«الحياة لحْنٌ شجِيّ»… معاوية نور في أكثر حالات روحه إشراقًا

«الحياة لحْنٌ شجِيّ»… معاوية نور في أكثر حالات روحه إشراقًا

وُلد معاوية محمد نور، الناقدُ الأدبي والمفكر، وأحد رواد النهضة الأدبية العربية الحديثة، عام 1909م. تلقّى تعليمه الأوليَّ في مدرسة أمدرمان الابتدائية، وبعد تفوّقٍ مشهود، أُدرجَ اسمُه ضمن المختارين للدراسة في كلية غردون المرموقة. وفي سنواته الغردونية تلك، بدأت ميوله الأدبية تظهر وتتضخم، وكانت سعة اطّلاعه وثقافته أمرا مدهشا ولافتا للنظر. بعد إتمامه الدراسةَ الثانوية، اختير لدراسة الطب في كلية كتشنر الطبية، التي ستتيح لدارسيها مكانة رفيعة في المجتمع، خاصة بعد قمع الإنجليز الباطش لتحركات عام 1924م. لكن معاوية الذي ملأ الأدبُ عليه حياتَه، لم يستسلم لذلك الإغراء القويّ، فهَجَر دراسة الطب، واتّجهَ إلى عوالم الآداب والفنون، والاستغراقِ في قراءة الكتب العربية والإنجليزية.

سيصفه لاحقا إدوارد عطية، أستاذُه وأحد مصادرنا الثمينة عن حياة معاوية، بأنه أولُ سودانيٍّ يتصل اتصالا حقيقيا بروح الغرب، وسيسترسل في وصف تلك الغربة النفسية التي وجد معاويةُ نفسَه فيها، وهو يتنسّم آدابَ العالم حواليه، فيما بلاده تئنّ في قبضة الأمية. لاذ معاوية بالقاهرة هاربا، وكان جريمةً هذا الهروب، إذ لم يكن مسموحا بذلك لأسباب سياسية. وسريعًا أُعتقِلَ النابغة الهارب ذو العشرين عاما، وأعيد إلى أمدرمان. غير أنّ عزمه لم يتبدد، مرة أخرى طالَب بالسماح له بدراسة الأدب الإنجليزي، ولأنهم لم يقووا على الوقوف أمام هذه الرغبة الطاغية، كان له ما أراد. وما كان للحكومة الإنجليزية أن تمانع، فمعاوية هذه المرة اعتلى السفينةَ ذاهبا إلى لبنان، حيث بيروت ذات الصيت الجاذب.

عندما أسس دانيال بليس عام 1823م الكليةَ البروتستانتية السورية، والتي ستصير فيما بعد الجامعةَ الأمريكية في بيروت، لم يكن يعلم أن مؤسسته هذه، ستصير صرحًا تتفاعل فيه أفكار خطيرة، كان لها دور عظيم في التاريخ السياسي العربي المعاصر. فمن أروقتها انطلق مفكرون وناشطون كان لهم دورٌ بالغ الأهمية في تاريخ بلدانهم الحديث، ومنهم معاوية نور، الذي درَس فيها الآداب، مفْصلَ العقديْن الثالث والرابع من القرن العشرين. ونشر خلال تلك السنوات القليلة، مقالاتِه الذائعةَ في الفكر والأدب. وسرعان ما أصبح اسمًا لامعًا، وحظيت آراؤه الجريئة ذات النزعات التقدميّة بقبولٍ وتقدير من كبار الأدباء والمثقفين. ولا شك أن الجو الفكري الثقافي هناك، كان ملائمًا لطموحات معاوية، كما لا شك في انخراطه ضمن «جمعية العروة الوثقى» التي تأسست جمعيةً ثقافيةً طلابية عام 1919م، وقد حوَت مثقفين كانت أوطانُهم آنذاك تغلي؛ تريد التحرر. وتُعدّ هذه الجمعية نواةً لحركة القوميين العرب، وربما كان اشتغالُها «الزائد» في السياسة سببًا في قيام مجلس شيوخ الجامعة عام 1954م بحلّها، مخلِّفةً آثارا عظيمة، منها أعدادٌ من صحيفة «العروة الوثقى»، التي نشر معاوية على صفحاتِها في منتصف مارس عام 1930، هذا المقالَ الذي نقدِّم له..

تأتي أهمية هذا المقال الذي لا يتعدّى تسعمئة كلمة، من نواحٍ عدة. منها إثارتُه استفساراتٍ كثيرة، تتعلق بوصول التراث الكامل الذي كتبه معاوية إلى أيادينا، إذ يمكننا أن نفترض أنّ مقالات أخرى بالعربية أو بالإنجليزية ما زالت بعيدة من الأضواء، وتتطلب جهدًا جماعيًّا للعثور عليها. وأيضًا يظهِر هذا المقالُ الحالةَ النفسية لمعاوية في أثناء دراسته في بيروت، إذ نجدُ أنه كان سعيدًا ومبتهجًا، ولنا أن نتخيله، طالبًا شغوفًا بالمعرفة، في واحدة من كبريات الصروح الأكاديمية في المشرق العربي، وهو يدْرس المواضيعَ التي يحبها، محاطًا بأساتذة وأصدقاء مثقفين، ولذا جاء إنتاجه الأدبي والفكري غزيرًا ذلك الأوان، خصوصًا عاميْ 1930-1931.

وهي مقالات لا بد أنها تطلّبت بحثًا متأنّيًا في بطون الكتب، وروحًا متفائلة، روحًا كالتي تكتبُ هنا «الحياة لحن شجي». هذا المقال الصغير المنشور بخط يد معاوية، يُظهرِ معاويةَ في أكثر حالات روحه إشراقًا، مليئًا بالحياة، وداعيًا الناس للإقبال على الحياة، كاتبًا بلغة شعرية صوفية. يفعل هذا معاوية نفسُه الذي ستتخذ حياته لاحقًا في القاهرة وأمدرمان منحى مأساويًّا، وسيفارق هذا اللحنَ الشجيَّ وهو لم يكمل عامه الحادي والثلاثين بعد. إذا قارنّا هذا المقالَ مع مقالات أخرى لمعاوية، فلا يمكننا ادّعاءُ أهمية معرفية كبرى لهذا المقال، ولكنه مهم في الوقت ذاته، لتاريخ نشره، ولمكان نشره، ولموقفه الفكري، وحمولته النفسية، وهي أشياء نزعم أنها تهم دارسي معاوية نور.

تذكرتُ وأنا أراقب خطَّ معاوية، مقالتَه التي نشرها بعد ستة أشهر من هذا المقال، أعني مقالَته: «شخصية غاندي من خطه». يقول فيها إن «أولئك العلماء الذين يولون خطَّ الإنسان عنايتهم الكبرى في تعرُّف الشخصية، هم أقربُ الناس إلى الصواب». و«حتى مَن يستطيع تزوير خط يده، فهناك خطوط من شخصيته ستكون واضحة لا تخفى». وأردتُ تطبيق هذا على خط يده، كما فعل هو بخط غاندي وساروجيني نايدو، فرأيت معاويةَ من خلال خطه، كثيرَ التفكير، «يشطب» كلماتٍ ويعيد كتابتها أكثر من مرة، يكتبها أعلى السطر أو أسفلَه. ثم هو مندفِعٌ مسرع، تزدحم الكلمات في رأسه، يده تحاول اللحاق بأفكاره، ولذا خطُّه يُقرأ بصعوبةٍ نوعا ما. وهو بعد هذا أنيق، مُعتنى به، ومعاوية كذلك، وصِف كثيرا بأناقة ملبسه ومظهره. إجمالًا، خطُّه خطُّ شخص متحمّس، سريع الحركة، متوقد الذهن.

تبقى أن أقول إنني لم أفعل شيئًا لهذا المقال، سوى قيامي بنقله من خط يد معاوية، إلى حروف الآلة الكاتبة الحديثة ليُعاد نشره. ولأن المقال نُشر حين نُشر بغير تدقيق ومراجعة، فقد تدخلتُ أحيانًا لضبط آخر الكلمات بحركات الإعراب.

شكري الخالص للصديق الشاعر حاتم الكناني لمدّي بمخطوطة المقال. والشكر كذلك للسيد رافائيل كورماك مصدَر هذه الصفحات.

نصّ المقال

«الحياة لحنٌ شجيّ. الحياةُ جمال. الحياةُ أنوار. الحياة قوة. الحياة لحن شجيّ. الحياة لحن شجيٌّ يختلف قوةً وضعفًا، وبكاءً وفرحًا، وتفنُّنًا وإبداعًا. الحياةُ لحن شجيّ. الحياة لحن شجي. ولو سمعْته نغمةً حزينة باكية، وأخرى ضاحكةً مستبشرة، وغيرها سطحيةً جوفاء، وتلك عميقةً بعيدة الغور، وهذه فيها ظلالٌ وألوان، وغيرها فارغةً لا ظلال فيها ولا ألوان. هذه هي الحياة، تختلف باختلاف العازفين، وتتلوَّن بأميال الموسيقيين وتُحكم بذوق السامعين. هذه هي موسيقى الحياة، التي تفوق كلَّ موسيقا وكلَّ نغم، هذه هي الموسيقى التي نعملها كما نريد، فنلوّنها بعواطفنا وأميالنا ونزعاتنا، وذلك في استطاعتنا إلى أمد بعيد.. فأين أنتَ يا صاح من هؤلاء؟

فهل أنت ناظرٌ للحياة تلك النظرةَ السطحية الفارغة، التي ربما تغيرها أتفهُ الأشياء، وعوارضُ الحالات، فلا ترى في الحياة قصدًا ولا غناءً، ولا إبداعًا أو ثراءً. أم أنت ذلك الرجلُ الذي ينظر فلا يرى غيرَ الظلمة والحلكة والأنواء، ولا يسمع إلا أنينَ الشكوى وتمردَ الضعفاء، ولا يرى في هذه الحياة سوى الآلام، وصور الشقاء، أين أنت يا صاح من هؤلاء، أو أنتَ إنسان قد تفتّحت نفسُه، ووعى قلبُه، وتألق فكرُه، فصار يرى الحياة كما يجب أن نرى الحياة، زاهيةَ الألوان، مختلفةَ الأنغام، جليلةً في كلتا حالتيْها من سرورٍ وآلام.

