بواسطة الفيصل | مايو 1, 2024 | تقارير
لحظة بدت شديدة الطموح إلى مخاطبة العالم عبر أوبرا سعودية، تأخذ بأهم ما في الأوبرا العالمية من سمات جمالية ومواصفات فنية، تلك اللحظة التي انطلقت فيها أوبرا «زرقاء اليمامة» في عروضها داخل مدينة الرياض، قبل أن تنتقل إلى عواصم أوربية. تمضي السعودية بعيدًا من خلال هذه الأوبرا، في تأكيد تحولاتها وتنويع قوتها الناعمة. ولعلها المرة الأولى تغنى أوبرا عالمية باللغة العربية، ولئن نجحت أوبرا «زرقاء اليمامة»، التي قدمتها هيئة المسرح والفنون الأدائية في مركز الملك فهد الثقافي، الذي أضاء مبناه الخارجي باللون الأزرق، وكان قد جُدِّدَ ليلائم العرض العالمي، في تكييف اللغة العربية أو التكيف معها، فإن ذلك يعود، في أحد وجوهه، إلى النص، الذي بدا واضحًا أنه أخضع إلى اشتغال طويل ودؤوب ليلائم روح الأوبرا ويمنحها المساحة اللازمة للغناء، من دون التضحية بضرورة النص وأهميته.
وعلى الرغم من ذلك، فإن النص بدا ذريعةً للغناء، وحافزًا لحركة المجاميع ولطغيان موسيقا ميلودرامية؛ للتعبير عن الجو التراجيدي وتعميق هيمنته. بجمله التي راوَحَت بين القصيرة والقصيرة جدًّا، أحيانًا تتكون من كلمة أو اثنتين، إلى جمل سردية مشدودة وكثيفة التعبير، نجح النص في اقتناص بؤر توتر عدة، من السرديات المتنوعة التي قاربت قصة «زرقاء اليمامة»، تلك الرائية الأسطورية التي لم يلتفت أحد إلى تحذيراتها، بل عُوقِبَت بفَقْءِ عينيها على يد قائد الجيش الغازي، بعد أن نشبت الحرب وسالت الدماء وحل الدمار، وامتلأ الفضاء بالجثث. ومن ناحية، استطاع النص أن يصنع الفارق، على مستويات فنية وجمالية، وأن ينجح في أن يكون نصًّا متقدمًا ورائدًا في مجاله.


ليست مجرد امرأة حادة البصر
في الأوبرا، لم تكن زرقاء اليمامة مجرد امرأة حادة البصر، إنما كانت أيضًا ذات بصيرة عميقة، لا تخطئها النبوءة، كانت رائية كبيرة في معنى أدق. ولقد تألقت المغنية الأوبرالية سارة كونولي، وهي تتوشح بالأزرق، في استكناه أعماق هذه الشخصية، مستلهمة حكمتها ووقارها، بذلك الأداء المهيب والفاتن.
شهدت أوبرا «زرقاء اليمامة»، التي جاءت في عدد من اللوحات أو المشاهد، ذُرى درامية ومواقف متأزمة مليئة بالانفعالات العنيفة، شدت أواصر العمل، ومنحت الحكاية التماسك الذي أبقى المتفرج مشدودًا حتى آخر لحظة، بفضل تصعيد درامي يتجدد، المرة تلو الأخرى، عند كل منعطف في القصة الدامية، التي شهدت أحداثها الجزيرة العربية في طور من أطوارها التاريخية البعيدة. من قصة التحكيم الشهيرة عند الملك عمليق، بين امرأتين تدعي كل منهما أن الطفل نفسه لها، إلى قرار الملك، عمليق نفسه، بالنوم مع النساء المقبلات على الزواج من قبيلة جديس. وكانت عفراء بنت عفار الضحية الأولى، التي لم تسكت فنددت بهذا الفعل الشائن، محرضة القبيلة على قتل الطاغية، وذلك ما سيحدث بعد استدراجه بالشراب والنساء. وانتهاء بالحرب الطاحنة، التي حذرت منها زرقاء اليمامة وذهبت تحذيراتها أدراج الرياح، وخلفت حسرة وندمًا كبيرين. وعلى الرغم من الجو الميلودرامي الذي طغى وعبرت عنه لوحات العمل، التي تلونت كثيرًا بالأحمر، لون الدم، فإن الأوبرا ستنتهي نهاية متفائلة، فجاءت اللوحة الأخيرة آسرة، عبر ذلك الأداء الخلاب والغناء الشجي، الذي تولت تعميقه لوحات ومؤثرات بصرية.

في «زرقاء اليمامة»، أبصر المتفرج حركة المجاميع، مرة تحضر في أعداد كبيرة، وتارة في مجموعات صغيرة، تبعًا للضرورة الفنية. تترنح وتلهو وتصخب، بأقنعة على وجوهها حينًا، ومن دونها أحيانًا. وشاهد أيضًا الملك عمليق، ملك طسم، في حلة من الغطرسة، مصحوبًا بأكثر صور العنجهية، يميزه صوت قوي ملؤه الصلف والغرور، فبدا لوهلة من المستحيل التخلص منه، ومما يكيده لنساء القبيلة. وشاهد العروس، عفيرة بنت عفار، برعت في أداء دورها أميليا وورزون، التي اختارها الملك ليدشن بها تقليد العار، وأنصت لصوتها حزينًا فجائعيًّا. متسائلة: لماذا أنا؟ وكان ورد أحمر يشبه الدم ينهال عليها. فيما يتردد الغناء، منذرًا: عار جديس. الخجل للأبد. وتعلو رايات الذل والعار، وسُمعت طبول الحرب. «ليس صوت العشق أو الرجاء. ليس صوت الحلم أو صوت الغناء. صوت طام غاشم. صوت بلاء. وغدًا لا جديس تبقى أو طسم.. فكلا الحيين صاروا للفناء».

بدت أوبرا «زرقاء اليمامة»، كما لحظ بعض النقاد، وفية لتقاليد الأوبرا التقليدية، ومنها التعليق على الأحداث أو التنبؤ بما سيحدث، من دون تدخل في تغيير مجريات الحالة، واستعمال الأقنعة، وأيضًا الغناء المنفرد بين لحظة وأخرى، عند نهايات اللوحات، ربما بقصد الزج بالمتفرج في مزاج مختلف، بعيدًا من الجو المأساوي، إضافة إلى الإفادة من خيال الظل. وفي الوقت الذي تبدى العمل محكومًا بتناغم يشد مختلف لوحاته، ذهابًا في تحقيق التوازن بين الموسيقا والنص، فإن مسحة بوليفونية أخذت تطغى بين حين وآخر، معبرة عن تعدد واختلاف في النبرات، تعكسها لوحات مختلفة تأتي بدورها مشحونة بتعبيرات متمايزة.
ألّف ألحانَ «زرقاء اليمامة» الموسيقيُّ الأوبرالي لي برادشو، وشارك في غنائها المغنية الشهيرة سارة كونولي، والسعوديون خيران الزهراني وسوسن البهيتي وريماز العقبي، إلى جانب مجموعة من الفنانين العالميين مثل كليف بايلي، وأميليا وورزون، وسيرينا فارنوكيا، وباريد كاتالدو، وجورج فون بيرغن. وأدت أوركسترا دريسدنر سينفونيكر المقطوعات الموسيقية، ورافقت الجوقةُ التشيكية أحداثَ القصة بأصواتها التي سحرت الجمهور. في حين اضطلع المخرج السويسري دانييل فينزي باسكا بمهمة تنظيم العرض إلى جانب المؤثرات المسرحية الخاصة. مغنون سعوديون وعالميون قدموا أداءات متفردة، وصدحوا بغناء مذهل. ولقد صفق لهم الجمهور، الذي غصت به القاعة الكبيرة، طويلًا.
الخروج على تقاليد الأوبرا
على أن «زرقاء اليمامة» أنجزت، فيما يبدو، ملمحًا خاصًّا بها، ضمنه استيعاب ملامح من الثقافة العربية، وحضور آلات موسيقية، مثل العود والناي، وتوظيف بعض المؤثرات والمناظر المتحركة، والشاشات الرقمية التي عبرت عن لحظة حديثة جدًّا، ومنها مشهد الفتيان الذي يرتدون ملابس عصرية، ويمسكون خيوطًا تنتهي ببالونات متفاوتة الأحجام، إضافة إلى فتح القصة التراجيدية على المستقبل، وإعطاء الفرح بالحياة والغناء لها، عناية ملحوظة. عناصر جديدة مثل هذه، من شأنها إخراج الأوبرا من تداولها لزمن طويل في حاضنة أرستقراطية ونخبوية جدًّا، وإتاحتها لجمهور متنوع وينتمي إلى ثقافات وأجيال مختلفة.

زمانان يخوض تحديًا جديدًا
بالنص الذي تعرض للكحت والحذف والترويض، ليلائم الأوبرا والغناء الأوبرالي، ويطلق إمكانات الفنانين والمؤدين، ويتيح توظيفًا مثاليًّا للموسيقا وللمؤثرات والمناظر المناسبة، ينجح الشاعر والمسرحي صالح زمانان، في خوض تحدٍّ آخر جديد، وفريد من نوعه، مقتحمًا مجالًا عالميًّا ويشهد ندرة عربية حتى في البلدان التي عرفت باكرًا هذا اللون من الفنون، أي مصر. تجلى نص صالح زمانان، بصورة طاغية، بقدر ما وفر مساحات هائلة للمُغنّينَ وللملحنِ وللمخرج، مطلقًا العنان لهم كي يبدعوا، كلٌّ في مجاله، بقدر ما عبر هذا النص المركب عن إحساس عميق بالتاريخ، وبمناطق القوة فيه، وبما يمكن تحيينه واستعادته، عبر عمل فني تلو آخر.

أخيرًا، تنتصر أوبرا «زرقاء اليمامة» للمرأة وشرفها، وتقاوم الطغيان، وتنحاز إلى السلام والحياة في أبهى صورها. كما أنها تمجد الحب، بصفته هبة إلهية، من أجل حياة مزدهرة، وإنسان جديد. «لا تيأسوا. الحب يملؤكم. الحب ينقذكم. الحب. الحب. الحب يحييكم».
بواسطة فيصل دراج - ناقد فلسطيني | مايو 1, 2024 | مقالات
يقال: إن دور المثقف تغيير الواقع. والقول لا دقة فيه، فدوره، كما دور الثقافة عامةً، تغيير وجهة النظر إلى الواقع. الأفكار لا تغير إنما الذي يغير هو حامل الأفكار التي قد تكون نسبية؛ تنقد معيش البشر وأفكارهم، أو قد تكون قطعية، حاسمة؛ تؤكد «حتمية التحول»، مساوية بين رغبات الإنسان وأفكاره. يحيل ما سبق إلى عنصرين: مقولة: النظرية التي هي جملة مفاهيم عقلانية تتكئ على نسق من المفاهيم التاريخية، تمايز بين الصواب والخطأ، ومقولة: الأيديولوجيا التي هي مزيج من الوهم والحقيقة، ترسم غالبًا منظورًا شموليًّا يمس الحاضر والماضي والمستقبل وتخترع «مثقفًا رَغَبيًّا».
قيد الحقيقة المطلقة
عرف تاريخ الفكر العربي الحديث أيديولوجيات ثلاث: القومية والإسلام والماركسية، التي لا وجود لها في صيغ نقية خالصة. فالأولى منها امتزجت بعناصر دينية، ولم تتحرّر من الدين، تقريبًا، إلا في شكلها العلماني القلق. والأيديولوجيا الإسلامية، لا وجود لها في صيغة المفرد، فتأويلات الإسلام كانت، ولا تزال، متعددة، تنوس بين الثبات والتطور. أما الماركسية، التي تبدو اليوم بُقْيَا من زمن مضى، تقريبًا، فاختلطت بالعلم وسقطت في تعصّب أعمى، الدوغمائية، أي التكلّس المنقطع عن الحياة والممارسة. وواقع الأمر أن لكل أيديولوجيا دوغمائية خاصة بها، وإن كان المسيطر فيها الدينية والماركسية، فكل منها آمنت بالحقيقة المطلقة.
