعامل الشعريون مع أعمال بلزاك وغيرها ليس بصفتها نقلًا للواقع، بل تمثيلًا لمظاهر وهمية بسبب تعذر اللغة على نسخ الواقع (ما يصطلح عليه بـ«وهم الواقع»). «لا يتخلى هذا النوع من المؤلَّفات عن إنتاج تمثيل للعالم (المأساة الجماعية والفردية الكبرى)، بل يَرْهَن التمثيل بالتخييلات التي تشكل الوعي (شعرية النص)، وباستخلاص حقيقة الهاوية التي تصب فيها وتتأتى منها الأشياء كلها (شعرية الواقع)»(8).
وهكذا يتضح أن الجمالية الحديثة تعتبر أن التناغم بين النص والواقع وهمًا، وتوطِّد مفهومًا جديدًا لبيان القطيعة بينهما (اللاتناغم الجذري) بدعوى أن التجربة البشرية تظل دومًا هاربة ومقاومة، وتند عن احتوائها بطريقة شاملة ونهائية بحسب فرنسي بونج Franci Ponge «هذا الكلام يتكلم «ضد الكلام»، وتتموضع جماليته في شكل بديل يحضن جانبًا من الوضع البشري الذي لا يمكن أن يستوعب باللغة العادية»(9).
لا يراهن الطرح المغرق في تعزيز «جمالية النص» على إفراغ الأدب والفن مما يتضمَّنانه من محتويات وأفكار، وعلى تجريد الكتَّاب من مواقفهم حيال الوجود، بل يدافع أصحابه (الطرح) عن وجهة نظر خاصة بهم تميزهم عن المدافعين عن «الانعكاس» و«التمثيل» و«إعادة الإنتاج». وفي هذا الصدد، قال رامبو: «الشاعر هو عَالِمٌ سام»، وزكَّى فردريك شليغل التقارب بين الأدب والفلسفة إلى حد تلاحمهما: «يجب على الفن أن يصبح علمًا، كما يجب على العلم أن يصبح فنًّا. ينبغي للشعر والفلسفة أن يتلاحما»(10). وهذا ما يدعم فكرة أن الأدب ليس لعبًا لفظيًّا، بل هو تعبير عن الحقيقة. كل ما في الأمر أن مناصري طرح «جمالية النص» يحرصون -في توجههم- على التمييز بين التمثيل والتمثيل المضاد، وبين ما وقع وما يجب أن يكون، وبين المعايير الجمالية الثابتة والمعايير الجمالية المتغيرة، وبين اللغة التي تراهن على تكريس الواقع واللغة التي تسعى إلى قلب المواضعات المتوارثة.
أفضى هذا النقاش إلى «تسييس الأدب» من منظرين مختلفين: من يتعامل مع الأدب بصفته رديفًا أو تابعًا لمواقف أيديولوجية، ومن يعده أداة مستقلة لإعادة التفكير في العالم بطرائق مغايرة. وفي هذا السياق، تندرج مؤلفات كان لها دور كبير في إرساء المنزلة الجديدة للأدب في العصر الراهن؛ ومن ضمنها الكتاب الجماعي الذي ألفته جماعة (تل كيل Tel Quel) «نظرية المجموعة»، وأكد أحد المساهمين فيه، فيليب سولرس أن: «الكتابة استمرار للسياسة بوسائل مغايرة»(11)، ثم الكتاب الذي ألفته جوليا كرستيفا «ثورة اللغة الشعرية» محدثة قطيعة مع الممارسة الخطابية التقليدية، ومرهصة بـ«ممارسة خطابية جديدة في تلاؤم مع الممارسة السياسية الجديدة»(12)، وسبق لأندريه بريتون أن أجمل -في قول موحٍ له عام 1935م- طبيعة العلاقة التي تربط الأدبي والسياسي مع احتفاظ كل طرف بدوره ووظيفته في استقلال عن الآخر. «تغيير العالم» بحسب كارل مارس، و«تغيير الحياة» بحسب رامبو: هما -بالنسبة لنا- وجهان لعملة واحدة(13).
نهاية الأدب
حققت مؤلفات فرنسوا ليوتار نقلة نوعية من إبدال الحداثة إلى إبدال ما بعد الحداثة، وأحدثت قطيعة مع مفهوم التمثيل، وأحلّت محلّه مفهوم التصنع. أصبح الواقع فُرجة وتصنعًا؛ لأنه لم يعد له وجود إلا من خلال الصورة. تلاشى ومات لكن دون أن يهتدى إلى جثته (جريمة محكمة). أضحى وهمًا في أذهاننا، يخفي عنا الحقيقة- الوهم التي تتجسد في هيئة «الحلم» بحسب شكسبير أو «الكهف» بحسب أفلاطون.
بانتصار الفرجة توترت الحدود بين مقولات «التحقق» بدعوى صعوبة التمييز بين الحقيقي والمزيف، بل اختلت الموازين بينهما إلى درجة أن المزيف أضحى يشغل مهمة الحقيقة التي فقدت هالتها وأصالتها.
