بين الجمال والبروباغندا… آراء في وظيفة الفن

بين الجمال والبروباغندا… آراء في وظيفة الفن

دائمًا ما يُطرح سؤال متعلق بالوجهة التي يمكن أن تتخذها الأشكال التعبيرية التي تجد نفسها في سياقات معينة تفرض عليها خدمة أغراض شتى. وتنبع وجاهة السؤال من الإيمان بما تملكه الأشكال التعبيرية من قوة التأثير من جهة، ومن توازي القيم الجمالية التي تنطوي عليها مع قيم أخرى لا تنفصل عنها وإن بدا عكس ذلك. وللإجابة عن هذه المسألة خيضت جدالات شتى، أحدها ما دار في عشرينيات القرن الماضي بين اثنين من المثقفين الأميركيين الأفارقة الذين أخذوا يفكرون بجدية في مسألة الاستخدامات التي ينبغي أن يوظف فيها فن السود وأدبهم. المثقفان اللذان أطلقا الجدل هما دبليو إي بي دوبويز وآلان لوك، وكانت لديهما أفكار مختلفة تتعلق بوظائف الفن والأدب عند السود. فبينما اقترح لوك استخدامًا جماليًّا بحتًا للموهبة السوداء، دعا مواطنه دوبويز إلى مشاركة اجتماعية وسياسية للكتّاب والفنانين السود لتحسين وضع مجتمعهم. ولذلك جرى تداول هذا الجدل على نطاق واسع واجتذب مساهمة عديد من الكتاب والفنانين المعاصرين من مواطني الولايات المتحدة ذوي الأصول الإفريقية، مثل لانغستون هيوز، وجورج سكايلر، وتشارلز دبليو تشيسنت، على سبيل المثال لا الحصر.

توظيف الجماليات خارج العمل الجمالي

تنظر هذه المقالة إلى ذلك الجدل وتحاول تقييمه في مقابل أفكار الناقد والمفكر الألماني ڤالتر بنيامين الذي كتب حول الموضوع نفسه تقريبًا ولكن في سياق آخر. لقد طرح بنيامين في كتاباته المختلفة، وبخاصة مقالته «المؤلف بوصفه منتجًا» التي كتبها عام ١٩٣٤م، موقفًا جدليًّا مستوحى من الماركسية لمعالجة مسألة الجماليات في مقابل البروباغندا. ولكن عند النظر إلى السياقات التي نشأ فيها الجدالان يتبين أن بنيامين تمكن بأسلوبه الجدلي من التوفيق بين وجهتي النظر المتعارضتين لكل من لوك ودوبويز. ومن الجدير بالذكر أن إجراء المقارنة بين خطي التفكير هذين أمر ممكن على الرغم من اختلاف سياقهما، فالاتجاهان الفكريان يركزان على أسئلة مماثلة مع أنهما نتاج أجندات مختلفة تمامًا.

دبليو إي بي دوبويز

إن الأسئلة النظرية التي طرحها بنيامين من جهة وكل من لوك ودوبويز من جهة أخرى تتعلق بالنوع نفسه من الاهتمام النظري: ما الطرق- إن وجدت- التي يجب أن تستخدم الجماليات لخدمة قضايا خارج العمل الأدبي؟ وفي حين ينخرط لوك ودوبويز في المجال الاجتماعي والسياسي للفئة العرقية التي ينتميان إليها، فإن نظرية بنيامين مدفوعة بالتعبير الماركسي عن الصراع الطبقي، فمقالته مليئة بالمفاهيم الماركسية، مثل علاقات الإنتاج وغيرها. وفي الواقع، فإن إلقاء نظرة على محادثاته ومراسلاته مع مواطنه برتولت بريشت، على سبيل المثال، من شأنه أن يوضح هذه الخاصية. قد يكون التأثير الآخر هو حياة بنيامين الخاصة، فنحن نعلم أنه عاش أسلوب حياة لا يتوافق مع مهنته في الكتابة، وإدراكه لوضعه بصفته كاتبًا يعيش بالكاد على موهبته ربما يكون قد ساهم في تشكيل نظريته حول المؤلف باعتباره منتجًا. ومع ذلك فإن هذا لا يؤثر في جدوى مقارنة حجة بنيامين مع تلك التي طرحها لوك ودوبويز على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي.

دبليو إي بي دوبويز كاتب أميركي من أصل إفريقي كان غزير الإنتاج، إذ شملت مسيرته الكتابية النقد والتاريخ وعلم الاجتماع والنشاط السياسي. وقد عُرف في الأوساط الأدبية والفكرية بعمله محررا لمجلة (Crisis) المخصصة للنهوض بأدب السود وفنونهم. نشر دوبويز عام ١٩٢٦م مقالًا في المجلة نفسها بعنوان «معايير الفن الزنجي»، بعد أن طرح أفكار المقال لأول مرة في مؤتمر شيكاغو لمنظمة (NAACP) وهي المنظمة الوطنية المعنية بتمكين السود. في المقال الذي كان بمثابة بيان فكري أعرب دوبويز عن موقف ثوري لا هوادة فيه مفاده لزوم توظيف الفن في الاستخدامات السياسية لرفع مستوى قومه، بحيث يجب أن يؤدي فن السود دورًا حاسمًا في تغيير النظام الاجتماعي الأميركي، أو على الأقل في تحديه ومساءلته. وهذا ما يجعل الحديث عن فن السود جزءًا أصيلا من النضال من أجل المساواة الاجتماعية التي كان المجتمع الأميركي الإفريقي يسعى إلى تحقيقها. لقد قدمت محنة السود في أميركا لهذا المجتمع فرصة غير مسبوقة لتعريف الجمال، فبسبب التهميش الممنهج «لم يصل إلينا نفور معين من التبجح المبهرج فحسب، ولكن أيضًا رؤية لما يمكن أن يكون عليه العالم لو كان عالمًا جميلًا حقًّا»، كما يجادل دوبويز.

الفن كدعاية وقضية

في ذلك المقال تركيز شديد على روح العصر التي ينبغي التعبير عنها بحريةٍ من خلال الفن، وهي روحٌ جديدة مبنية على إدراك الماضي والعزم على الحصول على مستقبل مختلف. يكتب دوبويز معبرًا عن تلك الروح: «نحن السود… لدينا في داخلنا حركات جديدة، حركات بداية تقدير جديد للفرح، ورغبة جديدة في الإبداع، وإرادة جديدة للوجود». علاوة على ذلك فإن تلك الروح مبنية على الاختلاف في الخبرة الحياتية التي دفعت دوبويز إلى القول: «نحن السود نستطيع أن نرى أميركا بطريقة لا يستطيع الأميركيون البيض رؤيتها بها». ولتوضيح كيفية التعبير عن «الروح السوداء» يفترض الكاتب رؤية إنسانية تكون فيها الحقيقة والعدالة أمرًا أساسيًّا بحيث يمكن تحقيق التقدم التصاعدي للرجل الأميركي الأسود من خلال توظيف الأدب والفن لصالح القضية. كما أنه من واجب الفنان الأسود أن يعبر عن القيم السامية للحقيقة والعدالة التي تنال إعجاب الإنسان العالمي بغض النظر عن عرقه أو لونه أو دينه. ولتحقيق هذا الهدف عليه أن يستخدم الحق، ليس من أجل الحق ولكن لأن الحقيقة خير خادم للخيال على حدّ تعبيره. حينها فقط يتمكن الفنان الأسود من تخليق الجمال وتحقيقه والحفاظ عليه بأكثر الطرق إثمارًا.

يوجّه دوبويز انتقاداته إلى سياسات الاعتراف في الولايات المتحدة، إذ يشير إلى ضآلة فرص النشر أمام الفنانين والكتّاب السود، وإلى أن الصعوبات في التعرّف على مواهب السود واحدة من سمات الوسط الأميركي في بدايات القرن العشرين. في سياق كهذا يعتبر الاستخدام الدعائي للفن والأدب الشرطَ الأساسيَّ للاعتراف بالفنانين والكتاب السود. ويعتقد دوبويز أنه «إلى أن يفرض فن السود الاعتراف بهم، فلن يصنَّفوا بشرًا»، داعيًا إلى «حكم حر وغير مقيد» دون وساطة من صناعة النشر البيضاء وبدلًا من القيود التي تهيمن على مشهد النشر. هكذا يمكن للمرء أن يفهم بيان دوبويز القوي حول الاستخدام الدعائي للتعبير الفني، الذي يؤكد من خلاله على أن «كل الفن دعاية ويجب أن يكون كذلك دائمًا».