يفضي التصور القائل بالحقيقة المطلقة إلى نتائج مجردة: أولية الأفكار على الواقع المعيش، كما لو كان الفكر خالقًا للواقع وسيدًا عليه، أولوية «الفكر الدوغمائي» على تاريخ الأفكار، ما يساوي بينه وبين الحقيقة، وإعلاء الفكرة الثابتة على الممارسة ما يلغي فاعلية العقل، ويحوّل «النظرية المفترضة» إلى لغو ذهني لا نفع فيه. وفي الحالات جميعًا تبدو الحقيقة، المطلقة قيدًا يقدّس الحتمية، كما لو كانت تعاليم إيمانية ومقدسة. ولهذا يمكن تسمية المثقف المرتبط بها: المثقف الإيماني المقيّد على خلاف المثقف العقلاني المشدود إلى نسبية الوقائع والأفكار.
اطمأن ساطع الحصري، المفكر القومي على سبيل المثال، إلى قومية عربية خالصة لا تحتاج إلى برهان، فإن كان من برهان، أو ما يشبهه، كان مجزوءًا «غائم التاريخ» فهو معطى دفعة واحدة؛ لذا عثر الحصري على «قوميته» في ماضٍ بعيد -معركة ذي قار قبل الإسلام- ومع أن القومية معطى حديث يعود إلى القرن الثامن عشر -بالمعنى الأوربي- وإلى بدايات القرن العشرين بالمعنى العربي، اعتبرها الحصري فاعلة في جميع الأزمنة: فهي جزء من الإسلام، والإسلام جزء منها، وهي أساس الوحدة العربية القادمة بقدر ما أنها مرجع الدولة القومية الراهنة، بل إن لا اختلاف بين القومية التي سبقت الإسلام وقومية دولة العرب في الأندلس.

ساطع الحصري
تساوي الفكرة القومية عند الحصري القومية العربية المتحققة، ما دامت الفكرة تتعين بالإيمان بها، وتصدر الفكرة وتجسيدها عن اللغة والثقافة العربيتين اللتين بدورهما لهما تاريخ أثيل و«مجيد»، وتذهبان إلى مستقبل لا يختلف عن ماضيهما، أي تتصفان بصفة الخلود. كأن القومية العربية من «خارج التاريخ»، يحتاجها الأخير ولا تحتاجه، وتنبثق حيث «يأمر» الداعمون لها بذلك، تحتجب ولا تغيب، كالأصل الذي صدرت عنه، وهو ما ألمح إليه القومي سهيل إدريس في روايته: «الحي اللاتيني»، حيث الحضارة الأوربية تولد وتنطفئ مرة واحدة، بينما الحضارة العربية قديمة وقادمة، ولا تغيب إلا لتعود.
وإذا كان مآل القومية من مآل القائل بها، يخترعها ويتصرف بها ويتحكم بأقدارها، فإنه يبدأ بوهم وينتهي إلى أوهام. رأى الحصري أن ما يعطل مسار القومية ماثل في الاستعمار، وما إن يرحل حتى تنطلق بلا قيود، تخلق الدولة القومية وتمتد إلى الأمام؛ كي تبني الوحدة العربية وتوطد كيانها وتقتلع الاستعمار، وتبني ما تشاء من «قصور الرمال».
الفصل بين الفكر والواقع
لم تختلف الماركسية العربية عن القومية العربية، شاركتها مراحلها الثلاث: التحرر من الغبن والاستغلال، صعود الطبقة العاملة الحتمي، الذي هو اختراع نظري في عالم عربي لم يعرف الثورة الصناعية، السير المطمئن إلى «المجتمع الاشتراكي»، أي المدينة الفاضلة، التي تعادل نظريًّا: تحقق الوحدة في الفكر القومي. والتصور في الحالين شكل من «التذهين المتفائل» يقرر ما يرغب فيه صاحبه؛ لذا توهم الفكر القومي أن الوحدة ممكنة في جميع الأقطار العربية، لا فرق إن تمتع المجتمع بثقافة قومية أو كان شبه أمي يتلعثم أمام اللغة العربية السوية. ولذلك أيضًا ظهرت دراسات عن «مستقبل الاشتراكية في الهلال الخصيب» وآفاق الاشتراكية في الصومال!
آمن «المثقفون العرب» الداعون إلى الوحدة والاشتراكية بقوة الأفكار المرغوبة قبل أن يتعرفوا إليها، وحرروا الأفكار المتحررة من العوائق الاجتماعية… وواقع الأمر، كما دللت الوقائع فقد فصلوا بين الفكر والواقع، وبين الواقع والتاريخ، وبين الأخير والسياسة على اعتبار أن السياسة حرفة لا تستدعي، الطبقات وتكوين المجتمع، وأنها، في الفكر الرغبي، تُختصر في أحزاب «نخبوية»، لا فرق إن كانت مدنية مثقفة أو عسكرية تحتفي بالإخضاع والانصياع، ولا تعنيها مبادئ السياسة في شيء. وهكذا نرى أن قومية الحصري مكتفية بذاتها، إن اعتورها نقص «عارض» جاء من الخارج -الاستعمار- وما إن يطرده العرب حتى تعود إليهم قوميتهم «بلا دنس»، فتنصرهم وينتصرون بها.
الماركسي اللبناني مهدي عامل، الذي اشتهر عربيًّا وترجم إلى الفرنسية، قاسَم الحصري مبدأ التبشير، القائل بالحقيقة المطلقة، حيث الماركسية علم دقيق كأنها الفيزياء، والطبقة العاملة علمية القياس والمنظور، والحزب الشيوعي خلّف، الفكر البرجوازي وراءه وجاء بحقيقة أخيرة بلا خطأ. لا مجال للاختبار والتجريب، ما دامت القومية تبدأ من الصواب والماركسية علم كعلوم الطبيعة والمجتمع الشيوعي حتمي الوصول حال الوحدة العربية التي هي قدر العرب جميعًا!
الموقف من الديمقراطية
المفكر المصري طه حسين اقترب من الديكارتية، أي فلسفة الفرنسي ديكارت القائمة على الشك، فلا وجود لحقيقة جاهزة ولا لفكرة صحيحة قبل البرهنة عليها، وأن الشك مبتدأ للمعرفة، وأن الحقائق يأتي بها التاريخ ويمحوها التاريخ. فبين القدماء والعقول الجديدة مسافة واختلاف، وأن جديد المجتمعات سيرورة قوامها العقل والديمقراطية. ولهذا اعتبر العقول في وسط اجتماعي لا ديمقراطي فيه عقيمة بائرة تخالطها الأكاذيب، وأن ديمقراطية لا تحتكم إلى قواعد العقل فارغة المضمون، وهو ما شرحه وأسهب في شرحه في كتابه: «مستقبل الثقافة في مصر»، حيث كلمة المستقبل تحدّد الحاضر وتصحّح ما جاء به القدماء، وتعاين ما يجري سائرًا إلى الأمام. يسير الإنسان إلى الأمام ولا يستغرقه الماضي إلا إذا كان معطّل المحاكمة والحواس.

بريخت
لم يكترث الحصري بالديمقراطية، كما لو كانت القومية العربية في ذاتها «تتجاوز» الديمقراطية وتلغيها. واعتبرها مهدي عامل «بدعة برجوازية» تعمي الأبصار وتحرف البشر عن السعي إلى مصالحهم، بينما أقام طه حسين وحدة عضوية بين الأفكار والديمقراطية، وعيّن الشك المنهجي درجة من درجات المعرفة. كان في منظوره، وهو الأعمى- البصير، يحتفل بالأنا المفكرة، أي بالمفرد الذي يقوده عقله ويقود عقله. فلا وجود لعقل فاعل إلا بإنسان مفرد يتمتع بالعقل والمعرفة ويختبرهما بالفعل والتجربة.
نفى طه حسين اليقين الأعمى واعتنق الشك المنهجي، ووضع المثقف الإيماني بين قوسين، وأنتج معرفة جديدة بالتاريخ والسياسة. أما المفكر الكوني إدوارد سعيد فقال بما دعاه: المثقف الهاوي الذي يتكئ على معارف مختلفة، ويجسد المسافة بين المعارف المتنوعة وتوحدها. فلا وجود لمعرفة مفردة مكتفية بذاتها ولا لمثقف يرتكن إلى معرفة وحيدة. كان أستاذًا جامعيًّا يكره الاختصاص ويعيّن المعرفة فعلًا ديمقراطيًّا، ويوكل إلى المثقفين دورًا نقديًّا ينكر الاستبداد واحتكار المعرفة المختصة. ولعل مبدأ: المثقف الهاوي هو الذي مر به الإيطالي أنطونيو غرامشي الذي قال: «إن جميع البشر فلاسفة ومثقفون ومربّون». وإن التلاقي ممكن بين الثقافة الشعبية والأكاديمية.
كشف طه حسين عن «حداثته»، مؤكدًا أنه لا معرفة إلا بمفرد «يتسلّح بعقله» وينكر الجماعة المتجانسة؛ ذلك أن التجانس سكون ودفاع عن «عادات التفكير الجامدة». وأعلن سعيد عن حداثته الفكرية في حوار الأفكار والنظريات الكونية، في تلك «البينية» الرافضة لاختلاف الأفكار والمفكرين. قال المفكر القومي الحصري بالقومية وأجهض ما هو حديث فيها، واستبسل مهدي عامل في الدفاع عن الماركسية كأنها دين آخر. ناصَر طه حسين وإدوارد سعيد التعددية الفكرية التي تترجم دلالة الحداثة في الحياة الاجتماعية والحياة العقلية، فالتعدد أساس الحياة والوجود.
المعرفة والذات العارفة
من المحقق أن المثقف الإيماني يضيف إلى موضوعه ما ليس فيه، كما لو كان بدوره علاقة معرفية.. هو في هذا ينكر موضوعية المعرفة، ويصيّر العلم إلى علم زائف وذاتي الأبعاد، يتداعى علم التاريخ وعلم الاجتماع والاقتصاد وغيرهما… يتحول الأول إلى مجموعة من القصص والحكايات، والثاني إلى تصورات ذاتية، والثالث إلى أرقام مجردة. ينتقل المثقف، حينئذ من حالة الإيمان بالمعرفة إلى المتسلط عليها، إلى مثقف يضع معتقده الذاتي فوق قوانين المعرفة، وهو حال المثقف الحزبي والطائفي والعشائري…

كارل بوبر
فصل المسرحي الألماني بريشت بين المثقف الحزبي والمثقف المتحزب، فالأول يعطل محاكمته الذاتية ويردد بداهات جاهزة، في حين أن الثاني يجعل من إعمال عقله جزءًا من معارفه، مؤكدًا العلاقة بين العقل النقدي والمعرفة، وبين الاستقلال الذاتي للعملية المعرفية والإبداع الذي يحيل إلى تاريخ المعارف لا إلى الأشخاص.
أكد كارل بوبر، الفيلسوف اليهودي المعادي للصهيونية، ضرورة الفصل بين المعرفة والذات العارفة، واعتبر أن الإيمان بالصهيونية يطرد المعايير الموضوعية وينبذ، تاليًا، المعايير الأخلاقية، فلا يقبل بالمساواة ولا بالعدالة ولا الاعتراف بالآخر «غير الصهيوني». بل إن الانغلاق الأيديولوجي، الذي يهمّش معطيات الحياة، يترك آثاره على اللغة أيضًا، فتتجمد وتتكلس وتعارض التطور. ولهذا عزا الشيخ محمد عبده جمود اللغة العربية، أحيانًا، إلى رجال الدين المتعصبين الذين يحتفون بالثبات والسكون. ويظنون أن الشباب فعل مقدس. على اعتبار أن اللغة العربية مقدسة، وأن مراعاة تقديسها يقضي بثباتها. لا غرابة أن يتطير بعض رجال الدين من «الرواية» والمسرحية وغيرهما من الفنون المرتبطة بوقائع الحياة. أكثر من ذلك أن التصور الخاطئ لعلاقة الدين الإسلامي باللغة «يحرض» العقول «الاستشراقية» على التهوين من شأن اللغة العربية، واعتبارها غير ملائمة للكتابة الروائية مثل الجزائرية آسيا جبار، وعلى سبيل المثال المصري عادل كامل صاحب روايته «مليم الأكبر».