يدعو طرح جون بودريار إلى التفكير في آخر مرحلة من الاستلاب، والقطع مع المعتقدات السابقة التي صاغتها «السرديات الكبرى» على مقاسها، والنأي عن التصورات الغائية التي تعد بعوالم فضلى. من بين العناصر التي قامت عليها ما بعد الحداثة هو التوفيق بين الأضداد (القديم/ الجديد، الأعلى/ الأسفل، الحاضر/ الماضي)؛ سعيًا إلى تكريس موقف تركيبي نجد أنفسنا -في كل المراحل- أمام الصيغة العسكرية التي تقتضي الانسحاب أو الاستخلاف. لا يتحقق الخلف إلا باستثمار الجوانب المنيرة في الماضي، وإعادة صياغتها وتشكيلها وفق متطلبات العصر. وفي هذا السياق ظهرت الطبيعية الجديدة (néo-naturalisme) التي يعتني أصحابها بالبساطة والتلقائية والبوح المباشر والكتابة البيضاء تطلعًا إلى إثارة القضايا النفسية والأيديولوجية التي تشغل الرأي العام اليوم. وفي عدادهم تندرج السير الذاتية التي ألفتها آني إرنو بلغة بسيطة ومباشرة (أسلوب الحد الأدنى) سعيًا إلى إيصال إلى القراء جراحها الرمزية وصدماتها النفسية الناجمة عن وضعها الاجتماعي والثقافي بصفتها «مهاجرة داخلية» أو «محللة اجتماعية».
كثيرة من المؤلفات النقدية بارت عناوينها ومحتوياتها على «نهاية الأدب وأفوله» بدعوى عدم فائدته وفاعليته في الوقت الراهن. لكن يتأكد من التجارب السالفة أن كل نهاية ترهص ببداية جديدة. وهكذا أصبحت النهاية في نظر جاك دريدا «فرمكون» أو سمًّا وترياقًا في الآن نفسه. تموت وتحيا بحسب الظروف والحاجات. لا شيء يطمس بشكل نهائي. فما أصبح في عداد النسيان والموت يبعث من مرقده لحاجة الناس إليه في مقامات جديدة. ومن ثم تبرز بدايات جديدة وأساسية كأن شيئًا لم يقل من قبل وفق ما يوحي به عنوان الكتاب، وكأن الحاضر يعد بمستقبل يخلق من جديد.
بالحداثة لا يتوقف العالم عن التغيير. وهو ما يقتضي منا تغيير تصوراتنا وآرائنا، وأنماط عيشنا، وأشكال حياتنا، وإثبات «بأننا حاضرون في الزمان»(14)، وتأكيد أن الزمن الحديث هو القطيعة مع الذات ونفيها باعتماد النقد البناء. وهو ما يؤكد ملاءمة قول بودلير: «التمجيد البطولي للحاضر» سعيًا إلى فهمه ونقده واقتراح بدائل متطورة. إن الانتماء إلى الحاضر بذهنية الطليعي والحداثي هو بمنزلة «السلبية الشاملة» إزاء الخطابات والأشكال السائدة التي تحتاج إلى المساءلة والنقد تطلعًا إلى مواكبة العصر، وتجديد نسغ الحياة، وتطوير أشكال التعبير وأجناسها، وتحقيق المصالحة بين الأدب والواقع المتغير.
هوامش:
(1) Philippe Forset, Rien n’est dit, Moderne après tout , Seuil,2023.
(2) أستاذ جامعي وباحث ولد في باريس عام 1962م. من مؤلفاته النقدية: فيليب صولرس (1992م)، ألبير كامو (1992م)، تاريخ تل كيل (1995م)، الرواية والواقع وأبحاث أخرى (2007م)، الرواية وضمير المتكلم (2009م). ومن رواياته: الطفلة الخالدة (1997م)، طوال الليل (1999م)، الفيضان، (2016م) النسيان (2018م)،.
(3) ibid.,p.52.
(4) Ibid.,p.74.
(5) Ibid.,p.81.
(6) Ibid.,p.92.
(7) Ibid.,p.94.
(8) Ibid.,p.204.
(9) Ibid.,p.208.
(10) Ibid.,p.222.
(11) Ibid.,p.236.
(12) Ibid.,p.236.
(13) Ibid.,p.236.
(14) Ibid.,p.415.
بواسطة عيسى مخلوف - كاتب وشاعر لبناني يقيم في باريس | مايو 1, 2024 | مقالات
كانت الساعة الواحدة والنصف تقريبًا حين انتهت نشرة الظهيرة على القناة الثانية الفرنسية، وكان الخبر الأخير فيها عن وصول خورخي لويس بورخيس إلى باريس آتيًا من إيطاليا حيث حاز على جائزة «تشينو ديل دوكا» التي تهدف إلى تعزيز دور الفنون والآداب والعلوم. اتصلتُ من فوري بمنشورات «غاليمار» الباريسية التي تُعنى بنشر كتبه في فرنسا، وسألتُ عن مكان إقامته، فكان الجواب: «فندق «الفندق» في شارع الفنون الجميلة».
توجهتُ إلى هناك بعد أن اتصلتُ بالمصور الفوتوغرافي عزيز خلاط من أجل أن يلاقيني. كان ذلك في شهر حزيران/ يونيو من عام 1980م، وبورخيس قد تجاوز الثمانين من العمر. كنتُ يومذاك هاربًا من الحرب الأهلية في لبنان، وكنتُ طالبًا في السنة الجامعية الأولى في جامعة السوربون، وأعمل في القسم الثقافي في أسبوعية «النهار العربي والدولي» التي كان يشرف عليها الشاعر أنسي الحاج.
وصلتُ أمام باب الفندق المحاذي لـِ«معهد الفنون الجميلة» ووجدتُ كثيرًا من الإعلاميين والمصورين الفوتوغرافيين في الخارج. ألقيتُ نظرة على واجهة الفندق الذي توفي فيه أوسكار وايلد، وحيدًا وفقيرًا، تاركًا وراءه كلمات قليلة من رسالة غير مكتملة. توجهتُ إلى مكتب الاستعلامات وعبرتُ عن رغبتي في الوصول إلى بورخيس لإجراء حوار معه. نهض الموظف من مكانه، وأشار بيديه الاثنتين إلى الإعلاميين والمصورين حولنا، وقال: «هناك مَن وصل منذ الصباح الباكر». سألته إن كان في الإمكان أن أترك له رسالة، فرد قائلًا: «سأتصل بالسيدة ماريا كوداما التي ترافقه وأبلغها بحضورك».