أنتَ ترى الحياة فتعرف أنها عميقة المعنى، بعيدة الغرض، جميلة في المعنى والمبنى، ترى الحزنَ فتعرف أنّ بدون حزنٍ ليس هنالك من سرور أو صفاء، وترى القبح فتعرف أنه لولا هذا القبح لما كان هناك ثمّت من جمالٍ أو روَاء. وترى الظلم فتعرف أن لولا الظلم لما كان هنالك ما يُسمى عدْلًا أو حريةً أو قضاء، وترى الفقر والتعاسة فتعرف أنه لولا هذا الفقر والشقاء، لما كان هنالك ثَمَّ سعادة أو غناء أو ثراء، وترى الشتاء زمهرير برده، فتعرف أن لولا هذا الشتاء لما كان هناك دفءٌ أو ربيع أو سناء. وتستمع من بعد هذا كله إلى الموسيقا الباكية، وإلى أنين المحزونين، فترى في ذلك جمالًا، وتعرف أن لولاها لما كان هناك موسيقا طرِبَة، ولولاها لما كان ما يسمَّى أفراح المسرورين. وترى مجانين الناس فتعرف أن لولاهم لما كان هنالك عقلاء، وترى كلَّ شيء مظلِماً محزِناً فتعرف أن لولا هذا الظلام، ولولا هذه الأحزان، لما كان هنالك نور، ولا كان هنالك سرور ولا كان ثمة حياة.

    هذا رجلٌ شأنه ليرى في كل هذه الأحزان جمالًا آخر يضيفه، جمالًا حزينا، يضيفه إلى الجمال الباسم، وإنه لينظر إلى كل شيء فلا ينظر هذه النظرةَ الغبراء. ثم هو يرى الحياة في جميع أجوائها وأثوابها فيعدّها جميلةً، ذلك لأنها الحياة، أين أنت يا صاح من هؤلاء؟

    أوَدُّ أنْ تكون من الأخِيرين، فتسعدُ وتعرفُ ماهية الحياة، فالذين يحكمون على الحياة إنما يحكمون على أنفسهم، والذين يقولون إن الحياةَ ظلامٌ وتعاسة وشقاء، فإنما ينتحرون ولو أنهم موجودون بين الأحياء. وخبّرْني كيف يحكم الطفلُ على والدته بأنها أرذل الوالدات وأقبحهن، حينما لا يكون هنالك من والدةٍ خلافها، ولا ابنٍ خلافه في هذا العالم، هي الأم الوحيدة وهو الابن الوحيد، فكيف يقارن بينها وبين أمهاتٍ ليس لهن من وجود، ألا إن ذلك لَهُوَ العبث بعينه الذي لا عبث وراءه لعابث، واللهْو الأكبر الذي ليس وراءه من لهْو. فهي أمُّه بخيرها وشرها، وهي أمه أرضتْه أو لم ترضِه، وهي الأم التي يستطيع أن يقول عنها إنها جميلة، ولا يستطيع أن يقول عنها رديئة، لأن لا أُم غيرها، غير أنه يستطيع أن يقول إنها لا ترضيه، ولو أنه بذلك يحكم على نفسه بالشقاء الذي هو ليس في حاجة إليه.

    ولي مع أولئك النفر- الذين يحكمون على الحياة ويقولون إنها أرذل حياةٍ- سؤالٌ: أوَهل رأوا حياةً غيرها حتى يحكموا؟ وكيف يحكم الإنسان على شيءٍ فرْدٍ لا ثانيَ له ولا شبيه؟ هذه مسألة منطقية أولية، لا تحتاج إلى قيل وقال. أفَليْس الأصوب أن أعدّ الشيء الوحيد الذي لم أرَ غيره جميلًا؟ على الأقل جميلًا في هذه الفردية، وجميلًا بحقيقةِ وجوده، وكل ما عداه عدم. جميلًا لأنه هو ولا شيء غيره، ولأني غير حرّ في أن أغيّر فيه أو أبدِّل.. وهو موجود سواء أسُررتُ به أو لم أُسَر، أيٌّ أصحُّ وأي أعقل؟، الرافضُ للذي لا بد منه، أو القابل للحياة مستبشرًا لأنها الحياة؟ هذا هو شأننا مع الحياة، نولَد غير مختارين «سلّمْنا»، ونترك هذا العالم غير مختارين «سَلّمنا» فأي أشد فهمًا وأيهم الأصح؟ ذلك الذي يختار في مدّته التي لم يخترها الجمالَ أو ذلك الذي يختار الرفضَ في مدته التي لم يخترها فيبقى ويظل شقيًّا؛ لأنه يرفض شيئًا لا بد من قبوله، وينتقص شيئا ليس غيره من كمال. فلا تشاؤم ولا تفاؤل هناك، إنما جنونٌ وحمق، وهناك صحة وعقل، وأعيذ القارئ أن يكون أحمقَ أو مجنونًا.

    فلْنتقبل الحياة، ولنتقبلْها مستبشرين متفائلين، ضاحكين كضحكها، متجهّمين كتجهّمها، محزونين كحزنها، متألمين كألمها. ولكن بعد هذا كله متفائلين كتفاؤلِها، وعميقين كعمقها، حيِّين كحياتها، عارفين أنّ وراء كل هذه الظواهر جمالًا وحياةً وحقًّا، جمالًا لأن لا جمال في غير حياة، وحقًّا لأن لا حق في غير حياة، وحياة لأن لا حياة في غير حياة. كتَبَ روبرت براوننج  قصيدتَه «رابّي بن أزرا»، يرى فيها أن ليس الشبابُ وحده زمنَ الحياة والتفاؤل والعمل، ولكنْ في الرجولة والشيخوخة جمالٌ وقوة وحياة، ليس دون قوة الشباب وجماله. ولقد قال حقا، ودلَّ على معرفةٍ بسُنة الحياة وتقاليدها.

    والشباب والربيعُ.. هذا أوانُ الربيع يا صاح. الربيع بأنواره، الربيع بأزاهيره، الربيع بأطياره، الربيع بشمسه الوضّاءة، الربيع بلياليه القمراء، يصبُّ شِعرًا هادئًا وسكونًا رزينًا، وتألقًا ونورًا. الربيع في تفتُّق الأزهار، الربيعُ في زقزقة الأطيار، الربيعُ في كل شيء نامٍ، وفي كل شيء غير نامٍ. هو بهجة الأنظار، ولذة الحواس، وشعور الغبطة والسعادة في النفوس والأرواح. كل هذه الأشياء لا ترضيك! ولا تفعم نفسَك لذةً وانشراحًا وتفاؤلًا وعملًا! وتجعلك أفهَم لمعنى الحياة، ووجود الأحياء. فلْتستمتع بنظرك، وسمعك، وحسك، ولمسك، وشمك، ولْتفهم بعقلك، ولْتخفق بقلبك، ولْتستبشر وتغتبط بروحك من كل هذه الموائد التي تعرضها عليك الحياة في غير تمنٍّ ولا جزاء.

معاوية محمد نور

15/3/1930م.

القيمة العلمية للإحالة التوثيقية في نتاج عبدالله الغذامي

القيمة العلمية للإحالة التوثيقية في نتاج عبدالله الغذامي

من المعلوم أن الكتب العلمية (نقدية وغير نقدية) تعتمد على التوثيق في تقديم المعلومة، وذلك من خلال إحالتها إلى مصادرها ومراجعها الأصلية، وهذه الطريقة تُسمى: (التوثيق الأكاديمي، أو الإحالة التوثيقية أو الإحالة المرجعية). فالإحالة نظام علمي متبع يقوم على تقديم المعلومة بين يدي القارئ، ثم توثيق هذه المعلومة من خلال إحالة هذا القارئ إلى المصدر أو المرجع الذي أُخذت منه (مع ذكر بيانات مصدر المعلومة: اسم المؤلف وعنوان كتابه ورقم الصفحة، ثم دار النشر وسنة الطبعة ورقمها)، بقصد إثبات صحة المعلومة وطمْأنة نفسية المطلع عليها، أي هي دليل على صدقية المعلومة، كما يمكن أن تكون هاديًا لِمَن يريد أن يتزود في البحث ويتعمق فيه أكثر بالرجوع إلى تلك المراجع والاطلاع عليها.

وهذه طريقة منهجية حديثة، صارت قانونًا علميًّا لا يمكن الاستغناء عنه في الكتب التي تُعنى بالبحث والتأريخ والنقد. وأصبحت مقياسًا على الجودة العلمية للكتب، حتى باتت أحيانًا زينة واستعراضًا فائضًا عن الحاجة يوظفها بعض الكتاب والمؤلفين والباحثين. وللتوثيق نظام شكلي ومنهجي متشعب، ويقوم على معايير علمية دقيقة، وعلى نِسَبٍ معرفية محددة بحيث تصير فيه الزيادةُ أختَ النقصان من ناحية الإخلال بنظامه المنهجي. والتوثيق وما يترتب عليه من نظام الإحالة موجود عند الغذامي وعند غيره. لكن هناك ثلاثة أنواع من الإحالات المرجعية التي استجدت على نحو واضح في نتاج الدكتور عبدالله الغذامي في كتبه التي تُوصف بانتمائها إلى النقد الثقافي.

وهي ما يُمكن أن نسميها الإحالة الذاتية العضوية، ثم الإحالة الذاتية العلموية المرفوعة. وأخيرًا الإحالة الوهمية. هذا إضافة إلى الإحالة المرجعية المعهودة التي يحيل فيها الغذامي قارئَه إلى مصادره ومراجع معلوماته.

معضلة الإحالة الغذامية

نحن هنا لن نتطرق إلى الإحالة المرجعية المعهودة؛ فهي كما أسلفنا، موجودة عنده وعند غيره، ويطرأ عليها من العوارض والصفات ما يطرأ على إحالات غيره. لكنها بالعموم يلحظ فيها أن الغذامي يتجنب، في إحالاته وهوامشه، الأعراف الأكاديمية، من ناحية التقيد المنهجي وَوَحدة الأسلوب. كما أنه أحيانًا لا يتحرى دقة الإحالة على نحو قاطع؛ فقد نجد عنده إحالة إلى غير موضع الصفحة من الكتاب المحال إليه. وقد نجد بعض الفروق بين بعض إحالاته نفسه من ناحية دقة العبارة أيضًا (ينظر: الفقيه الفضائي. ص69. إذ وضع بين مزدوجين: «من شأن الإنسان أنه لا يعلم ثم يعلم». ثم عاد واقتبس القول ذاته بين مزدوجين، على هذا النحو من الصيغة (ص81): «من شأن ابن آدم أنه لا يعلم ثم يعلم». وفي كلتا الحالين كانت الإحالة إلى كتاب الشاطبي، إلى الصفحة ذاتها [الشاطبي4/97]. لكن تبقى المعضلات والإشكالات المنهجية في الأنواع الأخرى من إحالاته التي ظهرت مع تحوله من النقد الأدبي إلى النقد الثقافي هي الأهم والأخطر.

بين الإحالة الذاتية العضوية والإحالة العلموية (المرفوعة)

أن يحيل المؤلف أو الناقد إلى كتبه الأخرى فهذا لا يُعد إشكالًا في ذاته ولا يقلل من القيمة العلمية لنتاجه. بل على العكس؛ فهي ظاهرة توثيقية تبين مدى التكامل بين نتاج المرء، وتعطي صورة عن تواشج نصوصه وتفاعلها، وهو الأمر الذي يبعث على الشعور بأن ثمة وحدة عضوية متحققة في مجموع نتاج هذا المؤلف أو ذاك الناقد. والغذامي كثيرًا ما يحيل القارئ إلى كتبه الأخرى للاطلاع على ما يتقاطع مع الفكرة التي يطرحها في الكتاب المقدم بين يدي هذا القارئ.