وأخيرًا تقضي الثقافة بالاعتراف بجديد الحياة وتطور الحاجات الإنسانية، وهو ما يؤكد ديمقراطية المثقف الهاوي، وقصور وعجز المثقف الإيماني حتى لو كان نبيل الأهداف.
بواسطة ماريو أندريا ريغوني - كاتب إيطالي - ترجمة: نزار آغري - مترجم وكاتب سوري | مايو 1, 2024 | ثقافات
كان لا بد، ذات يوم، أن تتوقف مسيرة الألف عام من الفلسفات والنظم والعقائد و«مفاهيم الوجود»، ويعود الفكر الإنساني إلى العراء المفقود والعنف الخام والتناقض النقي الكامن في كل ما هو موجود.
سيترتب على التاريخ، الذي لم يقيض له أن يُكتب حتى الآن عن هذه السيرورة الضرورية والمخيفة، أن يروي قصة ميلاد وتطور ليس نظرية جديدة، أخرى، بل سردية ما فوق نظرية عن فشل جميع النظريات، عن حالة الصفاء التي بزغت لأول مرة، وإن بطريقة غامضة، في أزمنة وأمكنة مختلفة في الماضي من دون أن تحقق مداها واستمراريتها إلا حين بلغ الفكر حده الأقصى في سعيه للحاق بقاطرة التقدم السريعة والمأساوية والتراكم المذهل للتجارب التاريخية.
الاستغلال التاريخي للأرض في «ليل الأشياء البشرية»، الذي رثاه ليوباردي في تأملاته وأناشيده، في القرن التاسع عشر، يعد عاملًا حاسمًا في اليقظة المبهرة للضمير التي ميزت، أي اليقظة، الحضارة الغربية في القرنين الأخيرين، ليس بوصفها مرحلة عابرة، بل باعتبارها واقعًا سائدًا.
يعتبر مثل هذا الأمر، إن عدنا مرة أخرى إلى ليوباردي، الشاهد والضحية الأكثر نقاء وعبقرية لتلك الظاهرة، يقظة حتمية للعيون وانتقالًا حاسمًا من عمى الوهم نحو الحقيقة، حقيقة سلبية بكل تأكيد، يعلوها الغبار ولا شيء فيها سوى الهباء. لقد بدأت الحداثة مع هذا الكشف الدرامي بالضبط: الحقيقة تقتل الحياة، والنسيان وحده يمهد السبيل لذلك.
كتب ليوباردي في «شذرة عن الانتحار» ما يلي: «الخطة التي تضعها الطبيعة فيما يتعلق بالحياة البشرية تكمن في القانون العظيم للإلهاء والوهم والنسيان. كلما ضعف هذا القانون مضى العالم أكثر نحو الهلاك». غير أن الصفاء هو، لسوء الحظ، بمنزلة الحلقة التي لا يمكن الخروج منها ما إنْ يَطَؤُها المرء بقدميه، وهناك أعداد لا حصر لها من الأعمال، وبكل أشكال التعبير، على الأقل في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وما بعد، مما تحمل أكتافها، بهذا الشكل أو ذاك، صليب هذا الوحي المدمر، الملهم والملعون، المحرر والمقيد، في آنٍ معًا. لا يمكننا السير قدمًا في طريق الوعي من دون أن نقوض، في الوقت ذاته، الوجود نفسه، كما لا يمكن الوصول إلى الجوهر من دون الوقوع في شرك ما هو ضروري. لا يمكن الانعتاق من دون الاصطدام بالركود والخواء.
ما يميز سيوران
سيوران هو المفكر الوحيد في عصرنا الذي، برفضه كل التصانيف والصيغ في كتاباته، عبر عن جوهر الشرط الإنساني للفرد المتحرر من الوهم بالكامل، المتأرجح بين الحكمة والتراجيديا والمهزلة. ولأن هذا كان معنى وجوده فمن الجلي أنه لم يستطع ولم يرد، بأي شكل، أن يكون «فيلسوفًا أصليًّا»: ليست ثمة فلسفة، بل لا أصالة، من دون قدر معين من السذاجة، وهي نعمة ونقمة في آن معًا، لم يعرفهما مؤلف مثله، بلغ نهاية العالم الغربي وطمح لأن يكون نبيًّا لنهاية التاريخ ولكل ما هو تاريخي.

شارل بودلير
من الطبيعي، والحال هذه، أن يكون عمله العظيم «مقال في الانحلال»، الذي يعد وصفًا للمستحيل وما لا يمكن بلوغه، بمنزلة مراكمة، وليس خلقًا، للمعرفة، والذي يستمد إلهامه لا من أفلاطون أو كانط أو هيغل أو ماركس أو هايدغر أو نيتشه (لو استثنينا الجانب السيكولوجي منه)، بل من بوذا وكوهوليت، والقدماء من الساخرين والمشككين والغنوصيين، وتاسيتوس وماكيافيلي وسويفت ومدام دو دوفان وباسكال، والأخلاقيين الفرنسيين، والشعراء والكتاب الذين كانوا فنانين عظماء مثل شكسبير وبودلير وليوباردي ودوستويفسكي، وأخيرًا كل المنشقين عن النظام العام والأعراف والثوابت الوجودية والاجتماعية، من الهراطقة والانتحاريين والمتصوفة والمشردين. إلا أن الميزة الأساسية لمؤلفات سيوران تكمن فيما يلي: قدرتها على حشد عناصر متباينة من الصفاء الشاسع وجمعها لتشكل صورة معبرة عن الكثافة العالية والشفافية المبهرة في آن معًا، وذلك بفضل ابتكاره للغة، يبدو أنها اختفت الآن، تنهض على صهر هذه الأشياء داخل أسلوب يعتمد على قطوف المأثورات وثمار التأملات ورواسب المظاهر. ثمة ذلك الاستحواذ الفوري والساحر على ما هو جوهري وهو ما يضفي على كتاباته القوة والجاذبية النابعتين من علاقة خلاقة مع الحياة والأشياء بعيدًا من ضلال الأفكار.
كان سيوران ميتافيزيقيًّا ومحللًا نفسيًّا عنيدًا وكاتبًا فذًّا، وقد كرس نفسه للغوص في أعماق مجموعة حاسمة من الحقائق التي لا يمكن دحضها ولا تأكيدها في الوقت نفسه: الابتذالات، الأدلة المدمرة للتوازن، الكليشيهات التي «تفقد المرء صوابه»، إن أردنا أن نستخدم أحد التعابير الصارخة التي يلجأ إليها والتي تلمع كومضات باهرة في كتاباته الرؤيوية والحاذقة. إنه مهاجر روماني، جاء إلى باريس، سليل نبلاء بقلب بلقاني مبهور، في الوقت نفسه، بكل التيارات الانحطاطية، بحنين بربري غض. كل هذا دفع به إلى كل ما هو قصي ومنحه القدرة على الجمع بين اللامبالاة والحدة والرقة والتشنج والدقة والانفلات والتنقل بين التناقضات وملامسة النهايات والمآزق التي لا يمكن اختزالها، أي كل ما يصل إليه العقل الواقعي.
في الانحلال والثورة الرجعية
إن نحن حاولنا التمعن في كتاباته، على الأقل «الرئيسة» منها: «مقال في الانحلال»، «إغراء الوجود»، «تاريخ اليوتوبيا»، «السقوط في الزمن»، «الوجود السيئ»، «مأزق الولادة»، «التباعد»، سنجد صعوبة في تعيين الأجمل أو الأغنى من بينها؛ لأنها، وبالرغم من تنوع المواضيع وأشكال الخطاب فيها، مسكونة، بالقدر نفسه من الكثافة، بهاجس درامي يشكل، بالنسبة له، الهوس العظيم الوحيد. قد يكون في وسعنا القول: إن «مقال في الانحلال» يتميز بنبرة شعرية مباشرة وراسخة: من الأكيد، على أي حال، أن هذا الكتاب الخالد، وهو كتابه الأول باللغة الفرنسية (1949م) يتضمن خلاصات الكتب التي سينشرها لاحقًا، وهو، أي الكتاب، يعد أيضًا، الخلفية وحجر الأساس لتأملاته السياسية التي ستظهر بشكل واضح ودقيق، (من بعد «مقايسات المرارة»، التي هي مجموعة من الأمثال المتنوعة 1952م)، في بعض صفحات «إغراء الوجود» (1956م) أو على وجه الخصوص في المقدمة الحاذقة والشائقة، لـ«مختارات من نصوص جوزيف دي ميستر» (1957م)، التي نشرت لاحقًا كنص مستقل بعنوان: «بحث في الفكر الرجعي».
هنا، وبتحليله للأفكار العظيمة والحية لهذا المفكر السافيوري، ينتهز سيوران الفرصة للإشارة إلى الفضاء السياسي لتأثيرات المبدأ الشيطاني القائل: إن «كل تقدم ينطوي على تراجع، وكل صعود يحمل في داخله سقوطًا»، وإن «ثمة قوة خفية (…) تدفع كل حركة إلى إنكار نفسها وخيانة إلهامها الأصلي، والتمرغ في الفساد الذي ما ينفك يتعمق يومًا بعد يوم».
وهكذا فإن الثورة تحاول أن تميز نفسها عن الرجعية التي تحاربها وتشجبها، طالما أنها لم تزل مجرد فرضية أو فكرة مجردة: «إن الملموس، الذي ينهض لحسن الحظ كي يقوض راحة بال مفاهيمنا وفرضياتنا، يعلمنا أن الثورة الناجحة والناجزة التي تتحول إلى عكس ما كان متوقعًا من غليانها وولادتها، تكف عن أن تكون ثورة وأنها تقلد، وليس لها سوى أن تقلد، شكل وبنية حتى وظيفة النظام الذي ثارت عليه، وكلما مضت أبعد في سيرورتها (وهي لا تستطيع أن تفعل سوى ذلك)؛ قوضت مبادئها وهيبتها. وهكذا تصبح قوة رجعية بطريقتها الخاصة، أي أنها لن تحارب من أجل استعادة الماضي بل من أجل الحفاظ على الحاضر ولن يساعدها في البقاء شيء أكثر من اتباع الطرائق والأساليب التي كان يتبعها النظام الذي قامت من أجل إلغائه. وهكذا فإنها، ومن أجل ضمان استمرارية الإنجازات التي تحققها، تتخلى عن الرؤى والأحلام التي كانت تتباهى بها، وتستمد عناصر ديناميتها منها.
إن اللحظة الثورية حقًّا هي تلك التي تسبق الثورة، أي اللحظة التي تنخرط النفوس فيها، وتمارس نوعًا من عبادة المستقبل والخراب في آن معًا. ما دامت الثورة مجرد احتمال، فإنها تتجاوز ثوابت التاريخ ووقائعه وتفلت، إن صح التعبير، من قبضته، ولكنها ما إن تتحول إلى واقع حتى تعود القهقرى إلى ما كان الأمر عليه قبلها وتتكيف معه من جديد وتطيل عمر الماضي وبذلك تسلك طريقه، أي طريق الماضي. هي تنجح لأنها تلجأ إلى اتباع الأساليب الرجعية التي كانت تشجبها من قبل. يمكننا القول: إنه حتى الفوضوي يخبئ في أعماقه شخصًا رجعيًّا ينتظر اللحظة المناسبة، لحظة الاستيلاء على السلطة، حين تتحول الفوضى إلى قوة أمر واقع وتفرض مشاكل لا تستطيع أي يوتوبيا أن تجد، أو تقترح، حلولًا فعلية بعيدًا من الغنائية والمسخرة».
ظهر كتاب «تاريخ ويوتوبيا» عام 1960م (ولكن أول مقالين منه كانا قد نشرا عام 1957م غداة الثورة المجرية)، وهو يتطرق بشكل واسع وتفصيلي إلى مواضيع علم النفس وديناميكية السلطة، التي بقيتْ دومًا، رغم المقاربات المبكرة لماكيافيلي ورغم الوقائع على أرض الواقع، مغلفةً بالغموض ومرهونة للآمال والتوقعات، أي لسوء الفهم.