ما إن سمعت اسم ماريا كوداما حتى تذكرتُ الإهداء الذي قدمه لها بورخيس في مجموعة شعرية عنوانها «الرقم»، وحفظتُه لأنه بدا لي أحد أجمل الإهداءات: «كل هِبَة حقيقية هي هِبَة متبادلة. الذي يعطي لا يحرم نفسه مما يعطي. العطاء والأخذ شيء واحد. إن إهداء كتاب ما، هو، ككل أفعال الكون، فعلٌ سحري ننظر إليه بوصفه الطريقة الأجمل للتلفظ باسم. وها أنا الآن أتلفظ باسمك، ماريا كوداما…».
بعد انتظار دام أكثر من نصف ساعة، وصلت المرأة الشابة النحيفة. عرفَت بنفسها وعرفتُها بنفسي، ورحتُ أتلو على مسمعها مطلع ذلك الإهداء الخالد، ثم أخبرتها برغبتي في لقاء بورخيس، فأشارت هي أيضًا بيديها الاثنتين إلى الذين كانوا ينتظرون منذ ساعات طويلة، وقالت بصوت خفيض: «من المستحيل أن يلتقوا بورخيس لأنه متعب جدًّا، وغدًا يتابع رحلته إلى الأرجنتين». تفهمتُ الوضع، لكني ختمتُ بطلب صغير هو أن تبلغه أنني كنتُ أتمنى رؤيته فقط، أنا الآتي من بلاد «ألف ليلة وليلة»، المقيم في باريس، وقارئ كتبه بلغته الإسبانية. وها هي تغيب عني قليلًا لتعود وتخبرني أنه في انتظاري وأن الباب مفتوح، وطلبَت ألا يستغرق اللقاء أكثر من دقائق معدودة.
ممددًا بثيابه على السرير
وصلتُ إلى الغرفة 10 في الطابق الأول. طرقتُ الباب ودفعتُه بيدي لأراه أمامي ممددًا بثيابه على السرير. كان يرتدي قميصًا أبيض مع ربطة عنق سوداء وسروالًا رمادي اللون. أخبرته من فوري أنني بمُرافقة مصور «النهار العربي والدولي» عزيز خلاط. فتحرك في مكانه واستوى جالسًا على حافة السرير، وقبل أن يدعونا إلى الجلوس، طلب مني أن أساعده في ارتداء سترته، بينما كان يردد بشيء من المزاح: «لا بد منها لتكون الصورة أجمل». وسألني: «ماذا تريدني أن أقول وأنا لستُ واثقًا من أي كلمة أتلفظ بها؟». ثم تناول عصا سوداء كانت مركونة إلى جانب السرير، وقال بصوت مُتعَب: «إنها عصا صينية قديمة اشتريتُها منذ خمسة أشهر. هل أعجبتك؟» كانت عصا مدببة الأطراف وجميلة بالفعل. قلتُ له: لا أدري لماذا ظننتُ عندما رأيتها أنها من محل «ألكسندرا سُوفر»، في جادة السان جيرمان القريبة من الفندق، وهو محل باريسي مخصص لبيع المظلات والعصي الفاخرة. وأخبرته بأنه افتُتح في عام 1834م، وعُرضت مرةً في إحدى واجهاته
عصا الشاعر الفرنسي بول فيرلين. رد فجأةً: «بول فيرلين أحد أحب الشعراء الفرنسيين إلى قلبي». سألته: لماذا؟ فأجاب: «لأن قصائده أغنيات». لم أفهم ماذا كان يعني بالتحديد، ولم أسأله لأترك الوقت القليل المتبقي لأسئلة أخرى
أكثر إلحاحًا. لكني وجدتُ نفسي أتلفظ باسم أرتور رامبو كما لو أنني أريد أن أتأكد من مفاضلة بورخيس بين فيرلين ورامبو. رامبو الذي كان، يومذاك، اكتشافي الشعري المدهش. لكن بورخيس سرعان ما تابع كلامه عن فيرلين وهو يردد مطلع واحدة من قصائده الشهيرة: «يتحرك البكاء في قلبي، كما يهطل المطر على المدينة». صحيح أن فيرلين، في جانب من شعره، كان يقترب من الغناء، وكان صاحب جمالية شعرية خاصة، لكنه كان بعيدًا من سحر القصيدة الرامبوية الآتية من مكان لم تعرفه القصيدة الفرنسية من قبل.
جئتُ إلى بورخيس لأسأله، وفي ذهني عشرات الأسئلة، وإذا به هو الذي يسأل. يتوقف عند كل كلمة وينسج خيوطًا حول نَولها. كل كلمة لديه مدخل لمكتبة، ولمتاهة لا تنتهي. فرغَ المصور من التقاط الصور، ثم ودعنا وغادر الغرفة. مر الوقت ولم تأتِ ماريا كوداما لتضع حدًّا لهذا اللقاء.
تابع بورخيس حديثه. حين وصل إلى «ألف ليلة وليلة» التي قرأها أول مرة بترجمتها الإنجليزية التي وضعها ريتشارد بورتن، ذكر اسمها بين الكتب التي كانت في أساس معمار قراءاته وكتاباته. قال: إنها تركت أثرًا عميقًا في حياته، وإنه أحبها لغرابتها وللسحر الذي تشي به، هذا السحر الذي يحوم حول نتاجه بأكمله. وهو لا يجمع بين الوقع والخيال فحسب، بل يذهب أبعد من ذلك حين يرى أن البُعد الغرائبي يؤلف عنصرًا أساسيًّا من الواقع نفسه؛ لذلك فهو يتعجب منه ومما يولده من تصورات وأحلام.
