بواسطة عادل ضرغام - ناقد مصري | مايو 1, 2024 | قراءات
في روايتها «دائرة التوابل» تمارس الكاتبة الإماراتية صالحة عبيد نوعًا من مطاردة الموت ورائحته للوصول إلى أسراره وحكاياته وسردياته. فالجسد بعد الموت -في منطق الرواية- ليس غفلًا من الأسرار والحكايات، وبخاصة إذا كان هناك في الأفق، انطلاقًا من شيوع الرائحة، أسرار يُتَوَجَّهُ إليها. فالجسد بعد الموت يصبح خفيفًا هشًّا متخلصًا من كل أثقال الحياة، وكرة النار والصراع، وأنساق ومحددات الحركة. والكتابة السردية في النص الروائي لا تصل بالقارئ إلى يقين، ولا تكشف بقدر ما تخفي، حتى في كشفها للأسرار والارتباطات تجعل ذلك الكشف محاطًا بغلالة رقيقة، تجعل يقين التأويل أو مشروعيته واقفة عند حدود الشك في اكتمال منطلقاته، مما يدفع إلى التروي والتأمل الطويل.
الرواية في تأسيس الارتباط بين الخيوط السردية، ومشروعية التكرار، واستمرار الرائحة ومطاردتها، لا تحيل القارئ إلى أشياء يقينية، هي فقط -أي بنيتها السردية- تضع للقارئ إشارات يمكن أن تكون هادية لكشف جزئي عن مساحة من الارتباط أو التداخل أو التناسل بالرغم من الامتدادات الزمنية بداية من زمن عبدالله بن المعتز إلى اللحظة الآنية. رواية لا يستطيع القارئ تفكيك شفرتها، أو حدود بنيتها وإطارها المعرفي إلا من خلال وقفة طويلة عند الفصل الأخير الذي يمثل المرتكز الضوئي، للكشف عن الحدث المحرّك لحركة المعنى والتسريد في الخطوط السردية الثلاثة.
والرواية لا تقطع بشيء نهائي في تلقيها، ولا تستجيب للجاهز أو المستقر، لكنها تصنع تفردها في اعتمادها على إثارة دلالات مهمة تلمسها، وتراقب حركة دورانها وتكرارها، وتظل متحركة بوصفها دوائر مشدودة للجذر الأساسي، منضوية في إطاره، ولكنها تصنع تميّزها في كل مرحلة زمنية مشيرة إلى تجلٍّ جديد، لكل أشكال الحيف والظلم. فالحياة -في منطق الرواية- لن تفضي إلا إلى إطار خاص من التكرارات ارتباطًا بذاكرة فاعلة أو انشدادًا لرائحة أو روائح متشابهة في كل مرحلة زمنية.
تداخل الخيوط السردية
تتماس اللقطة الأخيرة في الرواية، قطع الأم لأنفها وأنف الرضيعة ابنتها بوصفه تحررًا من لعنة، مع التصدير في بداية العمل الذي يقول: «المكونات اللازمة للتحرر من لعنة: سكين حاد، غرفة بدرجة حرارة 25 درجة مئوية، طفل رضيع». وهذا التماس يجعلنا نعيد التأمل للتصدير في النص الروائي؛ لأنه، بشكل عام، له دور في تنبيه المتلقي إلى اختيار تأويل نقدي للعمل الروائي بشكل عام، وبخاصة في ظل كتابة تحترف ارتياد مناحٍ معرفية عديدة، ولا سبيل إلى الاختيار إلا بتفعيل الوقوف عند البنيات الصغرى التي تراود القارئ كلما عاد إلى العمل وتأمل جزئيات تشكله.
ففي التصدير السابق، يتخيل القارئ تشكيلات ممتدة زمنيًّا، يتأسس وجودها من بنية تكرارية لأحداث تصاحبها لعنة ورائحة تتضوّع كاشفة عنها، والخلاص منها يتمثل في حدود فكرة الذبح أو الفداء، كما تجلّت في التراث المسيحي، وكما يمكن أن نجد لها صدى في رواية «محبوبة» لتوني موريسون. في الرواية ثلاثة خيوط سردية، يتناوب النص الروائي في تشكله في التحرّك في إطارها. فالخط السردي الأول وثيق الصلة بابن المعتز، وتوزعه بين حياتين، حياة الحكم والسياسة والسلطة التي تشكل كرة اللهب والصراع من جانب، وحياة الفن واللهو والدعة من جانب آخر. فابن المعتز يتحرك بين هذين التوجهين ابتعادًا وقربًا، وهروبًا وعودة. فبعد مقتل جده وهو رضيع، وأبيه وهو طفل صغير، يهاجر داخليًّا نحو الاتجاه الآخر في علاقته بالجارية (نشر) والغلام (نشوان)، ويشكل ذلك هروبًا داخل المكان. ثم تهاجر به جدته قبيحة إلى مكة لكي يظل بعيدًا من كرة النار والسلطة والحكم، لكنه يعود في النهاية، ويدخل حلبة الصراع، ويتولى الخلافة ليوم وليلة، قبل مقتله على يد مؤنس خادم المقتدر.
ويتشكل الخطّان السرديان الآخران في لحظتين زمنيتين متغايرتين: فالأولى تجمع بين الشقيقين (عزيز) و(شمّا) في ديرة دبي في العشرينيات من القرن العشرين، ويتكون الصراع وفق مقولة الجدة التي تتكرر كثيرًا في الخط السردي الثالث المهيمن، أو الأقرب للهيمنة «العرج دسّاس»، من خلال وجود طبقية داخل إطار بيولوجي بين الرجل والمرأة. فهناك عزيز الذي ينتمي، من خلال ملامحه الشكلية، إلى عائلة التوابل والأسياد، في مقابل شمّا التي تؤطرها ملامحها داخل دائرة العبيد من خلال الأنف الكبير والأفطس. فالرواية توجهنا إلى صراع مغاير عن الصراع في الخط السردي الأول الذي تتشكل حدوده داخل العبد والسيد، إلى صراع داخل طبقية جديدة في حدود (ذكوري) و(نسوي)، وداخل فكرة الاختلاف الشكلي بين السيد والعبد التي تظل مختزنة، حتى لو تمّ محو أسس وجودها بين شقيقين.