بالنسبة لدوبويز يكتسب هذا الاتجاه الدعائي شرعيته من مواجهة البروباغندا البيضاء الموجودة في المجالين الأدبي والفني، فقد تميزت المسرحيات والقصص في زمنه بالتفاوت الصارخ في تصوير الشخصيات البيضاء والسوداء، ولذا تقع على عاتق الفن الأسود مهمة تحدي هذا التباين من خلال الدعاية الإيجابية. يضيف دوبويز أنه بفضل تلك التوقعات وأعراف التوصيف السائدة حتى الفنانين البيض أنفسهم كانوا محصورين ومحدودين، فقد فرضت دور النشر رؤيتها على مواهب الكتاب والفنانين على حد سواء من خلال تضييق نطاق نوع القصص المقبولة في الصناعة. ولكن بالطبع الأمر أكثر صعوبة للفنانين السود الطامحين: «إذا أراد رجل ملون أن ينشر كتابًا، عليه أن يستعين بناشر أبيض وصحيفة بيضاء ليقال: إنه عظيم». يصبح من الواضح أن سياسات الاعتراف والتمثيل تشكل الرغبة في استخدام الفن من أجل النهوض بقضية المجتمع الأميركي الإفريقي في أميركا العشرينيات من القرن الماضي.

الشاعر والنبي، الوعظ والغناء

يتناقض موقف دوبويز المتشدد هذا مع موقف زميله آلان لوك، وهو شخصية مهمة فيما يعرف بعصر نهضة هارلم، حيث كان فيلسوفًا وناقدًا يكتب عن الفن والأدب الأميركي الإفريقي بغزارة ويسهم إسهامًا كبيرًا مع زملائه الآخرين في مشهد هارلم النابض بالحياة. تناولت مقالة قصيرة كتبها لوك عام ١٩٢٨م بعنوان «فنّ أم دعاية» السؤال المُلِحّ المتمثل في جماليات السود. عندما تُقرأ المقالة بوصفها ردًّا على مقال دوبويز المشار إليه أعلاه، الذي نُشر قبل عامين من مقالة لوك، فإنها تشكل جزءًا مما أصبح يُعرف لاحقًا باسم مناظرة لوك ودوبويز. يمثل هذا الجدال معسكرَيْنِ متباينين حول مسألة طبيعة الالتزام في الإنتاج الأدبي والفني للمثقفين السود في أميركا ما قبل الحرب الأهلية. وكانت النقطة الأساسية التي اختلف حولها المثقفان، كما أسلفنا الذكر، هي الوظيفة التي ينبغي أن يكون عليها الأدب والفن الزنجي الجديد، فبينما أكد دوبويز أن مثل هذا الأدب في تصويره لتجربة السود يجب أن يهدف إلى تحسين وضعهم الاجتماعي والسياسي، رفض معاصروه هذا الالتزام بوصفه دعاية لا ينبغي أن يكون عليها الأدب والفن.

آلان لوك

على عكس دوبويز، يرى لوك أن اهتمام مثقف الحركة الزنجية الجديدة يجب أن يرتكز على أسس جمالية بحتة، وأنه لا بد من التقليل من الاستخدام الاجتماعي والسياسي الصريح للأدب والفن، أو حتى التخلي عنه إن أمكن، بحجة أن مثل هذا الاستخدام للموهبة يعبّر عن دونية أقلية تعيش في ظل أغلبية متعالية. وفي هذا الصدد، يجب أن ننسب كثيرًا من الفضل إلى الموهبة الفردية التي من الممكن أن تضيع في التعبير الجماعي الأساسي للاستخدام الدعائي للأدب والفن. إن دفاع لوك عن التعبير الفردي لا يعوق اتباع القيم العالمية، مثل الحقيقة، التي ينبغي نشرها في تعزيز مصالح الجنس البشري عامة. لا يستلزم هذا التقدم بالضرورة تبنيًا ساذجًا لموقف «الفن من أجل الفن»، ولكن يستلزم على حد تعبير لوك «إدراكًا عميقًا للغرض الأساسي للفن ووظيفته بوصفه جذرًا أساسيًّا لحياة قوية ومزدهرة».

يفتتح لوك مقالته بمجموعة من الأسئلة من قبيل: هل هذا جيل النبي أم جيل الشاعر؟ وهل تقوم قيادتنا الفكرية والثقافية بالوعظ أم بالغناء؟ إلى غير ذلك. وهو يؤيد جانب الشاعر بالطبع. والسبب يكمن حسب رأيه في الاتجاه العام للاستخدام الدعائي للتعبير الفني لتعزيز بنية السلطة السائدة. يفترض لوك أن الدعاية بصرف النظر عن خطيئتها «تديم موقف الدونية الجماعية حتى في الصراخ ضدها»؛ لأن ما هو مسخر للبروباغندا يظل يتحدث في ظل الأغلبية المهيمنة التي يخطبها أو يتملقها أو يهددها أو يناشدها. صحيح أن لوك يسلط الضوء بإيجاز على الفاعلية الاجتماعية للدعاية، معترفًا بأن الفن لم يكن كافيًا دائمًا، وأن «الدعاية غذت على الأقل شكلًا من أشكال المناقشة الاجتماعية الجادة، وكانت المناقشة الاجتماعية ضرورية، ولا تزال ضرورية». ومع ذلك فإنه يرفض النزعة الحزبية للدعاية مجادلًا بأنها غالبًا ما تكون «أحادية الجانب وغالبًا ما تصدر أحكامًا مسبقة»، ولهذا يجب على الكتاب والفنانين الأميركيين الأفارقة أن يسعوا جاهدين لتنمية «فن الشعب» لا «فن الزُّمر».

المؤلف بوصفه منتجًا

إن فكرة بنيامين عن المؤلف بوصفه مُنتجًا عند مقارنتها بالأفكار التي أثيرت في مناظرة لوك ودوبويز توفّر نموذجًا جدليًّا يجيب عن السؤال المطروح بالجمع بين الجمالي والسياسي. لا ينبغي أن تكون مهمة الكاتب جمالية بحتة ولا سياسية حصريًّا، بل مزيجًا من الأمرين. لكن قبل الخوض في مناقشة تفصيلية حول كيفية جمع بنيامين بين لوك ودوبويز، دعونا نتناول حجّة بنيامين. يتخذ بنيامين خطوتين لتطوير فكرته حول المؤلف بوصفه منتجًا. ولعل الجانب الأهم في مقاله يكمن في اعتماده على موقع المؤلف في سياسة التأليف. وأعني بهذا الطريقة التي ينقل بها بنيامين مكانة المؤلف من مجموعة علاقات الإنتاج. فيما قبل كان المؤلف دائمًا مؤطرًا فيما يتعلق بالعمل. بمعنى آخر، يُحدَّد التزام المؤلف بقضية سياسية من خلال كيفية تعبيره عنها في عمله. ينطوي هذا الموقف على مفارقة في سياسة التأليف. وبينما يُنظر إلى المؤلف على أنه مثقف يُتوقع منه أن يغير علاقات الإنتاج من خلال الولاء للطبقة العاملة، فإن موقفه يشير إلى موقف منفصل إلى حد ما.

أما الخطوة التي يدعو إليها بنيامين فتتصور موقعًا مختلفًا للمؤلف، وتضعه ضمن علاقات الإنتاج لا خارجها. يضع بنيامين المؤلف التقدمي في مواجهة نظيره البرجوازي المحافظ. وإذ يضطر التقدمي إلى اتخاذ قرار بشأن المكان الذي يرغب في ممارسة نشاطه فيه، يفترض بنيامين أن «قراره متخَذ على أساس الصراع الطبقي»؛ فهو يضع نفسه إلى جانب الطبقة العاملة، وفي هذا نهاية استقلاله بحسب تعبير بنيامين. ولكننا في وقت لاحق نتوصل إلى استنتاج مفاده أن كون المؤلف إلى جانب البروليتاريا ليس بالكفاءة نفسها وهو داخلها. يقول بنيامين: «إن مكانة المثقف في الصراع الطبقي لا يمكن تحديدها، أو بالأحرى اختيارها، إلا على أساس موقعه داخل عملية الإنتاج».

العمل الأدبي أو الفني جزء لا يتجزأ من سياق العلاقات الاجتماعية التي تحددها إلى حد كبير علاقات الإنتاج، ومن هنا تبرز الحاجة إلى معالجة جدلية للمسألة تتخلص من التصور النمطي الذي لا يرى العمل إلا وجهًا لوجه مع العلاقات الاجتماعية والإنتاجية في عصره. وبدلًا من ذلك، ينبغي دراسة العمل الأدبي ضمن تلك العلاقات. إن تقدم قضية البروليتاريا في الصراع الطبقي يتم من خلال التحرير الحقيقي لوسائل الإنتاج الذي يتطلب تغيير جهاز الإنتاج في المقام الأول بدلًا من توفيره. يستلزم الموقف الجديد الذي تصوره بنيامين إعادة تعريف مهمة لدور المؤلف والتفكير في موقعه داخل عملية الإنتاج؛ حتى يتمكن من خوض النضال بكل ما يصاحبه من آلام.