قبل مجيئي إليه، كنتُ قرأتُ من جديد قصيدته «استعارات ألف ليلة وليلة» وقد اختزلها بأربعة أبواب، سأثبتُ هنا مَطالعها: «الاستعارة الأولى هي النهر والمياه العظيمة. البلور الحي المحتضن روائع ثمينة/ كانت من الإسلام، وأصبحت لكَ اليوم ولي. الاستعارة الثانية نسيجُ/ سجادةٍ تَعرضُ للعين/ سديمًا من ألوان وخطوط/ يحكمها نظام خفي. الاستعارة الثالثة حُلم البشر حتى نهاية رحلتهم. الاستعارة الرابعة خريطة للزمن، ذلك المدى اللامحدود/ به يقاس تدرج الظلال/ تَفَتت الرخام المتواصل/ وخُطى الأجيال».
ضمن هذه الرؤية، ينظر بورخيس إلى نفسه وإلى العالم من حوله. في كتابه «تقرير برودي»، ثمة قصة قصيرة عنوانها «اللقاء» تنطلق من السؤال الآتي: هل الرجال هم الذين يستعملون السكاكين حين يتعاركون، أم العكس؟ في هذه القصة، يُبَين بورخيس أن الأسلحة هي التي تنجو دائمًا من جحيم المعارك، لا البشر، كأنه يقول: إن هؤلاء أسرى شرطهم الوجودي، ورهن لغرائز الدمار والموت، ومجرد أدوات فحسب. انطلاقًا من هذا التصور، يطرح بورخيس علامات استفهام كبيرة على عالم من الغموض والألغاز. في إحدى المرات، سأله المدعو دومينيك أربان في حوار معه:
حدثني عنك، خورخي لويس بورخيس.
ماذا تريد أن أحدثك عني وأنا لا أعرف شيئًا عن نفسي ولا حتى عن تاريخ موتي.
هذا الجانب العبثي -حتى لا أقول العَدَمي- في فلسفة بورخيس، نتبينه في نتاجه الأدبي، في محاضراته ومواقفه. أليس هو القائل: «ماذا يمكن أن يحدث لنا أفضل من الزوال والنسيان؟ ما همني ما سيصير إليه اسمي طالما أن كتابًا مثل «ألف ليلة وليلة» لا يُعرَف من يكون كاتبه؟». يحيلنا هذا الكلام إلى شطحات عمر الخيام، وإلى كلمات وردت في رسالة كتبها أحد رموز عصر الأنوار، الفيلسوف الفرنسي دوني ديدرو، في عام 1758م، إلى صديقه فولتير: «سيأتي يوم يختلط فيه الرماد بالرماد. ما الذي يعنيني، عندئذ، إن كنتُ فولتير أم ديدرو، وإن كانت الحروف الثلاثة من اسمكَ أم من اسمي هي التي ستبقى؟ علينا أن نعمل. على الواحد منا أن يكون مفيدًا».
صمته إزاء القمع
تحدث بورخيس أمامي عن الشعر والعمى، عن مكتبة والده وقراءاته الأولى، وعن الشرق، ليتساءل عما «إذا كان الشرق، اليوم، حاضرًا وموجودًا بالنسبة إلى الشرقيين أنفسهم؟!». وعن صمته إزاء القمع، قال: إن له حق العيش في بلده من دون أن ينادي بأي فكرة سياسية، وإن موقفه وعائلته كان واضحًا في أربعينيات القرن الماضي عندما تسلم بيرون الحكم. «لقد أُوقِفَت والدتي وشقيقتي لأنهما شاركتا في تظاهرة ضد نظامه، وخسرتُ أنا منصبي مسؤولًا عن مكتبة بوينس آيرس». لم يركز الحوار مع بورخيس على نقطة محددة يتناولها بعمق لسببين: الأول، عدم معرفتي منذ البداية باستعداده لحوار طويل، هو المُتعب من رحلة السفر، والسبب الثاني، جهلي بالوقت المتاح لي، علمًا أننا تجاوزنا البرهة المحددة مسبقًا. لهذين السببين، جاء الحوار جولة سريعة في نتاج الكاتب وتجربته، كأنه رحلة خاطفة من الجو فوق مساحات شاسعة.

على المستوى الشخصي، كان هذا اللقاء مدخلًا لتعمقي في نتاج الكاتب الأرجنتيني، وتخصيص كتاب له عنوانه «الأحلام المشرقية/ بورخيس في متاهات ألف ليلة وليلة»، ويتمحور هذا الكتاب حول علاقته بالموروث العربي ضمن ثقافته الموسوعية ككل. لقد نشرتُ في القسم الثاني منه قصائد ونصوصًا، نقلتُها عن الإسبانية، وتفصح عن علاقته تلك، وكيفية توظيفها في أدبه. من النصوص التي نقلتها في هذا المجال: «الملكان والمتاهتان»، «ابن رشد واقتفاء المعنى»، وكذلك «الوردة اللامتناهية» التي تبدأ بعبارة: «سنة خمسمئة للهجرة»، وتنتهي بالقول: «أعمى أنا ولا أعرف شيئًا، لكني أتوقع أدق المسالك». يقول أيضًا: «أنشدتُ أُرجُوان صُور، أمنا./ أنشدتُ نتاجَ الذين اكتشفوا الأبجدية/ وحَرَثوا المياه. أنشدتُ مَحرَقة الملكة/ الشهيرة. أنشدتُ الصواري والمجاذيف/ والآلام المُبَرحة».