ويأتي فعل قطع أو (جدع) الأنف الذي قام به عزيز مع شمّا، استمرارًا لكرة النار والصراع التي وجدنا صدى لها في ارتباط ابن المعتز بالسلطة ومقتله الذي تسبب في وجود لعنة الرائحة والعفونة. فجدع أنف شمّا في إطار طبقية بيولوجية كان سببًا من أسباب اللعنة التي لم تنته إلا بتوجه شمّا إلى البحر وذوبانها فيه، وكأن الماء إطار كبير تتحلل فيه اللعنات وينتهي أثرها. ولكن الصراع في الخط السردي الأخير زمنيًّا في ارتباطه بالآني، والأكثر هيمنة وحضورًا، يأتي تتويجًا لكل الصراعات الطبقية السابقة على تنوع تشكلها، ويضاف إليها قوة الأنساق التي أصبحت ضاغطة في اللحظة الآنية.
الحلم بوصفه آلية سردية
مع هذه الخطوط السردية الثلاثة، هناك مساحات ارتباط، ووسائل دمج وتداخل تستخدمها الرواية، لتصدير دائرية العمل، والإشارة إلى تماسك لحمته بالرغم من توزع الخيوط، وتباعدها زمنيًّا. يتمثل أولها في تأسيس تصوّر خاص للذاكرة؛ فالحياة -في منطق الرواية- هي استئناف وامتداد لفعل الذاكرة، ولا يستطيع صاحبها أن يفلت منها، حتى لو امتد ذلك عقودًا وقرونًا. فارتباط شيريهان بالمقبرة -فضلًا عن موت العم راشد- للوصول إلى السر في تبرير الغضب وكرة النار، ليس له ما يبرره، إلا من خلال قراءة العمل كيانًا كاملًا، والتنبه إلى ارتباطات موغلة في القدم.
تتمثل هذه الارتباطات في وجود الحلم بوصفه آلية سردية تجمع العوالم واللحظات الزمنية المتباعدة، فالحلم يعقد نوعًا من المشابهة والتماهي والتداخل، ونوعًا من الانتساب الذي لم تكشف عنه الرواية تفصيلًا. فوعي شيريهان بما حدث لشمّا عن طريق الحلم في رؤيتها في أثناء تحويل أجساد الموتى إلى شواهد حجرية على الشاطئ، لا يتشكل إلا في ظل وعي جديد بالذاكرة، وانفتاحها خارج حدود المعيش، لتمتد زمنيًّا خارج الملموس، وتلتحم بذاكرة ممتدة. تقول الرواية: «في حلمها رأت فتاة ضئيلة الحجم سمراء، يكاد يكون لها لونها ذاته، فتاة بعينين واسعتين، وفمها يشبه فمها، بل هو فمها عينه، لكنها بالمقابل لم تكن تملك أنفًا».
من وسائل التماهي والربط والتداخل بين الخيوط السردية، الحضور اللافت والقوي لابن المعتز من خلال شعره، سواء تجلى ذلك في الشعر الذي قرأته على شاهد المقبرة في أدنبره، أو في الشعر الذي ذيّل به عمها صورته إلى والدتها، منهيًا الأبيات بالسؤال عن الولد. وكل ذلك كاشف عن تقاطع المصاير بينهما، وأثر حضوره في اتخاذ قرار التخلص من الأنف في قوله لها: «السر في الأنف الأفطس، فإن غاب استقامت الحياة».

توازيات العوالم السردية
تستند الرواية في خطوطها الثلاثة إلى توازيات وتكرارات بداية من الزمن القديم المتفلت زمن (عبدالله بن المعتز)، بوصفه طبقة أولى ضرورية لتشييد البناء الروائي وتشكيل عناصره، ومرورًا بتوازٍ آخر في بداية القرن العشرين ديرة دبي، وانتهاء باللحظة الآنية التي تمثل الوجود المهيمن للسرد. وتتكون حول هذه الخطوط السردية مناحٍ معرفية وثيقة الصلة بالموت، وسؤال الوجود، وثنائية السيد والعبد التي تشكل بالرغم من خفوتها المنحى الأكثر أهمية، في تلقي الرواية.
ويمثل التوازي السابق توازيًا مبدئيًّا، تتجاوب معه أنساق أخرى من التوازي، يتمثل في خروجهن -أي شمّا وشيريهان وابنتها- عن الإطار الشكلي الموروث لعائلة التوابل من خلال الأنف الأفطس الكبير، والسمرة الغالبة على لونهن. فالنص الروائي يشير في تشكيله لشخصية شيريهان إلى أن «لأحمد ووالدها ووالدتها إذن أنوفًا لا تتقاطع كثيرًا مع أنفها الذي بدا كبيرًا على غير المعتاد، وهي الوحيدة التي لها هذا الأنف الغريب في عائلة الأنوف الطويلة الدقيقة». ويتجاوب مع هذا الخروج الشكلي فكرة النبذ التي تأخذ مدى أبعد من النبذ أو الاختلاف الشكلي للنساء، ولكن يمس النبذ أيضًا القسيم الذكوري المكمل لنساء الخطوط السردية الثلاثة. ويُعَدّ النبذ صورة جديدة من صور ثنائية العبد والسيد، فإذا كان النبذ والإمعان في الإيذاء ماثلًا في حكاية العبد نجوان وفاطمة بنت ثابت، فإن النبذ يلح فاعلًا مع (عبود أبوراسين) في محبته واقترابه من شمّا، ومع (ناصر) فتى المقبرة في اقترابه من شيريهان وزواجه منها. وهذا النبذ يتوافق مع طبقتهما الاجتماعية التي تلحّ بوصفها طبقة لإكمال الشكل، ولا تشكل المتن.
فبعض الإشارات السابقة يمكن قبولها على أنها إشارات عادية، لا تحمل شيئًا من الاتهام، ولكن في جزئيات تالية، ومع نمو الحدث السردي، يخامرنا شك في أن هناك أمرًا ما، وذلك حين تقول الراوية عن موت عمها وأثره في والدتها: «شعرت بأن ذلك النبأ -موت العم- هو ما قد يكون سرق من والدتها الابتسامة»، أو حين غابت والدتها إلى الرابعة صباحًا. فحين عادت تشير الرواية إلى وجود رائحة أليفة، هي -على حد تعبير النص الروائي- «رائحة الهواء الحيوي للمنطقة المحيطة بسور المقبرة… هل كانت تزوره؟».
ولكن مع نهاية الرواية، بعد أن كانت الرائحة هي المثير الأساسي لعملية البحث، وتصبح المقبرة في ظل ذلك علامة الوصول الأولى لمعرفة سرّ الخفة والطيران وانتهاء الثقل، يتحول كل ذلك إلى تجلٍّ جديد يرتبط بصندوق أملس، بما يضمه من أسرار تكشف شيئًا عما تبحث عنه، وتكشف سر الروائح المتغيرة لوالدتها، بداية من التنبه إليها بعد حادثة موت العم. ففي بحثها عن الصندوق، بعد أن فقد من غرفة والدتها تنقل الرواية على لسان ناصر «إن ما يفعلانه الآن يذكره بأول مرة رآها تحفر التربة فيها عند سور المقبرة، كأنها تبحث عن شيء».