لكن من أهم الإشكالات المنهجية عند الغذامي، في إحالاته الذاتية، تلك التي إن جاز لنا أن نسميها (الإحالة العلموية المرفوعة) التي يحيل فيها إلى كتبه نفسه؛ ليطلعنا على بعض الجوانب والرؤى للنقد الغربي المعاصر على وجه التحديد، مثل: بعض رؤى رولان بارت، ونظرية الاتصال، والأسلوبية، والبنيوية، والسيميائية، وغيرها. وثمة أمثلة كثيرة، مبثوثة في كتبه، من هذه الإحالات، وقد أشار الدكتور عبدالنبي اصطيف إلى أن في هذا الإجراء ملمحين: الأول أنه إجراء غير سليم أكاديميًّا ومنهجيًّا، والثاني أن في هذه الإحالات المتكررة، إلى مراجع أدبية، ما يناقض دعوى الغذامي إلى موت النقد الأدبي، وبخاصة أن إحالاته تلك تأتي ضمن مشروعه في النقد الثقافي (ينظر: نقد ثقافي أم نقد أدبي. ص188).

ويبدو أن اصطيف هو الوحيد الذي أشار إلى هذا العيب المنهجي غير السليم أكاديميًّا. وهو إن لم يبيّن أين الخطأ في ذلك، فلأنه من بدهيات النقد والتأليف الأكاديميين؛ إذ لا يجوز في الأعراف الأكاديمية العلمية أن يحيل الناقد إلى مراجع ثانوية حين يكون المصدر متوافرًا؛ فكان عليه أن يحيل إلى كتب أصحاب الرؤى والنظريات أنفسهم، وليس إلى كتبه.

وأكبر الظن أن الغذامي يريد من وراء هذا القصد أن يجعل من كتبه (خاصة كتابي: الخطيئة والتكفير، والنقد الثقافي) مرجعية علمية في هذا المجال؛ أي ثمة نوع من القرصنة المنهجية والمصادرة المعرفية التي يسعى صاحب النقد الثقافي إلى تحقيقها، حتى بعد أن هجر النقد الأدبي ودعانا إلى هجرانه والتسليم بموته، وطلب إلينا أن نيمم شطر نقده الثقافي؛ إذ يريد أن يصير مرجعية ليس في حقل النقد الثقافي فحسب، بل في مجال النقد الأدبي أيضًا، وهذا سلوك منهجي أناني غير سليم (لا أكاديميًّا ولا على المستوى النفسي). ولأن الغذامي كثيرًا ما يحتفي بالفقه ومنهج علماء الأصول، فلذلك سمينا هذا النوع من الإحالة العلموية (غير العلمية) بالإحالة الذاتية المرفوعة؛ لأنها تتطابق مع سلوك بعض الرواة حين يروون حديثًا فيغفلون من سنده مصدرَ الروايةِ المتمثلَ بالصحابي، ويقفزون من فوقه ليصلوا مباشرة التابعي بالرسول، كما وصل الغذامي صلته التابعية برُسُله البنيويين. فالعيب ليس في الرجوع إليهم إنما العيب في القفز وتجاهل المصدر.

الإحالة الوهمية

ومن الإحالات الغريبة المثيرة التساؤل، هي إحالته في بعض كتبه إلى كتاب «كل ما يعرفه الرجال عن النساء» (Everything men know about women) تأليف آلان بيس، وهو كتاب مغلف بورق أبيض شفاف جميل. هكذا أورده الغذامي، وأطنب في الحديث عنه؛ فذكر أنه في أستراليا صدر هذا الكتاب، وصاحب الكتاب له شهرة عالمية، كما يذكر الغذامي، والكتاب يحمل تصنيفًا عالميًّا، ومسجل في عدد من المكتبات العلمية والمؤسسات الجامعية، وعليه اسم المؤلف، وحقوقه العلمية والمالية مرصودة عالميًّا. ويضيف: لكنك بعد أن تشتري الكتاب ستكتشف أنه كله ورقات بيضاء لا شيء مكتوبًا فيها (ينظر: اليد واللسان، ص70- 71. كذلك: الجهنية، ص173. أيضًا: الثقافة التلفزيونية، ص130. كذلك مقال له في: جريدة الرياض. تاريخ 18/3/2010م).

ولقد ذكرت جريدة (الوطن) الكويتية، (تاريخ 31/12/2016م). أن الكتاب طبع طبعات متعددة (20 طبعة). لكن الغرابة أن الغذامي قال: إنه لآلان بيس أو بيز (Allan Pease)، وهو كاتب أسترالي ولد سنة (1952م). والكتاب على الشبكة العنكبوتية (موقع ويكيبيديا، وأمازون حيث يمكن تحميله من هذا الموقع) تظهر صورة الغلاف باللغة الإنجليزية يحمل اسم المؤلف (ألن فرانسيس/Allen Francis) وهو طبيب نفسي أميركي، ولد سنة (1943م)، وذو مكانة أكاديمية وشهرة عالمية تفوق مكانة الكاتب الأسترالي وشهرته. وقد نسبت جريدة (الوطن) الكويتية في مقالها السابق الذكر الكتابَ إلى (فرانسيس)! ولا يمكن أن يكون في الأمر شبهة مصادفة في العنوان؛ لأن الكتاب كما ذكر الغذامي مسجل دوليًّا؛ وعليه، فسيكون هذا الأمر تطابقًا في العنوان والمضمون؛ وهذه سرقة موصوفة لا تجوز في أعراف حقوق الملكية الفكرية، وبخاصة أن الكاتب الأسترالي مشهور وموثوق، وحاليًّا تصدر له كتب تحقق مبيعات عالية بالمشاركة مع زوجته، فمن المحال أن يصدر منه هذا الفعل!

فهل اطلع الغذامي على الكتاب، الذي قال: إنه أحد الذين اشتروه؟ وكيف يُصر الغذامي على اسم المؤلف، وهو الذي يُفترض أنه يجيد اللغة الإنجليزية، وقد حصل درجاته العلمية الأكاديمية بهذه اللغة، وفي جامعات تنطق بها؟! والأمر لا يمكن أن يعود إلى خطأ مطبعي، أو سهو من جانب الغذامي؛ لأنه ذكره غير مرة وفي أكثر من كتاب ومقال.

وتتنوع إحالات الغذامي، بين الكتب، والمجلات، والقنوات، ووسائل التواصل العامة. وكذلك تكثر في نتاجه، وبخاصة الثقافي، الإحالاتُ إلى المرويات الشفهية، وهذه الأخيرة يمكن أن تدرج تحت اسم الإحالة الوهمية؟ كأن يحيل إلى الهامش، ليقول، هناك: إنها حكاية متداولة وواقعية (ينظر: القبيلة والقبائلية، ص257، الإحالة [3]. كذلك ينظر على سبيل المثال: تأنيث القصيدة، ص126، الإحالة [14]. كذلك: الجهنية. وهذا الكتاب من دون هوامش، ومعظمه يعود إلى مرويات شفهية).

وفي هذا شبهة (تدليس)، كما يقول علماء الأصول، الذين يرجع إليهم الغذامي في منهجه. ومثل ذلك -أيضًا- قوله: «عن تعريفنا للنسق انظر: النقد الثقافي، الفصل الثاني» (القبيلة والقبائلية، ص68، الإحالة [52]). علمًا أن الغذامي، في كتابه المذكور (المحال إليه)، لم يعرفِ النسق، بل قال: إن النسق مفهوم ملتبس، ومُختلِف من ناقد إلى آخر، ومن عالم إلى غيره. ومن ذلك -أيضًا- أنه ذكر مقولة، قال إنها للجاحظ، وأحال إلى الهامش، غير أنه، في الهامش، ذكر أن هذه يحفظها عن الجاحظ، ولكنه عجز عن العثور عليها. ويقول: ولكنني على يقين من أنها للجاحظ، والتعبير له (ينظر: تأنيث القصيدة، ص144، الإحالة [8]). وقريب من هذا أنه قد يحيل إحالة (فائضة)، كقوله: «فإذا جاز المتكلم باللفظة من حال إلى حال فذلك هو المجاز» (تأنيث القصيدة، ص106، الإحالة [3])، ثم أحال إلى أكثر من مصدر ومرجع، على الرغم من أن عبارته هذه عن المجاز من الشائع البلاغي، الذي لا داعي لتوثيقه في الأعراف الأكاديمية، ويُلمز عليها باحث مبتدأ، فما بالنا بناقد بحجم الغذامي.

خاتمة

ونحن لا نسوق هذه الإحالات بقصد التشهير أو التقليل من قيمة هذا الناقد، كذلك ليس بقصد التنويه بمكانته العلمية التي لا تخفى على أحد. والنقد العلمي الموضوعي لا يأبه بتحديد نوع القيمة وصنفها (إيجابية كانت أم سلبية) فتلك من شأن المتلقي، وليست من شأن النقد الذي يهتم بالقيمة العلمية فقط وبأثرها في حركتي الثقافة والمجتمع، إيجابًا أو سلبًا. وعليه؛ فنحن هنا إنما نريد أن نبين أثر التحول في القيمة العلمية التي طرأت على الإحالات المرجعية للدكتور عبدالله الغذامي بعد تحوله من النقد الأدبي إلى النقد الثقافي.

تشكيل العالم في «يوميات شاعر مغمور»

تشكيل العالم في «يوميات شاعر مغمور»

يضم ديوان «من يوميات شاعر مغمور»، الصادر عن سلسلة الإبداع الشعري بالهيئة المصرية العامة للكتاب، 2018م، اثنتين وثلاثين قصيدة، يقسمها الشاعر خالد حسان إلى أربعة أقسام، كل قسم يعد جزءًا أصيلًا من وحدة كلية هي الديوان، والأقسام الأربعة هي: «إرهاصات ثورية» (قصيدتان)، «من يوميات شاعر مغمور» (أربع عشرة قصيدة)، و«الحب مرة أخرى» (خمس عشرة قصيدة)، و«غيابك» (ثلاث قصائد). وتشكل تلك الأقسام الوحدة الموضوعية التي تجعلنا ننظر إلى هذا الديوان بوصفه ذا مقدمة شعرية، ومتن أو موضوع شعري، وخاتمة شعرية لمكون واحد.

