«الحرب» لمحمد اليحيائي… الانتصار للذاكرة وللحياة خارج الأدب

«الحرب» لمحمد اليحيائي… الانتصار للذاكرة وللحياة خارج الأدب

أعظم متعة يقدمها الفن الروائي هو أن يجعل القارئ يعيش أزمنة مختلفة ضمن زمن واحد، وهذه التجربة لا تتيح فقط الاستمتاع بتلك الفرصة التي منحها الأدب، بل يصبح القارئ أيضًا قادرًا على فهم الظروف المحيطة، وعلى فهم البشر ضمن النطاق الأوسع للإنسانية، وبخاصة حين يتعلق الأمر بالروايات التي تستحضر الحروب من زاوية أدبية، وليست من زاوية الكتابة التاريخية. فهدف الأدب هو قراءة الواقعة التاريخية في إطار ما تسمح به الرؤية الفنية، وبذلك تقرأ واقعًا أدبيًّا متخيلًا على مقربة من واقع حقيقي نعيد اكتشافه روائيًّا من زاوية الحاضر؛ إذ من المهم دائمًا أن تكون هناك مسافة كافية بين الزمن الذي تتحدث عنه الرواية والزمن الذي تُكتب فيه إذا ما تعلق الأمر بالحديث عن حقبة تاريخية بعينها. في هذا السياق، تمتلك الرواية مقدرة إذابة الأشياء داخلها، لتعبّر عن ذاتها؛ إذ يصبح «كل مكان هنا وكل لحظة هي الآن»، كما عبر عن ذلك الفيلسوف الصيني لاوتسي.

ومن الروايات التي قد يأخذ عنها القارئ تصورًا مختلفًا من العنوان، رواية «الحرب»، للروائي العماني محمد اليحيائي، الحاصلة على جائزة كتارا للرواية عام 2023م؛ إذ يظن أنها تتناول الحرب بمفهومها العام. وفي الحقيقة، الرواية تتناول الحرب عبر تشظيتها وعبر مخاتلة القارئ ودفعه إلى التفكير في أي حرب هي هذه «الحرب»!

استذكار التاريخ روائيًّا

تعيد رواية «الحرب» استحضار مرحلة مهمة من تاريخ عمان، وهي ثورة ظفار في جنوب عُمان، التي دامت عشر سنوات؛ انطلقت شرارة الثورة عام 1965م، وانطفأت عام 1975م، والتي تعد من أطول الثورات العربية في التاريخ العربي الحديث. لكن الرواية كما أشرتُ ليس هدفها استعادة تفاصيل هذه التجربة كما تفعل كتب التاريخ، وإنما استذكار هذا التاريخ روائيًّا. فالحرب في رواية «الحرب» لا تتوقف عند تجربة ثورة ظفار، والحرب المعروفة بحرب الجبل الأخضر في شمال عُمان، وإنما تتجاوزها إلى الحروب الصامتة، تلك التي يخوضها الإنسان يوميًّا من أجل الدفاع عن أحلامه، أو محاولة الوقوف مجددًا، إثر كل خيبة تشله عن الحياة.

الحرب تحضر أيضًا فيما خلفته من آثار نفسية وذهنية، سواء عند الذين كانوا جزءًا منها كسعيد علي وصالح ناجم، أو الذين انعكست آثارها على حيواتهم، من دون أن يشاركوا فيها مباشرة، مثل كريستينا سعيد، وسعيد قيصر، وعيسى صالح، وسهيل محاد، وخليل زاهر، فلكل واحد من هؤلاء منهم قصة نقرأ من خلالها تجارب مختلفة عن الحرب، تجارب من عاشوها وتجارب من عاشتهم من خلال (الذاكرة المروية). فشخصية سهيل محاد في رواية «الحرب» يمكن تلخيصها في عبارة نيتشه: «إن قيمة الحياة ترتكز عند الإنسان العامي العادي على كونه يرى نفسه أهم من العالم. إن الضعف الفادح في الخيال الذي يعانيه يجعله لا يستطيع أن ينفذ بأحاسيسه إلى بقية الكائنات، وبالتالي لا يقاسمها مصيرها ومعاناتها إلا بأضعف ما يكون من مقدار».

الحياة لسهيل محاد تنطلق من ذاته وتعود إليها من دون قيمة تذكر، أو لربما القيمة المثلى لهذه الشخصية أن تركيزها على نفسها يعد المعيار الأهم للتفاعل مع الحياة، أما ما يخرج عن نطاق حيزها فهو لا يعنيها وفي الغالب لا يهمها. وأمثال سهيل محاد يشكلون شريحة لا بأس بها في المجتمع.

بينما تجسد شخصية خليل زاهر التناقض بعينه، مرة تشعر أنه مُنتمٍ لمجتمعه الذي نال بفضله الوجاهة والثراء. لكن، على الرغم من هذه الميزات، فإنها شخصية مستلبة ترى الحرية، كل الحرية، خارج بلادها، هناك في الغرب حيث لا قيود تمنعها من ممارسة ما تريد من وجهة نظرها. وفي الحقيقة أمثال خليل زاهر أنانيون رغم مكاسبهم، فهم يرون أن بلادهم تحدهم عن مواصلة أحلامهم؛ لذا يحاولون التنصل منها عندما يتعلق الأمر بمصالحهم الشخصيّة.

بينما شخصية سعيد قيصر مختلفة تمامًا عن الشخصيتين السابقتين، وينطبق عليها ما عبر عنه نيتشه بقوله: «أما من كان بالمقابل قادرًا على تلك المشاركة فسيجد نفسه مدفوعًا إلى اليأس من مستقبل الإنسانية، وإذا ما أفلح في أن يتمثل في نفسه ضمير الإنسانية وأن يحس به فإنه سينهار». ما كان يود أن يحققه سعيد قيصر، في مجال الأفلام الوثائقية، قوبل بالرفض، وذلك الرفض حطم الكثير من الأحلام داخله. ونموذج سعيد قيصر نصادفه دائمًا؛ إذ يمثل كل من يحلم، لكن أحلامه يحققها شخص لم يفاوض الأحلام على شيء.