تأمل الشخصيات ووظائفها بالرغم من المدى الزمني الممتد، يوجهنا من خلال تقابلات الأنساق قديمًا وحديثًا بين كل قسيم ومقابله إلى ثنائية السيد والعبد التي تشكل جزءًا من الهوية العربية في احتمائها بالتراتب. والرواية لا تتحدث عن التراتب أو إشكالية السيد والعبد بشكل مباشر، ولكن النص السردي في كل خطوطه السردية الثلاثة يستند إلى فكرة النبذ، وهي فكرة وثيقة الصلة بالمهمش. فابن المعتز كان منبوذًا من أهل الحكم والسلطة بتوجهه إلى الاتجاه المقابل للدعة واللهو. وفي الإطار ذاته فاطمة بنت ثابت والعبد نجوان. وفي الإطار السردي الثاني هناك البطلة شيريهان التي تعاني النبذَ الفعليَّ، والنبذ الشكلي لاختلافها شكليًّا عن عائلتها. ورفيق طفولتها وزوجها يعاني النبذَ ذاتَه، لأسباب طبقية وشكلية؛ لغرابة شكله، وكبر حجم رأسه، حتى قيل في أوساط العائلة: «المنبوذة للمنبوذ». وشمّا ومقابلها الذكوري يتحركان وفق الإطار المهمش ذاته؛ لغرابة شكلهما، ولخروجهما عن الشكل المعروف.
تنفتح في ظل ذلك دلالات مضافة للحرية والعبودية في التجلي النمطي، فتصبح الحرية هي الحركة خارج المؤسس القابض على الفرد، وتصبح العبودية مرتبطة بوجود القيد، حتى لو كان الإنسان حرًّا. فاللعنات التي يُتَخَلَّصُ منها في كل الخطوط السردية في الرواية قائمة على انتهاك الحرية والبحث عن الخلاص والخفة أو الانعتاق من القيود، تلك القيود المشدودة للنار.
بواسطة منصور مبارك المطيري - كاتب كويتي | مايو 1, 2024 | مقالات
تنامي الأمراض الروحية والوجدانية -على تعدادها واختلاف أنواعها- يمثل الملمح الأساسي في واقع الإنسان المعاصر. وقد نتج عن هذا التنامي تحدٍّ كبير للطرز التي أمست تقليدية في ممارسة الطبابة النفسية والروحية؛ فإضافة إلى التخمة التي أصابت القاموس الطبي للصحة النفسية -الذي يمتلئ بطبيعة الحال بالتصنيفات والاعتلالات النفسية التي تضاف إليه بين الحين والآخر، من مصطلحات تخص الاضطرابات المستجدة وأعراضها وطرائق علاجها، والتصنيفات المستحدثة في القياس والكشف عن السلوكيات غير الطبيعية تارة، ومحاولات التأطير العلمي التجريبي لمفاهيم سائدة مثل: الابتئاس، والقنوط، والعزلة تارة أخرى- وضعنا هذا التحدي أمام مقاربات مستحدثة، وإن كانت تسير في وجهة تتعارض مع منطق العلم الحديث بنابض حركته القائم على القياسات الكمية والتجارب المادية.
غير أن بعض هذه المقاربات أشبه ما تكون بإعادة النظر في منعطف مفصلي بتاريخ العلوم من قبيل خروج علم النفس والتحليل النفسي عن عباءة الفلسفة؛ فهناك ما يشبه الإجماع بين ممارسي علم النفس والتحليل النفسي على أهمية تبرئة هذين العلمين من الادعاء بأنهما من رواسب الفلسفة، وضرورة الاعتراف بتصنيفهما ضمن العلوم البحتة أو أقلها أن يكونا على تماس معها.
جذور العلاج السلوكي المعرفي
لم يستقر علماء النفس وممارسو التحليل النفسي على هذا الإجماع طويلًا، فجنح بعضهم إلى رد التحليل النفسي إلى الحضن الفلسفي. وتبدى ذلك واضحًا بممارسات الاختصاصيين في إجراءاتهم العلاجية في بعض الأمراض، مثل القلق والاكتئاب، فنجد ادعاءهم بابتكار طريقة علاجية جديدة تحت اسم «العلاج السلوكي المعرفي».
غير أن هذه التسمية ليست مبتكرة، وما هي إلا إعادة إحياء تقنية قديمة؛ تقوم هذه التقنية على فكرة بسيطة قوامها أن مشاعر المرء وانفعالاته ما هي إلا وليدة أفكاره، ومرآة تعكس ما يؤمن به من معتقدات. ومن ثم فإن إدراك الإنسان لأفكاره، وآرائه المستقرة في اللاوعي، ووعيه بالكيفية التي يفسر من خلالها ما يحدث حوله في العالم الموضوعي يمنحه القدرة على ضبط مشاعره وانفعالاته.
أبصر العلاج السلوكي المعرفي النور على يدي عالمي النفس الأميركيين آرون بيك وألبرت أليس في الخمسينيات من القرن المنصرم. والعالمان بيك وأليس ممن انضم إلى مجموعة من المختصين الذين -في تحولات جسورة لا تخلو من روح الاكتشاف والمغامرة- هجروا التحليل النفسي، واتجهوا إلى عوالم الفلسفة القديمة بحثًا عن الإلهام، وتحديدًا صوب سقراط والفلاسفة الرواقيين ممن تنسب إليهم نشأة المدرسة الرواقية.
نشأت المدرسة الرواقية في القرن الثالث قبل الميلاد في مدينة أثينا اليونانية، واتخذت تسميتها من رواق كان أقطابها يجتمعون فيه لدراسة المسائل الفلسفية والعقلية، وانتقلت بعدها إلى روما حيث اعتنقها الإمبراطور ماركوس أوريليوس. ويعد الرواقيون الأوائل في تاريخ الفلسفة ممن قال بخضوع الانفعالات والمشاعر للأفكار والآراء التي يعتنقها الإنسان.