إضافة إلى الإهداء الذي يحمل روح الشاعر اللائمة التي تطلب الغفران من ناحية، ويحمل -من ناحية أخرى- آيات شكر لصديقه الشاعر محمد القليني؛ إذ يقول فيه: «إلى أبى وأمي.. أرجو أن تغفرا لي أنني لم أزل أكتب الشعر الذي لا طائل من ورائه/ إلى صديقي محمد القليني الذي بذل مجهودًا كبيرًا في تجميع هذه القصائد وترتيبها»(ص 9).

وينضوي هذا الإهداء على شقين: الأول يلوم فيه الشاعر نفسه ويطلب المغفرة من أبويه، ويبدو أنهما ليسا راضيين عن كتابته الشعر، الذي يرى خالد حسان أنه «لا طائل من ورائه»، وهو قد يكون محقًّا في هذا؛ إذ إن سؤال جدوى الكاتبة يُلح على كثيرين من أبناء هذا الجيل -أقصد جيل ما بعد ثورة يناير- الذي عاصر ثورتين، وذاب بين الجيلين السابق واللاحق؛ فتبدو ملامح هذا الجيل الذي ولد في ثمانينيات القرن الماضي متشابهة مع الجيل السابق عليه، وهو جيل لا يختلف كثيرًا عن جيل الثمانينيات من ناحية، وجيل ما بعد الألفية، وهو الجيل المتوافرة له الرفاهية الكاذبة وأحلام الثراء السريع من ناحية أخرى. أما الشق الثاني من الإهداء فهو لصديق خالد حسان، وهو الشاعر محمد القليني، وهو شاعر قصيدة نثر أيضًا، بذل مجهودًا في تجميع قصائد ديوان «من يوميات شاعر مغمور»، وترتيبها.

من الرمزية إلى المباشرة

وكما ذكرنا مسبقًا؛ فإننا سنقرأ هذا الديوان بوصفه أربعة أقسام، منفصلة متصلة في الآن نفسه، ففي القسم الأول «إرهاصات ثورية»، وفي القصيدة الأولى (1) يتبدى إنكار الذات والتفاني الذي يُرى في تعامل الآباء مع الأبناء؛ إذا يقول: «قالت نملة صغيرة/ لأخرى قُطعت ساقها/ إثر انزلاق قدم أحد الجنرالات/ فوق سلم مهجور/ لمعسكر قديم: لا بأس/ غدًا أولادنا سيعيشون حياة أفضل» (ص11). وهو الأمر الذي يشي بمظلومية الشاعر الذي يتمثل في هذا القسم من الديوان بوصفه نملة، من نمل كثير هم نحن البشر. ويقول في نهاية القصيدة (2): «وأخذ يهتف: هذه ليست حياة/ دعونا نخرج إلى الشوارع الواسعة/ والهواء النظيف»(ص12). وهو في هذه القصيدة يحيل إلى الثورة، مؤكدًا كوننا نملًا أو أعدادًا لا قيمة مهمة لها، مؤنسنًا ذلك النمل الذي هتف في المقطع السابق من القصيدة رافضًا وضعه الذي كان عليه، وداعيًا في الآن نفسه إلى الخروج إلى الشوارع الواسعة والهواء النظيف، في إحالة إلى الميادين التي احتوت صرخات النمل المظلوم إبان ثورة يناير، وتتجلى الوحدة الموضوعية في القصيدتين اللتين احتواهما هذا القسم؛ إذ إن المؤنسَنَ واحد، وهو النمل، وهو الرمز البطل الفاعل في القصيدتين، وفي هذا الجزء كله، بطبيعة الأمر.

أما متن الديوان الرئيس، الذي يحمل عنوان الديوان نفسه «من يوميات شاعر مغمور»، فقد خصه خالد حسان بمناقشة بعض تفاصيل الحياة اليومية التي أضحت واقعًا حياتيًّا يعيشه إنسان القرن الحادي والعشرين، أو لنقل إنسان ما بعد 2011م. واللافت في هذا الجزء هو المباشرة؛ إذ تحيل عناوين القصائد إلى متونها مباشرة، بخلاف الرمزية التي تمثلت في الجزء الأول من الديوان «إرهاصات ثورية». ففي قصيدة «بعض التقدير»، يرسم خالد حسان صورة للإنسان المشار إليه بوصفه إنسانًا وحيدًا سيطرت عليه التقنية والتفاصيل الحياتية المستحدثة، فيقول: «أحيانًا يحتاج المرءُ إلى تقدير من الحياة/ كأن يهتز الهاتفُ فجأةً/ بمكالمة طال انتظارُها/ أو يصطدم كتفُك بكتف صديقٍ/ لم تره منذ سنوات/ أو يعلن صندوقُ البريد الإلكتروني/ عن وصول رسالةٍ غير متوقعة/ أو ترسلُ لك إحدى الشاعرات الجميلات/ طلبًا للصداقة على الفيس بوك…»(ص15). والشاعر في هذه القصيدة غارق في تفاصيل الحياة اليومية، في تماهٍ واضح للعنوان مع المتن؛ عنوان الديوان بصفة عامة، وعنوان أو عناوين القصائد على وجه الخصوص، فالمفردات التي يستخدمها الشاعر مفردات حياتية يومية، يستخدمها الناس في حياتهم اليومية، بل في تفاصيل التفاصيل.

وعلى الرغم من كونه غارقًا في التفاصيل، فإنه يوظف مفرداته المكونة لقصائده توظيفًا متميزًا، وتبدو وحدة الموضوع في ارتباط أقسام الديوان بعضها ببعض؛ فالجو العام للقسم الأول من الديوان يتجلى في باقي أجزائه؛ إذ تحيل بعض مقاطع قصيدة «بعض التقدير» إلى الثورية في إحدى مفاهيمها العامة، فيقول: «أو يصطدم كتفك بكتف صديق»، وهو ما كان يحدث بشكل واقعي وقت الثورة؛ إذ كان من الممكن أن تصادف صديقًا جمعكما الميدان الثوري دون سابق ترتيب.

تتخلل تلك المشاعر الثورية قصائد الديوان، ربما دون سابق ترتيب أيضًا؛ لكن خالد حسان يوظفها باقتدار من يمتلك من اللغة أدوات تشي بكمال شعري في قالب نثري مميز. ويبدو أن شيطان الشعر الذي كان مشهورًا في التراث الشعري العربي القديم قد تلبسه، وهذا ما يتبدى في القصيدة نفسها؛ فيقول: «أو تأتيك ربة الشعر بعد إفلاس دام لعامين أو أكثر/ أو تصلك دعوة للمشاركة في مؤتمر الشعر العالمي/ أو ملتقى قصيدة النثر/ أو أي أمسية شعرية/ في أي قصر ثقافة/ مهجور»(ص16).

في المقاطع السابقة يناقش حسان طموحات الشعراء الذين يرون أنهم بحاجة إلى تقدير أكثر مما هم عليه الآن، وهذا ما يتبدى في آخر القصيدة؛ إذ يقول: «أحيانًا يحتاج المرء إلى بعض التقدير من الحياة/ كي يتعلق بمبرر -ولو واهٍ- لوجوده فيها»(ص17). ويظهر في هذا المقطع الختامي تأكيد الشاعر فكرتَه الأساسيةَ التي بدأ بها القصيدة، وتشكلت في ثناياها، لتكمل في نهايتها، حتى لو كان هذا المبرر ضعيفًا، أو واهيًا، بحسب تعبير خالد حسان نفسه.

شاعر لا يحب الشعر والسياسة

إن أهم ما يميز هذا الديوان وشاعره هو وحدة الموضوع التي تجعل المتلقي لا ينشغل سوى بملاحقة التفاصيل الحياتية التي يصيغها الشاعر في قصائده، فهو يتمثل قصيدة النثر تمثلًا متميزًا بوصفها تدور في فلك المهمش البسيط في شكله، العميق جدًّا في دلالاته وآثاره، فهو كباقي أبناء جيله من المصريين، لا يحب السياسة، على الرغم من أنه لا يستطيع أن يُغيِّر من كون كل تفاصيل الحياة اليومية مُسيسة بامتياز. ففي قصيدة «لا أحب السياسة» لا يصف نفسه فحسب، بل يصف جيلًا ورطته دقائق تفاصيل الحياة فيما حدث من أحداث بعد 2011م، يقول: «بالمناسبة/ أنا شخص كسول.. جدًّا/ وفوضوي/ وأناني/ ولا أطيق الأفكار الكبرى/ وليست لدي طموحاتٍ تخص المجتمع وأمراضَه/ وأحلامي -مهما اتسعت-/ لا تتعدى وجودي/ كفرد/ لذا/ لا تنتظري اهتمامًا/ حينما تميلين بالحديث معي/ ناحية السياسة/ أو الثورة/ أو تطلبين -ولو بطريقة عارضة-/ أن تعرفي رؤيتي إزاء المدعو «الربيع العربي»/ فأنا مثقل بي/ بما يكفي/ وهمومي/ أبعد من أن يناقشها مجلس النواب القادم!»(ص24).

ويبدو للوهلة الأولى أن الشاعر ينفي عن نفسه معرفته بالسياسة؛ لكنه في الوقت نفسه يستعير مفردات تُستخدم في الحقل السياسي بشكل دقيق، فالثورة، ومجلس النواب، والربيع العربي، الأفكار الكبرى، تراكيب لغوية يذيع انتشارها في الاستخدامات السياسية والخطابات الرنانة التي يستولي من خلالها السياسيون على عواطف الجماهير. واللافت أن هذا المتن الشعري المتمثل في القسم الثاني «من يوميات شاعر مغمور» تتجلى فيه البساطة والألفاظ المستخدمة في الحياة اليومية، حتى في القصيدة التي يزعم فيها خالد حسان أنه ترك كتابة الشعر؛ تلك القصيدة المعنونة بـ«لم أعد أكتب الشعر». لكنّ ثمة تعاليًا يمارسه الشاعر في هذه القصيدة، حين يقول: «تخيلي يا أمي/ أنني لم أعد أكتب الشعر/ أصبحت رجًلا عاديًّا/ كل ما يشغله لقمة العيش/ وقيلولة هادئة/ وفراش نظيف…»(ص29). قد يُرى في هذه القصيدة نرجسية تُخيّلُ للشعراء أنهم من طينة غير طينة باقي البشر، فكونه أصبح رجلًا عاديًّا فذلك ربما يكون غير عادي لشاعر، على الرغم من كونه شاعرًا مغمورًا باختياره لعنوان هذا الديوان على وجه الخصوص، وعلى الرغم أيضًا من كونه شاعرًا ينتقى مفرداته المفهومة والواضحة والجلية للقارئ العادي أو للرجل العادي الذي أصبحه الشاعر خالد حسان في هذه القصيدة؛ لأنه لم يعد يكتب الشعر.