لقد بقي سيوران متحررًا من كل هذا، والفضل في ذلك يعود إلى مقاربته للأشياء بعيدًا من نوازع الأيديولوجيا واللعب بالأفكار، أي بعيدًا من وجهة نظر مسبقة، وهذا يعني، من دون شك، أنه كان يضع نفسه خارج كل شيء، ويرفض التنعم برفاهية الخرافات الإنسانية ورفض اتخاذ أي خيار. ولكن هل ثمة سبيل آخر لشرح ووصف وتقييم هذا العالم المصاب بالتلوث الكلي، أي عالم السياسة والتاريخ، من دون تشويهه؟

مديح القوة والشك الصارم
يضم الكتاب ست مقالات هي، في نهاية الأمر، مراجعات للتناقضات المذهلة التي يصطدم بها التفكير الأخلاقي والسياسي عند كل خطوة، وذلك لأن قانونًا منحرفًا وصارمًا، مدونًا في طبيعة الوجود ذاتها، أراد للروح أن تقترن بالمرض، والضمير بالعقم، والحضارة بالانحطاط، والحكمة والتوازن بالجنون، والصحة بالهمجية، والخصوبة بالغباء، والمستقبل بالغريزة، والفاعلية بالاختلال والخرف. الحرية فضيحة عارمة. لا يمكن العيش من دونها، ولكن حين نصل إليها فإننا نخسر الحياة والقوة، والاستمرارية والمستقبل: «تزدهر الحرية في الفراغ، إنها تتطلب ذلك وترضخ له. الشرط الذي يحددها هو نفسه الذي يلغيها. هي تفتقر إلى الأساس الذي تستند إليه: كلما اكتملت كلما أصبحت أقل استقرارًا؛ لأن كل شيء يهددها بالتقويض بما في ذلك المبدأ الذي انبثقت منه. والإنسان غير مؤهل لتحملها ولا يستحقها لدرجة أن المنافع التي تمنحه إياها هي ذاتها التي تسحقه وينتهي به الأمر إلى الاختناق تحت ثقلها إلى الحد الذي يفضل فيه أهوال الرعب الذي سبقها على ما يتمخض عنها. فضلًا عن هذا فإنها تظهر بفضل نظام يقترب من نهايته في اللحظة التي تنهار فيها إحدى الطبقات: مثالب الأرستقراطية هي التي مهدت الطريق للانحراف في القرن الثامن عشر ومثالب البرجوازية اليوم تدفعنا للاستسلام لنزواتنا. الحريات لا تزدهر إلا في جسم اجتماعي مريض: التسامح والعجز مترادفان».
وهكذا، مقارنةً بالعجز والتخبط والمخاوف المدمرة للذات في الديمقراطيات الغربية التي بلغت درجة من الرقي والتحضر والتقدم مما «لا يمكن التغلب عليها ما لم تسلك هي طريق الانحدار»، فإن الحظ يظهر تفوقه فيما يتعلق بالسير المندفع للإمبراطورية الروسية المهيأة لصعود حتمي لسبب بسيط، هو أنها استطاعت أن تتحرر، لقرون عدة، من استنزاف التاريخ لها، وأن تتمتع برعاية وحماية السلطة الأوتوقراطية، وتحافظ بالتالي على كيان منفصل ومظلم ومقموع استطاعت أن تراكم فيه احتياطات هائلة من الطاقات والهذيانات وأن تغذي حلم «الخلاص»، أي أن تغزو وتسيطر على العالم، وهو الحلم الذي ظل يراود أذهان القيصرية والأرثوذكسية والسلطة السوفييتية على السواء.
إن روسيا «بنفوسها التي ترعرعت في السهوب والمضايق تملك الصورة الفريدة للمدى الشاسع والحيز الضيق معًا، الضخامة والضآلة، أي، باختصار، الشمال. ولكنه شمال خاص. شمال لا تحيط به مقارباتنا، الشمال الذي يغفو ويطفح بالأمل، في ليل زاخر بالانفجارات، وفجر تحتفظ به الذاكرة طويلًا. إن القيامة تليق بها وتكسبها روعة. هذه كانت عادتها وكذلك أذواقها، وهي تسير في أثرهما اليوم أكثر وأكثر. لقد غيرت، بكل وضوح، إيقاع سيرها من أجل ذلك. «إلى أين تحثين الخطى، يا روسيا؟»، هكذا تساءل غوغول، الذي أدرك الهيجان الراقد تحت السكون الظاهري. الآن نحن نعرف إلى أين تحث روسيا الخطى. نعرف أنها، على غرار الأمم التي تحمل قدرًا إمبراطوريًّا، تتحرك لحل مشاكل الأخرين بدلًا من مشاكلها. إلى أي حد يمكننا القول: إن سيرنا في طريق الزمن يعتمد على ما ستقرره وتفعله روسيا: مستقبلنا بين يديها.
هذا ما خلص إليه سيوران، بعد أن خاب أمله في الشيوعية والديمقراطيات الغربية على السواء، واستطاع، أكثر من أي شخص آخر، أن يستوعب تماثلاتها وتناقضاتها، هو الذي تأرجح بين مديح القوة والشك الصارم والفطنة التراجيدية التي ترى في مجرد التنفس ميلًا إلى التطرف والكارثة. وهو عبر عن فكرته هذه قبل خمس وعشرين سنة حين كانت روسيا في أعين الجميع، في أوربا والعالم كله، نقطة جذب إما لإيمان كامل أو لإدانة شاملة، بالقدر نفسه من الحماس لأن الأمرين كانا ينبعان من أيديولوجيا صافية وعمياء.
سيادة العنف وشهوة السلطة
الأحداث التي جرت، مذ ذاك حتى الآن، أكدت بطريقة مذهلة وباضطراد مستمر صحة هذا التشخيص. فليس من المقبول (هو يصر على الأمر في كل مؤلفاته استنادًا إلى التماثلات التاريخية المتكررة)، سواء بالنسبة إلى أي حضارة أو مجتمع، مثلما هو الحال لدى الفرد، التحرر من أوهام حصانة الأساطير والأيقونات التي تضمن تماسكها واستمراريتها.
وقد جرى تأكيد مثل هذا الأمر فيما يتعلق بالعنصر السلافي من جانب هيرزن، في القرن الماضي، وهو ما يدركه سيوران «أليس السلافيون هم الألمان القدماء في العالم الذي يختفي؟»، ومن جانب نيتشه «السلطة المقسمة بين الأنغلوساكسونيين والسلاف مثل وقوع اليونان تحت سلطة روما». الأمل الضئيل الوحيد المتبقي للأوربيين هو أن تنتقل عدوى ديمقراطيتهم إلى الروس، فينجذبوا إليها ويفتتنوا بوهج شفقها: في هذه الحالة «سوف يتحضرون رغمًا عن غرائزهم وسيعرفون أنهم، هم أيضًا، ناقلون للحرية».

جاكومو ليوباردي
لولا أن السحر الغامض الذي كان من شأن روسيا أن تبهر به، ليس الشيوعيين الغربيين، لا بالتأكيد، بل مراقبًا حصيفًا مثل سيوران، قد تبدد بالكامل الآن: في ظل الانحطاط المتسارع للعالم كفت الغريزة نفسها عن أن تشكل وعدًا، والهمجية بدورها فقدت آخر ظل من ظلال العظمة والبهاء. تبقى الحقيقة العارية في أن حركة التاريخ، بدءًا من أبسط حدث، إنما تمد جذورها في قوة غاشمة لا ترتوي: معاينة الديناميات السياسية سواء في الأنظمة المستبدة أو كاريكاتيراتها في الأنظمة الليبرالية والديمقراطية تكشف عن أمر واحد وهو أنها، أي هذه الأنظمة، لا تختلف فيما بينها سوى في درجة شدة شهيتها لالتهام العالم، والتي سوف تقود هذا الكوكب، في مستقبل قريب أو بعيد، إلى ظلام طغياني شامل بحيث يكون الطغيان السائد في وقتنا هذا، ولا سيما الهتلري منه، مجرد رسوم أو تخطيطات أولية. العنف (وليس التفاهم) هو الذي سوف يوحد القارات، وهو، باعتماده على معين رهيب ولا سابق له، أي العلم، سيكون، كما كان على الدوام، كما ذكر كاتب سفر التكوين، الطريق إلى «استعبادنا وليس تحريرنا».
من جانب آخر، لا يمكن استئصال شهوة السلطة من السياسة وبشكل أعم، التاريخ؛ لأنها، أي هذه الشهوة، كامنة في جوهر الحركة، إنها نتيجة مباشرة للخطيئة الأصلية وتحطم المطلق، فالهروب منها يعني الهروب من الوجود نفسه، والتخلي عن التفرد وعن أي إمكانية للكينونة أو الصيرورة، في أي سياق وبأي طريقة، سواء تعلق الأمر بالبشر أم بالأشياء.
إن السلطة، في تجسدها الطبيعي، والكريه، أي الاستبداد السياسي والروحي، هي الميدان المفضل لتحليل النزعة الشيطانية التي تحدد كل مسار إنساني، بما فيه الأرقى، بما في ذلك تقوى القديسين، وذاك الانحراف الرقيق، «الرذيلة ذات القلب الطيب». ليس في وسعنا الاستمرار في الحياة والعمل والإنتاج من دون الاعتماد على قوة وخصوبة الشر: «إن القيام بأدنى خطوة إلى الأمام يتطلب حدًّا أدنى من الدناءة، التي نحتاج إليها أيضًا للبقاء على قيد الحياة. يجب ألا يتخلى أحد عن احتياطاته من الوضاعة إن أراد الاستمرار في العيش». هذا ما نقرؤه في «أوديسة الحقد».
كل الفعاليات والسلوكيات والإنجازات، بمختلف أشكالها، في العالم، تنبثق من القاع السفلي للأنا، من المشاعر المنحطة، من ردود الأفعال الدنيئة، ولا سيما الحسد والانتقام، وهو الأمر الذي عده سيوران ليس أساسًا نفسيًّا وسياسيًّا وحسب؛ بل مبدأ كونيًّا قائلًا: إنه من دون الرغبة في توكيد الذات، التي تعبر عنها تلك التجليات بشكل مباشر «لن تكون ثمة وقائع، بل لن يكون هناك عالم: الرب نفسه، باعتباره خالقًا، لا يستثنى من هذه الحمى، الذي لا يشكل الشيطان، سيد الزمان، سوى وجهه المرئي».
الفعل، بوصفه كذلك، هو النزوع إلى رفض العصر الذهبي الذي صورته اليوتوبيات القديمة في الماضي وستضخه اليوتوبيات الحديثة في المستقبل.
الدخول في حلقة مفرغة
إن السعي إلى تحقيق السعادة على الأرض، من خلال الفعل والجمع بين حلم الجنة ولعنة الضرورة، ينطوي على تناقض رهيب، ومع ذلك فإن هذا التناقض ذاته هو الذي ينسج ثوب أقدارنا حيث لا يمكن الفصل بين الأمل والرعب والتقدم والانحطاط واليوتوبيا والقيامة.
إن كان ثمة خلاص فهو لن يأتي بالتأكيد من العالم التاريخي، أي «مملكة الذل الديناميكي»، بل من إعادة اكتشاف «المبدأ الخالد للطبيعة»، من الإدراك الداخلي «للحاضر الأبدي المتفوق على الكينونة والأبدية نفسها» الذي لن يكون الرب سوى نسخة مكررة زائدة منه.
نزول سيوران إلى دوامة الفعل، الخاضع للمعاينة والتوصيف من منظور ينبثق من علم الجسد والغنوصية في آن معًا (وهما، على الأرجح، المفتاحان الوحيدان اللذان يتيحان الخوض في الظواهر)، ينتهي به إلى هذا العلم المعزول والسلبي، الذي هو علم الأخرويات أو المصير النهائي للبشرية، متحررًا في الوقت نفسه من جحيم التاريخ والجنة المزيفة لليوتوبيا واللاهوت. وإنه لذو دلالة كبيرة في أنه، أي ذاك النزول، يتأتى من روح تأبى الزهد بل تقبل من دون تردد تحدي الفعل وحتميته.