قبل أن أودعه، استوضحته عن خبر قرأتُه في إحدى المقالات وجاء فيه أنه لا يوجد كتاب واحد من كتبه على رفوف مكتبته الخاصة، فهل هذا صحيح؟ أجاب وهو ينظر إلي بعينين مفتوحتين لا تريان: «مَن أنا لتكون كتبي إلى جانب كُتب أُوفيد ودانتي أليغييري وثربانتس وحكايات «ألف ليلة وليلة»»؟
سليل كوكبة من الكتاب العميان
خرجتُ من غرفته وأنا أتساءل: من يكون، فعلًا، هذا الكائن المتزهد، سليل كوكبة من الكتاب العميان، من هوميروس وأبي العلاء المعري إلى ميلتون صاحب «الفردوس المفقود»؟ من يكون هذا الذي ينظر إلى نفسه بصفته نقطة في أوقيانوس شاسع بلا حدود؟ أليس الذي يرى، إلى هذا الحد، عُمق الأشياء، ظهورها وأفولها، هو الذي يتحسس مقياس وجوده في الزمان، وهو القائل: «لا أحد يستطيع أن يعرف ما إذا كان العالم خياليًّا أو حقيقيًّا، وما إذا كان ثمة فرق بين ما نعيشه وما نحلم به». الذي قرأ قبل إصابته بالعمى، وظَل هناك من يقرأ له لاحقًا، ابتلع الكتب بنَهم نادر ومدح وجودها في الحياة، وقال عن القراءة: «القراءة تستكمل الكتابة وهي مُهمة أكثر ثقافة منها»، ويضيف: «ليتبجح الآخرون بالصفحات التي يكتبونها، فأنا فخور بتلك التي قرأتُها».
الكتب والحروف هي، كالمتاهات والمرايا، جزء من عالم بورخيس الغريب والمتخيل. وهي، هنا، كائنات قائمة بذاتها ولها حيوات خاصة، يتلمسها الكاتب ويتساءل: «كيف لا تمتزج في الليل حروف كتاب مُغلَق». هذه العلاقة بالحروف حاضرة في الموروث العربي، من خلال نتاجات عدد كبير من الكتاب والشعراء والخطاطين والفلاسفة، ومن بينهم، بشكل خاص، محيي الدين بن عربي الذي غاص في باطن الحروف وأسرارها، وله كتاب بعنوان «كتاب الألف». وليست مصادفة أن يكون بورخيس قد اختار حرف «الألف» عنوانًا لأحد كتبه. الألف، بالنسبة إليه، إشارة إلى الكون اللانهائي، أو المكان الذي توجد فيه جميع الأماكن، من دون الخلط بينها، وفي المستطاع رؤيتها من جميع الزوايا.
كتاب «قصص خيالية» الذي صدر في عام 1944م، يحتوي على قصة بعنوان «مكتبة بابل»، تحكي عن مكتبة تضم الكُتب كلها. يُمعن المؤلف في وصف ممراتها ورفوفها وهندستها الغرائبية. تُصبح المكتبة، بحسب رأيه، صورة للكون بصفته تجريدًا منظمًا، ويصبح «التاريخ شبيهًا بقراءة كتاب». هكذا، يكون بورخيس قد تحدث عن مكتبة كونية قبل اختراع الإنترنت. كأن راوي الحكايات الماورائية، ضابط عقارب الثواني والساعات وفقَ هواه، يُصالح الواقع والمتخيل ويرأب الصدع بينهما!
ماريا كوداما التي أصبحت زوجته قبل شهرين من وفاته، ووريثته الشرعية، شوشت على نتاجه مرتين: المرة الأولى، حين صدرت الطبعة الفرنسية لمؤلفاته الكاملة، في جزأين، عن دار «غاليمار» الباريسية، ضمن سلسلتها العريقة «لابْلياد»، في عامَيْ 1993م و1999م، وصودرت هذه الطبعة لمدة من الوقت ولأسباب ظلت غامضة، إلى أن كشفت الدار أنها اضطرت إلى سحبها من المكتبات بطلب من أرملة الكاتب التي لم تعترف بأهمية العمل الذي أنجزه جان بيار بيرنيس، الباحث والدبلوماسي الفرنسي وأحد أبرز مترجمي بورخيس والعارفين بنتاجه. وهو الذي جمع أعماله وحققها في سياق نقدي توثيقي، وكان أحد أكثر المقربين إليه على المستويين الأدبي والإنساني. أما المرة الثانية، فكانت مع رحيلها في السادس والعشرين من شهر آذار/ مارس من العام الماضي. رحلت ولم يُعثر حتى الآن على أي مُستَنَد عن تركة الزوجين، وهذا ما أثار قلقًا في الوسط الثقافي في الأرجنتين ولدى جميع المهتمين بالإرث الأدبي لصاحب «كتاب الرمل». لكن هذا الإرث سيظل، رغم العراقيل، يَغور في باطن الأرض كالينابيع ليعود ويتفجر من جديد.
أشير، ختامًا، إلى أنني ما زلتُ أتردد باستمرار، وحدي أو مع أصدقاء، إلى فندق «الفندق»، القريب من متحف اللوفر الواقع على الضفة الأخرى لنهر السين. في أعلى الواجهة الحجرية للفندق، إلى يمين المدخل، وُضعَت لوحة تذكارية تحمل اسم بورخيس، بجانب لوحة أخرى، إلى اليسار، حُفِر عليها اسم أوسكار وايلد. لا بد من المرور بهذين الاسمين للوصول إلى الداخل الذي بقيت مكوناته على حالها، وكذلك الشخوص الملحمية المنقوشة في فضاء دائري تلفحه إضاءة صفراء خافتة، وأرضية رخامية تمثل كوكبًا مضلع الشكل. هذا الداخل هو أيضًا جزء من عالم بورخيس المُركب الذي فتح، من خلال منجزه الأدبي، آفاقًا جديدة تمنح الحالمَ جناحين، وفاقدَ البصر القدرة على الذهاب أبعد من البصر.