تذويب الحدود

الخطوة الثانية التي يتخذها بنيامين لتوضيح مفهومه للمؤلف بوصفه منتجًا هي أنه ينفي التمييز بين الأنواع الأدبية من ناحية، وبين المؤلف والجمهور من ناحية أخرى. يؤكد بنيامين أن الأنواع الأدبية لها دورات حياتها، فهي تظهر وتزدهر وتموت؛ لذلك لا ينبغي لنا أن نتمسك بمفاهيم جامدة فيما يتعلق بالأنواع والأشكال الأدبية، كما لا ينبغي التعامل مع النوع والأشكال تعاملًا وجوديًّا، بل علينا أن نعيد التفكير باستمرار في المفاهيم المتعلقة بها «إمّا أردنا العثور على أشكال مناسبة للطاقة الأدبية في عصرنا». وهذا يتطلب عملية يسميها بنيامين ذوبان الأشكال الأدبية، وهي عملية مرتبطة بقوة باللحظة التاريخية وبعملية الذوبان التي تطمس الحدود بين المؤلف والقارئ؛ إذ يجب أن يهدف عمل الكاتب إلى تحويل القراء إلى متعاونين نشطين في عملية الإنتاج. ويمثّل مسرح بريشت الملحمي نموذجًا مضيئًا لهذه العملية بفضل اعتماده تقنيات جذابة، مثل المونتاج وما إلى ذلك. على عكس المآسي والأوبرا، يستخدم المسرح الملحمي العنصر الأكثر جوهرية وغير القابل للاختزال- المسرح: المنصة أو الخشبة. بعد ذلك يجري استخدام هذا العنصر لإشراك الجمهور في عملية التفكير النقدي في العمل الذي يشاهدونه وفي مجتمعهم الاجتماعي والسياسي.

وكما يقول بنيامين: «بينما يكتسب الأدب في اتساع ما يخسره في العمق، فإن التمييز بين المؤلف والجمهور، الذي تحافظ عليه الصحافة البرجوازية بوسائل مصطنعة، يبدأ في الاختفاء». وبما أن الالتزام ليس كافيًا فلا بد من وجود «موقف المعلم»، الذي يُعلِّم الكاتب بموجبه كتّاب آخرين ويخبر تضامنه معهم لأول مرة بوصفهم منتجين آخرين. ولعل هذا ما يفسر استخدام الصحيفة شكلًا أدبيًّا لصالح حجة بنيامين. فالصحيفة بالنسبة لبنيامين «ساحة الارتباك الأدبي»؛ لأن محتواها يستعصي على أي شكل من أشكال التنظيم غير ذاك الذي يفرضه عليه نفادُ صبر القارئ. علاوة على ذلك فإن الصحيفة هي الموقع الأكثر إستراتيجية للكاتب، ولكن بما أنها لا تزال مملوكة لرأس المال فإنها موقعٌ «في أيدي العدو» بحسب تعبيره. وعلى هذا الأساس فإن الكاتب الناشط يحارب ويتدخل بشكل فعال في مشهد الإنتاج الثقافي، على عكس الكاتب الإعلامي الذي يكتفي بنقل التقارير ويتولى دور المتفرّج.

في الختام، أؤكد أن ما ينقص في جدال لوك ودوبويز يمكن العثور عليه عند بنيامين. فعلى سبيل المثال يعبّر بنيامين منذ البداية عن إحباطه إزاء استقطاب الاتجاه أو الالتزام السياسي من ناحية ونوعية عمل الكاتب من ناحية أخرى، وهو الاستقطاب الذي يمكن أن نجد أصداءه في مناظرة لوك ودوبويز. بدلًا من الإطار غير القابل للتوفيق يقترح بنيامين أن عمل الكاتب يجب أن يُظهر الاتجاه الصحيح وأن يطمح في الوقت نفسه إلى تحقيق جودة عالية. علاوة على ذلك لا يرى بنيامين إمكانية الجمع بين الاتجاه السياسي الصحيح والقيمة الجمالية فحسب، بل يزعم أيضًا أن «ميل العمل الأدبي لا يمكن أن يكون صحيحًا سياسيًّا إلا إذا كان صحيحًا أيضًا بالمعنى الأدبي». وهذا الارتباط مهم جدًّا؛ لأنه يعيد النظر في علاقة المؤلف بالسياق الذي يعمل فيه، ما يجعل الصواب السياسي للعمل الأدبي مشروطًا بطابعه الفني التقدمي. إن هذا المفهوم يخدم غرض توجيه وظيفة الإنتاج الأدبي والثقافي نحو التقدم في الطبيعتين الفنية والسياسية من دون الحاجة إلى التضحية بأي منهما.

الحياة الخاصة والحياة العامة، أية حدود؟

الحياة الخاصة والحياة العامة، أية حدود؟

ليس هذا التقسيم بالوضوح الذي قد يبدو عليه؛ إذ يتخلله كثير من التداخلات والاعتبارات ذات البعد المزدوج. فضلًا عن أن تشابك العام بالخاص قد تحول في السنين الأخيرة إلى رهان سياسي بالغ الأهمية.  قد يبدو من الوهلة الأولى أن هناك تمايزًا قاطعًا بين المجالين الخاص والعام، إلا أن الأمر ليس على هذا القدر من البديهية مع وجود تشابك بين المجالين في مناحي حياتنا كلها؛ إذ إن وجود الفرد، لا يتوقف عند واقعه البيولوجي فقط، وإنما يتحقق من خلال التفاعلات المستمرة بين استعداداته ومسار تجاربه الشخصية من جهة، والظرف الاجتماعي والتاريخي الذي يوجد فيه من جهة أخرى. وقبل الحديث عن الحدود والتخوم وأيضًا عن الالتباسات والتداخلات، من الضروري تحديد ما يحيل إليه كل من هذين اللفظين، وما ينضوي تحتهما.

بين الحميمي والخصوصي

جان بيشلر

فيما يتعلق بالفضاء الخاص، من الضروري التمييز بين «الخصوصي» الذي ينتمي إلى المجال الشخصي والمنزلي، وبين «الحميمي» الذي يحيل إلى نظام آخر من الأشياء يمكننا أن نشبهه بالكينونة الداخلية للفرد. ففي سيرته الذاتية «الاعترافات»، يصف القديس أوغسطينوس (354- 430م) هذه الكينونة بأنها مكان لحياة داخلية عميقة ومتضاعفة بشكل من الأشكال: ما هو أكثر داخلية بالنسبة لي مما هو أكثر داخلية لدي. ومن المفكرين المعاصرين، نجد عالم الاجتماع جان بيشلر الذي يحدد المجال الحميمي بكونه «المساحة التي يجد فيها الفرد هويته وشخصيته وفرديته».(1)

ولكي تخضع هذه الحياة الداخلية للاختبار وتكون ذات معنى، فإن وجود الآخرين يبقى شرطًا ضروريًّا؛ لأن الحميمية تفترض وجود الغيرية، ولأن البعد العلائقي يخلق الظروف اللازمة لبروز نوع معين من الذاتية. وهكذا يميز الفيلسوف مايكل فوسيل بين الحميمي والخصوصي: «مشاعرنا (الداخلية) هي علاقات مع الآخرين وليست خصائص الأنا المنفرد».(2)

وأنا في كتابي «الآخر عن بعد» (2021م)، ركزت جيدًا على توضيح الفرق بين الحميمي والخصوصية. الحميمي هو أعمق طبقة من كينونتنا الداخلية. وداخله نُعبّر عن العلاقة الفريدة التي تربط الفرد بنفسه وبالآخرين. إنه عبارة عن مونولوج داخلي مستمر يُمَكّن الإنسان من الولوج إلى الشعور بوجوده. إنه عبارة عن فضاء فاصل تندسُّ وتحيد من خلاله التجربة الحساسة للعالم داخليًّا. الحميمي هو مشغل للوعي والمادة المكونة للاوعي في الوقت نفسه.

أما الخصوصية فهي تضم مساحة الحياة الخاصة التي ستتطور فيها العلاقات مع دائرة الأقارب والمعارف. إنها تعبر عن أنماط هذا المَعِيش العلائقي، ومحتوى التجارب العاطفية، والتوافقات، وكذلك سبل التحكيم التي تستند إليها. على عكس الحميمي، الذي هو أولًا وقبل كل شيء عبارة عن كينونة باطنية، تفترض الخصوصية مسبقًا وجود كينونة خارجية لكونها تتغذي على التفاعلات مع الآخرين وتتشكل من هذه التفاعلات في الآن نفسه.