ومن المثير للاندهاش أن كثيرًا من ممارسي العلاج السلوكي المعرفي يغفل عن جذوره الضاربة عمقًا في الفلسفة القديمة، فضلًا عن جهلهم بأن أدواته مستوحاة بأكملها من ممارسات الفلاسفة الرواقيين أنفسهم. ولعل رغبة عالم النفس آرون بيك في تقديم العلاج السلوكي المعرفي بوصفه علاجًا يمكن قياسه علميًّا ويتصف بسمات العلوم الحديثة، حدت به إلى طمس العلائق التي تعود بأصل هذا العلاج إلى الفلسفة القديمة.
غير أن ذلك لم يقف حائلًا دون الاهتمام المتزايد من قبل علماء النفس بالفلسفة القديمة، والرغبة المتنامية لديهم في الغوص عميقًا في محيطات فكرية أكثر عمقًا تطرح إشكاليات وتناقش أسئلة فلسفية شائكة من قبيل السؤال عن (ماهية الحياة الخيرة). وفي المقابل يثق علماء النفس بأن ثمة تقنيات علاجية يمكن استخلاصها من الفلسفة القديمة وتوظيفها في إثراء تقنيات العلاج السلوكي المعرفي. هذه العلاقة بين الفلسفة وعلم النفس لم تأخذ حيزًا من اهتمام علماء النفس فحسب؛ وإنما نجد المشتغلين بالفلسفة -وبخاصة أولئك المهتمون بالأخلاق- يلتفتون بكل اهتمامهم إلى الأسس التي من خلالها يقيس علماء النفس درجات الرضا والسعادة التي يختبرها المرء في حياته، إضافة إلى تفحصهم للمنهجية التي بواسطتها نستطيع الوصول إلى درجة بعد المرء أو قربه من تحقيق رغد العيش.

مراقبة الذات
وبشكل عام ينم هذا الاهتمام بالفلسفة القديمة عن اعتقاد الفلاسفة وعلماء النفس أيضًا بأن المقولات الفلسفية ليست نظرية مجردة عن الواقع بمقدار ما هي نظرية تصلح لأن تكون إجراءً تطبيقيًّا يمثل في مرحلة من مراحله أسلوبًا حياتيًّا، ويستطيع المختصون وغير المختصين ممارسة هذا الإجراء التطبيقي يوميًّا والتمرن المتواصل عليه إلى أن يصل المرء إلى ذروة الحياة الهانئة.
وإحدى الممارسات المستوردة من الفلسفة القديمة هي تلك التي تتلخص في أن وعي المرء بحالاته الانفعالية وتقلباتها يتجسد بوضوح عن طريق كتابة مدونة يومية (على النحو الذي كان فيه بعض الفلاسفة القدامى يرصدون ما جرى لهم طوال يومهم، والضرر والنفع الذي أصابهم).
وما ترمي إليه هذه التقنية هو الوصول إلى النتيجة التي تقول: إن الخطوة الأولى في تحقيق رغبة المرء -في تغيير نفسه ونبذ عاداته السيئة- تتمثل في مراقبة الذات ونقد السلوكيات الحياتية اليومية، مما يساعده على اكتشاف ارتباطها الوثيق بما يمر به من حالات انفعالية والتحكم بها بعد ذلك.
وهذه المدونة غاية في الأهمية لأن الإنسان بطبيعته جُبل على النسيان والاستسلام لمنازع العقل الباطن. وهذا القول ليس من المبالغة في شيء؛ فالمرء قد لا يكون في وعيه حين تصدر عنه سلوكيات معينة وردود أفعال متباينة؛ وهو ما أكده الفيلسوف الرواقي أبكتيتوس في قوله: «إن المرء متى ما كان مزاجه عكرًا فعليه مراقبة نفسه، ومحاولة الاحتفاظ بمزاج رائق لمدة ثلاثين يومًا. فإن تحقق له ذلك فإنه حينذاك يكون قد أفلح في شفاء نفسه».
الطبابة المجتمعية ودور القدوة
ثمة مثال آخر يوضح بجلاء الكيفية التي ترتبط فيها الحكمة الفلسفية القديمة بالمجتمع لتصنع تقنية علاجية؛ تسمى تلك التقنية (تقنية المثل الأعلى). وتختصرها فكرة بسيطة؛ قوامها أن المرء متى ما رغب في تجسيد وممارسة فكرة أخلاقية ما على أرض الواقع وفي حرارة الحياة اليومية بعيدًا من سماء الوعظ وغابات التجريد الباردة، فإن عليه توجيه نظره إلى شخص معين يجسد له تلك الفكرة الأخلاقية، ويسعى بعد ذلك جاهدًا إلى الاقتداء به والوصول -في مرحلة متقدمة- إلى تجاوزه والتفوق عليه في تجسيد تلك الفكرة الأخلاقية.
هذه الفكرة وليدة إبداع بلوتارك؛ المؤرخ والفيلسوف اليوناني الذي كان الشغف الأخلاقي دافعه في الكتابة عن صروف الحياة ومشقاتها. يسجل في مؤلفه الأبرز «حيوات عظماء اليونان وروما» حيوات زمرة من الشخصيات التاريخية رأى في سيرها الذاتية انعكاسًا للفضائل الأخلاقية، وتمرينًا على الترفع عن الرذائل.
ومن المنصف القول: إن بلوتارك قد أفلح في تجاوز التجريدات النظرية التي تشكلت منها الحمولة الثقيلة للفلسفة. وربما كان ذلك لوعيه بأن السواد الأعظم من البشر يميلون إلى محاكاة سلوكيات شخصيات معينة يختارونها على أنها تستحق الاحتذاء بها. وهذا الأمر ليس مستجدًّا أو مستبعدًا؛ فالمرء يجنح -بوعي وأحيانًا من دون وعي- إلى استنساخ سلوكيات المحيطين به.
الجديد فيما يقترحه بلوتارك هو تشديده على أن المرء مطالب بالقيام بهذا عن إدراك ومعرفة؛ فاصطفاء قدوة أو مثل أعلى يقصده خيال المرء لا بد أن يكون بوعي تام. وما كتابه الذي ذكر سابقًا سوى تزكية لشخصيات رآها تستحق أن تكون قدوات ومثلًا عليا يقتدي بها المرء في حياته.
ولا نغفل عن ذكر ملمح يشف عن تميز ونباهة طوعته الفلسفة القديمة في خدمة العلاج النفسي، ويتمثل هذا الملمح في فكرة مماهاة صحة الفرد بعافية المجتمع؛ ذلك أن بعض الفلاسفة القدماء أقاموا تناظرًا خلاقًا بين صحة المجتمع وصحة الفرد، وجعلوا تعافي أحدهما شرطًا لازمًا لعافية الآخر؛ ليصير هذا المبدأ تدشينا للخيط الذي تنسج فيه -على سبيل المثال- الحكومات شبكة السعادة المجتمعية لمواطنيها.