قصائد للأنثى

وفي القسم الثالث من هذا الديوان، الذي يعنونه خالد حسان بـ«الحب مرة أخرى»، والذي يضم أربع عشرة قصيدة، تحيل عناوينها كلها -إضافة إلى عنوان القسم نفسه- إلى المتون بشكل مباشر. فقصيدة «معكِ»، عنوانها يشير، مباشرة، إلى أن المخاطب أنثى -كما في باقي قصائد هذا القسم- وقع الشاعر في شباك حبها. يقول: «قبلك لم أكن أحب/ فقط/ كنت أدرب مشاعري على الطيران»(ص46). فالقصيدة تتمثل الحداثة الشعرية بمفهومها الأكثر بساطة، ذلك الذي يعني خلق علاقات جديدة بين الأشياء في قالب لغوي، وهذا ما يتبدى في الجزء السابق من القصيدة، وفي السطر الشعري الذي يقول فيه: «كنت أدرب مشاعري على الطيران»، بما في هذه الجملة الشعرية من أنسنة للمشاعر. وكذلك في قوله في المقطع التالي: «معك/ عرفت كيف تنبت للحنين أظافر/ للمشاعر أجنحة/ للذكريات جيوب»(ص46). فالمشاعر تُدرب على الطيران، والحنين أصبح إنسانًا أو حيوانًا له أظافر، والمشاعر صارت طيرًا له أجنحة، والذكريات أمست شيئًا ذا جيوب.

وهكذا يستمر الشاعر في هذا الخط الشعري بين الأنسنة والتشيؤ، أي رؤية المشاعر كأشياء مادية لا معنوية. أشياء أو أناس، لا فرق، المهم هو خلق علاقات جديدة بين المفردات اللغوية المكونة للمتن الشعري، وهو ما استطاع خالد حسان فعله بشكل مميز يجعل شعره قريب الدلالة، عميق المعنى والأثر في الآن نفسه.

أما القسم الأخير الذي عنونه خالد حسان بـ«غيابك»، وهو يضم ثلاث قصائد، رقمها كما رقم المفتتح أو القسم الأول «إرهاصات الثورة»؛ فينحو فيه النحو نفسه الذي سلكه في القسم الثاني والثالث؛ إذ إن ضمير المخاطب فيه مؤنث، سيطر على جوه العام الفقد، وهو وعنوانه دالّانِ دلالة مباشرة على المتن، ففعل الفقد/ الغياب حاضرًا في قوله: «غيابك/ الذي أربطه/ كل صباح/ بحبل متين/ ثم أحمله على ظهري/ كفاجعة/ طوال اليوم»(ص75). وكذلك يبدو بارزًا في القصيدتين التاليتين. ولم يُعَنْوِنْ خالد حسان القصائد الثلاث، كما فعل في القسم الأول أو المفتتح، مُكتفيًا بالعنوان الرئيس لهذا القسم، مرقمًا تلك القصائد أو الحالات الشعرية، صانعًا حالة متميزة تترك أثرًا قويًّا في نفس المتلقي الذي يترك الديوان بعد قراءته بمزاج صافٍ يأمل في قراءة المزيد لهذا الشاعر الذي دائمًا ما أناديه بـ «الشاعر المغمور»، فقد صنع هذا الديوان حالة شعرية مكتملة تجعله يُكنى بعنوانه.

أعداء الفلاسفة

أعداء الفلاسفة

«ليس هدفنا المُضيّ قُدمًا إلى بانوراما الأفكار المضادّة للثورة، ولكن دراسة كيفيّة اندلاع الثورة في الخطاب المُعادي للفلسفة والإقدام على إعادة تأويلٍ للماضي».

معاداة الفلسفة

[ص 393] منذ قيام ثورة عام 1789م، كان من باب أولى أن يُعطى إعدام الملك عام 1793م قوّة جديدة لخصوم الفلاسفة. ألا يكون أتباع فولتير والروسويون (les Rousseau) المسؤولين الرئيسيين عن هذا الحدث الوحشيّ، والمسؤولين عن هذا الانقطاع الجذري في التاريخ، وهذا الانهيار لمجتمع بأكمله وهو القائم على السلطة الشرعيّة؟

بمعنى ما، وبالنسبة إلى معاديي الثورة والمدافعين الراديكاليين عن السلطة الملكيّة والأرثوذكسيّة الدينيّة، فإنّ الثورة ستراجع أساسها، الصلب، من خلال التحفظات التي لم يتوقفوا عن توجيهها إلى السلطات المدنيّة والكنسيّة والمجتمع كلّه ضدّ نشر الكتابات المعادية للدّين و(ضدّ) تعميم الرّوح النقديّة، في ظلّ النظام القديم. وبهذا ستكون المأساة الثوريّة دليلًا قويًّا على الضرر الذي يمكن أن تُخفيه الطباعة، حيث تمكّنت الكتابة الفلسفيّة من تلويث المجتمع وتقويض أُسسه وإغراقه في الفوضى السياسيّة والاجتماعيّة؛ إذ يُثير إدراج مُناهضة الفلسفة في الخطاب المُضادّ للثورة أسئلة مُتعدّدة، وأساسًا تلك الأسئلة ذات الصلة بالتراث والحداثة.

هل يجب أن نرصُد في كتابات منظري ما بعد الثورة مخاطر الإلحاد وتيه العقل الفردي وعودة ظهور الأماكن العامّة، البالية الآن، لمّا يعزل هذا العقل نفسه عن تقليد عُمُره لألف عام، أم إنّ صدمة الثورة تُولّد خطابًا جديدًا؟

إنّها مُشكلة مُعقّدة يجب طرحها بدءًا من الاضطرابات الأوّلية التي أثارتها الثورة لدى المُفكّرين الأكثر ارتباطًا بالملوك. فضلًا عن تميّز العديد من أعداء الثورة، وبعمق، بمشهد العنف الثوري، والمُتمظهر أساسًا في ظاهرة إعدام الملك. ولن نُكرّر تاريخ هذه الصدمة، هذا الفعل غير المسبوق الذي يمثل في نظرهم قتل الأب.

دعونا نلاحظ، فقط، أنّ الحدث، في البداية، غير قابل للاختزال إلى المقولات المفاهيميّة لمناهضة الفلسفة والثورة المضادّة. أمّا جوزيف دي مايستر، فإنّ هذا العنف، الذي أُقِرَّ وعُرِضَ، هو أولًا وقبل كلّ شيء لا يمكن تفسيره ولا يمكن تصوّره، بل غير منطقيّ على ما يبدو؛ إذ كيف يمكن للكائنات الشريرة، وهي أخطر مذنب في الكون، أن تنتصر على الكون، وتجد حلفاء حتى على عروش أوربا؟

لكنّ الانعكاس الديالكتيكي يُمثّل الثورة كحدث قابل للتفسير، تمامًا، بل حتى ضروريّ؛ لأنّه الدليل الأكثر وضوحًا على العناية الإلهيّة. وتثبت استحالة اختزال الحدث الخارق للمعتاد والاستثنائي؛ ذلك أنّه يراوغ ويخادع مُمثليه، ثم يُنظر إلى الثورة على أنّها قوّة خارقة بالنسبة إلى الإنسان، تنفجر في التاريخ لمعاقبة المُذنبين والمُنحطّين من الناس، بمُقتضى التصوّر الديني؛ ليصبحوا بشرًا (أسوياء). بحيث ترتفع الثورة فوق الحاضر والعرضي، فيتبدّد الغموض، ويصبح الحدث مقروءًا تمامًا.

بمعنى ما، تطفو مأساة التاريخ من جديد لتدمير أخطاء القرن بقسوة: ألا وهي الإيمان السعيد بالتقدّم، والسعي وراء السعادة، الذي أسّس التفاؤل الفلسفي، والذي لا يقع إنكاره فحسب، بل يجري الاستهزاء به والموافقة عليه من خلال حدث التضحية الذي لا يكفُّ عن تذكير الناس بوجود الشرّ.

فليس هدفنا المُضي قُدمًا إلى بانوراما الأفكار المضادّة للثورة، ولكن دراسة كيفية اندلاع الثورة في الخطاب المُعادي للفلسفة والإقدام على إعادة تأويلٍ للماضي. [ص 395]

مونتسكيو

في هذا الصدد، وَرثَت مواقف بعض وآخرين أمثال: بيرك، ومايستر، وبونالد مجموعة أدوات مفاهيميّة، أُعيدَ تنشيطها بسرعة في التاريخ الحديث: على نحو الدعوة إلى مسألة المثقف، وموضوع الانحطاط، وتطوّر نقد المجتمع الاجتماعي. وقد تمكّن نقد «العقد الاجتماعي»، الذي نظّر إليه روسو على نطاق أوسع، من كسر الرابط الذي أصبح يجمع بين السياسة والدين، فبرز من جديدٍ، بجلاءٍ أكثرَ، من خلال التشكيك في حقوق الإنسان والديمقراطية والعلمانية المنتصرة، حيث يسمح الثقل الناتج عن معرفة الثورة للخطاب المناهض للفلسفة بأن يُعزّز موقعه، أحيانًا، ضدّ التحجّر في عقيدة أو أيديولوجيا.

إنّ الحدث الثوري يجعل نقد الفلسفة أكثر راديكالية، وبالتالي يُساهم في تعزيز مجال دراسة «التنوير» من أجل الطعن في مبادئه المفسدة في الآن نفسه. هذا المشروع الشامل والموحّد، كما قلنا، كان يعمل بالفعل في السنوات التي سبقت الثورة حتى في الماضي البعيد.

علاوة على ذلك، فإنّ رفض سريان تاريخ علماني، وخالٍ من أيّ صلة بالتعالي، لا يعبّر عن الرغبة الوحيدة في العودة إلى الماضي. لقد أظهر جيرار جونجوبر ذلك جيدًا: 2فنقد الفلسفة هو، أيضًا، وبشكل متناقض، جزء من إشكالية تنشأ ممّا يُسمّى تقليديًّا «التنوير».

ولانتقاد هذه الأشياء، من الضروري أن نفترض في الواقع، وضوحًا كاملًا للماضي، والانخراط في تأويل يكون فيه كلّ شيء حاملًا لمعنى، وجعل مجال التاريخ أكثر استقلالية، والتسليم بتمثُّل ما للمجتمع، الذي يسمح للمفكرين مثل بونالد بتأسيس علم حقيقيٍّ للاجتماع.

ونشير، أيضًا، لدحض التشريعات الثوريّة إلى ثغرة تتبعها مونتسكيو في تلك القوانين الثابتة للمجتمع؛ فنحن نخضع باستمرار للقوانين، من خلال تكريس أنفسنا لعمل كامل من العقل النقديّ. هذه هي، أيضًا، مفارقة وربّما مأزق الفكر «الرجعي»: فهو يرفض العقلانية النقديّة في كتلة واحدة، بما هي السلطة الضارّة التي تستنكرها، لكنّها هي نفسها تستخدم أدوات مفاهيميّة، صاغها الخصم في جزئها الأكبر!