الأفراد والصالح العام

مايكل فوسيل

في مقابل هذا الفضاء الخاص/الحميمي، الذي يمكننا أن نسائل حدوده الداخلية في حد ذاتها، فإن مفهوم الفضاء العام له أيضًا معانٍ عدة؛ إذ يحيل من ناحية على «البوليسي» باللغة اليونانية، أي ما عرفه الفيلسوف أرسطو في كتابه «السياسة» (القرن الرابع قبل الميلاد) بأنه حكم الأغلبية، وهو كل ما يرتبط بالدولة ونظام تدبير قضايا المدينة، وإدارة الشؤون والأفراد.

ومن ناحية أخرى، يحيل الفضاء العام إلى كل ما يحدث في واجهة الأنشطة الاجتماعية والإنسانية، خارج النطاق المنزلي والخصوصي. إنه مجال واسع يبرز فيه العديد من الظواهر المعقدة التي تؤدي وظيفة الحكم في حياة الأفراد، حتى في بُعدها الحميمي والخاص. ويشهد على ذلك وجود بعض القوانين التي تؤطر، بل تقيد حتى بعض الخيارات الشخصية للغاية، مثل اللجوء إلى القتل الرحيم. وبشكل أعم، تفرض فكرة الفضاء العام أحيانًا فكرة صالح عام يحظى بالسبق على الرغبات الفردية. وهذا العقد الديمقراطي هو ما يشكل أساس التمدن والمواطنة.

أنتوني جيدنز

وهكذا فإن المبدأ الأنطولوجي للمجال العام يفرض منح الأولوية للجماعي على حساب الفردي، وللمشترك على حساب الشخصي والحميمي. ولكن من الواضح أن الحدود يمكن أن تنحو بسهولة نحو الالتباس. فماذا عن التزام الدولة بحماية الأفراد، بما في ذلك حمايتهم من أنفسهم، على سبيل المثال؟ ونظرًا لاختلاف الثقافات والأنظمة السياسية، لن تكون عتبات التحكيم المتبادلة هي نفسها، ولا أيضًا هوامش التفاوض. ففي الدكتاتوريات، يُقَلَّصُ المجالُ الخصوصي إلى الحد الأدنى، ويغزو المجال العام والدولة حياة الأفراد والمجتمع بأسره. في المقابل، يطالب الأناركيون ودعاة الحرية الراديكاليون بحذف أي سيطرة اجتماعية أو سيطرة للدولة على حرية أي فرد مهما كان. وبين هذين القطبين توجد جميع الفروق الدقيقة التي تغطيها الأنظمة الديمقراطية ما بعد الحداثية، التي باتت تميزها بشكل متزايد هيمنة النزعة الفردية على مطالب المواطنين وسيادة الرهانات المتعلقة بالحياة الخاصة في الفضاء العام وفي النظام السياسي.(3)

في كتابه «تحول الحميمية» (2004م)، يلحظ عالم الاجتماع أنتوني جيدنز ظهور «حميمية ديمقراطية»، محكومة إلى حد كبير بالتغيرات العميقة في مجال الأخلاق والجنس، ومؤسسة على «علاقات خالصة» وأكثر حرية وأكثر استقلالية بين الرجال والنساء، وبين الآباء والأطفال، وبالتالي بين المواطنين أيضًا. ولعل هذا الشكل من الحميمية يشكل بداية لنشأة الديمقراطية، بل مبشرًا بها، ومجالًا خصبًا لبناء العيش المشترك المعاصر. «إن المعنى النهائي لإمكانية التمتع بالحميمية يتمثل في كونها تبشر بالديمقراطية»، كما جاء في المؤلف المذكور أعلاه؛ لأنها تضمن «مشاركة الأفراد في تحديد الظروف الدقيقة لعيشهم داخل مجتمع واحد». وتقع هذه الحميمية الديمقراطية عند نقطة الوصل بين الحياة العامة والحياة الخاصة: حيث تؤثر، داخل هذين المجالين، في السلوكيات والتمثلات المعمول بها في مجال الحكم، وسط أجهزة السلطة وممارسات الدولة، كما تفرض نفسها في تحكيم القناعات وأشكال الالتزام التي تتكون وسط العائلات والعلاقات بين الأشخاص.

تسييس الحميمي

ونحن نشهد أيضًا تعاظمًا لظاهرة تسييس قضايا الحياة الحميمية؛ حيث إن الخيارات الخاصة أضحت اليوم في صميم النقاشات حول العلمانية وتعريف المشترك الجمهوري (التبني، الخصوبة المدعومة طبيًّا، تأجير الأرحام، القتل الرحيم، ارتداء الحجاب والبوركيني…). فإذا كانت هذه القضايا تعكس قلقًا حقيقيًّا وينتج عنها ارتفاع مطالب صريحة، فإنها من دون شك تأتي أيضًا في مقدمة المواضيع التي يفضل السياسيون الخوض فيها واستغلالها. حيث يرى فيها هؤلاء فرصة لأن يتدخلوا بشكل أكثر فاعلية من تدخلهم في مواضيع أخرى يصعب عليهم أن يحدثوا فيها تغييرًا ظاهرًا، مثل البطالة، أو القوة الشرائية، أو الحالة الاقتصادية أو آثار العولمة. إن الأمر لا يتعلق بمسألة تحديد أولويات أو إحداث تعارض بين مجالات التدخل هذه، ولكن من الواضح أن الحياة الخاصة تحصر مجموعة من الخيارات الحاسمة للمجتمع. ببساطة، تفتح الأهمية التي اكتسبتها هذه القضايا الطريق اليوم أمام تسييس للحميمي بشكل أكثر وضوحًا مما كان عليه في الماضي، ومن ثَمّ إضفاء الطابع الخصوصي أو خصخصة الانتظارات السياسية الموجهة إلى الحكام من جانب المواطنين. خصخصة القضايا السياسية هذه تعزف بشكل خاص على وتر المحركات العاطفية والوجدانية التي تجري من خلالها تعبئة المواطنين.(4)

إن النفاذية الكبيرة الموجودة بين الفضاء العام والفضاء الخاص تدعونا إلى التنبه للحركة المزدوجة القائمة على إضفاء الطابع العام على القناعات الشخصية من جهة، وخصخصة القيم العامة من جهة أخرى؛ لكي تتحول خيارات خاصة إلى أساس تبنى عليه أشكال من الالتزام العام (حركة LGBT، سائقو الدراجات الغاضبين، حزب سائقي السيارات…). فحين تشتبك الحميمية في علاقة مع السياسة؛ تصبح بالنسبة للفرد فضاء يتيح له المشاركة وخوض التجارب. وبالتالي فإن الخصوصية تشكل أرضية خصبة لنشأة وتطور ديمقراطية محسوسة. ومع ذلك، فإن عمليات التهجين هذه بين الخاص والعام، وإن كانت مرغوبة، فإنها تكشف عما يشبه العطب الذي يطول سير الفضاء العام والنقاش الديمقراطي اليوم. فإذا كانت السياسة تمثل أولًا وقبل كل شيء البحث عن الصالح العام ضمن سيرورة تهدف إلى تجاوز الظروف الخاصة والفردية، فإن إخضاعها لمحددات حميمية وما يرافق ذلك من خصخصة؛ يجعل من الصعب على الممارسة السياسية أن تفرز فضاء عامًّا يجري فيه تقاسم الفضاء المشترك.


هوامش:

(1) Jean Baechler, L’Intime, Hermann, 2022.

(2) Michael Foessel, La Privation de l’intime, Seuil, 2008.

(3) Anne Muxel, « L’expérience démocratique au prisme de l’intime », dans Pascal Perrinneau et Luc Rouban (dir), La démocratie de l’entre-soi, Presses de Sciences Po, 2017.

(4) Philippe Braud, L’émotion en politique, Presses de Sciences Po, 1996.

المعيارية: العدالة الناقصة

المعيارية: العدالة الناقصة

تروي الصحفية البريطانية أفوا هارسك في مقالة لها، في جريدة الغارديان، تجربتها في جامعة أُكسفورد البريطانية، وعن حجم التمييز الذي واجهته؛ لكونها من أصول إفريقية. تقول: إنها في أثناء دراستها لدرجة البكالوريوس شعرت بعزلة شديدة في بيئة جامعية يهيمن عليها أصحاب البشرة البيضاء، وإنها في أثناء إقامتها في المدينة شكّك كثير من الناس في كونها تلتحق بجامعة كأُكسفورد لا تقبل إلا أبناء النخبة في بريطانيا. وأبدت الكاتبة امتعاضها من عجز المؤسسات التعليمية عن تحقيق عدالة في توزيع أحقية القبول، وهو ما أدى إلى نقص في تمثيل الأقليات، ما يجعل حضورهم مستغربًا في الجامعة.