وهذه الفكرة تضرب جذورها عميقًا في فلسفة أرسطو اليوناني. وتحديدًا تنظيره على نحو دقيق للارتباط القائم بين إنجاز المرء للحياة الخيرة من جهة، والمجتمع المثالي الذي يتيح للمرء تحقيق حياة كهذه من جهة أخرى. وخير شاهد على صواب هذا الرأي واعتناق العلوم الحديثة له تخصيص قسم منفرد للطبابة المجتمعية من قبل المؤسسات الطبية التعليمية ضمن الأقسام التي تدرس علوم الطب الحديثة في مؤسسات التعليم العالي. وتتمحور الطبابة المجتمعية حول ضرورة تحقيق انسجام بين حياة مستديمة للفرد، ومجتمع يقوم على مبادئ الخير المشترك.
توضح الملامح التطبيقية التي مرت في هذا المقال أن الفلسفة تجاوزت الميادين النظرية الأكاديمية وتحررت من قيد المنشورات التخصصية البحتة إلى أن صار لها إنجازًا مجتمعيًّا على قدر من الأهمية يسعى لتحقيق تنمية مجتمعية شاملة تشكل مدخلًا ملائمًا للتصالح مع روح العصر؛ فالرفاه ورغد العيش والسعادة وغيرها من المقاصد التي باتت مؤشرًا لازدهار المجتمعات أو اضمحلالها ليست في حقيقة الأمر سوى مفاهيم فلسفية تولدت من رحم موسوعية البحث الفلسفي. ولا غرو أن التقهقر الاجتماعي في حقيقته ليس سوى تعبير بائس عن ضمور الطاقات الفلسفية.
بواسطة بوغنجور فوزية - ناقدة جزائرية | مايو 1, 2024 | كتب
رواية «منّا، قيامة شتات الصحراء» للروائي الجزائري الصدّيق حاج أحمد الزيواني، الصادرة عن دار الدواية للنشر والتوزيع، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الرواية العالمية للرواية العربية لعام 2023م، تقدّم سرديّة عميقة عن الصحراء ومأساتها، وتنفتح في مطلعها على كرونولوجيا المأساة لتصوّر لنا وقائع الجفاف الذي عانته مناطق واسعة من جنوب الصحراء، وتحديدًا شمالَيْ مالي، حيث تقطن قبائل الأزواد، وحيث تمتد ثقافتهم الطارقية والحسّانية إلى جنوب الصحراء الجزائرية. هذه المنطقة المنسية، أو المجهولة عند الكثيرين، يجعل منها الروائي مسرحًا لأحداث روايته، ومادة يؤثّثُ بها نصه بتفاصيل كثيرة تحملنا لنتعرف إلى جنوب الجنوب، وهامش الهامش، كما تتيح لنا معايشة المأساة المزدوجة التي عاشها الأزواد، أين تحالفت قساوة الصحراء والطبيعة الجدباء مع الظروف السياسية القاسية التي عانَوْها.
الرواية تقدّم خريطة أنوماستيكية غنيّة، تزخر بأسماء الأشخاص والأماكن والممارسات الثقافية اليومية، حيث تنبش عميقًا في ثقافة الطوارق، والثقافة الحسانية، عاداتهم، قبائلهم، معيشهم اليومي. ولذلك فالرواية نحت أركولوجي يمتح من عمق جنوب الصحراء المجهول، الذي يدهشنا، بحكم أنّ هذه الرواية عربية، وتنتمي للأدب العربي الذي يرتكز عادة على بيئات الشمال الإفريقي والشرق الأوسط والخليج العربي، وتحديدًا المدن. نكتشف مع الزيواني شسوع وعمق الجزائر العربية، التي كنّا نظنّ أنّنا نعرفها، ثمّ نكتشف أنّنا نجهل الكثير عن صحرائها والثقافات الكثيرة التي تتقاطع فيها وعندها.
سرديّة الصحراء وطقس الفاجعة
تضعنا الرواية منذ استهلالها في سياقات الفاجعة، يَسِمُها الروائي بالقيامة، ويجرّ القارئ مباشرة ليقف على أهوالها في تصوير حي يجعل القارئ يعطش في الأثناء، يتحسّس حرّ الصحراء، وجفافها، ويسمع أنات العجوز لولة، ويرقب حركة الموت الذي ينتقل بين الناجين ليحصدهم نَفَسًا نَفَسًا، مساوٍ في ذلك بين البشر وأنعامهم. تستمد رواية «منّا» ميزتها من هذه البيئة المختلفة التي تغوص بنا في أعماقها، حيث لا تقف عند العتبات بل تلج بنا أعمق، لتقدّم لوحات مختلفة يجهلها الكثيرون منا، لوحات عن اليومي، ولوحات أخرى تؤرّخ لأحداث كبرى رسمت حدود الصحراء اليوم، ثقافاتها المتعدّدة، ما يصدم معرفتنا المتواضعة والنمطية عن الصحراء الشاسعة، موطن الدفء والشمس والجمال.
يغوص الكاتب بمقدرة الخبير في ذوات الشخوص، ويرسم معيشهم اليومي الذي تسمه الصحراء بجلافتها، وقسوتها. وفواجعها أيضًا. ولكنّه أيضًا يبرع في تصوير اختلافهم الإثني واللغوي، فتصبح اللغة المختلفة واللهجات المتعدّدة طابعًا مميّزًا لعمل الزيواني، الذي يشحن الرواية بزخم من أسماء الأماكن: تقْمارتْ، أنْمكنْ، تاغليتْ، تيلمسي، كيدال، إنوكّر، تبَنْوكورَتْ، والأشخاص: لولة، تين البركة، عثمان، غسمان، بادي، علواتة، أخمادو، إلّي، والإثنيات: تيلمساوي، أدغاغي، إدناني، الشمنمّاسي ص 112، الإفوغاسي ص117، حتى يثقل أحيانًا الرواية، ويضيّع في بعض المواضع حركيتها وانسياب الأحداث فيها.