بواسطة عبدالجبار الرفاعي - كاتب عراقي | مايو 1, 2024 | مقالات
المخيلة منجم الإبداع البشري، كل شيء يضيق فيه الواقع يتمكن الإنسان من تخيله. لا ينفرد الإنسان بالعقل وحده، بل ينفرد بملكة الخيال أيضًا. بواسطة التخيل أصبح الإنسان كائنًا يتطلع للمستقبل، ويرسم خريطة لتطوير أحواله والتقدم للأمام. يؤكد غاستون باشلار «أهمية المخيال والأحلام الشاعرية للعقل العلمي». (يمنى طريف الخولي، مشكلة العلوم الإنسانية تقنينها وإمكانية حلها، ص 16، 2014م، مؤسسة هنداوي للثقافة والعلوم، القاهرة). فلولا الخيال للبث الإنسان يكرر كل شيء، في طريقة عيشه وطعامه ولباسه وتأمين احتياجاته المتنوعة كما يفعل الحيوان، ولم يتمكن من إنتاج العلوم والمعارف والتقنيات والثقافة والآداب والفنون والحضارات.
الواقع لا يطاق، ولولا الخيال لمات الإنسان مفجوعًا. عالم الخيال أوسع وأثرى من الواقع. يتسع الخيال لما يضيق به الواقع. الواقع مفروض على الإنسان، أما الخيال فيمكن أن يتصرف فيه الإنسان بالخلق والإبداع كيف يشاء. السعادة ومباهج الحياة المفقودة في الواقع يمكن أن يتذوق الإنسان شيئًا منها في المتخيل.
تنشط المخيلة وتتضخم صورها لحظةَ تخوض في عالَم المجردات، وتتدفق وتنبعث فاعليتها لحظةَ تغوص في الوقائع التاريخية القديمة، وتحاول أن تتمثل أحداث قصص تنتمي إلى ماض اندثرتْ معالمه الأثرية، واختفى مكانه وزمانه عن الأنظار. كلما ابتعد الدين من لحظة التأسيس لم يعد الواقع كافيًا لإشباع مخيلة الأتباع؛ لأنهم يرون الواقعَ ضحلًا واضحًا، لا لغز فيه، ولا يبوح بسر. الإنسان الديني مولعٌ بالمفارق للمادة، ينجذب لما ينطوي عليه من حيرة وغموض وإبهام وسحر. وينتهي ذلك إلى تضخم المجرد في المخيال، وقوة حضوره في الحياة.
مملكة العقل وملكة الخيال
باستثناء أفلاطون الذي تحدثَ عن الخيال، كان الاتجاه العقلي السائد في الفلسفة اليونانية ينظر للخيال بوصفه: «الجانب الخادع في النفس الذي يقود إلى الخطأ والزلل». (هلال، محمد غنيمي، الرومانتيكية، ص15، 1955م، نهضة مصر للطباعة والنشر، القاهرة)، كأنه يرادف اللاعقلاني والتوهم. منذ ذلك الوقت ظل الخيال منسيًّا، وكان يحذر منه الفلاسفة بوصفه ضد التفكير العقلي. عززت فلسفة ديكارت مركزيةَ العقل وكرست تغييبَ التخيل، وتضييقَ آفاق المعرفة وحصرَها في حدود العقل خاصة. إيمانويل كانط (1724- 1804م) أعاد للتخيل نصابَه، وأخرجه من مدلوله الميتافيزيقي عند أفلاطون، واستوعبه في المعرفة، وتنبه إلى فاعليته الخصبة في توليد المعرفة وإثرائها. لم يعد التخيل ضدًّا ولا حتى رديفًا للعقل، بل اتسع به فضاء العقل.
مع كانط اتسعت مملكة العقل لاستيعاب مَلَكة الخيال، واكتشاف مصدر غزير لإنتاج المعرفة، لم تمنحه الفلسفة اهتمامًا يتناسب وأهميته قبل ذلك. بعد كانط اهتم الفلاسفة الألمان بالمتخيل، وذلك ما نقرؤه في أعمال: شيلنغ، وشوبنهاور، وهيغل، ونيتشه، وهنري برغسون، وإدموند هوسرل، وهايدغر، وغادامير، ومعهد العلوم الاجتماعية في فرانكفورت، وسارتر، وغيرهم، إلى بول ريكور وأعماله المتعددة حول المخيال والسرد. في مدرسة التحليل النفسي فتح سيغموند فرويد آفاقًا جديدة لجذور دراسة المخيال في اللاوعي، وجاء كارل غوستاف يونغ واكتشف منابعَ المتخيل في اللاوعي الجمعي، ودرس الصورةَ والرمزَ والأسطورةَ والأنموذجَ الأصلي. وأضحت دراسة المتخيل وفاعلياته الأساسية في إنتاج المعرفة حقلًا أساسيًّا في الفلسفة وعلم نفس المجتمع وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والألسنيات وعلم اللغة والميثولوجيا. وتطورت دراسات علم اجتماع المخيال، وظهرت أبحاث ثمينة حول دراسة أثره في تشكل الأديان والفرق والمذاهب والجماعات وتوالدها.