في حين يمثل عيسى صالح كل الشخوص المسكونة بالماضي، ماضٍ عاشته، وماضٍ عاش داخلها من خلال ذكريات لم تعشها، لكنها تلقتها عبر ذاكرة الآخرين وتجاربهم عن الحرب وفيها. هنا تبدى اهتمام الروائي بـ«الذاكرة المتنقلة» إن جاز تسميتها بذلك، ذاكرة تنتقل من شخص لآخر عن طريق المرويات الشفاهية. ذاكرة نستشعر ثقلها في كل الأشياء المحيطة بنا، ذاكرة تعيد لنا ذكريات لم نعشها مع أشخاص لم نعرفهم لكننا نشعر أننا شاركناهم ماضيهم؛ حتى أصبحوا الآن ذاكرة تعيش معنا حاضرنا هذا. بينما نجد أن الشخصية الرئيسة التي تكاد ترتكز عليها أحداث الرواية وتدور حولها كل الشخصيات الأخرى، هي كريستينا سعيد، الفتاة التي تحمل أكثر من ثقافة وأكثر من ماضٍ وأكثر من تاريخ.

كيف ذلك؟

للحرب وجوه أخرى

تمثل كريستينا سعيد كل من جاء للحياة عن طريق الزواج المختلط، تجد نفسها تعيش بين ثقافتين وتاريخين مختلفين، فهي الابنة المدللة للسياسي العماني الثري سعيد علي. هذه المرأة التي عرفت ما عرفت عن والدها من خلال منصبه وتاريخه الحالي الذي يترافق وتاريخ الفترة الحالية التي تتحدث عنها الرواية، تكتشف في رسالة منه تاريخًا آخر له، هو تاريخه الشخصي حين كان ثوريًّا. وهنا تحدث الكاتب عن الثورة، وعن الانتقال من معارضة السلطة إلى موالاتها.

نقرأ من خلال سعيد علي والد كريستينا سعيد، ومن خلال صالح ناجم، والد عيسى صالح الذي رأى في الحرب وجوهًا أخرى. لكن شخصية كريستينا سعيد لا تقف عند هذه الفروقات، بل تجسد فكرة أخرى عبّر عنها العنوان، ألا وهو الحب. تحضرني عبارة للكاتبة البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش ترى فيها أن «الحبَّ هو الحدث الشخصيُّ الوحيد للإنسان في الحرب. وكلُّ ما عداه، أحداث مشتركة، حتى الموت». وهي تقصد الحب داخل الحروب، لكن، يمكن اقتباس مقولتها هذه للحديث عن الحروب داخل رواية «الحرب» لمحمد اليحيائي تحديدًا، وتناول الحب بوصفه الحدث الشخصي الوحيد الذي تتقارب حوله وجهات نظر الشخصيات وتتباعد، عندما تشعر بالخطر. الحب في الرواية مقترن تمامًا بالحرب، ليس في تشابه الكلمتين ولكن في تشابه المصاير. يقول السارد: «أراد أن يحفر (الحرب خدعة)، لكن السكين أسقطت الراء، فجاءت (الحب خدعة)». نقرأ كذلك من خلال شخصية الأميرة سالمة بنت سعيد بن سلطان تجربة أخرى عن الحب، وعن المنفى، وعن الوطن.

لا تتوقف تجارب شخصيات اليحيائي بوصفها وليدة الفن الروائي، بل تسير وفقًا لكونها «شخصيات قادرة على الحياة خارج النص» كما عبر عن ذلك المؤلف في حوار له. وما يجعلها على قيد الحياة الأدبية هو بناؤها الفني ورؤيتها الأدبية المحملة بإرث عمان على مدى المئة عام الماضية؛ ثقافيًّا، واجتماعيًّا وفكريًّا، ولكنها أيضًا محملة بإرث شخصي يخص الشخصيات وحدها لأنها تنتمي للفضاء الإنساني الأكبر؛ إذ لا ينحصر حيز المكان الذي تتفاعل فيه على عمان، بل يمتد حضوره إلى اليمن، والبحرين، وبولندا، والكويت، والولايات المتحدة الأميركية. ومن هنا، عرف الكاتب كيف يعبّر عن شخصياته ضمن فضائها المكاني من دون أن تتخلى الرواية عن خصوصيتها الثقافية، هذا ما يجعل من رواية «الحرب» نصًّا أصيلًا في انتمائه لفن الرواية.

لا توثق الرواية ما هو موثق ولا تقص ما هو مروي، بل تنتصر للذاكرة بكل أنواعها حين تستعيد ما عبر عنه المؤلف بـ«مقتنيات الذاكرة»، وكلما انتصر الإنسان للذاكرة انتمى للمستقبل، فمن لا ذاكرة له لا مستقبل له، والحياة بتعبير تزفيتان تودوروف: «مهزومة أمام الموت، لكن الذاكرة تنتصر دومًا على العدم».

«تحت سماء رمادية» لفخري صالح… في مواجهة قضايا العصر الراهن

«تحت سماء رمادية» لفخري صالح… في مواجهة قضايا العصر الراهن

«تحت سماء رمادية» هو الكتاب الجديد الذي نشره الناقد والمترجم الفلسطيني/الأردني فخري صالح مؤخرًا، وفي العنوان الفرعي: «المنفى، الاستشراق، إنسان العصر العاري، ما بعد الحداثة، ومقالات أخرى». صدر الكتاب عن (الدار الأهلية) في عمان (2024م)، في (413) صفحة من القطع المتوسط، ويضم عددًا واسعًا من المقالات الثقافية والفكرية تجمع بينها وحدة عامة تتصل بمشاغل عصرنا الراهن ثقافيًّا وفكريًّا وسياسيًّا. والعنوان الرئيس ذو طابع شعري مجازي، يستند إلى عبارة درويشية دالة من قصيدة «حجر النرد»: «حين تبدو السماءُ رمادية/ وأرى وردة نَتَأَتْ فجأة/ من شقوق جدارْ/ لا أقول: السماء رمادية/ بل أطيل التفرُّس في وردة/ وأقول لها: يا له من نهارْ!».