وفي إطار متصل أجرت الصحيفة نفسها تحقيقًا مفصَّلًا عن تقرير لوزير تعليم سابق في الحكومة البريطانية، اتهم فيه جامعات النخب، وعلى رأسها أكسفورد وكمبردج، بالعجز عن تحقيق توزيع عادل لمقاعد القبول، ويتهم الجامعتين بجعل فرص الطلاب البيض للحصول على مقاعد دراسية أعلى مرتيْنِ من طلاب الأقليات.

وهذا يطرح تساؤلًا مهمًّا عن مدى قدرة جامعات النخب في بريطانيا لتكون أكثر شمولية للأقليات في حق الالتحاق بمقاعدها الدراسية. يبرر هذه الحالة الرئيس السابق لحزب العمال البريطاني المثير للجدل جرمي كوربن- في مقابلة بثتها قناة BBC الرابعة- بأن المشكلة تكمن في وجود ما يسميه ممارسات عنصرية ممنهجة في المجتمع البريطاني، التي تخفيها منظومة من القواعد والتشريعات الخاصة التي تضع معايير تحدد أحقية الأفراد بالخدمات. هذه المعيارية، بالنسبة لكوربن، هي المصدر الأساسي للحالة الإقصائية للفئات الأقل تمثيلًا في جامعات النخب.

عنصرية مضمرة

كنت أناقش هذه القضية مع أحد الأكاديميين البريطانيين، مجادلًا بأن مثل هذه الادعاءات غير دقيقة. وكان ردّه صادمًا لي. عارضني الصديق بأن المسار المعتاد للنخب السياسية وكثير من أبناء الطبقة فوق المتوسطة في بريطانيا هو أن يلتحق أبناؤهم بمدرسة إيتون كوليدج أو هارو أو أي من نظيراتهما في بريطانيا. هذه المدارس خاصة لا يلتحق بها إلا أبناء الأثرياء، وغالبًا ما ينتهي المطاف بهؤلاء الطلاب إلى أن يلتحقوا بجامعات النخب: كأكسفورد أو كمبردج أو دورم أو سانت أندرو، وأكثر المسارات إثارة للجدل هو التحاق هؤلاء لدراسة برنامج البكالوريوس في الفلسفة والسياسة والاقتصاد بجامعة أكسفورد أو ما يعرف بـ(PPE)، وهو المسار المعتاد لكبار الساسة البريطانيين، وتحديدًا أعضاء حزب المحافظين؛ مثل: بوريس جونسون، وديفيد كاميرون، وغيرهما كثير.

يجادل صديقي، ونحن نجلس ببهو معهد التعليم بجامعة لندن، بأن هذه العنصرية مضمرة أمام عيوننا الآن، فبينما نحن جالسون كان البهو ممتلئًا بالأكاديميين، ومعظمهم، إن لم يكن جُلّهم، من ذوي البشرة البيضاء، بينما يقف على المدخل اثنان من حراس الأمن من أصول إفريقية، وتقوم بأعمال النظافة عاملة يكشف لون بشرتها أنها من أصول إفريقية.

أضاف الزميل أن الملونين في الجامعة لا تجدهم إلا في مثل هذه الأعمال، وهذا دليل على عجز كبير في النظام المعياري في تحقيق ما أسماه بالعدالة الشاملة في الفرص؛ إذ يعجز النظام عن تجاوز القواعد التنظيمية في المساواة بين الأقران غير المتساوين في التجربة الاجتماعية والمتساوين في القاعدة التنظيمية، التي تُقاس بقيمة رياضية، كنتائج اختبارات معيارية للقبول أو غيرها. ويرى أنه من الضروري على نظام التعليم البريطاني أن يتجاوز المعيارية في التنظيم، وأن يتبع نظامًا أكثر شمولية في توزيع الفرص، يتجاوز نتائج الاختبارات، ويحاول أن يفهم التفاوت الاجتماعي الذي قد يحرم بعضًا من الوصول إلى مبتغاهم. وقبل أن أعرض مآلات المعيارية، ووجهها غير العادل وبعض صورها بالمجتمع العربي؛ لعلّي أبدأ بعرض تاريخي يبين جذور المعيارية في العصر الحديث، وكيف نمت وأنتجت أشكالًا مختلفة من القواعد التنظيمية للتجمعات البشرية.

قوننة النظم الاجتماعية

يجادل توماس ديف أستاذ تاريخ التشريع والمعرفة المعيارية في معهد ماكس بلانك في ألمانيا بأن الحالة التي قادت البشرية لإنتاج المعرفة المعيارية تكمن في الرغبة المُلحّة لاتخاذ القرار، فوجود قواعد تنظيمية تعمل كبنية تحتية للقرارات التي يتخذها الفاعلون في الإطار الاجتماعي تكون أكثر «شرعية»، وتوفر ملاذًا آمنًا لصانعي القرار بحجة شرعية ما يقومون به إن خضعت لقواعد تنظيمية معيارية. وكعادة النظرية المعرفية؛ يُسقط الباحثون على الحالة التطورية لتاريخ التشريع كونه نابعًا من جذور المعرفة الدينية، فيرون في المعارف الدينية نموذجًا أساسيًّا للمعيارية التي تهدف إلى قوننة النظم الاجتماعية.

تطور هذا المنهج المعياري لاحقًا في المدة الأكثر علمنة، ويتجلى هذا التطور في التوسع بتشريع العلاقات في النسق الاجتماعي، كما في القوانين والتشريعات المدنية في العصر الحديث. وبذلك تُشكّل الحالة التشريعية اللبنة الأولى والأكثر تأثيرًا في التجمع البشري، فمن خلال شعارات الحوكمة والعدالة مُورست تشريعات حولت فيها كثير من علاقات الإنتاج أو الممارسات الاجتماعية والمادية والسياسية، فصارت مقعدة ضمن أحكام تحاول ضبط إيقاع تلك العمليات؛ ما يؤصل تحكيم المعيارية في الكثير من الممارسات المجتمعية.

ولعل المعيارية أصبحت أكثر تجذرًا لدرجة أن معيار التنمية والتطور المؤسسي يُقاس بالتوسع في الحوكمة؛ ما يُحوّل المعرفة المعيارية إلى حالة تشريعية مزمنة لاصقت التجمعات البشرية، واستشرت في هيكل التنظيم الاجتماعي والثقافي، ولتتحول المعيارية إلى ممارسة أصيلة لتحقيق أشكال من العدالة الاجتماعية.

نقد المعيارية

يكثر الحديث عن المآلات التي تنتج عن التوسع في المعيارية والحوكمة، بل قد يسخط عليها بعض، كالفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، الذي يرى فيها حالة من ممارسة التسلط وإعادة إنتاج القوة بين أيدي النخب الاجتماعية. بل إن فوكو اشتهر بنقده الواسع للمعايير كونها تاريخية متحولة، تسعى القوى الفاعلة في المجال السياسي إلى تثبيتها. فقيم كالجنون والتمدن والعقلانية، ما هي إلا صور تاريخية لما تَعنيه هذه القيم؛ إذ يعاد إنتاجها في المجال الاجتماعي بشكل مطرد ما يجعلها أكثر ثبوتًا. لكن هذا النقد لا يعني عدم الحاجة إلى الحوكمة، بل، كما أسلفت في هذا المقال في المعيارية، هو سلاح ساحر يُمكّن من تشكيل مساحات واسعة لاتخاذ القرار.

وتجدر الإشارة إلى أن الحركة النقدية المتوحشة لدى فوكو وأتباعه قد تجعل منا متجمدين في مكاننا من دون القدرة على المُضيّ إلى الأمام. ولن أحاول أن أتقمص طريقًا ثالثًا بين المعيارية ونقدها، كما في المدرسة الاجتماعية الأنغلو أميركية، التي تجلت ببروز أنثويو قدن حين تواءمت أفكاره مع حكومات الوسط في أميركا في مدة رئاسة بيل كلينتون وبريطانيا في حكومة توني بلير، ولكن في الوسط يكمن المخرج لمأزق النقد اللاذع للمعيارية والحاجة للتنظيم.

قبل استجلاب بعض النماذج الناجحة في التنظيم ومغالبة المعيارية؛ أود أن أستدعي بعض الصور الاجتماعية التي تدل على وجود إشكال هيكلي في التنظيم الاجتماعي في المجتمع العربي، وكيف أن مثل هذا التنظيم من الممكن أن يعيد إنتاج التفاوت. واحدة من هذه الإشكاليات تكمن في تكدس أبناء طبقة اجتماعية ما في إطار مهني معين، فمثلًا غالبية الرياضيين هم من أصحاب لون بشرة معينة في الخليج أو تتركز مهن كحراسة الأمن أو غيرها من المهن التي لا تتطلب تميزًا تعليميًّا بين أبناء فئة اجتماعية أو أبناء مناطق معينة.