من ناحية أخرى، فإنّ الرفض الماستري للتاريخ العلماني، هو الاستحالة المُعلنة من فئة من الناس للسيطرة على مصيرهم، فهم يُقاومون، بضعف مُثير للاستغراب، كلّ تدخّل في الأحداث السياسيّة الراهنة. [ص.396]

نظريّة المؤامرة:

أولًا- في قيادة الفلاسفة للمؤامرة

ردّ العديد من أتباع الثورة المضادّة الراديكاليّة الثورة إلى مؤامرة طويلة الأمد، دبّرها الفلاسفة، الذين استعانوا بالماسونيين وأحيانًا اليانسينيين أو البروتستانت للإطاحة بالنظام الملكي. ومن ثمّ ستكون هي الطائفة الحقيقيّة المسؤولة عن كلّ الفظائع التي ارتكبت خلال حركة الإرهاب تلك (الثورة). وفي الآن ذاته، وجد إعدام لويس السادس عشر تفسيرًا بسيطًا وحصريًّا.

لا تزال الصدمة قائمة، لكنّ الوضوح المُضيء في التفسير يُطمئن الخيال من خلال إلقاء مرهم على ألمٍ لا يمكن إبراؤه؛ إنّه الأَجَل النهائي لعمليّة زعزعة الاستقرار التي جرى إعدادها بعناية؛ إذ يُشير الحدث إلى ضرورة مُلِحّة تَحُلّ مَحلَّ الفرص الزائفة للتاريخ: «في هذه الثورة الفرنسيّة، كلّ شيء، وصولًا إلى أكثر جرائمها فظاعة، تمّ التخطيط له، والتفكير فيه، وجمع عناصره، واستخلاص نتائجه، وإصدار أحكام بشأنه»، هذا ما خطّه باروال، رائد نظرية المؤامرة.

لم تظهر الفكرة فجأة في ذهن هذا اليسوعي السابق الذي اختار المنفى في عام 1792م. وكانت مجلّة فريرون الشهيرة التي تحمل اسم «السنة الأدبيّة»، قد ذكرت بالفعل في عام 1773م وجود «اتحاد من الفلاسفة المزعومين والأرواح -الطيّبة، الضعفاء جدًّا في ذواتهم- الذين أصبحوا أقوياء جدًّا من خلال الرّباط الذي يصل بعضهم ببعض». من دون الحديث صراحة عن مؤامرة، وعن خصوم الفلاسفة، وعن الموسوعة على وجه الخصوص؛ (لكأنّه) التواطؤ بين مُذيعي المعصية الحديثة.

كان مرسوم التسامح لعام 1787م الذي يمنح الحقوق المدنيّة للبروتستانت قد غذّى بالفعل الشكوك حول وجود مخابرات سرّية بين الفلاسفة والمُصلحين لزعزعة قوّة ضعيفة ملوّثة بأفكار جديدة. كان الكالفينيون أعداء كلّ سلطة، يُعلنون، منذ القرن السادس عشر، عن تلك الأرواح المُتمرّدة للفلاسفة. إنّهم أولئك المُتشبّعون بالأفكار الجمهوريّة الذين كانوا يُحاولون تنصيب حكومة شعبيّة! [ص.397]

دعمًا لأطروحته، يستند الأب بونود إلى مونتسكيو، مُستخدمًا مُفردات فولتير، لوصم «التشنّجات» التي ينغمس فيها المتعصّبون البروتستانتيون في سلسلة جبال سيفين  وفيفاري، المنطقة التاريخيّة في الجنوب الفرنسي؛ فقد أدّى عشية الثورة الوجود المتزايد للجمعيات السرّية والدوائر المُتخفيّة فضلًا عن ظهور السحر والتنوير، إلى خلق مناخ من الغموض أفضى إلى ظهور الشائعات، وغذّى خطابًا يُندّد بسلطة الظلّ المُوجّهة ضدّ المؤسّسات.

إنّ طائفة المتنوّرين في بافيار، التي أسّسها وايشوبت، والتي تُعلن عن الرجال الأحرار وعن المساواة، تُقلق المُدافعين عن العقيدة الدينيّة والسلطات العامّة. لكنّ الأفكار التي ولدت من الهجرة، بصفة أخصّ، هي التي تُغذي أطروحة المؤامرة. ويبدو من المستحسن مُراعاة الوضع المادّي والمعنوي للمهاجرين لتحليل هذا الموقف الفكريّ.

يُشجّع البُعد المفاجئ عن مكان المنشأ، البيئة المعيشيّة، وغالبًا عن نمط الوجود، على التفكير النقديّ وكذلك التجاوزات الرومانسيّة. ففي عام 1792م، عزّز الاغتيال الماسوني لملك السويد جوستاف الثالث، فكرة المؤامرة عندما كان يستعدّ للتدخل ضدّ الثورة الفرنسيّة. ويجعل بعض الملتزمين، فعليًّا، بالنظريات المحافظة تأويلهم راديكاليًّا؛ إذ كان موصولًا في الماضي القريب، بالبحث الشغوف عن أسباب المصائب الحالية [ص 398]. ومنذ عام 1789، حمّلَ باروال في مؤلّفه «الوطني الحقيقي» الفلاسفة مسؤوليّة الاضطرابات الثوريّة، ولكنّه في مذكراته «لخدمة تاريخ اليعاقبة» (jacobinisme — 1797-1799) أَوْلَى أهمّيةً غيرَ مسبوقةٍ لأطروحة المؤامرة.

ثانيًا- في تشريح إستراتيجية المؤامرة

يعتمد التحليل على الحاضر، باعتباره الشرّ المطلق، ليصعد بعد ذلك إلى سلسلة طويلة من الأضرار المسؤولة عن هذا الوضع. فيظهر التدهور الكامل للمجتمع المدني كنتيجة قصوى للشقوق الجزئية والمتصاعدة التي تثيرها خطابات التدنيس والانحراف.

من بين جميع الطوائف التي ازدهرت في السنوات الأخيرة من النظام القديم، تولى أحدهم السلطة أثناء الثورة: «تحت الاسم الكارثي «يعقوب»، فظهرت طائفة في الأيام الأولى للثورة الفرنسية، تعلن أنّ الناس جميعهم أحرار ومتساوون؛ وباسم هذه المساواة وهذه الحرية المشوّشة تُداس المذابح والعروش تحت الأقدام؛ باسم هذه المساواة نفسها وهذه الحرّية ذاتها تدعو جميع الشعوب إلى كوارث التمرّد وأهوال الفوضى».

وإذا كان مشروع عدم تنظيم المجتمع الفرنسي متجذرًا في الماضي، فلن يتوقف عند الحاضر الثوري؛ فطبيعتها ذاتها تقودها إلى الانتشار إلى بلدان أخرى. ومع ذلك، فإنّ الفكرة الأساسية لباروال، وغيره من مُفكري الثورة المضادّة، هي أنّ النظريات النقديّة، مُرتبة في نظام مغلق وينشرها رجال مصمّمون، يتحكّمون تمامًا في دوائر المعلومات، وتُشكّل تلك النظريات تخمّرًا جذريًّا للتخريب، لا رجعة فيه، والتحكّم فيه مُحال.

على هذه القاعدة التأسيسيّة يجري تطعيم تمثُّل المؤامرة عبر ثلاثة مراجع مترابطة: الفلاسفة الذين تآمروا على المسيحيّة، والماسونيون في تمرّدهم على عروش الملوك، والمتنورون. وتمضي كل مجموعة من مجموعاتها في نظام من التحالفات وتوزيع دقيق للأدوار.

بالنظر إلى الفلاسفة، نجد أن قائد الأوركسترا والمتلاعب الكبير [ص 399] هو فولتير الذي أرسل، منذ تقاعده من فيرني، المقر الحقيقي للمعصية، كلماته إلى مجموعة الأقمار الصناعيّة المُدرّبة والمتفانية والدعاة. ومنذ ذلك الحين أُطلِقَتْ آلة الحرب.

جوزيف دي مايستر

فيما كان دالمبار، كاتبًا متواضع ​​المستوى، لكنّه يتمتّع بسمعة هندسي مساحة، حُوفِظَ عليه بعناية، بعد أن قرّر أن يجعل نفسه مُساويًا للبطريرك ومُحاكيًا له، بدافع الكراهية البسيطة للمسيحيّة. بينما كان زعيم الطائفة يُسلّح قواته في فيرني، يُشوّه دالمبار، بمساعدة ديدرو، سمعة الدين في الأماكن العصرية. وفي المقاهي «قادوا ببراعة الحديث حول بعض الأمور الدينية. ولئن بدا دالمبار يدافع بشكل أكثر عمومية، فإنّ ديدرو عبّر في مهاجمته العلانية عن كلّ شيء موصول برجل الدين؛ فهو: «صاحب رأس متشدّد، ذو حماسة، يشكو من اضطراب في أفكاره»، غير أنّ دالمبار يعجز، وهو أسير صورة محترمة شُيّدت بجهد، أن يوافق عمّا عبّر عنه ديدرو علنًا وأمام الجمهور! وهكذا تقوم الإستراتيجية على وجود خطابين متكاملين؛ أحدهما يُعبّر بشدّة عن برنامج إلحادي وخبيث ضدّ السلطة القائمة، بينما يضع الآخر قناعًا لتمرير الأفكار نفسها بشكل أكثر خداعًا.

يجمع باروال أدلّة المؤامرة؛ إذ تؤكّد المحفوظات والمراسلات المنشورة بعد وفاة فولتير فكرة التواطؤ السرّي بين الممثلين الذين يُعدّون لخطتهم المكيافيليّة في الظلّ. فأصبحت الأسماء المستعارة التي أطلقها فولتير، بشكل مألوف وممتع على العديد من مراسليه، هي العلامات التي لا يمكن دحضها لهذه المناورات.

ألا يُدعى، فريدريك الثاني الحامي غير المستحق، الذي تكمن قوّته في خدمة الفيلسوف الخائن، القديس لوك؟ أليست هذه كلمات مرور: «بروتاغوراس» أو «برتراند» التي حدّدها دالمبار تحت قلم فولتير؟ هل بعض الصيغ الغريبة مثل «Ecrlinf» («سحق سيّئ السمعة») لا تشكّل علامات ولا يمكن دحضها للتجمّع القائم على نمط طقوس التنشئة السارية في المجتمعات السرّية؟

كان للموسوعة دور أساسيّ من بين الوسائل التي استخدمها المتآمرون [ص 400]؛ إذ يخفي هذا العمل العظيم، تحت واجهة الأرثوذكسية، المجموع المتفجر لكل مغالطات المعصية الحديثة؛ لأن تنوّع المشاركين بالنسبة إلى باروال لا يُمثّل بأيّ حال من الأحوال اعتراضًا محتملًا على أطروحة المؤامرة. على العكس من ذلك، فإنّ مجموع الممثلين والموضوعات التي عُولِجَتْ تُحوّل القاموس إلى وعاء من جميع المذاهب التخريبية، القديمة أو الحديثة؛ لأنّ جميع المُتحدّثين، باستثناء جاوكورت، كان من الممكن أن تكسبهم «الفلسفة». إنّ أطروحة يانسونيست شوميو، التي ذُكِرَتْ منذ نشر المجلدّات الأولى من الموسوعة، نُوقِشَت مرّة أخرى لتصبح راديكاليّة ومكتملة لتتعمّق فكرة الحيلة التحريريّة التي تضاعف إستراتيجيات الإخفاء، أيضًا.