وهو عنوان لافت يشي بما يحمله عالمنا من ضبابية واضطراب وغموض، وما يثيره ذلك من أصداء الصراع والتفتت المحيط بنا وبعالمنا من كل جهة؛ ذلك أن هاجس فخري صالح ليس وصف ما يحدث في العالم الواسع فحسب، وإنما التساؤل عن موقعنا منه وتأثيره فينا، فليست هذه المشاغل المهمة التي يكتب عنها ويسائلها إلا نماذج يرتكز فيها صراع العرب والغرب، ويصطرع فيها الطموح بالهيمنة والسيطرة وأشكال الاستعمار الجديد.

تتوزع مقالات الكتاب، وفق ما يقول المؤلف في مقدمته: «على سياقات معرفية، وانشغالات فكرية وثقافية متعددة، تتصل بالمتغيرات المتسارعة التي تضرب عالمنا المعاصر، وبانفجار الصراعات والحروب والنزاعات التي ترتكز على صراعات الهوية، كما على التقاتل على مناطق النفوذ السياسي والاقتصادي في عالم يشهد بروز أقطاب سياسية واقتصادية وإمبرياليات جديدة وقديمة». ومصداقًا لهذه الاهتمامات جاءت مقالات الكتاب لتغطي طيفًا واسعًا من العناوين البارزة في الثقافة العالمية والعربية المعاصرة، وتضع القارئ في قلب تلك التحولات.

عن المنفى وآدابه

المقال الأول بحث طويل نسبيًّا في موضوع المنفى والآداب المرتبطة به، نتيجة «لغزارة عمليات الانتقال والهجرة والنزوح والارتحال الطوعي أو القسري إلى أصقاع الأرض المختلفة». يتناول المقال صورًا من تعريفات المنفى وتجلياته لدى محمود درويش، وإدوارد سعيد، وجان محمد، وآخرين من مثقفي مرحلة ما بعد الكولونيالية؛ ذلك أن المنفى تجربة مؤثرة في الماضي والحاضر، فهو يرتبط بالتجربة، أي تجربة النفي والانزياح أو الإبعاد عن «الوطن» أساسًا، ولكنه يتوسع ليغدو مجازًا لحياتنا المعاصرة. وبعبارة المؤلف فإن «مفهوم أدب المنفى قد خضع لتحولات وتعديلات عديدة، حيث غادر معناه اللغوي الذي يجعل منه دالًّا على أدب الغربة والهجرة والاقتلاع والنفي والتشرد ليصبح تجربة مجازية تدل على النظر بعيون جديدة إلى العالم وتجارب البشر وتفاعل الثقافات… وقد دخل بوابة النظرية الأدبية ليصبح من المفاهيم الأساسية التي تشكل آداب ما بعد الاستعمار».

نقد الاستشراق

تناول المؤلف ظاهرة (الاستشراق)، منطلقًا من تأثير كتاب إدوارد سعيد الذي يعد حدًّا فاصلًا ومؤثرًا في تحليل هذه الظاهرة، وفي وضعها في سياقها السياسي والاستعماري دون مواربة. وتتميز قراءات فخري صالح ومطالعاته بمتابعة «الاستشراق الجديد» وتقديم خلاصات لمنطلقاته ونظرته وعلاقته بالاستشراق التقليدي الذي تناوله سعيد في كتابه المعروف؛ ذلك أن الاستشراق، كما يؤكد المؤلف، لم يتوقف ولم يتراجع عن أيديولوجيته وطريقته في تمثيل الشرق، بل ما زال مُصِرًّا على شيطنته. لقد تلقى الاستشراق ضربة حاسمة كشفت أهدافه بشكل صريح، ونقدته نقدًا مؤثرًا، مما تمثل في خلاصات كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد، انطلاقًا من تعريفه للاستشراق من خلال وظيفته: «الاستشراق باختصار هو الأسلوب الغربي للسيطرة على الشرق، وامتلاك السيادة عليه». ومع أن هذه الضربة الفكرية الحاسمة لم تكن كفيلة بإيقافه أو دفعه للتراجع، فإنها قد وفرت وعيًا متجددًا بنقده ومواجهته، وتمكنت إلى حد كبير من تفكيك خطابه ونزع غطائه الفكري.

ما بعد الحداثة

تناول المؤلف «الأسس النظرية لما بعد الحداثة» وتناول «نقد ما بعد الحداثة وترجيعاتها العربية» واجتهد في هاتين المقالتين للإحاطة بأهم مقولات ما بعد الحداثة وجذورها وعلاماتها الأساسية، كما تبدت في مساهمات بارزة لإيهاب حسن، وإرفنغ هاو، وليونارد ماير، وتشارلز جينكس، وغيرهم. كما تأمل المؤلف اللقاء الحيوي بين مقولات ما بعد الحداثة ومشروع ما بعد البنيوية الفرنسية، فقد شكل تداخلهما ولقاؤهما مرحلة حاسمة في اتساع التأثير وفي عولمة «ما بعد الحداثة»، خصوصًا عبر تأثير جان فرانسوا ليوتار مؤلف «الوضع ما بعد الحداثي»، وهو يعد -بحسب المؤلف- «العمل الأساسي الذي رسخ مفهوم ما بعد الحداثة، وأثار جدلًا متواصلًا حول التصورات النظرية لما بعد الحداثة». وأبرز المؤلف تفكيك ليوتار لأسطورة «العلم» بصيغتها الحداثية، ونقده وتفكيكه لما يسميه بالحكايات أو السرديات الكبرى، وقلة ثقته بالنظريات الكلية، وغير ذلك مما غدا من عناوين ما بعد الحداثة ومبادئها الحاسمة.

وفي مجال الآداب والفنون ظهرت تجليات ما بعد حداثية أشار المؤلف إلى أهم عناوينها ومظاهرها، منها: الدعوة إلى «تذويب الفواصل بين الثقافة الرفيعة والثقافة الجماهيرية»، ومنها، وفق إيهاب حسن، الميل إلى «اللاحتمية» وما تفضي إليه من توجهات تشمل: الالتباس، الانقطاع، الخروج على المألوف، التعددية، العشوائية، التهديم، وما يتفرع عنها من توجهات تسهم في تشظي الفكر والأدب والفن بدلًا من فكرة التماسك والاكتمال ذات الطابع الحداثي. وأما الترجيعات العربية لما بعد الحداثة فإن أبرز ملحوظة أثارها المؤلف تتصل بإنتاج أدب ما بعد حداثي لمجتمعات ما قبل حداثية، بمعنى أن النخبة الثقافية قد سبقت مجتمعها، وهو ما أدى إلى ضرب من اتساع الهوة بين الثقافة والمجتمع، وهو مأزق جدير بالتفكير والمناقشة.