في المخيال يولد الشعر والإبداع الأدبي والفني، والعلوم والمعارف والتقنيات. وتولد الأديان في المخيال ولادةً ثانية بموازاة ولادتها الأولى على أيدي المؤسسين، الولادة الثانية تتشكل فيها الأديان على شاكلة المخيال. المكان والزمان مقدسان في المخيال الديني، وهما غير المكان المادي والزمان الفيزيائي الخاضعين لكل مشروطيات التاريخ الأرضية وعوامل إنتاجه وتشكله وصيرورته. المتخيل موطن صناعة المعنى الديني، تتسع آفاق هذا المعنى ويتمدد ويتضخم بنحو يتجاوز آفاق وحدود ولادة الدين الأولى، وبالتدريج تطغى الصورة اللاحقة للدين الذي تشكل في المتخيل وتتقلص صورته الأولى. يتغذى المتخيل من شبكة الصور الراقدة في اللاوعي الجمعي، المترسبة مما تنتجه سرديات الجماعة، وتأويل الجماعة لكل شيء يتصل بنشأتها وتحولاتها ومختلف وقائع تاريخها. يتوالد المتخيل ويتغذى وينمو ويتجذر، ويتشعب كنسيج متشابك يتراكم ويتكثف على الدوام.
أثر المتخيل في الدين
كما يكون الخيال منبعًا للإلهام والطموح والأحلام والفنون والآداب، ويخفض من القلق الوجودي والملل والسأم والضجر، يكون الخيال منبعًا للخرافات، وللخوف والقلق، وتقديس غير المقدس، وكل ما يعطل العقلَ ويعبث بالحياة. لا يضع المتخيلَ في حدوده إلا يقظة العقل ومرجعيته في النفي والإثبات. مَن يمتلك المنابعَ المغذية للمتخيل الجمعي يتحكم بنظام إنتاج المعني في حياة الجماعة، ويتحكم بتوجيه حاضرها ومستقبلها.
تجاهل دراسة أثر المتخيل في فهم الدين وتفسير وظيفته أحد أبرز الثغرات عند مفكري الإسلام في العصر الحديث. اكتشاف جغرافيا المخيال وفاعلياته ضروريةٌ للكشف عن نشأة وتطور الأديان، وأثر مخيلة الجماعة في إنتاج المعنى الديني، وكيفية ولادة وتضخم مخيلتها في سياق: رغباتها، وأمنياتها، وأشواقها، وأحلامها، وأوهامها، ومسعاها للتعويض عن كل ما تعجز عن إنجازه في عالمها الأرضي، بنحو يمسي ذلك المتخيل شديدَ التأثير في حياة الفرد والجماعة، وربما يطغى تأثيره، فيسيطر عليها ويأسر حاضرها ومصايرها.

تجاهل دراسة المخيال يجهض المساعي الجدية للتجديد، لا ينجز التجديد شيئًا من وعوده من دون ذلك. بالإمكان إعادة إنتاج المتخيل الديني، وإن كانت شروط إنتاجه تتطلب جهودًا تخرج عن قدرة الفرد. المتخيل الديني متجذرٌ في اللاشعور الجمعي، مَن يفكر بتدين عقلاني يظل عاجزًا عن إعادة إنتاجه في ضوء رؤيته؛ لافتقاره إلى الوسائل اللازمة لإنتاجه وتشكله. المؤسسات الدينية والمجتمعية والسياسية هي من تمتلك تلك الوسائل، ولا يمتلكها إنسانٌ واحد خارج إطارها. المخيال ينمو ويزدهر في مناخات التدين الشعبي، وهو تدين يتوارى فيه العقل. روافد تشكل المتخيل لا تخضع للعقل ولا تستفتي حججَه، ولا تحتاج أدوات استدلالاته بالضرورة. تهرب من العقل، وتعمل على تحصين نفسها بوسائلها الخاصة لئلا يفككها ويقوضها، وهي محصنةٌ منه على الدوام؛ إذ تحتضنها مشاعر يختفي العقل فيها وراء العواطف والانفعالات والهواجس والمخاوف.
كل مجتمع يصنع متخيله على شاكلة معتقداته وسردياته ورؤيته للعالم وتأويله لتاريخه، ليعود المتخيل فيعيد بناء رؤية ذلك المجتمع للعالم في سياق رغباته وطموحاته وأحلامه. أنتج المتخيل الجمعي للمجتمعات عبر التاريخ قصص الهلاك الشامل، تعبيرًا عن رغبات ورهاب بشري مكبوت، وما يشي بفناء عالم أكلته الشرور والحروب والطغيان والقبح، وشغفٌ لا يكف عن أشواق العودة إلى بدايات الخلق الصافية النقية، حيث صارت صورة ذلك العالم على وفق المتخيل كلها خير وعدل وجمال وسلام. كما يشرح ذلك عالم الأساطير ميرسيا إلياد.
خيال الجماعة يتشكل ويتغذى بأدواته وروافده الملهمة، وأكثرها خارج العقل، وهي بارعة بشحذ المشاعر وتأجيج العواطف وإثارة الغرائز. ليس هناك وسيلة لترسيخ المعتقدات أيسر وأسرع وأشد تأثيرًا من إثراء المتخيل وتنميته والضخ فيه باستمرار، وتلك وسيلة الأديان والمعتقدات والأيديولوجيات، وإن كانت تختلف باختلاف منظورات الأديان وثقافات المجتمعات، ووسائلها وقدرتها على التعبئة والتحشيد.
التاريخ في فضاء المخيال
يرسم المخيال صورة للتاريخ في ضوء أفق أحلام وتمنيات الجماعات، لا كما عاشه الناس وحدثت الوقائع. تنتج الواقعة التاريخية متخيلًا بموازاتها، هذا المتخيل يعبر عن تمثلات للواقعة يرسمها أفق انتظار الجماعة وضميرها ورؤيتها للعالم ولا وعيها الجمعي. يسرد المتخيل روايتَه للتاريخ، ويرسم صورته المفارقة للواقع والعابرة لسياقات الزمان والمكان التاريخي، ويعاد في هذه الصورة رسم ملامح المعتقدات والوقائع والشخصيات والجماعات في فضاء المخيال. يفضي ذلك أخيرًا إلى ضياع صورة الواقعة كما حدثت، وإهدار معنى التاريخ. هنا يأتي دور المؤرخ الخبير في علم التاريخ ليحفر عبر مدونات التاريخ عن وثائق الواقعة وأرشيفها وآثارها، فيرسم ملامحَ صورة الواقعة كما حدثت، وليس كما رسمت صورتَها مخيلة الجماعة.