وغياب هذه الفئات أو قلتهم في المهن التي تتطلب تعليمًا عاليًا، قد يعزو بعضٌ هذا الأمر إلى الفروقات الفردية. ولكنّ هنالك أنماطًا خفيةً تخلق حالة أكثر تعقيدًا من التفاوت؛ فالأبناء الذين يتربون في بيئات محدودة ماليًّا أو لآباء أقل تعليمًا يكونون أكثر عُرضة لعدم الحصول على الدعم الكافي للتوافق مع متطلبات التميز والارتقاء المجتمعي. بمعنى أدق مثل هؤلاء قد لا يحصلون على الفرص نفسها التي يحصل عليها أبناء فئات اجتماعية أكثر وصولًا إلى الخدمات؛ سواء بسبب الفروقات المادية أو المعرفية. لذلك نجد أبناء الأطباء والمهندسين أو المدرسين أكثر قدرة على اتباع مسارات مشابهة لآبائهم، أو بمعنى أصح؛ تجد كثيرًا من المهن تصبح وكأنها مواريث يُورثها الآباء للأبناء، وهذا لا يعني بالضرورة وجود فساد في تطبيق القوانين والمعايير فحسب؛ بل يدل أيضًا على عدم مقدرة المعايير على قراءة التجارب الاجتماعية لخلق فرص مكافِئة بين الجميع وردم التفاوت.

ربما ركزت كثيرًا على الفرص التعليمية في هذا المقال؛ وذلك لكونه يوضّح أوجه المعيارية غير العادلة، وأيضًا لقناعتي الشخصية بأن التعليم هو البوابة الحقيقية والأمثل لتحقيق الارتقاء المجتمعي بين أفراد المجتمع. وللتغلب على المعيارية نجد مثلًا بعض الدول كفنلندا تعمل على تحسين البرامج التعليمية في المناطق الأكثر فقرًا؛ عن طريق التوسع في برامج الدعم اللاصَفّيّة. أيضًا نجد في مؤسسات التعليم العالي في بريطانيا وأميركا مثالًا جيدًا عن طريق تخصيص مقاعد للطلاب من الفئات الأقل تمثيلًا في المجتمع، والتأكد أن الجامعات تحقق تمثيلًا واسعًا لكل الفئات في جميع التخصصات. في مثل هذه التشريعات تقرأ مفاهيم التفاوت على أنها سرديات تتجاوز القيم العددية للاختبارات المعيارية، وتحاول فيها المؤسسات المجتمعية أن تفكك حالة الحرمان لتؤصل عدالة اجتماعية أكثر تمثيلًا للواقع الاجتماعي، تقوم فيها هذا المؤسسات بمغالبة المعيارية لأجل مفهوم جديد للعدالة.

الخيال العلمي كمروية للعلم والحياة

الخيال العلمي كمروية للعلم والحياة

منذ أن ظهرت أول أعمال الخيال العلمي، سواء كانت «رحلات جوليفر» لجوناثان سويفت، عام 1726م، أو «مكروميغاس» لفولتير، عام 1752م، فإنها تمكنت من التعبير عن شعور الإنسان بالإثارة والرهبة تجاه العلم والأسئلة الكبرى المتعلقة بالتطور والتغير. فمن المعضلة الأخلاقية للتقدم العلمي التي تطرحها ماري شيلي في روايتها «فرانكشتاين» (1818م)، مرورًا بمتعة استكشاف العالم التي اختصت بها الأعمال الفذة لجول فيرن (1828-1905م)، إلى موضوعات مثل السفر عبر الزمن والكائنات الفضائية التي تمكنت أعمال هربرت جورج ويلز، مثل: «آلة الزمن» 1895م و«حرب العوالم» 1897م، من احتلال حيز مهم من خيالنا حولهما، وصولًا إلى القرن العشرين والتحذيرات السياسية التي طرحتها أعمال، مثل: «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي (1932م)، أو رواية «1984م» لجورج أورويل المنشورة عام (1949م)، ومعضلات الرجال الآليين مع قوانين الروبوتات المشهورة لإسحاق أزيموف (1920- 1992م)، وأثر غياب الحريات الفكرية مع «فهرنهايت 451» لراي برادبري (1953م)، وآفاق تطور الجنس البشري المستقبلية في «2001م- أوديسة الفضاء» لآرثر كلارك (1968م)، وصولًا إلى الأعمال الأحدث، مثل التحديات التقنية المطروحة اليوم أمام البشر، في سعيهم القائم لغزو الكون في أعمال أندي وير، مثل: «المريخي» 2011م، و«أرتميس»، 2017م، ظل الخيال العلمي فرعًا شديد الثراء وشديد التأثير في فهمنا للعالم من حولنا.

مروية العلم

وعلى الرغم من أن أعمال الخيال العلمي قد لا تساعدنا بالضرورة على تكوين معرفة علمية منهجية، فإنها تنجح في مهمة لا تقل أهمية، وهي جعل المفاهيم العلمية ضمن نطاق المفكر به. فالخيال العلمي، بصفته نوعًا أدبيًّا، لا يلزم نفسه بشرح النظريات العلمية -ولو أن بعض الأعمال تفعل ذلك- إلا أنه ينجح في تقديم تصورات ثرية عن كثير من تجليات العلم المدهشة ومعضلاته المُلِحّة، ويشكل جزءًا فاعلًا من تصورنا عن حركة العلم ومعناه وآلية تطوره، وأثره في حياتنا ومستقبلنا.

فمن مفارقات السفر عبر الزمن، مثل مفارقة الجد وأثر الفراشة، إلى المركبات الفضائية والحياة في كواكب أخرى، ينجح الخيال العلمي في أن يزرع فينا فضولًا كبيرًا ومحمومًا تجاه النظريات العلمية وجعلها جزءًا من خيالنا وتفكيرنا، دون أن يشترط ذلك معرفة بالنظرية النسبية أو نظرية الكم أو أي من الخلفيات العلمية للسفر عبر الزمن، أو اطلاع على «معادلة دريك أو الحجر المريخي ALH84001 أو أي من الجهود الأخرى المبذولة للبحث عن حياة في كواكب أخرى.

فالخيال العلمي يشكل نوعًا من «الصيغة غير الرسمية» للحديث عن العلم، وهذه الصيغة هي جزء مهم من مروية العلم لدى المجتمع البشري، من حكايتنا عنه وتصورنا له وفهمنا لمعناه. وهي جزء من توجه الرأي العام فيما يتعلق بكثير من القضايا التي يقع العلم في صميمها، والتي لا نبالغ إذا قلنا: إنها تشمل كثيرًا من جوانب حياتنا إن لم يكن جميعها. هي وضع المفاهيم العلمية ضمن نطاق «المفكر به»، وهو أمر جلل على مستوى الثقافة والوعي العام. لكن دور الخيال العلمي لا يقف عند تقريب العلم لنا، بل يتجاوز ذلك إلى طرح أسئلة الحياة الأكثر عمومية.

مروية الحياة

لا يحيا البشر بلا قصة، فنحن نبني تصورات عن العالم ونخلق سياقات لنفهمه، والأدب هو أحد هذه السياقات التي نتمثل بها حيواتنا، والخيال العلمي هو بهذا المعنى إعادة تمثل لأنفسنا وحيواتنا بصفتنا بشرًا نعيش في عصر العلم. تمثُّل يبدأ منذ الطفولة. ففي كتاب صغير الحجم بعنوان «أبطال خارقون» للكاتب الألماني (ديتمار دات)، يجادل الكاتب انطلاقًا من ذكريات طفولته، كيف أن تمثل الأطفال للأبطال الخارقين، الذي يتخذ شكل اللعب والتقليد والحماسة لشخصيات معينة من الكومكس أو الأفلام (أو ألعاب الحاسب الآلي إذا ما مددنا زمن المثال)، يمكن الأطفال من تجاوز طفولتهم بأمان وتمثل الصعاب التي سوف تواجههم في حياتهم ضمن إطار قابل للفهم، كما ترفع معاييرهم الأخلاقية اقتداء بأبطالهم المفضلين. إن أي عمل أدبي ذي رسالة أخلاقية كان ليؤدي الغرض نفسه، إلا أن أعمال الأبطال الخارقين تضيف إلى ذلك أنها تضع التحديات في إطار مفاهيم العصر التقنية، وتتمثل التغير الناتج عن التطور العلمي كفعل أخلاقي يجب فهمه والتفاعل معه.