هويات أمين معلوف

توقف المؤلف عند اهتمام الروائي الفرنسي -اللبناني الأصل- أمين معلوف بمسألة الهوية والهويات، وقد لحظ أن معلوفًا لا يتناولها تناولًا معرفيًّا بحتًا، بل أقرب إلى تناول تمتزج فيه «الأمثولة الشخصية» بالمسارات الفكرية والسياسية للهوية، إلى جانب تجاربه ومواجهاته لأزمات الهوية من خلال شخصيات رواياته التاريخية التي اجتهد في اختبار مسألة الهوية ومناقشتها من خلال أزماتها وتجاربها، ومنها على سبيل المثال متحولة، «ليون الإفريقي» التي قدم فيها سردية يصعب التواصل معها خارج مفهوم الهوية المتحولة، عبر تجربة حسن الوزان الذي تداخلت في تكوينه حياتان وهويتان مختلفتان. ومع الإقرار بأهمية هذه الرواية وبما يمكن الاستدلال عليه من خلالها فإن تجربة الوزان أو ليون الإفريقي تظل تجربة نادرة وفردية ولا يمكن تعميمها على الجماعات. وكذلك هي تجربة معلوف نفسه، الذي اختير مؤخرًا أمينًا دائمًا للأكاديمية الفرنسية في ديسمبر 2023م، فمثل هذه «الخروقات» الفردية للعبور بين الثقافات لا تشكل أية مؤشرات لتكون قاعدة لانفتاح الثقافات والهويات وقابليتها للتغير والتقارب. فقانون الهوية أكثر استجابة لمفهوم الصلابة من السيولة، بدليل استمرار النزاعات والصراعات ومحاولات محو الهويات من قبل الغرب والقوى الاستعمارية المسيطرة نفسها. ومع ذلك تظل تجربة معلوف في الأدب والفكر تجربة مهمة تثير قضايا مؤثرة في عالمنا المعاصر غربًا وشرقًا.

إنسان العصر العاري

كتاب فخري صالح مهم وشديد الصلة بما نعيشه اليوم من أزمات وصراعات سياسية وثقافية. وقد استعار المؤلف تسمية «الإنسان العاري» التي استعملها مارك دوغان وكريستوفر لابي في عنوان كتابهما، تعبيرًا عن الدكتاتورية الرقمية، وطبيعة انكشاف الإنسان في هذا العصر، وناقش فخري صالح تحت هذه التسمية موضوعات مهمة، مثل: نظام المراقبة والتلصص، وانهيار منظومات القيم، والقنبلة المعلوماتية وغيرها من موضوعات تمثل نوعًا من مواجهة مستجدات التقنيات الرقمية وتأثيرها في حياتنا وتعرية الإنسان وكشف تفاصيل حياته وأسرارها على أوسع نطاق. وفي مجموعة أخرى من المقالات عرض تأثيرات مرحلة (كورونا) وانتشار (كوفيد 19) الذي ترك آثارًا متعددة في الحياة الاجتماعية والثقافية إلى جانب تأثيراته الصحية في السنين الأخيرة.

وفي الحقل الفلسطيني الذي لم يغب عن الكتاب وعن طروحاته في مختلف المقالات، تناول المؤلف تمثيل بعض المدن الفلسطينية في الأدب والثقافة مثل القدس (مدينة الله والإنسان) كما تناول غزة بوصفها (مجازًا لمصير الفلسطينيين)، ولعل الهجمة الاستعمارية الوحشية الأخيرة تؤكد ذلك المجاز وتحوله إلى حقيقة ملموسة، ولكن الغريب أن «إنسان العصر العاري» لم يعد قادرًا على إحداث التغيير ولا على إيقاف الدماء والقتل الوحشي، فليس متاحًا له أكثر من التعبير الهامشي غير المؤثر.

أخيرًا، فإن كتاب «تحت سماء رمادية» لفخري صالح كتاب حيوي وجدير بالقراءة، فهو يقدم معارف مهمة وعميقة بأسلوب يجمع بين الجمال والجاذبية والكثافة، ويشكل جسرًا مهمًّا بين القارئ المعاصر والمعارف والتحولات الفكرية والثقافية المؤثرة في أيامنا. وإذا اتفقنا على وجود مدرسة تنتسب لإدوار سعيد فإن فخري صالح أحد أبرز أعضائها، لشغفه الطويل بإنتاج سعيد الفكري والنقدي وتفاعله الحقيقي مع ذلك الإنتاج، وهو ما تتبدى آثاره في مقالات هذا الكتاب الشائق، ليس على مستوى الإحالة الكثيفة إلى آثار سعيد فحسب، وإنما تبني كثير من طرقه في التحليل والتفكير والتنبه إلى موقع الثقافة وكيفيات تفكيكها من خلال أدوات تربطها بمحيطها السياسي والفكري، فالجمالي ليس منفصلًا بحال عن مؤثراته ومنابعه الفكرية والسياسية، وليست الظواهر الفنية في حقيقة الأمر إلا تجليات لمؤثرات أشد غموضًا وتأثيرًا.

رسائل غير مقصودة على الشواطئ… مختارات من الشعر الهولندي

رسائل غير مقصودة على الشواطئ… مختارات من الشعر الهولندي

شيتسكي يانسن

عادةً ما يكونُ الشِّعرُ في زاويةٍ مُظلِمةٍ في مكانٍ ما.

ستيفان هرت مانس

(1951م-)

اقفز إلى الأعماق مبتدئًا بحدود الجلد، ستجد هناك أكثر من إرث في حالة يرثى لها.

اضغط بإصبعك على جوف مالح. احذر- هناك الكثير مما يثيرك حتى تنزف.

ابق في مكانك واشرب الماء/ اعصر الجزر والرامين، لا تنتهِ قبل الثانية عشرة، واظب على التوقف، انتهك الأسرار، ما قرأته لا يستحق وغير ناضج.