هكذا يمكننا القول: ليس ثمة قراءات أو تحاليل أو تفسيرات منطقية لنمط من التفكير يعجز، على الرغم من بلاغته وتفوقه في التعبير عن نفسه، في أن يعرف التطورات والطاقات والإيجابيات والاتجاهات المتعددة؛ وذلك لأن مسيرته تقوم في اتباع الشيء ونقيضه في أي ظاهرة، وفي الكشف عن التعقيد الكامن في التضادات وتعرية الازدواجية القابعة داخل الأشياء، وهو الأمر الذي يقود، في نهاية الأمر، إلى الدخول في حلقة مفرغة وبالتالي في حيرة مطلقة.
الحال أن المقاربة المعرفية والأسلوبية للموضوع من جانب سيوران تشبه الصاعقة التي تترك الناقد والقارئ العادي في ذهول. فالنظرة التي تكاد تبلغ حد الكمال فيما يتعلق بمقاربة العبث، وهي النظرة التي أعاد تشكيلها وتفعيلها بكل أوجهها وانعكاساتها، لا تظهر، على الأقل في الوقت الراهن، أي غموض أو تردد. وهي تصح في كل كتبه، ولا سيما في «تاريخ ويوتوبيا».
كتب سيوران هي مرايا نقية تعكس المجد والكارثة معًا، وهو الأمر الذي تقوم به الكتب الحقيقية؛ يستنير بها كل شخص، ولكن لا أحد يستطيع الاستفادة منها.
المصدر: MARIO ANDREA RIGONI: IN COMPAGNIA DI CIORAN.a cura di Federica Marabini. Via Negrelli, 6 – 35141 Padova Tel. 049-8717891 www.ilnotesmagico.it [email protected]
بواسطة عبدالله العقيبي - ناقد سعودي | مايو 1, 2024 | قراءات
في «كتاب الفل» للشاعر عبدالرحمن موكلي، الصادر عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر ٢٠٢٣م، تبرز البطولة لوردة الفل البيضاء، المشتهرة في جازان، بلد إقامة موكلي، وبلد الفل في آن، وتبرز الهروج -الكلام والحديث بين شخصين أو أكثر، ولها أصل فصيح مرتبط بصوت القوم المختلط في أثناء التقاتل، وهي أيضًا من الكثرة في الشيء- كأسلوب من أساليب السرد الشعبي، الذي يميل كل الميل إلى الحديث الشفاهي المرسل. كأن موكلي منذ عنوان كتابه يود أن يبلغنا عن مستوى كتابي معين يقوم على أُنس الكتابة عن هذه البنت اللاهية، على حساب الموثوقية القائمة على البحث والتنقيب في المراجع.
في مديح البُعد الجمالي
في بداية الكتاب نجد الكاتب يعترف بعدم موثوقية المعلومات الواردة فيه، ويحيل ما سيأتي لاحقًا إلى التأريخ الشفاهي القائم على إعمال الحدس والشعور لا المعلومة الموثقة، وهذا اعتراف شجاع منه، قلما نجده لدى مَن يدَّعي صدق ما يرد في مصنفه. ومن لطيف ما فعل تصديره للكتاب بمقولة أمبرتو إيكو من رواية «اسم الوردة»: «الكتب لا تكتب لتصدق، ولكنها عرضة للمساءلة، عندما نفكر في الكتاب، يجب ألا نسأل أنفسنا ماذا يقول، ولكن ماذا يعني»، كأن موكلي بهذا التصدير يود منَّا ألَّا ننساق وراء سطوة الحقيقة، بقدر إعمالنا لقيمة وجمال المعنى المُراد من وراء تأليفه لهذا الكتاب عن وردة (أو بنت) الفل.
ومن خلال هذا الفعل التعاقدي بين المؤلف والقارئ يمكننا أن نسمح لأنفسنا بأن نتلمس البعد الجمالي، ونُقصي البعد المعرفي، على الأقل في شكله الذي يحملنا على التدقيق والبحث. والحقيقة أن ذلك ممكن جدًّا إذا ما نظرنا إلى فداحة ما سنخسره من أبعاد جمالية لو طالبنا كل كاتب ألَّا يؤلف أو يصنف خارج حدود المعلومة الموثقة، وبخاصة موضوعات مثل موضوع هذا الكتاب، الذي يجنح بشكل متعمد إلى التاريخ الاجتماعي للظواهر والأفعال المرتبطة بالبهجة والجمال في حياة الناس.
وبخلاف موضوع الكتاب الذي يتحمل إقصاء ضغط الحقيقة في صالح رحابة البهجة والجمال، هناك أمور أخرى تشفع للكتاب تمسكه بالبعد الجمالي جاعلًا منه قيمة عليا، من قبيل تقسيمات فصول الكتاب، التي جاءت على طريقة رؤية الشاعر لا الباحث، من فصول تتبع أشكال الاحتفال بالفل، وعلاقته بالأنثى، والجغرافيا الطرية التي تتقبل زراعته، وطقوس التعامل الأنثوي معه، وفصول أخرى تتبع ورد الفل في الأغاني الشعبية، إضافة إلى اللغة السردية الجمالية التي تتناول كل هذه الفصول، وهي لغة متفاوتة بطبيعة الحال بسبب حجم وطبيعة الفصل، لكنها في مجملها لغة مختارة بعناية لا تذهب للمعنى كما يذهب الباحث والمحقق، بل تخاطب الوجدان والقلب كما يليق بشاعر، وهذه مزية من مزايا الكتاب.
ولو تتبعنا معجم موكلي في فصول كتابه من دون أن ندري أنه شاعر، لجزمنا بشاعريته، فمفردات الحب والصبابة والفرح والبهجة والجمال والموسيقا حاضرة بتنويعاتها في لغة السرد، بل إن التراكيب المجازية صفة غالبة على طبيعة التناول من ناحية التصور الموضوعي لكثير من مفاصل الكتاب، حتى طريقة المقاطع التي بنى الموكلي عليها جل كتابه، طريقة رقراقة تنساب فيها الأفكار والرؤى على هيئة دفقات شِعرية في غاية الجمال والرقة، وليس هذا بمستغرب على الشاعر حين يتناول موضوعًا تأمليًّا وثيق الصلة بالأفراح والمباهج.
قد يظن بعضهم أن الكتاب بصفته الشِّعرية التي ذكرنا لا يقدم الفائدة والإضافة. والحقيقة خلاف ذلك؛ فالسرد اللطيف واللغة المجازية مرتبطان كل الارتباط بالمادة المعرفية، لكن الفارق يكمن في أن كل معلومة مقدمة من خلال نظرة تأملية، تغلف المعلومة وتزفها للقارئ بأسلوب احتفالي، مليء بالفخر والفرح والابتهاج والاحتفال بالحياة. حتى عندما تحدث عن الأحزان التي تصحب مواسم العزاء وفراق الأحبة، كانت لمسة محبة الحياة موجودة وحاضرة، وهذا الملمح يشي بمدى تعلق الكاتب بالبعد الشِّعري الذي دفعه لتأليف الكتاب، وتأمل تاريخ زهرة الفل البيضاء، وكما لو أن الموكلي يؤرخ لبنت لاهية لا لنبته مهاجرة من الهند.
الفل من البيت إلى المزرعة
وعن هجرة هذه البنت اللاهية، يزف لنا الكاتب المعلومات التي تتبع من خلالها بداية ظهورها في جازان، ثم يسمي لنا بدقة متناهية كل نوع من أنواعها، وكل شكل من أشكال الاحتفال بها، ثم ينفذ من خلال هذه التنوعات إلى تأملاته الخاصة، ورؤيته لارتباطها بالأمم الأخرى، من خلال نظرة بانورامية لا ينقصها الارتباط بالتاريخ ولا الجغرافيا ولا البعد الميثولوجي لارتباط الإنسان بها، سواء في الوقت الحاضر، أو عبر التاريخ العريق بالمنطقة، وإمكانية وجود البعد الإنساني والتواصلي.
وما بدأه الكاتب بالتاريخ والارتباط بين الأمم والشعوب من خلال تتبع تاريخ الفل، يلحقه الارتباط الاجتماعي والمحلي بها، يفعل ذلك من خلال أول شجرة (رديمة) فل جاءت بها سمية أمه إلى بيتهم، حيث تعرف موكلي بهذه الوردة الجميلة، التي بدأ يلاحظ ارتباطها بإنسان المكان (جازان)، سواء الأنثى التي بدأت في زراعتها ورعايتها، وانتهت بالرجل الذي واصل العناية بها كرمز من رموز المنطقة، ومن التعامل العائلي الرقيق معها، إلى لحظة تحويلها إلى سلعة تجارية مربحة، جعل لها مزارع خاصة، بعد أن كانت بنت البيوت الرقيقة، التي وصفها بأنها بنت ليلتها، كدلالة على ضرورة التعامل اللطيف معها.
وكما أن الفل هدية جازان لبقية مناطق المملكة في الوقت الحاضر، نرى الكاتب يتتبع فكرتها الأساسية كهدية. فلديه أن بنت الفل، الغصن الذي يُقص بلطف من الرديمة (اسم شجرة الفل)، تأتي مع هدايا النساء للعروس في ليلة زفافها. ويقول: إنها هدية أساسية من هدايا البيت الجديد، وهذا ما يبرر وجودها الأصيل في كل بيت من بيوت أهل جازان؛ إذ ترعى المرأة شجرتها، وتهتم بها كما تهتم بزوجها وأبنائها، ويفصل في ذلك تفصيلًا في غاية الجمال، مرتبطًا بطريقة زراعتها، وموقعها من فناء البيت، ثم أسلوب التعامل معها في الري والعناية، كأنها جزء لا يتجزأ من معمار البيوت هناك. كل ذلك من دون إغفال اللغة الشِّعرية، والسرد القصصي الذي يجعل القارئ يسابق السطور جراء لذة وجمال الموضوع.
إننا من خلال هذا الكتاب لا نتعرف فقط إلى بنت الفل، وتاريخها في المكان، بل نتعرف إلى شخصية الكاتب وثقافته من خلال الفل، فكثير من المعلومات والإضافات والفوائد مرتبط ارتباطًا وثيقًا بحياة المؤلف نفسه، فهو أحد منطلقات الكتابة، وهو عنصر رئيس من عناصر حكاية الفل. وحين أتأمل ما قرأته من خلال الكتاب، أتساءل عن كثير مما يمكن أن نتحصل عليه لو أن كل ذات مهمومة بالجمال تناولت موضوعًا حيويًّا مرتبطًا بمكون جمالي في منطقته، بِمَ يمكن أن نخرج؟ لعلنا سنشيع من خلال ذلك البعد الجمالي، تمامًا كما فعل موكلي من خلال تتبع بنت الفل الأثيرة لديه.
دعوة ضمنية للبهجة
إن كل مكون جمالي مهما بدا ضئيلًا في حياة المجتمعات المحلية، هو فرصة سانحة لتأمل جمال الحياة، وعلاقة الإنسان الأصيلة به، وهو فرصة ثمينة لتكوين علاقات قد تبدو من الوهلة الأولى متباعدة، ولكن ما إن نشرع في تناولها ومحاولة قراءتها، حتى تنفتح أمامنا الآفاق وتتقارب الرؤى. تمامًا كما حصل مع تجربة موكلي مع الفل في كتابه الجميل هذا، فقد استطاع ببراعة متناهية أن يتنقل بنا بين الواقعي والأسطوري، وبين الآني والتاريخي، بين علاقتنا المحلية بالفل، وعلاقة بقية الشعوب به، سواء الشعوب المجاورة أم تلك الضاربة في القدم. وهذا الفعل بلا شك يضيف القيمة الحضارية لإنسان المكان، ويجعل منه صانعًا للحضارة الإنسانية لا مستهلكًا سلبيًّا لها، كما أنه يوضح مدى ارتباطه الدائم بالقيم البيئية المهمة، التي تُعلي من وجوده وتفاعله الإيجابي مع مكونات بيئته.