يستعير الزيواني في تسريد نصّه من الحكاية كثيرًا من تقنياتها، فيبدو كأنّه يتوسّل من بيئة النص بعضًا من ملامحه، فيختار تقنيات الحكي التي تشعر القارئ بأنه في حلقة سمر وحكي، ولذلك يتوشح النص بالكثير من ملامح الحكايات، كمخاطبة المتلقي مباشرة بصيغ تراثية تذكرنا بأسلوب المقامة التي تتكئ على أساليب تتغيّا الإمتاع والمؤانسة: «في حدود الساعة السابعة صباحا… فيما أزعم…» ص73، «زاد هذا التوق شهوة أصحاب الأزواد بمن فيهم بادي بالمركوبة اليابانية الساحرة، سيدة ذوات الأربع، الغزالة، لالّة التويوتا، عظّم الله ذكرها وكثّر سلالتها ونسلها في بوادي الأزواد كما يحلو للقوم تقريظ مدحها» ص 115-116، وقد يكون غرض الكاتب استثارة انتباه القارئ/السامع «ولا تحسبنّي غافلًا عن يوميّات التعذيب بالمعتقل، إنّما أخّرته حتّى يبقى عالقا بذهنك أكثر، فالأمور تُعرف بالخواتم…» ص 102، أو لتأكيد صحّة قوله باستخدام صيغ مختلفة، ومنها القسم: «بعدها عرفت بسالة إلّيْ، لعلّ مردها إلى ثلاثة أمور والله أعلم…، وعملنا المنكر في أنفسنا من أجلها، دون أن نشعر ههه.. أي والله.. جريا خلف سراب الوطن الموعود» ص 74.
قطع حكائية متناثرة لأزمنة مختلفة
يقدّم الصديق حاج أحمد في نصّه أزمنة مختلفة ينتقل بنا فيها تباعًا، ليرسم في النهاية عالمًا مكتملًا يحيلنا إلى واقع الهيمنة التي ترزح تحتها شعوب مختلفة، لا تنتمي للجغرافيا نفسها ولكنها تشترك في المصير ذاته؛ لذلك لم يشكّل الانتقال الجغرافي للأبطال فرقًا يذكر في مصايرها، أو تحوّلًا في مسارها، بل كان تكريسًا لأزمة متعدّدة: التبعيّة، القهر، ظنك العيش الذي يعانيه الفرد، ويعانيه قطاع كبير من الشعوب، وليس الجنوب سوى عامل إضافي لتعميق هذه التبعية، المعاناة والقهر.
تتوزّع أزمنة الرواية على النحو التالي: زمن الجفاف والهجرة والشتات، الأسر في جنوب لبنان، زمن الهجرة إلى ليبيا وحلم الوطن المستقل (الأزواد). ولكن الرواية لا تركّز على سرد الأحداث والتحوّلات السياسية، ولا تنخرط ضمن الرواية السياسية، بل تحافظ على صلتها الوثيقة بتفاصيل اليومي الذي يعايشه الرباعي: بادي، علواتة، أخمادو، إلّي، وما تعكسه هويّة كل واحد منهم. فيصبح جفاف 1973، والصراع على السلطة في شمالَيْ مالي، وانخراط القذافي في سياق الصراع لإقامة دولة الأزواد كلها حكايات يسردها الراوي العالم تارة، ويسند الحكي لأحد الشخصيات تارة أخرى لتحكي في مجملها، وعمقها ذاك الاختلاف والتنوّع الذي يصبح السمة الغالبة لصحراء الجنوب. إنّنا نطالع لوحة غنية وعميقة في تفاصيلها الهوياتية والإثنية أكثر من مطالعة صراع سياسي. حتى حين عرّجت الرواية على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي فقد ركّزت على تقديم لوحات للخيم وما تحويه من هويات متنوّعة: العراقي، اللبناني، السوري، المسيحيون، الشيوعيون، مركزة على محاولة الرباعي التوافق والتعايش مع هذه الهويّات، وأيضا حرصهم الشديد على إشهار انتمائهم؛ لذلك تصبح قطعة البروكار شعارًا طارقيًّا يتداوله الرفاق الأربعة، ويتناوبون على رفعه/ إشهاره، والتبرك به.
لغة الرواية وتعدّد اللهجات
تركّز الرواية في جانب مهم منها على إظهار التنوّع الثقافي واللغوي لجنوب الصحراء، فيصبح النص حكائية ثرية بهذه الثقافات المتعدّدة، ولهجاتها المختلفة. فقد حرص الزيواني على توطين الرواية ونقل الكثير من المحكي المحلّي إلى النص، مع الترجمة، والشرح، والتفسير اللغوي أحيانًا لتوضيح مواطن الإقلاب، أو المفارقة مقارنة بالعربية الفصيحة. ولكن يبدو أنّ ذلك قد شكّل عاملًا سلبيًّا في مواضع معيّنة من الرواية لسببين رئيسين؛ أولاهما أنّ الإكثار من إيراد الملفوظات المحلية والأسماء الكثيرة قد يشكل فهمه للقارئ العربي عمومًا، وتصبح الرواية صعبة التلقّي، وتحتاج تركيزًا عاليًا لاستيعاب كل ذلك دفعة واحدة. أمّا الأمر الثاني، وهو الأكثر تأثيرًا، فيتعلّق باختيار الكاتب للغة تراثيّة لا تتناسب مع رغبته في توطين الحكاية، حيث تصبح لغته العربية الكلاسيكية القوية غير مناسبة لحديث الشخصيات التي لا تفهم العربية.
فنجد بادي وسوخا يتحدّثان بلغة فخمة: «في الحقيقة ولمن هو في حالنا، حسب قول بادي.. تصادقت عليه وحشتان..» ص97، «يقول سوخا رفيق بادي إلى ليبيا، القذافي له شكولاتة شهدة المذاق.. الأكيد أنّ خلطة هذه الطبخة اللذيذة انتقى عطورها وتبّل فوحة قدرها سعيد القشّاط كليم القذافي» ص 125. والكثير من الألفاظ والصيغ على شاكلة كليم تأتي على لسان الشخصيات الأعجمية التي لا تفهم العربية كما تخبرنا الحكاية.
كما أنّ الشخصيات تتحدث بمستوى لغوي واحد، وأسلوب واحد، بل تغلب الصنعة في مواطن كثيرة من النص، وهو ما يضيّع انفعالية اللحظة الحيّة، وحركيتها وديناميكتها. وقد يوقف السرد فقط ليسترسل في وصف لا يخدم الحدث بأي صورة، وهو ما يجعل القارئ يحسّ أنّ رجليه انغرزت في الرمل وباتت مقيّدة، وأنّه بالكاد قادر على الحركة.