من كتاب (Francesco’s paradox, Meulenhoff Amsterdam, 1995).

إيليا ليونارد بفيفر

(1968م-)

٠٠٠

الشعر المبهم دائمًا أفضل من الشعر السهل

أطالب بشعر غريب لا يقاوم. الشعر الذي يريد أن يتألق ويتجدد. الشعر الذي يتم فيه تقسيم اللغة نفسها، كلمة بكلمة

لغة تهشم وتناقض نفسها، كسيمفونية مبتكرة لم يُسمع بها من قبلُ

بأشكال جديدة غير متخيلة. أريد إعادة اختراع اللغة لكل قصيدة.

أريد أن يتعلم القارئ القراءة مرة أخرى مع كل قصيدة.

فهناك ما يكفي من اللغة المستعملة.

٠٠٠

عليك أن تدع المنطق السحري يقود اللغة والصوت والإيقاع وهي تنجرف بعيدًا من ضجة الصور والعواطف. يجب أن تتوقف عن القلق بشأن حل التشفير. القصيدة لغة وصورة وموسيقا. لا يوجد معنى يخفيه الشاعر بطريقته السادية خارج القصيدة. قراءة القصائد هي طريقة أخرى في التفكير. عليك فك رموز رأسك التحليلي الذي يريد أن يفهم ما يجري.

٠٠٠٠

من كتاب ( Van de vierkante man)

ماريكه لوكاس راين فيلد

(1991م-)

فجأة أتذكر وصول خفاش إلى المزرعة، كان خفاشًا واحدًا فقط. كان يتدلى من عارضة في قن دجاجٍ لأخي الذي ظل يطارده وهو محلق بمكنسة ليطرده. مات المخلوق المسكين على الفور. حزنَّا عليه ودفناه في آخر الرصيف حيث المزيد من الحيوانات، ما لا يقل عن خمس قطط وكلبين وعشرات الدجاجات البياضة وبضع من الجذام. عابسين وقفنا عند قبر الخفاش. وقتها قرأت نصًّا من الرؤيا كنت قد سمعته كثيرًا على حافة حفرة: (وسيمسح الرب كل دمعة من عيونهم، والموت لا يكون فيما بعد، ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع فيما بعد؛ لأن الأمور الأولى قد مضت)*، ثم عدنا إلى الوراء منحنين. هذه هي الطريقة التي تعلمناها، عدم الاستدارة إلى الوراء أبدًا بعد الجنازة؛ لأن أولئك الذين أظهروا أنفسهم أقوياء جدًّا والذين نظروا إلى الحياة بصدور مدفوعة ورؤوسهم مرفوعة قد يكونون (الضحايا) التالين.

* سفر رؤيا يوحنا

٠٠٠

من كتاب (Komijnsplitsers)

آريان داونكر

(1956م-)

ذات يوم في الشتاء بقي مستلقيًا في السرير. يراوده حلم فظيع، دوخة كبيرة مليئة بالهاوية والمياه الدوارة التي لا يستطيع أن يصنع فيها شيئًا. فكر بخوف، هذا هو المجهول، المجهول قد جاء إليّ ولأنني لا أستطيع شرحه فإنه يريد أن يخيفني.

بعد مدة وجيزة ظهر في قريته الأصلية. متوحش، ذو لحية كثيفة ونظرة خائفة في عينيه. قال أحدهم: إنهما تبدوان خضراوين مع البؤس. لم يتعرف إليه بعضٌ وظن بعضٌ أن ميتًا قد بُعث. بدا نحيفًا. بين الحين والآخر بدا وكأنه يريد أن يقول شيئًا ما، فيما بدا الصوت الخارج من حلقه أمرًا غير مفهوم. أخذته أخته الصغرى. في الطريق حاول تحرير نفسه وهو يهز برأسه من جانب إلى آخر ويقطف لحيته باستمرار.

كان (خوس) العجوز غاضبًا. لم يستطع تصديق عينيه. كان الأمر جنونيًّا للغاية بالنسبة للكلمات، وأنه يجب أن ينتهي! سواء كان هذا ابنه! «لم أربِّ قططًا ضالة!» في الخارج كان الجميع يستمع باهتمام واستمر هو في الصراخ «لقد عملت طوال حياتي لكنني لم أرَ هذا من قبل، ابن ليس ابنًا!»

انحنى زي أنطونيو على الحائط. ولم يتضح ما إذا كان قد سمع شيئًا، ووفقًا لأخيه الأكبر كان متعبًا ويمكنه النوم بشكل أفضل.

لكن غو العجوز قال: «لا شيء من ذلك. سوف يستمع، سوف يستمع! سوف يفعل (خوس) الحقيقي!» وقدم قصة طويلة حول كيف كان عليك أن تعيش ولماذا، ولماذا أنت في العالم.

قال أنطونيو في وقت لاحق: إنه لم يتذكر أي شيء عن ذلك اليوم، وإن والده ربما كان يعني خيرًا؛ لأنه كان قلقًا.

مع خوفه الرهيب من المجهول اتضح أنه بخير. صحيح أنه كان ينجرف بعيدًا في بعض الأحيان ورأى لمحة عن الدوار العظيم لكنه عاد إلى نفسه مرة أخرى في لمح البصر كما يقال في الشارع. ومن المؤكد أنه كان مرحًا ولطيفًا، ولم يتذمر وبذل قصارى جهده حتى لا يخيب ظن والده.

٠٠٠٠

من كتاب (De man die lichtjes zag)

آدريان مورين

(1912-2022م)

الطفل والملاك

ملاك على طريق ريفي ليس الأمر بالنادر، ظلال رعوية، غزو مرح للقمر. أو في غرفة صغيرة بجوار نافذة مفتوحة، أو في ظلام أعمق بجوار خزانة قديمة الطراز، مرآة مليئة بصور القلب المقدس، بينما تغسل طفلة نحيفة ذراعيها الطويلتين.