إن في هذا البحث الجمالي -إن صح تسميته بذلك- تعرُّضًا لموضوع في غاية الأهمية بالنسبة للبحوث المتعلقة بالبيئة، التي تزايد الاهتمام بها في الآونة الأخيرة على مستوى الدراسات الثقافية. والأجمل من الولوج إلى مناطق البحث الحديث: تعرضه لذلك من خلال البعد الشاعري والجمالي، ولا أدل على ذلك من فصل الكتاب الأخير الذي تناول فيه ورد الفل في الغناء الشعبي. فلطالما عبر الغناء عن الضمير الحي لدى الناس، ولطالما كون وجدانهم وصنعه. فمَن ذا الذي لا تؤثر فيه رائعة إبراهيم خفاجي ومحمد عبده «مثل صبيا في الغواني ما تشوف»؟ ومَن يستطيع أن ينكر قدرة الأغاني على التأريخ للمكونات المحلية والوطنية؟ فمن طبيعة الغناء السفر بهذه المكونات وخلق حيوات جديدة لها، تؤكد ارتباطها بالذهن، وتخلق لها وجودًا حيويًّا يتجاوز معناها التداولي، وينقلها إلى مرحلة أعلى وأرحب.
إن في كتاب موكلي البديع هذا دعوة ضمنية لتأمل موجودات حياتنا التي تبث البهجة، وتؤكد أصالة إنسان هذا الوطن المتنوع والمختلف أيما اختلاف في حضارته. فكتاب مثل هذا يمكن أن يقدم بنعومة بالغة الصورة المثالية لحياة إنسان المكان، كما أن فيه مساحة رحبة للتأمل في تاريخه الضارب في القدم، والمرتبط بعلاقات قديمة مع حضارات مجاورة وأخرى بعيدة، والإقدام على مثل هذا الفعل التأملي والشاعري فيما يخص مكونات المكان البيئية ما هو إلا مصافحة لطيفة ليد العالم الصديقة، وصورة فوتوغرافية بالغة الجمال للمكان، يمكنها أن تختصر كثيرًا من خطب وبيانات التعريف بالذات.
بواسطة حاوره: عادل آيت واعزيز وإلياس أبو الرجاء - كاتبان من المغرب | مايو 1, 2024 | حوار
هو جزء من الجامعة التونسية، مفكر وفيلسوف ومترجم، وأستاذ للتعليم العالي بجامعة تونس. الدكتور فتحي المسكيني، من مواليد بوسالم عام 1961م حاصل على دكتوراه الدولة في الفلسفة، معروف بغزارة فكره وإنتاجه، صاحب أعمال مثل: «نقد العقل التأويلي، أو فلسفة الإله الأخير»، 2005م، «الهوية والزمان»، «تأويلات فينومينولوجية لمسألة النحن»، 2001م، «التفكير بعد هايدغر، أو كيف الخروج من العصر التأويلي للعقل؟»، 2011م، «فلسفة النوابت»، 1997م، «الهوية والحرية، نحو أنوار جديدة»، 2011م، «الفيلسوف والإمبراطورية، في تنوير الإنسان الأخير»، «هيغل ونهاية الميتافيزيقا»، 1997م، «الكوجيطو المجروح: أسئلة الهوية في الفلسفة المعاصرة»، 2013م، «الثورات العربية.. سيرة غير ذاتية»، 2013م، «الدين والإمبراطورية: في تنوير الإنسان الأخير». 2015م، «الهجرة إلى الإنسانية»: 2016م، «الإيمان الحر أو ما بعد الملة- مباحث في فلسفة الدين»… وغيرها من المؤلفات.
كما عرف عنه نقله وترجمته لكبريات النصوص الفلسفية التي شكلت منعطفات حاسمة في التاريخ الإنساني، من قبيل ترجمته لـ: «جنيالوجيا الأخلاق»، نيتشه، «الكينونة والزمان»، هايدغر 2012م، «الدين في حدود مجرد العقل، كانط»، 2012م، «المثالية الألمانية» 3 مجلدات، (بالاشتراك مع آخرين)، 2012م، «قلق الجندر: النسوية وتخريب الهوية». تأليف: جوديث بتلر. 2022م، «آلان باديو على لسان آلان باديو». 2022م.
هنا حوار معه حول مشروعه الفكري وترجماته ومشاغله الأخرى.
النفس والذات، الانتماء والهوية
● تقول في مؤلفك «الفيلسوف والإمبراطورية، في تنوير الإنسان الأخير» في الصفحة 201: «إنّ كلّ ما نقوله عن أنفسنا، وكل طرق وعينا بذواتنا، قد أصبح فجأة قضية محلية لا مكان لها في السردية الكبرى للإنسانية الحالية». كيف يمكننا أن نعيد لذواتنا حسها التاريخي، وللتنوير بريقه، في مضمار الإنسانية الكبرى؟
■ «ما نقوله عن أنفسنا» هو العنصر السردي أو التراثي ممّا نسمّيه اليوم «هويتنا»: كل تلك المساحة من المعلقات والقرآن إلى ابن خلدون، هي تقع تحت علامة «أنفسنا» أو «مصادر أنفسنا». ونحن غير مخيّرين في أن «نكون» أنفسنا تلك بوصفها مادة تشكيلية للانتماء، إلا أنّها فقدت اليوم كلّ نجاعتها «الأنطولوجية»: إنّ نموذج وجودنا قد تغيّر. لقد صرنا «محدثين» بشكل كولونيالي.
لو عدنا «الآن» إلى «النحن» الخاص بنا سوف نجد أنّ ما نسمّيه «نحن» هو مشروع «ذات» لكنّه لا يزال لا يعرف من معنى لذاته غير «النفس» التراثية، أي هوية الانتماء لا غير؛ ذلك يعني أنّنا لا «نملك» من أنفسنا سوى الجانب «الموضوعي» منها: ما هو «موضوع» أمامنا بوصفنا «نحن»؛ وذلك يعني مجرّد سردية لبناء الهويات، ولكن من دون قدرة على «التذويت». نحن «نخضع» لسلطة لا تزال خارجنا، سلطة لا تساعدنا على أن نحوّل خضوعنا لها إلى ذاتية. سلطة لا تؤمن بنا إلا من خارج مشاريع ذواتنا الجديدة. والسبب الأوّل هو أنّ بناء الذوات يختلف عن وراثة النفوس: إنّ بناء الذات يحتاج إلى مقولة «الفرد»؛ وهي مقولة ظلّت في تراثنا تحت احتكار الأب/الملك/الإله، ولم تكن أبدًا إمكانية وجودية متاحة لأيّ من كان. أمّا النفس فالسردية تذكّرنا دومًا بأنّها «هبة» من العائلة أو من الجماعة أو من الإله.
لقد نجح الغرب في تغيير قبلة ما نسمّيه «الإنسانية الحالية» أي الإنسانية الغربية التي فرضت نموذجها «الذاتي» في كل مكان: كل «غير الغربيين» هم اليوم بصدد «التذوّت» بشكل غربي. لا يعني ذلك أنّ هيمنة السلوك الكولونيالي هو مبرّر أخلاقيًّا؛ بل فقط أنّ نموذج «الذات» الذي استحدثه الأوربيون قد تغلّب على بقية نماذج «النفس» في كل مكان من الأرض. لسنا وحدنا إذن من فقدوا منصة أنفسهم ووجدوا أنفسهم مجبرين على تجديد علاقتهم بأنفسهم، نعني مجبرين على اعتناق مشروع «التذويت» بوصفه أفضل اقتراح أخلاقي بالنسبة إلى الإنسان اليوم، سواء كان «حديثًا» أو «ملقى به في الحداثة».
وربما نحن قادرون على شيء «آخر»: علينا اختراع «موقع تلفّظ» خاص بمن لم يتكلّموا باسمهم الخاص إلى حدّ الآن إلا بوصفهم من «سكّان الماضي». وليس أظلم من سردية تتحدّث عنك بوصفك مجرّد «راسب» هووي عن نمط من الإنسان لم يعد ممكنًا. طبعًا، علينا عندئذ ألا نتراجع عن التساؤل: ما الذي يمنعنا عن ذلك إلى حدّ الآن؟
الحداثة واختراع الذات
● سيطر الالتباس على المنعطفات الفكرية الكبرى للحداثة ومساراتها الإبستمولوجية ودلالتها الفلسفية. في نظر الفيلسوف فتحي المسكيني، ماذا يعني أن نكون حداثيين اليوم؟ وهل من الضروري أن نكون كذلك؟
■ في الحقيقة، نحن لسنا مجبرين على «أن نكون حداثيين» بالمعنى الذي طوّره الأوربيون منذ أن نجحوا في بناء هويتهم «الغربية». إنّ اعتناق «رغبة الحداثة» دون وعي نقدي بماضيها الكولونيالي كما فعل جلّ «التنويريين» لدينا من نهاية القرن التاسع عشر، هو في الواقع باثولوجيا كولونيالية.
آن الأوان للتعامل معها على هذا الأساس. وكل ما يسمّى «منعطفات فكرية كبرى للحداثة» هو مجرد ادّعاءات سردية أوربية علينا أن نفضح طابعها «الريفي» أو «المحلي»: لسنا وحدنا من يعاني وطأةَ «المحلّي». إنّ «ترييف أوربا» (حسب تعبير شاع مع المؤرخ الهندي ديبيش شاكرابارتي، أحد روّاد «دراسات التابع»، لكنه في الحقيقة يعود إلى غادمير الذي حدّد له تاريخًا دقيقًا هو 1914م) هو شرط إمكان «توطين الحداثة» في أيّ مكان غير غربي.
والمفارقة هي: كيف نستفيد من أزمة الحداثة الغربية، أي من «الفرق الكولونيالي»؟ في معنى: كيف «يتذوّت» غير الغربي، ليس بوصفه «تابعًا» سعيدًا، يحلم «بحداثة ما بعد كولونيالية»، بل بوصفه «مقاومًا» نجح في فهم درس فوكو: أي في تحويل «الخضوع» إلى تقنية «تذويت»؟ إنّ الهدف المناسب «لنا» يجب ألّا يقف عند السعي إلى «تبيئة» ادّعاءات الحداثة حول نفسها (المثل العليا للتنوير في القرن الثامن عشر) بل يجب أن يتطلّع إلى «اختراعات الذات» دون أي شروط مسبقة حولها. علينا أن نأخذ على محمل الجد مثل هذا الادعاء: إنّ المستقبل ليس غربيًّا؛ بل هو من نوع آخر. ولذلك بدلًا من انتظار المستقبل الذي هو على الأرجح لن يأتي، بل علينا أن نبدأ للتوّ فيما سمّاه ميلان كونديرا في الوصايا المغدورة «البحث عن الحاضر المفقود».
بين اجترار المفاهيم أو خلقها
● يحدد دولوز الفلسفة على أنها إبداع للمفاهيم، لكن ما نلاحظه عند العديد من مثقفي الفكر العربي المعاصر، أنهم يجترون مفاهيم ومواقف غيرهم ممن سبقوهم، هذا مع اقترابهم للجلاد والانسلاخ من الجماهير، وبالتالي لا يجرؤون على التعبير عما يفكرون فيه حقيقة. أيمكن أن نرى مثقفينا ومفكرينا يخلقون لأنفسهم صيغة مستقلة لهم في عالم متغير؟
■ ربما علينا أن نميّز بين الفلسفة والثقافة: فما يُلزم المتفلسفة ربما هو شيء لا يهمّ المثقفين. ولذلك ما قاله دولوز عن مهمة الفلسفة، نعني خلق المفاهيم، ليس هو بالضرورة، بل لا ينبغي أن يكون، مهمّة الثقافة. ولماذا نلوم «العديد من مثقفي الفكر العربي المعاصر» على «اجترار المفاهيم» و«المواقف»، أليست هذه هي مهمّتهم بوجه ما؟ في الواقع هذا السؤال يفترض رابطًا غير بديهي أو ضروري بين مطلبين متباينين تمامًا: مطلب «الفيلسوف» ومطلب «المثقف». إنّ دولوز بذلك يستعير طريقة الرياضيين وليس طريقة الفلاسفة؛ لكنّه يعيد صياغة استعارة كانط في جوّ فلسفي برغسوني، متملّكًا جملة قالها برغسون أمام الجمعية الفلسفية الفرنسية سنة 1903م: «يتمثّل التفلسف غالبًا ليس في الاختيار بين المفاهيم، بل في خلقها». نقول ذلك كي نؤكّد أنّ الفيلسوف هو أيضًا «يجترّ» أقوال أسلافه، وإن كان يفضّل أن يفعل ذلك في نطاق استعارة نيتشه عن «الاجترار». قال: «والحق أنّه من أجل أن نتمرّن على القراءة بوصفها فنًّا، إنّما ثمّة قبلُ حاجة ماسّة إلى شيء، هو اليوم قد وقع إغفاله تمامًا -ولذلك ما زال هناك وقت حتى تصبح كتاباتي «قابلة للقراءة»- شيء إزاءه ينبغي على المرء أن يكون أشبه بالبقر وليس، على كل حال، بـ«الإنسان الحديث»؛ أعني الاجترار(das Wiederkäuen)…» في «جنيالوجيا الأخلاق».