ولما كان جمهور الأبطال الخارقين لا يقتصر على الأطفال -كما يُلحظ من التصنيفات العمرية لأفلام شركتي (دي سي) ومارفيل- يمكن للبالغين أيضًا أن يتمثلوا أنفسهم؛ إما في خجل «كلارك كنت» في تناقضه مع شخصيته الأخرى كسوبرمان، أو في مثابرة باتمان الذي لم يولد بقوى خارقة لكنه ثابر لاكتساب القوة، أو ربما في عبقرية وحيوية آيرون مان وبراءة سبايدر مان؛ إذا ما أخذنا جانب مارفل. حتى على جانب الأشرار، يمكننا أن نذكر على سبيل المثال أن الجوكر في أفلام باتمان شكَّل معضلة أخلاقية شغلت أذهان كثيرين.

وبالانتقال إلى مثال آخر من التمثل الاجتماعي، فلنتذكر فِلْمَيْ Avatar، الأول عام 2009م والثاني «Avatar: The Way of Water» أواخر عام 2022م. فِلْم أفاتار الأول هو إعادة تمثل -في أجواء من الخيال العلمي- لقصة بوكاهانتس الكلاسيكية التي تحاول التصالح مع جزء من التاريخ الأميركي المتعلق بالصراع مع سكان أميركا الأصليين. أما الجزء الثاني، الصادر بعد 13 عامًا، فقد جاء ليكون نقاشًا غير مباشر مليئًا بالصور والمفاهيم لمعنى الوطن والغربة والآخر. لكن هذه القصة التي تدور في عالم خيالي تمامًا، سمحت -كما القصة الأولى- لمشاهدين من خلفيات مختلفة بأن يجدوا تمثلاتهم لمفاهيم الوطن والغربة ويتفاعلوا معها وكأنها تتحدث عنهم، سواء كانوا من العالم الثالث الطارد أم من الغرب المستقر.

أعمال كلاسيكية كثيرة أدت هذا الدور أيضًا، مثل الرواية الشهيرة «القضية الغريبة لدكتور جيكل ومستر هايد» للكاتب روبرت لويس ستيفنسون، والمنشورة سنة 1886م، كثيرًا ما ينظر إليها على أنها تمثيل أدبي لنظريات سيغموند فرويد الذي عاصره ستيفنسون. فالخيال العلمي قادر على طرح أسئلة وبناء سيناريوهات تسمح بتفاعلات تتجاوز التفصيلات الضيقة أو الحالية للواقع، أسئلة تتجاوز محدودية الزمان والمكان. هذه التجليات أو التفاعلات التي تحدث في حبكات الخيال العلمي قادرة بعموميتها على تجاوز التعصبات والنزعات الأنانية والانتماءات الضيقة، وبتبصرها على تجاوز فكرة الراهن والممكن والانتقال إلى ما هو مأمول بكل ما يحمله ذلك من أسئلة وتداعيات.

الخيال العلمي والتفكير العلمي

هذا الخيال العلمي المعني بأسئلة الحياة، سواء في الحاضر أو المستقبل والمبني على الحدث العلمي، هو عمل وفيٌّ للتفكير العلمي، ويساهم في ترسيخه كما يساهم في ترسيخ الأفكار العلمية. يمكن الاستشهاد في هذا السياق بالتطور الذي شهده الخيال العلمي بدءًا من الأعمال الأولى ذات الطابع الأخلاقي والنظرة الفلسفية الماورائية كما في حالة «فرانكشتاين» لماري شيلي، مرورًا بالأعمال الكلاسيكية التالية التي كانت تميل أكثر إلى المنطق العلمي، مثل أعمال جول فيرن وإتش جي ويلز، وهو التقليد الذي تعزز مع تقدم القرن العشرين وصولًا إلى الوقت الحاضر مع ظهور فرع من أدب الخيال العلمي شديد الولاء للمنطق العلمي يسمى (Hard Science Fiction). «الخيال العلمي الصلب».

المنطق العلمي كحاكم لأعمال الخيال العلمي يقودنا إلى الحديث عن إمكانية الفعل كثيمة أدبية؛ إذ يقدم الخيال العلمي بحكم طبيعة النوع الأدبي مجتمعًا فاعلًا حتى في الأعمال الأكثر ديستوبية. فالعالم المتخيل في أعمال الخيال العلمي هو عالم شهد فعلًا غيَّره، وهذا التغير هو ما يرغب العمل في نقاشه ليضع حبكته فيه، مثل التغيرات التي شاهدها المسافر الزمني في رواية «آلة الزمن»، أو الفعل السلطوي في روايتي «عالم جديد شجاع» و«1984م». وأيًّا كان هذا الفعل المُغير وأيًّا كان فاعله، فإن المنطق الحاكم لعمل الخيال العلمي سوف يؤدي بنا دائمًا إلى أنه لا مجال للتنكر لمسؤوليتنا تجاهه، وما دام المنطق الحاكم للعمل أننا نعيش في تبعات أفعالنا، فإن ذلك يستتبع أن الفعل ممكن.

لا يمكن، إذًا، للخيال العلمي المؤمن بالفعل أن يكون اتكاليًّا أو ماضويًّا، لا يمكنه أن يستسلم للحنين وينكر التغير؛ فالتغير هو جزء من طبيعة الحياة والعالم، لكن هذا التغير يستتبع تحمل مسؤولية المستقبل، فهو رهان على نتائج أفعالنا. هذا الاعتقاد بالقدرة على الفعل الذي يغير العالم -إلى الأفضل أو إلى الأسوأ- هو ثيمة في أعمال الخيال العلمي. فالإنسان يظهر مكتشفًا أو مخترعًا أو مغامرًا، وهو أيضًا عبقري ويفتح لنفسه دائمًا آفاقًا جديدة لم تكن معروفة أو متخيلة سابقًا. ولأن فعله قائم على العلم فهو مفهوم ومحدد المعالم ومدرك، ومن هنا يأتي تحملنا لمسؤوليته، داخل العمل الروائي وانسحابًا على العالم الحقيقي.

نحن والخيال العلمي

ومن هنا تأتي أهمية الخيال العلمي للمجتمعات العربية، التي لا بد من الاعتراف أنها مجتمعات بعيدة من إنتاج العلم، لكنها في الوقت نفسه تتعرض لمنتجات العلم وثقافات المجتمعات المنتجة بأكثر الطرق صعوبة على الاستيعاب والتأقلم؛ إذ تتعرض له عن طريق الاستهلاك لا الإنتاج.

ففي حين تمر المجتمعات المنتجة بمرحلة حضانة تتمثل في عملية الإنتاج بكل ما تشتمل عليه من تطوير واستثمار وتأسيس وتوظيف وإنتاج وتسويق، ليصل المنتج في النهاية إلى مجتمع كان قد تحضر له. وهذه النقلة التدريجية المتمثلة في إنتاج المنتج الجديد، سوف تهيئ المجتمع لنقلة تالية في المستقبل. فالمنتج الجديد الخارج من رحم المجتمع لا يكون بعد غريبًا عنه، بل يكون التفاعل معه ممكنًا ومنتجًا.

أما المجتمعات الاستهلاكية، فإن التطورات تصلها كصدمة، غير متضمنة أي «إعدادات» للخلفية الثقافية لهذه المنتجات. وبذلك فإنها تُحدث تغييرات غير متوقعة ولا تؤدي بالمجتمعات الاستهلاكية إلى دمج الإنتاج والخلق العلمي في تفكيرها. ولأن المجتمعات التي لا تنتج تفتقد البيئة الثقافية التي تسمح بالإنتاج، فإن الخيال العلمي ربما يكون طريقة لمقاربة التمثل الثقافي الذي نحتاجه إذا أردنا التحول إلى مجتمع علمي منتج، بما يمكن له أن يقدم من تمثلات تعزز التفكير العلمي وضرورة المساهمة في عصر العلم.

على الرغم من أنه لا يمكن لرؤى الأدب أن تحل محل النقاش العلمي المُمَأسَس داخل المجتمع، فإن الخيال العلمي عنصر مهم في إثارة النقاش وتوجيهه والحفز على طرح الأسئلة. ففي مجتمعنا الذي لا يبدو مهتمًّا بالقدر الكافي بأسئلة الحاضر والمستقبل بوصفهما أحد مشتقات المتغير العلمي، يبدو أننا نحتاج بشدة إلى شرارة الخيال العلمي لتثير هذا النوع من الأسئلة.

«خديجة» لخالد الرويعي… أيقونة الكلمة، سردية الصورة!

«خديجة» لخالد الرويعي… أيقونة الكلمة، سردية الصورة!

بين دفتي كتاب يتآلف السرد مع الشعر، وتكتمل الرسومات مع المنمنمات والحروفيات والزخارف، فلا مساحات فائضة عن الحاجة في الصفحات، بل حتى الفراغ له وظيفته الدالة والمعبرة.  هذا ما يأخذنا إليه ويوصلنا معه «كتاب خديجة» للكاتب والفنان البحريني خالد الرويعي، الذي عرفته فنانًا مسرحيًّا، غير أن هذا الكتاب أعاد معرفتي به عمقًا معرفيًّا، ورؤى جمالية، فتجلى شاعرًا شفافًا، وساردًا يسبر الألباب بجمال نثره المتقد.