الهويات المغلقة للجماعات تتلاعب بالذاكرة التاريخية، فتعمل على إعادة خلق ذاكرة موازية في ضوء اصطفائها لذاتها؛ لذلك تَعمِدُ إلى حذف كل خسارات الماضي وإخفاقاته. ولا تتوقف عند ذلك بل تسعى لتشويه ماضي الجماعات الموازية لها، والتكتم على مكاسبها ومنجزاتها عبر التاريخ. في الهوية المغلقة يعيد مخيال الجماعة كتابة تاريخها، في أفق يتحول فيه الماضي إلى سردية رومانسية فاتنة، ويصبح العجز عن بناء الحاضر استعادةً استيهاميةً مهووسة بالأمجاد العتيقة، ويجري ضخ الذاكرة الجمعية بتاريخ يضمحل فيه حضور وقائع التاريخ الدنيوي، وتخلع على شخصياته ورموزه وأحداثه وكل ما يحفل به هالةً أسطورية عابرةً للزمان والمكان ووقائع التاريخ الأرضي.
التمثلات البشرية للأديان لا تقتصر على التعاطي مع تلك الشخصيات في إطار بشري تاريخي، بل تحاول أن تتخطى ذلك؛ لتخرجها من عالمها الأرضي وخصائصها البشرية، كما يفعل بعض مريدي المتصوفة وغيرهم، الذين يغالون بشيوخهم فيخرجونهم من الزمان التاريخي الأرضي إلى زمان مقدس لا تاريخي. وهي ظاهرةٌ موجودة في الأديان والمعتقدات المختلفة، كلٌّ على شاكلته. خطورة أي شخصية دينية تكمن في عبورها من الواقعي إلى الميثولوجي، بل انقلابها من كونها حقيقةً إلى خيال محض، لا حضورَ له في الواقع. وقتئذ يصير الرمز مُنَوِّمًا بعد أن كان مُلْهِمًا، مُخَدِّرًا بعد أن كان مُوقِظًا. وتنقلب الأديان وتهرب إلى عالم غير عالمها تخسر فيه رسالتَها. في الديانة غطاءٌ ميثولوجي، حين يستهلك الغطاء المضمونَ، تخسر الأديان مقاصدَها الرُّوحية والأخلاقية والجمالية وتتبدد أهدافها الإنسانية.
من الضروري أن يتنبه المختصون في العلوم الاجتماعية وعلوم الدين في بلادنا إلى ضرورة الاهتمام بدراسة المتخيل الديني، وأثره وفاعلياته الواسعة في تشكل السرديات الدينية وقراءة النصوص، وولادة الأديان ولادةً ثانية، وكيفية نشأة الفِرَق والجماعات، والكشف عن أن كثيرًا من النزاعات والحروب الدينية تعود للاستحواذ على مصادر إنتاج المتخيل الديني، فمَن يمتلك تلك المصادر يمتلك حاضرَ أتباع الدين ومصايرهم.
سبقت الجامعات التونسية والجزائرية والمغربية وغيرها الجامعات العراقية بدراسة المخيال. أظن أن أحدَ أسباب غياب دراسات المخيال في جامعاتنا يعود إلى مرجعية أعمال الوردي وتسيدها في الثقافة العراقية، ورسوخ حضورها في الدراسات الإنسانية الأكاديمية، بعد وفاته، فلم يتخذ علم اجتماع المخيال موقعَه المناسب في حديث الوردي عن الدين وتعبيراته المتنوعة في حياة الفرد والمجتمع، على الرغم من الأهمية الفائقة لأثر المخيال في إنتاج المعنى الديني، وتغذيته لتمثلات الدين الفردية والمجتمعية، وترسيخ أرضيتها في فضائه الذي يتضخم باطراد. يمكن الاعتذار لغياب الأدوات التفسيرية لعلم اجتماع المخيال في كتابات الوردي المبكرة منتصف القرن الماضي، وإن كان ينبغي أن يواكب الوردي معطيات علم اجتماع المخيال المتنوعة لاحقًا بالإنجليزية وهو يتقن هذه اللغة.
بعض المفكرين تموت أفكارهم بموتهم، وبعضهم يتأخر اكتشاف قيمة أفكاره بعد سنوات وربما بعد قرون. أحيانًا ينبعث المفكر فيتسيد الحياة الفكرية بعد موته، فتعمل أفكاره على تعطيل التفكير النقدي وعقم الإبداع في ذلك العلم سنوات طويلة. تسيدت أعمال الوردي المشهدَ الثقافي حتى الأكاديمي في العراق، وحجبت إسهامًا رصينًا من جيله والأجيال اللاحقة له في علم الاجتماع. ويعود ذلك إلى أسباب عدة، أشرنا إلى بعضها في حديثنا السابق، منها لغة الوردي الميسرة، خارج القوالب الأكاديمية الصارمة. الوردي في كتاباته كأنه حكواتي يتحدث في المقاهي الشعبية. مضافًا إلى عدم ظهور جيل جديد من علماء الاجتماع يمتلك شجاعة عبور الوردي، ويحدث اخترقًا في الجدار الأكاديمي المتصلب والمنغلق، ويعلن الخروج من جبة الوردي بمنطق علمي، ويوظف المعطيات الجديدة في علم الاجتماع والعلوم الإنسانية في الدرس الأكاديمي.