ليس على المثقف إذن أن يكون فيلسوفًا، ولا ينبغي له. وما دام هناك أيضًا اجترار فلسفي أصيل، فهو له حصّته أيضًا من الاجترار. كل علاقة بالماضي هي اجترار، مهما كان هذا الماضي جليلًا. لكنّ ما لا ينبغي أن يُغفر للمجترّ هو الخوف من الاقتراب من الحقيقة. الاجترار يمكن أن يعني ترك الحقيقة تأتي إلينا، على عواهنها. لا أحد يختار حقيقته مسبقًا.
ومن خرج لصيد الحقيقة لا يمكن أن يقترب من «الجلاد» وإن كان يمكن أن «ينسلخ عن الجماهير»؛ إذْ صرنا نعرف اليوم أنّه لا توجد «جماهير خالصة»، بل فقط فئات اجتماعية تُنتَج وتُبنَى «حكوميًّا» بتعبير فوكو. ثمّ إنّه لا يوجد تناقض بين «الاستقلال» الفكري والعيش في «عالم متغيّر»، نعني: التغيّر يجب ألّا يكون تبريرًا للتبعيّة. بل بالعكس: لا تريد الحقيقة منا سوى أن نخرج لملاقاتها كما تكون، وليس في سلّم انتظاراتنا التي قد تكون مجرد عوائق تأويلية تحول دون اكتشافها. وهنا علينا ألا نغبط حق «المثقف»: إنّه الآن المواطن النشط الوحيد الذي يخرج يوميًّا لملاقاة الحقيقة. صحيح أنّه غير مجهّز كفاية لها ولا هو مؤهّل حقًّا للاشتباك معها؛ نعني على صعيد «المفاهيم». لكنّ «اليومي» خدعة أنطولوجية معقّدة، وليس من اليسير أن «يتفلسف» أحدهم بلا حياة يومية.

الشعب والمجتمع، الحرية والهوية
● أهديت كتابك «الهوية والحرية، نحو أنوار جديدة» لشهداء الكرامة في كل مكان، وأضفت: «أولئك الذين قالوا يومًا ما؛ نعم، الحرية قبل الهوية». ونحن نعلم أنه لا وجود لحرية بلا هوية؟
■ علينا أن نقول: إنّه من سخرية القدر أنّنا لم نصبح «شعوبًا»، أي لم «نستقل» بأنفسنا «الحديثة» في شكل دول ذات «سيادة»، وفي اللحظة التي تخلّى فيها الغربيون عن الدولة الأمة واستعاضوا فيها عن فكرة «الشعب» بفكرة «المجتمع»، أخذنا نحن نبني «شعوبًا» ليس لها من تبرير داخلي لوجودها سوى جهاز الهوية، وهكذا لم يُفهم الاستقلال إلى حدّ الآن إلا بوصفه جهازًا هوويًّا تحت يدي الحاكم. لقد ابتُزَّت الشعوبُ بالهوية، وبشكل رسمي أُجِّلَتْ معارك «الحرية»، ولا سيّما الحرية الشخصية التي تدلّ على أنّ المحكوم ليس موضوعًا، بل هو «ذات» أي «فرد» أو فاعل سياسي يملك خياراته «الحيوية» الخاصة.
هناك دومًا أجهزة شرعنة جاهزة، مثل خلايا نائمة، تترصّد أيّ فرصة تاريخية كي تعود إلى الخدمة. وهي تعمل كالتالي: اصطياد الخارجين بحثًا عن المستقبل بواسطة شباك الماضي. «الخارجيون» هم أولئك الذين قدّموا الحرية على الهوية، وهي مسألة «أولوية» وليست مسألة «ماهية». الثورة تعليق مؤقت لهوية قائمة. ليس ذلك من أجل عدمية حزينة؛ إذْ ليس ثمّة شعب عدمي. علاوة على أنّ الحرية هي دائمًا بلا مضمون. لا معنى لحرية تملك مضمونًا جاهزًا، هي سوف تكون بذلك مجرد هوية «موازية».
الشعر والرواية والفلسفة
● طالما كتب المسكيني الشعر واحتفى به، وجعله تأمينًا لعلاقتنا بالمقدس، وكما كانت الفلسفة قصيدة مع بارمنيدس، اعتبر نيتشه أن قدره أن يظل شاعرًا، ووضع هايدغر الشاعر والمفكر في كفة واحدة، ولنا مثال المعري، صاحب اللزوميات وشاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء، وعددهم كبير كـهولدرلين وغوته وآخرين.. ما الذي تمنحه لنا القصيدة على غرار النص الفلسفي؟
■ يبدو أنّ «حوار الشعراء» مع «التراث» (الميتافيزيقي، الديني، السياسي،… إلخ.) قد انتهى: إنّ الخط الممتدّ من أفلاطون/هوميروس إلى هايدغر/هولدرلين قد استنفد موارده: نعني أنّ معركة «الحقيقة» قد فقدت مفعولها السياسي (سياسة الوجود)، وصارت الأجيال الجديدة بمثال أجيال «ما بعد الحقيقة»، حيث لم يعد الشاعر خطرًا على أيّ واحد من النماذج الأساسية للإنسانية التقليدية (متوالية السياسي/ الفيلسوف/ النبي). لم يعد بمقدور أفلاطون أو هايدغر أن يعلّمنا شيئًا خطيرًا حول اللقاء مع الشعراء: إنّ الصعوبة المزعجة في تأويل الشعر الذي يمتدّ من أفلاطون إلى هايدغر هي تكمن في أنّه كان يعتقد في أعماقه أنّ الشاعر خطر سياسي على الحقيقة (أفلاطون) أو له علاقة مخصوصة بالحقيقة (الرومانسية، نيتشه، هايدغر)؛ والحال أنّ «الشعر» قد كان دائمًا مجرّد «طريقة تعبير» خاصة، ولكن بلا موضوع، ومن ثمّ بلا حقيقة.
إنّ السؤال: «ما الذي تمنحه لنا القصيدة على غرار النص الفلسفي؟» هو في الحقيقة لا يساعدنا على تبيّن طرافة «القصيد» بوصفه شيئًا «بلا مكان»(atopos) كما قال أفلاطون ذات مرة عن «اللحظة الخاطفة». القصيد بلا مكان في معنى أنّه قول «بلا مفهوم». ولذلك فالقصيد ليس «نصًّا» سواء بالمعنى العربي (أي الكلام الواضح) أو بالمعنى الغربي أي «المدوّنة» أو «النسيج» الدلالي الذي يبني «خطابًا» متماسكًا نحويًّا ومنطقيًّا. لا معنى لقصيد يريد أن يكون نصًّا. بل هو يمنح شيئًا لا يستطيع النص الفلسفي أن يقوله. وهذا ما أزعج أفلاطون كما ألهم هايدغر. ولكن، في الحالتين سواء كرهنا تميّز الشعراء أو وقعنا في حبّ علاقتهم باللغة، الشاعر يبقى «خارجًا». ولذلك هو الوحيد الذي لا يزال يمتلك طريقًا خاصًّا إلى لغته. طريق ربما تردّم تحت النصوص (عصر الأنبياء والفلاسفة والروائيين). واليوم، طُمِرَ تحت الخطابات (عصر القانونيين والعلماء والإداريين). الشاعر هو ذاك الذي لا نجده حيثما نبحث عنه: هو من يمتلك منفذًا مفضّلًا إلى إمكانية اللغة التي لم نستعملها من قبل. وكل «شعب» أو «جمع» من الناس بمجرّد وجوده هو يخترع إمكانية الشاعر دون أن يراه. لكنّ الشاعر ليس موظّفًا لدى أيّ جماعة. وليس له من حل أفضل من أن يحبّ قدره.
● في هذا السياق الأدبي، طالما عدّ هيغل الرواية صورة الإنسان ومرآته، وتطورت مع مرور الأزمنة، وتعددت بين: الرومانسية، والواقعية، والتاريخية والفلسفية. بأي معنى تساهم الرواية في تحقيق نهضة إنسانية كونية، بالخصوص عند المجتمعات المتخلفة؟
■ إنّ أوّل خطوة روائية خارج الصفة الحقيقية للناس هو أن نحذّرهم من أنّ «ما يرونه هنا ليس جدّيًّا (…)؛ ولذلك ما يزعج حرّاس المجتمع ليس الخطأ بل «المزاح»، الخطأ ليس خطرًا على الحقيقة، بل هو اعتراف بسلطتها، لكنّ من يمزح يبتكر بديلًا مزعجًا منها. والمزاح الحديث حسب كونديرا هو «نوع خاص من الهزل (…) يجعل كل ما يلمسه غامضًا». (الوصايا المغدورة، الترجمة العربية، ص9). ويعرّف كونديرا الرواية بأنّها «مملكة حيث يُعلَّق فيها الحكم الأخلاقي» (نفسه، ص 11). علينا أن نفهم التعليق هنا بأنّه «تأجيل» فحسب. إنّ «ما بعد الرواية» ممكن دائمًا. لكنّ الشخصية لا تصبح روائية إلا عندما تنجح في اختراع شكل حياتها الخاص، وبالتالي «أخلاقيتها» الخاصة.
لا معنى لأخلاق بعيدة من حياتها. الرواية إذن تلخّص موقف الإنسان «الحديث» الذي أخذ يشعر أنّه يعيش في عالم يبدو أنّ الآلهة قد انسحبوا منه: لقد شعر أنّ عليه أن يبدأ في قصّ حكايته العميقة بنفسه. حتى إنّ عليه أن يعيد بنفسه سرد القصص المقدّسة التي آمن بها واشتقّ منها مفردات روحه. لكنّه ما إن بدأ يفعل ذلك حتى امّحى الخط الفاصل سابقًا بين ما هو مقدّس وما هو دنيوي: إنّ الرواية هي فنّ «التدنيس» الذي اخترعته الأزمنة الحديثة؛ كي تعوّض وظيفة الكتب المقدسة بعد خروجها من الخدمة في أفق الأوربيين. قال كونديرا: «يغدو التدنيس الروائي أسوأ ما يمكن في نطاق يتبعثر فيه الضحك خفية في جوّ الرواية؛ لأنّ الدين والفكاهة متعارضان» (نفسه، ص12). علينا أن نقرأ التدنيس الروائي بوصفه فنًّا جديدًا في المجاز، وليس زندقة.
أمّا «بأي معنى تساهم الرواية في تحقيق نهضة إنسانية كونية، بالخصوص عند المجتمعات المتخلفة»، فإنّ كونديرا يمكن أن يساعدنا، هذه المرة أيضًا، على تبيّن مهمّة الرواية: إنّها ليست فقط اختراعًا أوربيًّا، بل هي ماهية أوربا الجديدة، تلك التي بفضلها خرجت من قرونها الوسطى، وأعطتها شخصية دون بقية الأمم. الآن: ماذا يفعل من يكتب الرواية في أفق ثقافة «غير أوربية»؟ هل هو يريد «أوربة» ثقافته؟ أم يقبل التحدّي الأوربي بأنّ الرواية تمرين «كوني» على حكاية الوجود البشري بعد انحسار الكتب المقدّسة؟ ربما من الصعب أن نجيب عن هذا السؤال طالما نحن نتحدّث عن «مجتمعات متخلفة»، والحال أنّ «التخلف» هو حكم مسبق كولونيالي ناتج مباشرة عن سردية «التقدم» الأوربية. ولكن، عمومًا، هل نحن جاهزون كي نعوّض السردية الدينية الخاصة بنا بالروايات؟ مثلًا: أن يقول أحدهم أنا لم أعد «آدم» أحد، بل فقط «شخصًا» سرديًّا في قصة نفسي.