تراه واقفًا في جسده السماوي الشفاف ويفكر في خوف من كل خطأ فعله، خلفه الجدار الأبيض ومن هناك أتى، مثل ثعلب يأتي إلى وليمة صنعها بنفسه، المرآة مغطاة بدوائر بنية صغيرة، وكأن وصوله أعطاهم حيز الوجود، يبدو أن الصابون والماء والمغسلة جاهزة له، ولكن هل كانت قدميه متفرقة؟

ما الذي يفعله في الجنة لكي يشع لمعانًا هنا، هكذا استراح حتى بعد نزوله إلى الجسد، يبتسم بلا أنفاس ويتحدث مثل عضو كهربائي، مع نفس كثير لصدر بشري.

يرفع يده ويتدفق من كفه ضوء، يملأ مصباح الزيت بالظل.

٠٠٠

ولادة

يسحب الطبيب الطفل منك، كما لو أنك لا تريد التخلي عنه للغرباء، تتكشف أطرافه مثل ورقة شجرة الكستناء في المنزل أمام نافذتنا، ينطق بأول صوت غير محتمل، يفتح عينيه في حلم الحياة ويقترب كعروس مهجورة، تتجنبه، يخجل منها، حتى تغلق عينها بحكمة وخوف، له اسم مخصص فقط، أنت الآن تبتسمين بسعادة للألم الذي تحملته حتى يكون الطفل، لديه ماضيه بالفعل في حضنك، والآن تحصلين على مستقبله في الموت.

٠٠٠٠

من كتاب (Het gebruik van een wandspiegel, Bezige Bij, Amsterdam, 1968).

روتخر كوبلاند

(1934-2012م)

شارع الزان

فكرة أن هذه الأشجار تعرف من أنا، من بين كل هؤلاء الناس هذه المصادفة، الرجل، المرأة،

يخرجون من الحديقة ببطء شديد، يسيرون على طول الطريق ببطء شديد يختفون ببطء شديد

فكرة أن هذه الأشجار تهتم بي، وأنها تنتظرني، أنها تعرف أنني قادم٠

٠٠٠٠

من كتاب  Het orgeltje van gisteren , Van Oorschot Amsterdam, 1968

رمكو كامبرت

(1929-2022م)

شاعر

٠٠

بكل الأسلحة الثقيلة

بيد واحدة

أقف تحت سماء سوداء

أتمتم بالصلاة

الناس يعلقون الكلمة على جدار أعمى

مصير مشؤوم

دون أن ينسوا حرفًا واحدًا

لم يعودوا يصدقون عيني

أقسموا أن يطفئوا عيني

وأرسلوني إلى المنزل

منزل يعاني تسوسَ الأسنانِ

والمياه المجاورة

لكن

مدخنة مليئة بالطيور

مدخنة متصدعة

مليئة بحياة الطيور

وجدار أبيض

للبدء بـ

وربما

لاحقًا

بقارب

للانتقال من منزل إلى منزل

أرسلوني إلى المنزل

مع حقيبة مليئة بالأصوات

بيد واحدة

وجميع الأسلحة الثقيلة

في الأخرى

٠٠٠٠

أرى الفواكه الزرقاء

تنمو على جدار الأيام

أرتدي جلدًا ورديًّا غير لامع

أرى الشمس عمودية

تزهر وسط البلد

أرتدي ملابس ملكية

أرى شعري يبحر بعيدًا

ببطء

على تعب الريش

أرتدي ملابس السيدة العجوز

٠٠٠٠

عمل فضفاض

٠٠٠٠

قرون وأنا مشغول

أبدأ وأبدأ من جديد

على الرغم من أن اللب لا يتوقف أبدًا عن أن يكون أخضر

على الرغم من أن قدمي اليسرى لا تزال تبحث كيف تطفو في الهواء

ولا أفلح في إمساك يدي إلى الأبد

بدلًا من أن تكون فخورًا كن عادلًا

أو دائمًا نفس المسار

من القدم التي لا تريد أن تنمو بعد الآن

أو تشنجات عضلية في اليدين لا تقف أمام أي شيء آخر.

٠٠٠٠

من كتاب (Luister goed naar wat ik verzwijg)

سيس نوت بوم

(1933م-)

(1933-)

حائط

لا يقصد ببعض أنواع الكتابة أن تكون على نحو محدد. يمكن العثور على هذه الرسائل غير المقصودة على الشواطئ، في أسفلت أحد شوارع المدينة، في جذع شجرة مقطوع حديثًا، في الحجر. الاتصالات المكتوبة في الأصفار والرسائل والرموز. الكلمات والكتابات التي كتبها لا أحد. في الجزيرة التي أعيش فيها، يوجد مسار رملي يمر عبر مناظر طبيعية محترقة. الأشواك والتفاح والبلوط، الغبار البني المسحوق الذي يشكل غيومًا حول قدميك في أثناء المشي. هذا هو الشمال، والرياح البحرية لها العنان هنا، كما ترون من الأشجار والشجيرات التي انحنت قبل العنف لتصبح منحوتات بشعة، وظهرها مقلوب على صوت البحر. في نهاية المسار يوجد شاطئ مرصوف بالحصى، أعشاب بحرية مجففة بنية اللون، مشوبة أحيانًا بلمعان ملح البحر. بجانب المسار منزلان أو ثلاثة، واحد منها على غير المعتاد على منحدر، وأنا أتسلق هناك على الرغم من الحرارة. الدائرة الفارغة لأرضية البيدر ذات القرميد الأحمر الباهت والأعشاب الذابلة. صبار مثل برانكوسي المنهار. المنزل نفسه منخفض، قرميد السقف مغطى، النوافذ مكسورة. عربة قديمة فيما كان في يوم من الأيام إسطبلًا، وكان عمودها الخشبي ملقى بجانبه. مِزْراب مكسور، تحول إلى لون الإرْدِوَاز. شظايا الزجاج التي تلمع في ضوء الشمس العنيف. على الحائط أربع زجاجات متسخة ومليئة بالرمل. يزن الصمت طنًّا. أقف أمام الكتابة على الحائط: خدوش في الجص المتقشر، ورقائق بيضاء تشبه الثلج الملوث. المسارات والدوائر والأخاديد النحيلة- ما نوع هذه الحروف؟ إذا وقفت هناك لمدة كافية، يمكنني أن أقرأ قصيدة من الانحلال والتفكك، عن الغياب البشري. قصيدة على شكل جدار. ساعدت الرياح الشمالية وحرارة أغسطس وأمطار فبراير في كتابتها. عندما أغادر لن يقرأ أحد كلمة في هذا المكان.