لا توجد أية إشارة زائدة، لا مكان للفائض في التعبير، ولا حدود معه لمدى التأويل الذي يأخذنا إليه خالد الرويعي في كتابه الذي تحتاج كل تفاصيله إلى تأمل واعٍ، وقراءة بعين القلب، هذه الحال من التأهب النابض بترقب المزيد من الكشف، تفتح نافذة تلك الصفحة الأولى من الكتاب، نحن هنا في حضرة فتوحات الدهشة، إنها قصيدة مرسومة على هيئة دائرة فيها أسطر الشعر كأنها شعاع شمس تدور بوصلتها مع عقارب الساعة، فيها كم من التصوف، فيها مهابة الكلم الطيب: «كيف صنعت من جودك وجودك/ وكيف لا تبصرني وأنا أبصر جودَك/ جدت بوجدي فجاد وجودي/ وجُدت بجودك فوجدت وجودك/ فما للوجود إلا بوجدك/ وما وجدتني في الوجود إلا بجودك/ وما وَجدي بك إلا من جودك..»، وتكتمل القصيدة في استفزاز بدء القراءة لاستكمال ما بعد، ولاستهلال درب الكلمات، بتوق الولوج لما بعد البدء.

سيستهل خالد الرويعي سرديته في كتاب خديجة، بحديث حول نساء عائلته، نسب يفضي إلى نسب، إلى أن يصل إلى مسير ركب الحج إلى البيت الحرام، وخلال المسير تتبين الرؤى، تتضح البوصلة، وتتجلى معها حين القدوم إلى مكة، ما يكون من فتوحات ذهنية واعية، باتجاه بوح لتسطير سِفرٍ حول سيرة خديجة، وليست أية سيرة، بل إنها تلك الخيوط التي نسجت حياتها مع النبي محمد، وليست أية حياة، هي برزخ كأنها بين ما كان، وما هو آت، بين عهد مضى، وعهد أتى، إلى أن يكون الحديث آسرًا، متصوفًا، شفيفًا، رهيفًا، عمّا كان وانقضى!!

خريطة الكلمات

إن خريطة الكلمة في الكتاب، تحيلنا إلى نص أدبي طويل، يقع في البرزخ المتقد بين النثر والشعر، سردية كأنها الأيقونة، مدونة توازن بين السماوي الرباني، وبين المادي الأرضي، يتناول فيها الرويعي علاقة السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويتتبع بروح المتصوف وجَلَد الباحث ورؤية الفنان، تلك العلاقة اللافتة العميقة الشفيفة، وكيف كان تطور معمار المشاعر وتجلياتها التي تبوح بها خديجة منذ مولد محمد حتى نبوته، فيكون السرد على لسانها مُحَمّلًا بحكاية تَرَقّبها له، حتى زواجه بها، ثم إنها تفيض بحديث الوجدان عن علاقتهما حتى وفاتها.

خالد الرويعي

تلك المسافة الزمنية، والمساحة المعنوية، والمحطات المصيرية، بين مولد النبي وارتقاء روح خديجة، يصفها ويتلمسها مسار كتاب خديجة، بكل فصوله، منذ انتظارها له، بترقب المحبّ، مع توصيف دقيق لمشاعرها تجاهه، اتكاءً على مراجع ومصادر دينية وتراثية موثّقة، لكن مع هذا السرد التراثي والبوح التاريخي، هناك خط موازٍ من وحي خيال الكاتب يمزج التاريخي بالمعاصر، برؤية إنسانية واعية، وبحس فني عالٍ، وبإيقاع شعري مؤثر، وبخاصة في تلمس رؤية المرأة للنبي، وكيف أنها عبّدت له الطريق واحتضنته.

يقدح خالد الرويعي صوان الكتابة في مفتتح سرديته بزناد حديث عن الذات/ ذات الكاتب، محاطًا بالقواعد من النساء، وهنا مسوغ ذكي للدخول بعد مسير قصير في زمن معاصر، ليكن فتح بوابة العودة إلى زمن النبي محمد ومكة العتيقة أم القرى، وما يدور في فلك تلك المرحلة من محطات نورانية، فيكون عنوان أول أسفار الكتاب «إلى الواحدة خديجة وصنواتها»، وفي هذا استحضار خديجة الرمز بإحلالها في نساء يراها فيهنّ، وهُنّ شمّة بنت قطامي/ جدته لأبيه، وأسماء بنت أحمد/ أم جده لأمه، ودانة بنت محمد/ أمه، وبعدها يكمل في أصول السيرة والمسيرة، وتبيان الأسماء والتسميات لمحيط يحتويه مكانًا وإنسانًا وبيئة، فيكون عقد الكلمات لبدء هذه العلاقة التي تُعبّد الدرب للوصول إلى الطريق المفضي إلى سيرة خديجة والنبي.

يقول الراوي/ الكاتب: «تجتمع النساء كلهن في صحن واحد. وأنا ربيب النساء، فقد نشأت في حجر أمي حتى التاسعة، محاطٌ بالقواعد من النساء، فشمة بنت قطامي سيدة البيت لا ينطق حجر إلا باسمها فهي لم تستكن للعصا، إلا لمن عصا، عرجون نخلة البيت، تجتمع الأيام كلها في صحن واحد…»، ثم تكون رحلة الحج، التي يكون فيها الراوي حاجًّا ودليلًا، إلى أن يكون الوصول إلى مكة، وحديث التاريخ بلسان الكاتب، لتتفتح شِعاب البوح عن الهدف الأسمى للكتاب: النبي وخديجة. ويتراجع حضور الزمن المعاصر تدريجيًّا ليحل مكانه ذاك المتن المقدس التاريخي.

تطويع جديد لفن المنمنمات

في كتاب خديجة ثراء للصورة، التي تشكل متنًا رئيسًا فيه، جزء أساس لا يكتمل المعنى من دونها، حيث تنتشر عناقيد جواهر في كل صفحاته؛ ليكون من خلالها تطويعًا جديدًا لفن المنمنمات التاريخية والأشكال الفنية الحديثة من خطوط وتكوينات تواكب النص الأدبي السردي الشاعري، وهذا لم يتأتّ من فراغ، فهناك بحث واطّلاع ومعرفة لدى المؤلف الفنان الذي يورد في فهرس الرسومات نهاية الكتاب ملحوظات إيضاحية لمخطوطات ورسومات وخطوط كانت ذخيرة معرفية وفنية للمؤلف، وهو ينحت ويُشَكّل ويبدع كتاب خديجة، وأولى إشاراته في الفهرس أن «النقش المتكرر في بداية كل نص: مخطوط نادر للقرآن مرسوم بالذهب مع شرح وتفكيك لبعض آياته، عُملت للحاكم المغربي أبي يعقوب يوسف بن يعقوب (1286-1307). تمت كتابته بالخط المغربي الذي انتشر في القرن العاشر بالمغرب العربي وحتى إسبانيا. جاءت المخطوطة من مجموعة يوهان البريشت ويدمانستر إلى مكتبة بلاط ميونيخ»، وهنا في هذه الإشارة، وما بعدها، يتضح الجهد والبحث والتخطيط الدؤوب كذخيرة معرفية وكتكوين أولي واعٍ عند تأليف الكتاب بسرده وشعره ورسوماته وحروفياته، ثم إن في الفهرست توضيح لما ورد في مساحات بعض صفحات الكتاب من تخطيطات وخرائط ورسومات ومعالجات رقمية ومنمنمات وزخرفات، بحيث يشكل هذا الفهرست جزءًا أصيلًا عند قراءة الكتاب لمزيد من المتعة والمعرفة التي تزيد من قيمة المحتوى والشكل والتكوين الجمالي الكلّي لكتاب خديجة.

هذه إطلالة أولى على كتاب لافت هو كتاب خديجة، وعلى إبداع كاتب مُحصّن بالوعي والفن والشعر والسرد، هو خالد الرويعي، حيث الكتابة عن الكاتب والكتاب، تحتاج إلى أكثر من محطة للإلمام بجوانب متعددة لكثير من التفاصيل والأفكار والرؤى المبثوثة كأنها الأيقونات على الصفحات الثرية بالكلمة والصورة والمنمنمات، فكل التقدير لهذا الجهد الاستثنائي، والإبداع الراقي، الذي نحن بأمسّ الحاجة إلى مثل هذا النوع من الكتب التي تصدر عن فكر ووعي يوائم بين المعلومة المُحَقّقة، والخيال النابض بالدهشة والجمال.