ما يميز جبران
● كتبت في مؤلفك «فلسفة النوابت» أن أهمية جبران تكمن في كونه لم يقلد الغرب في موضاته الجامعية كما يفعل بعضنا اليوم.. وفي موضع آخر؛ مثلما فكر نيتشه على ضربات المطرقة، فإن جبران جعل التفكير مقبرة نشيطة. ما رأيك في أن نستدعي السؤال نفسه الذي طرحته في هذا الكتاب: لمَ جبران دون سواه؟
■ تقريبا، هو من القلائل، ربما إلى جانب نعيمة، الذين كتبوا نصوصًا لا تشعر بأيّ دونيّة كولونيالية، بل هي تحتفظ بكرامة أدبية عميقة. «لماذا جبران دون سواه؟» سؤال سوف أجيب عنه قائلًا: هو من تجرّأ على «تكرار» هكذا تكلّم زرادشت بواسطة جملة من الكتب تذهب من «المجنون» إلى «النبي» إلى «آلهة الأرض». «التكرار» بالمعنى الطريف الذي أشار إليه كيركغارد الذي تساءل يومًا: «هل التكرار ممكن؟ ماذا يعني؟ هل يكسب أو يخسر شيء ما عندما يتكرّر؟». كان يميّز التكرار عن «التذكّر» عند اليونان أي «التكرار الموجّه نحو الخلف»، «لكنّ التكرار الحقيقي هو التذكّر المحمول نحو الأمام». وهو ما ترجمه دولوز في مفهوم رشيق هو «تكرار المستقبل».
كان جبران يتمتّع بمزاج رشيق فقدناه «نحن» أبناء دول الاستقلال: كان جبران «يعاصر» نيتشه ولا «يوثّنه»، حيث إنّ شخصية «الحداثي» أو «التابع» لم تتبلور بعدُ كطريقة تفكير. جيل جبران كان لا يزال يحتفظ بأفق فهمه لنفسه؛ كان لا يزال يظن في نفسه القدرة على منافسة الغربيين روحيًّا ومن ثمّ إبداعيًّا. كان تكراره للغرب شيئًا يشبه «تكرار المستقبل». كان جبران يشعر أنّه نوع روحي لا يزال يحق له أن يكون «زميلًا» ميتافيزيقيًّا للكتّاب الغربيين، ولم يصبح بعدُ «موضوعًا» أي «شيئًا» إبستمولوجيًّا لمعرفتهم أو دارسًا «تابعًا» لإرادة المعرفة التي سيفرضها السلوك الكولونيالي.
ما فقدناه، وكان جبران لا يزال يتمتّع به، هو الحرية الروحية تجاه الغرب: القدرة الأصلية على «معاصرته» من خارج سلوكه الكولونيالي، من دون «تبعية» إبستمولوجية مكرّسة بالمدرسة الرسمية التي تشرف عليها «دولة الاستقلال». لم يكن الإبداع لديه محتاجًا إلى «نقد الغرب»: كان حقًّا روحيًّا أصيلًا. وهذا ما دمّرته المدرسة الحديثة التي عوّلت عليها دولة الاستقلال، حيث كانت مهمّتها الخفية هي محو «الفرق الكولونيالي» بأصباغ مناسبة من إبستمولوجيا الشمال.
الترجمة فلسفة بديلة
● قمت بترجمة النصوص الكبرى في الفلسفة؛ كانط، هايدغر، نيتشه، جوديث بيتلر، ريتشارد رورتي، آلان باديو، هابرماس.. بأي شكل يمكن أن نسلم بتعبيرك في أن الترجمة، هي التمرين الفلسفي الحقيقي، ونمط التفلسف الراهن؟
■ ما وقع هو أنّ الحدث الكولونيالي قد جرّد لغتنا من كل ترسانتها الاستعارية التقليدية، وفرض عليها استعمالًا خارجيًّا لبنيتها النحوية، يتمّ من خلاله صبّ المضامين الدلالية للغات الغربية الكبرى في جسم لغتنا، وهو منهوك ومجرّد من قوته التداولية التقليدية كما توطّدت من المعلقات إلى ابن خلدون.
في هذا الصدد علينا أن نضع التفلسف اليوم: إنّه تمرين محض في الترجمة، وذلك سواء كتبنا مباشرة بالعربية أم نقلنا نصوصًا غربية. حتى الشاعر أو الروائي هو يترجم. وذلك لسبب بسيط: أنّ الإبداع ينهل دومًا من مصادر استعارية أصيلة. والحال أنّ كل ترسانة الاستعارات التقليدية للغتنا قد خرجت من الخدمة.
طبعًا، هناك دومًا من يتجاهل هذا الحدث الكولونيالي للغتنا، ويواصل استعمال لغتنا الكلاسيكية في نطاق قوتها التداولية والاستعارية ما قبل ابن خلدون. لكنّ هذا الصنيع لا ينتج غير نصوص «زخرفية» أو «لا-تاريخية» أو منبتّة عن عصرها. هي ترضي غرورنا الحزين لكنّها لا تمارس أيّ فعل تداولي حقيقي على لغتنا الحالية.
ولذلك يبدو لي أنّ الترجمة هي التمرين الفلسفي الحقيقي اليوم، أي التمرين الأوّل الذي سيهيّئ لغتنا كي تفكّر بنفسها، وليس فقط أن «تكرّر» اللغات الأوربية. وهذا راجع إلى سبب قاهر علينا الإقرار به: أنّه لا يمكن إعادة لغتنا الفلسفية الكلاسيكية، لغة الفارابي أو ابن رشد، إلى الخدمة من جديد، من دون أن نعيد هيكلة عالم المعنى الذي ستقوله؛ ذلك أنّ العالم الرمزي الذي كان الفارابي أو ابن رشد يتكلّم في نطاقه قد انسحب بلا رجعة. ليس من السهل أن نستأنف أنفسنا القديمة، بشعرها وفقهها وفلسفتها، دون أن نهيئ لها النحو المناسب.
أفضّل الترجمة عادة لأنّها تعفيك من تخرّصات اليائسين من/ على لقب «الفيلسوف»: أنت تعفي هذا الجمع الكسول من العقول المتعبة من تهمة الفيلسوف، فإذا بهم يفقدون فجأة كلّ الحنق العدمي الذي يصرّفونه تجاه «المتفلسفين» من عند أنفسهم. وينسونك برداءة بريئة، في كل مكان يتخرص أحدهم على «الفيلسوف»، لكن هل «نحن» فعلًا مستعدّون لظهور الفيلسوف مرة أخرى في أفق أنفسنا؟ ومن قال: إنّ ظهور الفيلسوف سيكون خبرًا سارًّا؟ إنّ «المترجم» بديل مؤقت لكنه يفي بالحاجة.
خصم النسوية الحقيقي
● تقول في كتابك «الهجرة إلى الإنسانية»: «لا تتحرر المرأة من الحقد الهووي الذي بنت عليه تاريخها النسوي من دون التحرر من مغناطيس الرجل»؛ انطلاقًا من هذه القولة، كيف ينظر فتحي المسكيني إلى الحركات النسوية العربية اليوم؟
■ نلحظ رأسًا أنّ الموضوع الرئيس للحركات النسوية لا يزال بشكل مهووس هو «فضح» الهيمنة الذكورية. إنّ حرص النساء على بناء الذات النسوية على شكل هوية مناضلة وناقدة ومعارضة للنظام الأبوي هو نفسه وقوع غير محسوب في فخّ المؤسسة الرسمية التي «سمحت» (تحت ضغط «إبستمولوجيا الشمال» حيث انتصرت «حقوق الجندر») بأن تقبل ببعض «النقد» النسوي للهيمنة الذكورية، ولكن مع شرط غير مرئي في «العقد النسوي»، ألا وهو ألا تكتب النساء إلا نصوصًا موضوعها الوحيد والأوحد هو نزاع الاعتراف عبر نقد الذكور، أي نقد الآخر الكبير، ولكن دون خروج عن «قيود المجتمع»، وليس «كتابة الذات» الخاصة والحرة حقًّا.
إنّ المؤسّسة نفسها (الجامعات، المجلات، مراكز البحث، وسائل الإعلام، …إلخ) هي التي صارت تدفع النساء إلى «كتابة الذات» في شكل «سيرة ذاتية» بلا «ذات خاصة»؛ لأنّها سيرة سالبة ونقدية محصورة في مهمّة مختومة هي نقد النظام الأبوي باعتباره العدوّ الرسمي للذات. لا يزال «الذكر» هو محور السيرة النسوية، هو يمنحها الموضوع ولكن أيضًا هو من يحدّد المهمّة وأفق الانتظار. وإذا بالسيرة النسوية تتحوّل رغم أنفها إلى تمرين «أنثوي كئيب»، نرجسي لكنّه ارتكاسي.
هناك حقد هووي ضدّ الذكور لا يزال هو العائق الأخلاقي الخفي الذي يمنح كل تفكير نسوي من ابتكار الذات من دون الحاجة إلى «عدو» منهجي. وهذا العدو لا يزال هو «الرجل» إلى حدّ الآن. إذن: تتحرّر النساء حقًّا عندما تبدأ في الانتباه إلى الخصم الحقيقي لهنّ، وهو مفهوم «النساء» نفسه. أبدًا لن يتحرّر المرء إلا من تصوّره عن نفسه.
● ماذا يشغل ويشتغل الدكتور فتحي المسكيني عليه؟
■ ما يشغلني «حاليًّا» (في أفق لم يعد هو أفق الملة، لكنه أيضًا ليس أفق ما بعد الحداثة كما يظنّ التغريب المريح) هو بحث حول تاريخ «الكراهية» وعلاقتها بمسألة «الحقيقة». الكراهية تشير إلى جملة الانفعالات الهووية الذي مات عالمها لكنّها لا تزال تعمل كحزن منهجي لكل الجماعات التي فشلت في إدراك عصرها والانتماء إليه بشكل إثباتي. أمّا الحقيقة فهي ادّعاء المعنى الأساسي الذي يستند إليه شعب ما لتبرير شكل حياته حتى الآن؛ وهي تتجسّد غالبًا في شكل «قصة مرجعية».
ولذلك لا معنى لمفكّر يحمل هوية جاهزة عن نفسه أو عمّا يقلقه. وإلا فهو «داعية» أي يحرس جثّة. كل ذاكرة مغلقة هي جثّة. والجثة مهما كانت جليلة هي لا تفكّر. فبمجرّد الشروع في «الكتابة» يفقد الكاتب انتماءه ويمرّ إلى ضفة «أخرى» أي لا وجود لها. قدرُ أيّ مفكّر محض هو أن يتكلّم من مكان لا «وجود» له. وبالعربية: المكان هو احتمال «الكينونة» بوصفها موقعًا لا وجود له.
يظهر المفكّرون من أجل اختراع مكان لا وجود له. وهم وحدهم يمكنهم احتمال هذا العدم الصغير من أجل أن ينبت معنى «الآخر» في أفق ثقافة ما، من أجل ذلك لا يمكن تبرير أيّ تفكير بالحاجة التي يقدّمها لثقافة ما. من يفكّر ليس وفيًّا أو مدينًا لأحد. هو فقط يعمل على اختراع «مخاطب» مناسب يجعل التفكير ممكنًا. مثلًا: قد يحتاج المسلم الأخير إلى أفق ما بعد «الملة» بعد أن فقد عالمه الهووي. لكنّ المفكّر ليس داعية كي يعظه أو يؤمن بدلًا منه؛ هو فقط يمكن أن يمتحن «ما بعد» الملة بوصفه يدعو إلى التفكير.