٠٠٠

الآن أطير

لست مضطرًّا لتحريك جناحي

أنا رجل من ريح

وهناك أرى المشائين الآخرين

في الأسفل

رجل مثل كلب أنفه إلى الأرض

وأنا هنا عائم

مع أغنية بين أسناني

ما لم أتعلمه من قبل.

٠٠٠٠٠٠

من كتاب Een lied van schijn en wezen

التشكيلية العمانية بدور الريامي: طقوس الفنان نوع من الرفاهية والجوائز تكون مصيدة أحيانًا

التشكيلية العمانية بدور الريامي: طقوس الفنان نوع من الرفاهية والجوائز تكون مصيدة أحيانًا

تُعد الفنانة العمانية بدور الريامي رائدة في مجال الفنون التشكيلية الحديثة بسلطنة عمان. فهي تفردت برحلتها الفنية خارجة بها ومعها عن الأطر النمطية والتقليدية فنيًّا. شاركت كضيفة شرف في صالون الشباب الأول بدولة قطر، عام 2005م. وشاركت في معرض الدائرة، مع نخبة من فناني السلطنة والعالم، في النادي الثقافي، عام 2005م. وشاركت في سمبوزيوم الفنانين الأوربيين بألمانيا، عام 2018م. وشاركت في معرض الفن المفاهيمي العربي بكوريا الجنوبية، عام 2014م. وشاركت أيضًا في أول جناح لسلطنة عمان، ببينالي البندقية الدولي بإيطاليا، عام ٢٠٢٢م.

وكانت الريامي قد توقفت عن ممارسة الفن، ثم عادت لممارسته لتشهد أعمالها الفنية الأخيرة تحولًا وتطورًا لافتين في أسلوبها وأدواتها الخاصة؛ إذ نوعت في استخداماتها التقنية للوسائط الإلكترونية التي تحاول من خلالها أن تشرح ما توحي به فكرتها.

حصلت الريامي على جوائز عدة عن أعمالها المجهزة بالفراغ على مستوى السلطنة والعالم. احتلت أعمالها المركز الأول في مسابقة التصحر بمحافظة ظفار، عام 2002م. وحصلت على جائزة الأعمال المجهزة بالفراغ بصالون الشباب 16 بالقاهرة، عام 2004م. وجائزة الأعمال المجهزة بالفراغ بصالون الشباب 17 بالقاهرة، عام 2005م. والسعفة الذهبية في الأعمال المجهزة بالفراغ في المعرض الدوري الثامن للفنون التشكيلية والخط العربي لدول مجلس التعاون، عام 2006م. وحصلت على الجائزة الكبرى في بينالي بنغلاديش الدولي، عام 2008م.

«الفيصل» حاورتها حول تجربتها.

استراحة الفنان

  توقفتِ عن ممارسة الفن مدّة من الزمن، ما الذي دفعك لاتخاذ هذا القرار؟

  الحقيقة أنني لم أتوقف مطلقًا عن ممارسة الفن، إنما اتخذ تعاملي معه أشكالًا مختلفة. شاركت في معارض عدة، ولكنني كنت مقلة نوعًا ما، وذلك حين كنت حديثة عهد بعالم الأمومة، فكانت التجربة الأمومية منعطفًا جديدًا في حياتي أخذ مني جهدًا للتخلي عن أنانية الفنان نحو عمله، ولكني تكيفت مع مسؤولياتي في السنوات الثلاثة الأولى، وعملت اسكتشات لأعمالي القادمة باستخدام عنصر التصوير أكثر من الرسم والنحت؛ وذلك لتفادي تعرض طفليّ لتأثير المواد الكيميائية في المواد التي أستخدمها.

  ما الذي استفدته بعد مضي تلك المدة، ولمست تأثيره فيما بعد على أعمالك الفنية الحالية؟

  البُعد ولو قليلًا يجعل مدى الرؤية أوسع وأكثر قدرة على قراءته بموضوعية، لهذا أرى أن استراحة المحارب لأي مبدع ضرورة للتأمل في الداخل قبل المحيط والخارج.

آراء الجمهور

  كيف تنظرين إلى موقف الجمهور من أعمالك؟

  من الصعب قراءة موقف ما نحو الأحداث أو القضايا أو ما ينتج عنها من ردود أفعال سواء إبداعية أو سلوكية عامة، فما بالك بتحري موقف لديّ أحكام مسبقة عنه؛ لكوني أنا صاحبة العمل! ولذلك فإنني لا أنتظر ردود أفعال الجمهور؛ فهي أيضًا نسبية وتختلف من فرد إلى آخر حسب ثقافته وخبرته وتقاطعه مع الموضوع الذي أطرحه فنيًّا. أقدم العمل ليثير تساؤلًا أو رد فعل أو شعورًا لآخر منفصل أو متصل معي بمعنى أو بآخر، وعندما يمتزج العمل في داخله فإنه يصبح له أيضًا، ولذلك فإنني لا أستطيع ولا أنتظر قراءته أو تفسيره من جديد.

  كيف تتعاملين مع التحديات الفنية التي قد تواجهينها؟

  من الطبيعي أن يكون أي تحدٍّ أو عقبة لأية ممارسة فنية حالة صحية للخروج من (المساحة الآمنة) التي تخلق شعورًا روتينيًّا وتبلدًا إزاء أي عمل أو ممارسة، لهذا فإنني أرى أن محاولة تخطي تلك الصعوبات تثري العمل وتخلق أبعادًا جديدة فيه، أفاجئ نفسي بها أحيانًا!

  ما الوسائط التي تفضلين استخدامها في أعمالك الفنية؟ ولماذا؟

  لا أفكر بالوسائط الإلكترونية، بل بالفكرة أو القضية الإبداعية الفنية التي أود أن أعبر عنها، من خلال تلك الوسائط والمواد المختلفة التي أخلق العمل بواسطتها بانسجام، وقد يحتاج الأمر إلى تجربة العديد من التقنيات واكتشاف استخدامات ورؤى جديدة لمواد مختلفة وربما عادية.