وهكذا، تصبح أكبر مكتبة لبيع الكتب مؤامرة غير عادية تهدف إلى خداع القرّاء الساذجين؛ لأنّ كل شيء، هنا، منطقيّ لدعم المبدأ الذي وُضع في البداية من قبل المُنظر، فالأرثوذكسية الظاهرة، وبخاصّة تلك الموجودة في المجلّدات الأولى، تنشأ مثل شَرَكٍ يُنْصَبُ للجمهور في الخفاء قصد كسب ثقته. وتكمن الحيلة في أنّ أفضل العيون التي تمارس الحيلة إنّما تُخاطر بأن تستغلّها، وبالطبع يستدعي باروال الحجّة الشهيرة المتمثلة في الرفض التي من شأنها أن تسمح، من خلال انحراف غير ضارٍّ، بالانزلاق في سماتٍ مُضادّةٍ للدين.

ثم تستعيد صورة السمّ قوّة جديدة، من خلال تحديد تأثير يكون أكثر ضررًا، عندما لا يكون الضحايا على دراية بالتلوّث. وتتمثّل الوسيلة الثانية في تدمير النظام اليسوعي. هنا يتعزّز التواطؤ؛ لأنّه قد وُجد متواطئون من بين أعلى مُمثلي السلطة.

كان شوازول والسيّدة دي بومبادور، بصفتيهما من حماة الفلاسفة، أعداء المتآمرين. أما البرلمانيون اليانسونيسيون، فقد كانوا موضع تلاعُب من «السفسطائيين». وفي ذلك مواصلة لمؤامراتهم المعادية للمسيحيين [ص.401]. ثمّ هاجم الفلاسفة التجمّعات الدينيّة وحصلوا على إصلاحات جائرة من السلطات العامّة، مثل المراسيم التي تُؤخّر سنّ النذور إلى واحد وعشرين عامًا وقمع الأدْيِرَة، التي لم تكن سوى عشر راهباتٍ في القُرى وعشرينَ في المدن.

كان من الواضح أنّ هذه السياسة المعادية للدين تنذر بالاضطهاد الذي قد ينشب خلال الثورة. ولتوسيع هيمنتهم وإتقان عملهم، اقتحم الفلاسفة الأكاديمية الفرنسية مع المؤيد العظيم دالمبار كقائد لتأسيس سياسة الفتح وتلويث الرأي العام، وكلّ ما تَبقّى هو نشر الكتب المُعادية للمسيحيين حتى في الأكواخ، حتى ينغمس الناس من جميع الفئات ومن جميع الأعمار في ارتداد وحشيّ!

ثالثًا- رهانات وَحدَة التخييل والأيديولوجيا من المؤامرة

دفع باروال تفكيره إلى الأقصى، خلافًا للمنطق السليم، ليؤكّد أنّ معصية فولتير تولّد فيه كراهية السلطة الملكيّة! أمّا روسو، فقد رسم النتائج النهائيّة للنظرية التي طرحها مونتسكيو حول فصل السلطات، من خلال إعلان وجود حرّيةٍ طبيعيّةٍ، ومن خلال إسناد السلطة التشريعيّة إلى الشعب؛ إذ شكّلت نظريّة المؤامرة، في القرن التاسع عشر أولًا، منهجًا استعاديًّا مذهلًا للقرن الثامن عشر في فرنسا. ولم يفشل المنظرون في المطالبة بتراث فكري لتحديد مَنْ مِنَ الشخصيات التقليديين ذوي النزعة الاعتذارية للسلف كما للمستنيرين، الذين تخلّلوا تاريخًا، تعرّض للتهديد منذ فترة طويلة.

يخبرنا باروال أنّ الأب دي بورغارد يكشف النقاب، قبل ثلاثة عشر عامًا من الثورة، عن «مشاريع الفلسفة الحديثة بنبرة الأنبياء». وبفضل هذا الرأي الذي ساد فجأة، يبدو أنّ العديد من المؤامرات قد حدثت في الماضي القريب. فعندما تنهار السلطة والنخب المسؤولة عن فرض الحقيقة وتفشل فعليًّا في مهمتها المشروعة تُشكّل تحالفات غير عادية (أرستقراطيٌّ، وأحد المُفضّلين وفيلسوف) لإنجاز المخططات المظلمة. إنّها قصّة حبّ سوداء كاملة تُوفّر شبكة تفسيريّة للمُؤرّخ.

أمّا الأب باروال، الذي حصل على هذه المعلومات من ملاحظات وروايات السيّد دي كاسيني، وتشويسيول، صديق فولتير، الوزير الساخر وغير المتديّن؛ فلم يتردّد في أن يسمّم طعام دوفين، ابن لويس الخامس عشر؛ لأنّ هذا الأمير أراد الحفاظ على الروح الملكيّة الأصيلة ومُعارضة تصاميمه المُعادية لليسوعيين! [ص. 402]

إنّ تواتر الأرستقراطيين المهاجرين العظماء، وتداول الشائعات من جميع الأنواع، والأسرار التي تسير على ما يرام، وتحديث المراسلات الخاصّة، تُوفر كلّها مادّة لإعادة التفسير الذي يُبالغ في تقدير المؤامرات لتقليل الدور، الذي يُسبّب الصدمة بشكل أساسيٍّ، للقصّة الكبيرة. ثمّ تفقد الثورة جزءًا من عظمتها المُبهَمَة والمأساوية.

لكنّ موقف باروال وغيره من منظري المؤامرة ليس مجرّد موقف رومانسي؛ إذ ينضمّ الخياليُّ إلى «النزعة القومية» التي تأتي جزئيًّا في أعقاب روح «فلسفيّة» معيّنة. وبدءًا من فرضية طُرِحَتْ منذ البداية على أنّها مؤكدة، يعود المؤوّل إلى الوراء في الوقت المناسب لِيَجمَعَ الأدلّةَ المُتراكمة، التي يُعزِّز بعضُها بعضًا، تشكيلًا لسلسلة سببيّة واحدة؛ ذلك أنّ التأويل القاطع يمحو خشونة الواقع وأحداث التاريخ، لإسناد بند حصريٍّ يُمكّننا من التعرّف إلى الوضع الحالي، ممّا يُرضي الرّغبة في التوضيح المطلق. دعونا نلاحظ كيف تستسلم الفلسفة الراديكالية للهذيان التأويليّ، وذلك بناءً على مُلاحظاتٍ صائبةٍ.

فإذا كان من الواضح أنّ فولتير، كما رأينا، قد نسج شبكة من التحالفات الأوربية، فهذا لا يعني أنّه يتّبع خطّة لزعزعة الاستقرار السياسي! فلئن كانت دوائر الموسوعيين، من خلال التدخّل الأساسي لدالمبار، تعتزم التغلب على هذه المنصّة التي تمثلها الأكاديمية الفرنسية، فإنّهم لا يُفكّرون، ولو للحظة واحدة، في الإطاحة بالسلطة الملكيّة!

أليس من الضروري أن نتذكّر أن الوفاق السرّي بين جميع الفاعلين في الصراع الفلسفي لا يقدّم أدنى أساس، وأنّ التقسيمات الإستراتيجيّة والعقائديّة تسود بقوّة على نقاط الاتفاق! [ص 403]

ومع ذلك، فإنّ الخيال الوحدوي الذي يُغذي فكرة المؤامرة قد ترك بلا شك آثارًا في تمثُّلنا التخيُّلي للقرن الثامن عشر في أعمال الفلاسفة. كما أنّ ذاك الخيال يُحافظ على التدخّل في الماركسيّة في نصّها التأسيسي عندما يفترض وُجود عمل جماعيّ للمثقفين، وعندما تظهر العواقب العالميّة لحركة نهائيّة، على أساس التحالفات الموضوعيّة، حتى لو تبنّت موقفًا أيديولوجيًّا واضحًا يُعارض باروال.


ملاحظة أولى: ورد المقال في كتاب: ديديي ماسو، «أعداء الفلاسفة، معاداة الفلسفة في عصر الأنوار»، ألبان ميشال، باريس، 2010م.

ملاحظة ثانية: أرقام الصفحات الموجودة في الترجمة العربية بين معقوفين، (من صفحة 393 إلى صفحة 403)، متوافقة مع أرقام الصفحات الموجود في النص الفرنسي، الأصلي، الذي أوردته أسفل الترجمة بداية من الصفحة 9.


مصادر:

من كتاب ديديي ماسو، أعداء الفلاسفة (معاداة الفلسفة في عصر الأنوار)، ألبان ميشال.

«البيت الهادئ يدعو للقلق» لطه الجند… القلق بوصفه إبداعًا

«البيت الهادئ يدعو للقلق» لطه الجند… القلق بوصفه إبداعًا

في نسق شعري مخاتل ومنفلت، يستدعي الشاعر طه الجند عوالمه وكائناته الشعرية في محاولة منه لاكتشاف ذاته وترميم كينونته المتشظية، ذاته (الخائفة)* و(الهاربة) من بطش الواقع و(ضيقه) ومتطلباته اليومية الباهظة. في سبيل ذلك يعمد في ديوانه «البيت الهادئ يدعو للقلق» (مركز ود الطبعة الأولى، 2018م) إلى السير في اتجاه الكشف عن فرادة تلكم العوالم والأشياء وتحسس انجراحاته الشعرية بها، والاندماج أو التوحد بإيقاعاتها اليومية المقلقة، في محاولة (بروميثيوسية) تروم الانتصار للمعنى (بقية الجذور الإنسانية) وخلخلة الواقع وأنسنته، أو تخليصه من نمطية وتراتبية وعنف تمثلاته وعلاقاته السلطوية المرتبطة بالقمع والاستبداد، آخذًا به إلى مدياته الأبعد في الكشف عن زيف الدعاوى السياسية والفكرية أو الثقافية المعاصرة لقوى الهيمنة العالمية المتعولمة وأخلاقيات اقتصاد السوق والعناوين التاريخية الكبرى كصراع الحضارات ونهايات التاريخ والعالم.