بواسطة حوار وترجمة: حمد الدريهم - صحافي سعودي | مايو 1, 2024 | فوتوغرافيا
تحاول المصورة والباحثة النمساوية أليكس شلايخر النفاذ بعدستها في وجوه الآخرين حول العالم؛ لتحاول إبراز ما يهمله المرء من مشاهد قد تبدو عادية للوهلة الأولى. التقيتُها؛ لأحاورها حول أعمالها: «قوس الجوركا: من نيبال إلى الجيش البريطاني»، و«حياة ساكنة»، و«مملكة مكنونة: شعب المملكة العربية السعودية» الذي جالت فيه مناطق المملكة؛ لتوثق وجوهًا متعددة تمثل أطيافًا من أفراد الشعب السعودي، إضافة إلى قضايا أخرى تتعلق بالفوتوغرافيا، فإليكم الحوار:
الحياة العادية في المملكة
● عندما بحثتُ في محرك البحث؛ كي أحصل على صورة شخصية لك، لحظتُ ندرتها مقارنة بصور مشاريعك، هل من المهم للمصور أن يُخفي نفسه خلف مشاريعه؟ وهل هناك رسالة ما؟
■ هذا السؤال يصلني كثيرًا. هناك بعض المصورين من يضعون أنفسهم في محور قصصهم الفوتوغرافية. بالنسبة لي، لا يناسبني. صورتي ليست مهمة في سياق مشاريعي، الذين أصورهم هم من يجب أن يكونوا في الضوء. أيضًا، النساء غالبًا ما يُحكم عليهن والتقليل منهن من خلال مظهرهن ولا أريد أن أكون جزءًا من تلك القصة.
● فيما يتعلق بمشروعكِ «مملكة مكنونة: شعب المملكة العربية السعودية»، ما الأسباب التي جعلتكِ تذهبين إلى المملكة؟ كيف رأيتِ ردود الأفعال؛ ولا سيما من السعوديين تجاه ذلك المشروع؟
■ وجدت أن الإعلام يصور شعب المملكة ضمن نطاق ضيق جدًّا وغالبًا تكون مقتصرة على أعضاء العائلة المالكة وإنتاج النفط أو فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان. لم يتحدث أحد قط عن الحياة العادية في المملكة، ولا يوجد شخص سأل أفراد الشعب السعودي عن حياتهم اليومية كيف تكون؟ عندما سافرت إلى المملكة، قوبلتُ بكثير من الدفء والانفتاح من قبل الرجال والنساء، وجدت أن السعوديين أنفسهم سئموا كثيرًا من تنميطهم في بعد واحد بواسطة الإعلام الغربي، يوجد كثير من الأحكام المُسبقة هنا؛ لذا أردت أن أُظهر أوجه التشابه في الإنسانية والقلب. بالإضافة إلى الاختلافات الاستثنائية والجميلة في الثقافة والتاريخ.
الصورة بين العفوية والتخطيط
● كيف تخططين لمشاريعك الفوتوغرافية؟ هل ترسمين سيناريوهات معينة في ذهنك لأجل الصور؟ وهل تلتقطين مئات الصور للمشروع الواحد ثم تختارين مع ما يناسب مشروعك؟
■ مشاريعي تبدأ دائمًا بفكرة مع انهماك في البحث؛ لكن البقية تكون عفوية جدًّا. معظم الأشخاص لذلك المشروع أتوا عبر أشخاص آخرين قمت بتصوير بعضهم في مدة قصيرة. أحيانًا أرى بعض الأشخاص في مكان عام؛ إما في مقهى أو فندق وأبدأ بالحديث معهم؛ لأنهم أثاروا اهتمامي. مشاريعي تميل للنمو عضويًّا وأحبها أن تكون كذلك. أحب المصادفات ولقاءات الصدفة. لا أميل لأخذ كثير من الصور؛ ولا سيما عندما أصور فِلمًا بدلًا من الرقمي. دائمًا يكون لدي فكرة عمّا أريد تحقيقه عندما أبدأ التصوير.
● في عصر شيوع التصوير الفوتوغرافي بالهاتف الجوال، هل قيمة المصور المحترف لا تزال كما هي من قبل أم تغيرت؟ ما وجهة نظرك؟
■ هذا سؤال رائع، لدي فكرتان حول هذا الأمر من ناحية المصورين، كل تدريبنا وتجاربنا لم تعد ذات قيمة كما كانت من قبل. ومن ناحية أخرى، أرى أنه من الرائع أن تلتقط صورة رائعة فإنك لا تحتاج لإنفاق كثير من المال؛ لذا معظم الناس أصبح لديهم القدرة على التقاط الصور وأصبح العالم أكثر ثراء بالصور. أرى كثيرًا من الصور المذهلة حقًّا في وسائل التواصل الاجتماعي والمُلتقطة بواسطة مصورين غير محترفين وأحب ذلك الأمر. الجانب السلبي في هذا الأمر أن معظم المصورين يكافحون لأجل لقمة العيش ومع خدمات تحرير الصور الرخيصة التي أصبحت في كل مكان، حتى في هاتفك المحمول، أصبح إصلاح الأخطاء سهلًا والمعرفة أصبحت أقل أهمية. بصورة عامة، أعتقد أن أي تقدم تقني له جوانبه السلبية؛ لكن هذا لا يجعله بالضرورة سيئًا. يجب علينا أن نتحرك مع الزمن ونتكيف ونجد السعادة في ذلك.
● يقول إيميت غوين: «التصوير الفوتوغرافي هو وسيلة للتعامل مع أشياء يومية يعرفها الجميع، لكنهم لا ينتبهون إليها. صوري، مقصودٌ منها أن تمثّل شيئًا ما، أنت لا تراه». من وجهة نظرك، ما التصوير الفوتوغرافي؟
■ لم أسمع بهذا الاقتباس من قبل؛ لكني أتفق معه ١٠٠٪. أحب صور إيميت غوين؛ لأنه متفرد جدًّا وأعماله الفوتوغرافية جميلة وغريبة وشخصية جدًّا. أنا أوافق تمامًا مع ما قاله. كما أن نهجي في التصوير الفوتوغرافي وفي قصصي أن أُظهر الناس والأشياء التي غالبًا ما يتم تجاهلها؛ على الرغم من أنها على مرأى من الجميع.
الكاميرا ليست مرآة
● في مشروعك «حياة ساكنة» كنتِ تركزين على الهشاشة والهامش في الطبيعة، ما هدفكِ من ذلك المشروع؟ هل هو متعلق بأثر التغير المناخي في الطبيعة؟
■ مشروع «حياة ساكنة» جاء مصادفة. أنا منجذبة إلى التصوير الشخصي، تصوير المناظر الطبيعية و«الحياة ساكنة» مثل عضلة لم أستخدمها كثيرًا، واجهتُ كثيرًا من التحديات، أحاول أن أعثر على عناصر مُهملة من الطبيعة أو يُمكن أن تُفقد بسهولة وأجد الجمال فيها، على عكس ما أفعله مع التصوير الشخصي.