الجوائز سلاح ذو حدين

  حصلت على جوائز عدة عن أعمالك المجهزة بالفراغ، ترى كيف ينظر الجمهور إلى أعمال من هذا النمط؟ وما الفرص المتاحة أمام الفنان ليستغرق في تجهيز الفراغ بأعمال متعددة ومستمرة؟

  قد تعزز الجوائز الثقة في نفس الفنان، وهذه سمة إيجابية، لكنها قد تكون مصيدة له أحيانًا؛ فقد تسكنه في خانة يحاول أن يحافظ عليها؛ مما يجعله يكرر نفسه من دون أن يشعر. كما لا ننسى أن الجوائز في حد ذاتها نسبية وغير مأمونة لتصدير نجاح الفنان أو فشله! فالعمل الذي يفوز في معرض أو مسابقة ما، قد لا يفوز في مسابقة أخرى. على الفنان أن يعول على تجربته بشكل عام وعلى النقد الموضوعي والجاد من قبل المتخصصين أو الخبراء ذوي التجربة والإلمام بالتجارب والتاريخ الزمني للفن بالمنطقة.

  ما الدور الذي يمكن أن يقوم به الفن من أجل تعزيز التواصل الثقافي والإنساني؟

  الفن حالة من الصدق الإنساني في التعبير، في أساسها بوح ذاتي وخاص جدًّا، إلا أن تقاطعه مع مشاعر الآخرين يجعل تأثيره الرقيق كتأثير (الدومينو) المتسلسل إلى أن يحدث تأثيرًا أكبر بحيث يشكل توجهًا أو جزءًا من حركة إبداعية أو اجتماعية عامة.

مستقبل الفن المفاهيمي

  برأيك ما الذي يعوق تقدم الفن المفاهيمي ويحد من مدى انتشاره في دول الخليج؟

  الفن المفاهيمي بطبيعة الحال فن نخبوي، وأقصد بالنخبوية هنا هي الفئة القادرة بصريًّا وجماليًّا على تذوق الفن الملغوم بالإسقاطات والتورية البصرية. هو فن يعتمد على ذكاء واستقراء المشاهد؛ لهذا فإن الثقافة العامة والفنية خصوصًا وتشجيع إقامة معارض الفن المفاهيمي من شأنها أن تقرب هذا الفن للجمهور. عمومًا تم تقليص هذه الفجوة في الأعوام الأخيرة من ناحية نوعية المعارض وعددها في الخليج العربي.

  هل يُعَدُّ المتلقي من عناصر العمل المفاهيمي؟ كيف يمكن قياس دوره فنيًّا؟

  لطالما جعل الفن التفاعلي المتلقي جزءًا من عناصر العمل، لا يكتمل إلا بمشاركته بشكل من الأشكال المقصودة في إتمام العمل الفني.

لكل مرحلة لون

  ينتشر اللون الأحمر في أعمالك بشكل دائم، وبمختلف درجاته، فما سر هذا الانتشار، وما فلسفة استخدام اللون لديك؟

  لكل مرحلة لونها ولكل قضية فكرية أو جمالية لونها.. إلا أن الأبيض يكاد يكون لون المراحل الأطول لديّ إلى الآن؛ فهو الفراغ والامتداد، وهو الطبقة الأولى في اللوحة وأحيانًا الأخيرة. الأحمر لون يصرخ في فضاء الأبيض دون أن يعكر صفوه، هناك تفاصيل غير ملحوظة بتاتًا تقوم بدور البطولة!

طقوس الفنان وتجاربه

  تؤمنين بتجاور الفنون، ولا ترين أن للفنان طقوسًا أو عاداتٍ تساعده على الإبداع، فكيف عبرت أعمالك عن تداخل الفنون وتجاورها من جانب، وعن هذا التمرد الدائم من جانب آخر؟

  التمرد في داخل الفنان سمة أصيلة، فهو يرفض القطعية والأحكام الجاهزة، هو في رحلة بحث دائمة لا يصل فيها إلى نهاية، هو يكتشف ليسأل من جديد؛ لهذا فالفنان لا تراه خاضعًا وقطعيًّا ولا أسمي ذلك السلوك تمردًا بل (تفردًا). أما بخصوص عادات وطقوس الفنان، فهي رفاهية لم أعد أملكها بعد تجربتَي الزواج والأمومة؛ إذ عليّ اقتناص الوقت ومحاولة أن أعيش لحظة العمل بجانب العديد من الالتزامات. (امرأة المهام المتعددة)، هذا ما أستطيع أن أصف به كل امرأة تقوم بالممارسة الإبداعية بجانب أعمالها اليومية اللامتناهية. القليل من الهدوء والوحدة المؤقتة هو الطقس الأجمل والأثمن.

  حصلت على دورة في استخدام برامج الفوتوشوب والألستريتور، ودورة في إخراج الكتب، فإلى أي مدى أصبح الكمبيوتر شريكًا أساسيًّا للفنان في عمله؟

  تدربت على هذه البرامج بحكم عملي كمصممة ورسامة كتب دراسية في وزارة التربية، واستخدمت هذه الخبرة في تصميم العديد من أغلفة الكتب لكتاب في السلطنة والوطن العربي، كما استخدمتها قليلًا في بعض أعمالي الفنية التي قد تحتاج لذلك.

  شاركت بأعمالك في العديد من المعارض الخارجية، فإلى أي مدى تُعَدُّ هذه التجارب مفيدة للفنان، وما تقييمك بعد كل هذه السنوات من العمل لتجربتك الإبداعية؟

  لا أستطيع أن أقيم تجربتي؛ لأنها ما زلت (تجربة) أقوم بها باستمتاع ودون التفكير إلى أين ستمضي وإلى متى ستستمر.

  ما الرسالة التي تحاولين توصيلها من خلال أعمالك؟

  لا رسالة أحملها. لست مُصلِحة ولا داعية. كلما مضى بي العمر أُومِن بأن أعظم الأسئلة هي ما تدور نحو ذاتي والكون الذي يشغلها ويتمدد داخلها. العالم الآن يعلم كل الفظائع التي تحدث في جنباته، يعرف فداحة الأجوبة قبل الأسئلة؛ لذلك هو ليس بحاجة إلى أي رسائل. نحتاج أحيانًا إلى محطات راحة جمالية مؤقتة وعابرة لا أكثر.