يجري ذلك في الغالب من دون تحفظ سياسي أو تحذلق بلاغي أو مراعاة لخصوصية اللغة الشعرية ومسكوكاتها النخبوية، انسياقًا مع موقفه الثوري الواضح من الواقع ورفضه لأنساقه الثقافية المتخلفة وكجزء من التزامه الأخلاقي مع جمهوره ومجتمعه، فـ«من لا يؤمن بالناس لا يؤمن بالله». هذا التوتر أو التردد القائم بين الفن والأيديولوجيا، الإخلاص للفن، الاشتغال على جماليات الأسلوب الشعري وتطوير تقنياته من دون تكلف أو حرفية «ما زلت مؤجلًا فكرة الكتابة كمهنة»، والوفاء للجمهور ينتظم مجمل قصائد المجموعة الشعرية: «البيت الهادئ يدعو للقلق».

البيت الهادئ يدعو إلى القلق: يشير البيت إلى أن ثمة برنامجًا أو خطة أو هامشًا للاختيار، نهاية مؤقتة أو عودة قد تمثل استراحة المحارب و«النوم بلا خيال ولا نقود»، لماذا هذا الاستبعاد للخيال الذي طالما احتمى به الشاعر في مواجهته لواقعه؟ هل لأنه خيال مكدود ومكلف، جزء منه يعيش على ضفاف الواقع ويعتاش من أوهامه، والجزء الآخر بلا ضفاف؟ العيش أو الحياة من دون أوهام، من دون «يوتوبيا»، من دون «أسطورة ذاتية»، ألا يعني -فيما يعنيه– التنازل عن مغامرة الوجود وقلقه؟ القلق بوصفه حقيقة الحرية كإمكانية قبل أن تصبح هذه الإمكانية شيئًا واقعًا -على حد تعريف الفيلسوف الوجودي كيركغارد – والقبول بالموت والإغراء بالشيخوخة؟

وهو ما يعي فداحته الشاعر حين يقول: «عندما تصبح الحياة/ بلا خيال/ بلا توقعات/ ينتهي مبرر وجودنا». ففي حين يتيح لنا البيت نوعًا من التوهم أو الشعور بالحرية والأمن والقدرة على الاختيار: «نشيخ… نكون أطفالًا متى شئنا، نناور أو نتيه…»، لا نلبث أن نكتشف أن ذلك المكان الفيزيائي لا يحتفظ بحياديته وطبيعته السكونية حين يؤنسن: «فالبيت امرأة إذا ضاقت يضيق».

المدينة صباحًا

يستغرق الشاعر في سرد المشاهد والأحداث اليومية استغراقًا أشبه بتقرير إخباري سريع، أو صورة فوتوغرافية تتطابق مع الواقع الخارجي وتؤكد انفصام الشاعر ورفضه له وارتباطه الواهي «الخيط الواهي» به. هذه الحالة من التلازم بين الغياب والحضور الواهن تتجلى أسلوبيًّا في تكرار استخدام اسمي «هذا» و«هذي» وياء المتكلم الملكية كتوقيعة نمطية رتيبة تنكّر المعرفة ولا تعرّف النكرة، وهو ما يوحي بأنها ملكية لا تقع ضمن إمكانات الشاعر المتاحة أو المتحصلة آنيًا؛ لأن الفراغ الهائل الذي ولدته «الإصابات الأكيدة» و«الجنون» و«الزعقان» و«الإنهاك» و«الدعس» و«العطل» و«البؤس» و«الكفر» والشقاء.. قد التهم وسطا على عوالم الشاعر الافتراضية المتخيلة وذكرياته الحميمية، وجعل من «ياء المتكلم» ملكية صورية بلا جدوى، وكأنه «هنا» أراد أن يؤكد عموم وشمول سخريته ورفضه المطلق لواقعه.

هذه الحالة من التصادم أو الجمع بين المتضادات تبلغ حدتها في الجمع بين حالتي: الزهد (التخلي) بتعبير الصوفية، كما في قوله: «هذا الزاهد»، والملكية الصورية (التحلي) في الإشارة أو العبارة المقابلة في قوله: «هذي أشجاري».

تردد اسم الإشارة «هذا» ثماني وعشرين مرة، واسم الإشارة «هذي» ست مرات قد يكون إيماءً بأن ذلك الفراغ الملتهم أو الجحيم المقدس الذي يرفضه الشاعر ويسخر منه هو جحيم أبوي (بطريركي) ذكوري سلطوي بالدرجة الأولى، يتحمل الذكور (الأنظمة/ السلطة) الجزء الأكبر فيه من المسؤولية.

خراب العالم

إن الشاعر وهو يتأمل أو بالأصح يحاول تأمل ما آل إليه وضع العالم، يتأمل خرابه ونهاياته الكارثية وانهيار قيمه وتمزق أواصره وانكسار أحلامه بالعدالة والحرية والأمن، وسيطرة النزعة المادية على ما عداها وتغولها، وانعكاساته على علاقته بعوالمه الشعرية الحميمية: الليل، أمه القرية الريف، الأصدقاء، الله، الطبيعة، كمعادلات (ذاتية) في مواجهة الواقع وقوانينه المادية القاسية وذلك عبر سياحة (أنطولوجية) في المكان المتأنسن والمستوطن بمخيلة الشاعر القلقة وانقسامات ذاته وتساؤلاته الفارقة:

«العالم ما بعد التنوير/ ما بعد الطبقات/ تحكمه الشركات/ تجار الحرب/ لصوص القارات». «أيها الليل هل تراني/ أنا في الطريق إلى القرية/ ألمح النجم والرياح/ أمي وهي تدعو لي بالصلاح/ الولد الذي مضى خلف الكلمات/… هل تعرف معنى الغربة؟/ أراك دائما تقف وحيدًا/…لا شيء ثابت/ يمكن الاتكاء عليه/ العالم بلا نوافذ يدور…».

طه الجند

يحدد الشاعر موقفه الصريح -كما ذكرت آنفًا- من واقعه منذ الوهلة الأولى معلنًا انحيازه لخيار المقاومة: «عند قدوم العاصفة/ لا تفكر الشجرة بالفرار».

في دلالة صريحة على تمسكه بالمكان والاتجاه نحو الأرض. المكان/ الأرض ليس كطوبا تاريخية أو كهوية شوفينية متخيلة مكتملة، بل كانتماء وموقف وجودي وشعري يقوم على فهم الواقع فهمًا جدليًّا واستيعاب تناقضاته بوصفها عاملًا حيويًّا وضرورة حتمية لتطوره؛ فـ«البيت الهادئ يدعو للقلق».

ولذلك نجد الشاعر في أوج شعوره بالاغتراب أو بـ«الضيق» كما في قصيدة «إن ضاق الحال»، يتلمس أوجاعًا ومعاناة ومصاير جماعية، وهي صلة تبدو مفردة بصيغة الجمع: «النبتة بين الأشجار»، «الوحدة تعني الندية والشعور بالانتماء»، صلة يعي أهميتها وضرورتها لوجوده، تفرد ينتمي إلى طبقة، ويعي في الوقت نفسه التحول السياسي والاجتماعي الذي طرأ على مفهوم الطبقة حتمًا، فالضيق تعبير عن سعة ومشاركة وجدانية تتحقق به ذات الشاعر كتسوية شعرية وجودية خارج أقنعة اللغة وانثيالاتها الرومانتيكية المحافظة على هشاشة الأنا الفردية وادعاءاتها، تتحقق في انغمارها بالعالم وانفتاحها الشعري على الآخر، على مستوى الإنسان والطبيعة؛ فالإنسان لا يوجد وحيدًا أو منفردًا تمامًا، وليس نتيجة لتطور خطي، الآخر/ المجتمع حاضر في الوحدة والتفرد، يطلبه حثيثًا في حالة من التكور والتوالج، الانجذاب والتدافع والانسلاخ المستمر.

فلا وجود لوعي لا يرى ذاته؛ فالوعي وعي بشيء ما، في وجود الوسط اللغوي يمده بالحركة ويحدد مساره، والشعور هو اللغة الأولى التي يتلقاها الإنسان، والتي يعكف التاريخ بعد ذلك على ترتيبها ونموها ونحت صورها وتقنينها حيث أصل وعي الشاعر بذاته وفرادته في إطار علاقته الحوارية المتنوعة والمختلفة بالآخر.

نجد ذلك في نصوص كثيرة منها نصه الجميل المتأثر بقصيدة الهايكو اليابانية:

«صاحب العربية» في الشارع/ يواجه الريح والمطر/ بمظلة واحدة. وكذا في قصيدته «إن ضاق الحال»: «إن ضاق الحال/ قلنا يا رب عليك/ من للخائف والمحتاج؟/ النبتة بين الأشجار/ الأم إذا طلقها الزوج/ الهارب من بطش أخيه/ الطائر في رحلته/ الريح وراء التل/ الماء الواقف في البرد/ المتهيب خطوته الأولى».

الحق في الوجود

يناور الشاعر في انتزاع حقه في الوجود من خلال قدرته على مواصلة الكلام، كما في قصيدة: «سأتكلم ولن يوقفني أحد»، لكنه حين يكتشف أن الكلام يمكن أن يتحول هو نفسه إلى فعل مجاني أو عادة استهلاكية يخوض فيها الجميع من دون طائل أو جدوى، يتحول إلى حجاب مثل الأحلام التي أصبحت مرارات، «الثورة بلا بعد اجتماعي ريح عابرة»، يرتد إلى ذاته، يتحدث عن اسمه مجردًا من الرتوش، عن ذكرياته وعشقه وطموحاته البريئة المندغمة مع أحلام أصدقائه القادمين من الريف إلى المدينة، عن دهشته والصور الأولى ومرحه الساخر. ليصل آخرًا إلى خلاصة تجربته في إشارات مقتضبة ترمز إلى ضياع الإنسان المعاصر واغترابه وتشيئه في مدن حديثة تعيش بلا ذاكرة: «كان لكل واحد شجرة صغيرة/ يسقيها ويعتني بها/ صارت الآن أشجارًا عالية/ لا أثر للأسماء التي حفرت عليها».

وهو معنى يتكرر في أغلب قصائد المجموعة كما يظهر في مقارنته بين حياة الريف والمدينة، أو في رصد المظاهر المدنية الزائفة. كما في قصيدة «لا أدري ما الذي انتظره» أو في حنينه إلى العودة إلى القرية ووصفه لإنسان المدينة بالشبح: «من يعش هنا ما هو إلا شبح تحركه الأوهام والطمع». لكن الشاعر يحتفظ بحقه في الرفض لهذا الواقع وتعريته وفضحه بلا تردد وبلا ادعاء. هذه الإرادة للحياة تتخذ أساليب ووسائل تعبيرية متعددة تبعًا لرؤيته الفلسفية (الثورية) وإستراتيجية خطابه ورؤيته الشعرية في مواجهته: «الغرب الرأسمالي لم يكن حرًّا ولا نزيهًا في يوم ما». «المال والشهرة غير كافيين/ لشراء جرام من السكينة/ أو لجلب قليل من الاحترام». «أنا في الخطوط الأمامية/ من سنوات/ لم أرَ أحدًا لأطلق عليه النار/ لم أجد في المتاريس سوى الفقراء».