● معظم مشاريعك تتعلق بالتصوير الشخصي، لماذا ذهبتِ إلى ذلك النوع من التصوير الفوتوغرافي؟ هل أردت توثيقًا أنثروبولوجيًّا للناس والمجتمعات حول العالم؟
■ هذا سؤال يسهل الإجابة عنه. وجدت أن أوجه الناس رائعة ومذهلة. لا أعتقد أن هناك شخصًا مملًّا أو وجهًا مملًّا في الخارج. أحاول أن ألتقط الجزء من الثانية الذي يُظهرُ الأشخاص كما هم في الواقع حيث أستطيع رؤية الضوء في دواخلهم.
● تقول دوروثي لانج: «الكاميرا أداة تعلم الناس كيف يرون بدون كاميرا»، بعد تجاربك، ما الكاميرا من وجهة نظرك؟
■ اقتباس جميل ومتبصّر لمصورة أحبها بشدة. عملها في التصوير الشخصي للمزارعين خلال حقبة الكساد العظيم في أميركا يعد عملًا أيقونيًّا ومؤثرًا جدًّا. باختصار، الكاميرا بالنسبة لي يفترض أن تكون نافذة ليست مرآة، إنها نافذة داخل روح شخص آخر؛ إن سمح لها بذلك.

التصوير في عالم متنوع
● بعد تجربتكِ في مشروع: «مملكة مكنونة: شعب المملكة العربية السعودية»، ما استنتاجاتك عن شعب المملكة؟
■ في كل مرة أتعرف فيها على أشخاص من ثقافات وبلدان مختلفة، أُصدمُ بمدى تشابهنا، وفي الوقت نفسه بمدى اختلافنا. أنا نمساوية نشأتُ على روح حس الدعابة الساخرة، وسررتُ أن هذا الحس المتشابه للتسلية والعبث في الثقافة السعودية. ضحكتُ كثيرًا مع الأشخاص الذين قابلتهم، كان أمرًا رائعًا. في أثناء ترحالي شعرنا بأمان لا يصدق، الأشخاص كانوا لطفاء وكرماء بأوقاتهم ومشاركتهم لقصصهم. الضيافة التي عشتها كانت مؤثرة، كنت أُدعى غالبًا لبيوت الناس لمقابلة عائلاتهم. وجدت أن تاريخ البلد جميل ورائع، أنا فخورة جدًّا لرؤية المملكة والتعرف على الأشخاص الذين التقيتهم.
● لديكِ تجربة في التقاط صور للحيوانات، بِمَ تشعرين في أثناء التقاطها؟
■ أحب الحيوانات والتقاط صور لها، إنها تجلب كثيرًا من البهجة إلي. نشأتُ في أرض زراعية وفيها كل أنواع الحيوانات من حولي. لا يختلف التقاط الصور للحيوانات عن التقاط الصور للأشخاص؛ إذ إن هناك مستوى معينًا من الثقة يتضمن عنصر عدم القدرة على التنبؤ.
● في مشروعك: «قوس الجوركا: من نيبال إلى الجيش البريطاني» التقطت صورًا شخصية لجنود متقاعدين. بعد تجربتكِ معهم، كيف ينظرون إلى الصراعات الماضية؟
■ بالنسبة لمشروع «الجوركا» أخذت صورًا جديدة للمجندين الشباب والمحاربين المتمرسين والجنود القدامى المتقاعدين. كانوا في مستويات مهنية مختلفة، المجندون الجدد كانوا حيويين وفضوليين؛ لكن قصص الجنود المتمرسين والمتقاعدين كانت مرعبة. هناك كثير من الصدمات المتراكمة. أعتقد أن الجنود يفرقون ويعزلون أنفسهم عما يفعلونه؛ لكن الصدمات تبقى في عقولهم وأجسادهم. أجريتُ محادثات عديدة حول الصراع الداخلي الذي يشعر به الجنود عندما يشهدون ويتواصلون مع المدنيين الذين يتعرضون للقصف والغزو والأذى. إنه أمر معقد جدًّا حتى بالنسبة لي أيضًا.
● زرتِ أفغانستان، هل يمكن أن تصفي تجربتكِ في ذلك البلد؟
■ كانت مفجعة! أفغانستان بلد تعرض للغزو مرات عدة عبر قرون، لم يُسمح له قط بتعزيز ثقافة أو تجربة السلام الدائم. الأضرار التي تعرض لها الشعب الأفغاني كانت مدمرة ومستمرة. الجوركا الذين صحبتهم هناك عبارة عن وحدات إرشادية من الشرطة، وظيفتها التدريس في الشرطة الوطنية الأفغانية. وجدت ذلك الاحتلال الذي استمر لعشرين عامًا بغيضًا. شجاعة بعض الأشخاص الذين التقيتهم منهم ضابطتان في الشرطة الأفغانية، كانت مذهلة.
كاميرا محايدة
● اليوم نشهدُ بعض الصراعات والأزمات حول العالم، من وجهة نظرك كيف يُمكن للمصور الفوتوغرافي أن يُبقي كاميراه على الحياد؟
■ لدي وجهة نظر معقدة حول تصوير الصراعات، غالبًا أشعر بالضيق عندما يستخدم المصورون صور القتلى أو الجرحى بدون الحصول على إذن من الأشخاص المعنيين أو عائلاتهم؛ لكنني أدركُ أن هذا دائمًا ليس سهلًا الحصول عليه. من ناحية أخرى، أعتقد أن تصوير الصراعات مهم حتى يرى الناس الضرر الذي يقع بواسطة الساسة الذين انتخبوا. بعض الأحيان، الغضب الشعبي يُحدث فرقًا؛ ولا سيما في أيامنا هذه. بكل تأكيد، الصحافيون والمصورون اعتادوا أن يكونوا محظورين في مناطق النزاعات، ويكونوا ظاهرين في ستراتهم الزرقاء؛ لكن في السنوات الأخيرة أصبحوا أنفسهم أهدافًا في مناطق النزاع، وهذا أمر مقلق للغاية. من ناحية الموضوعية، من المستحيل أن تكون محايدًا عندما تواجه المعاناة؛ لكن من وجهة نظري، من الضروري توثيق وإظهار ما تراه من دون محاولة التلاعب بالواقع للتأثير في الجمهور.

صور ومصورون
● هل هناك كتب أو أفلام معينة توصين بها للمصورين الفوتوغرافيين؟
■ هناك فِلْم اسمه: «Looking for Light» (البحث عن ضوء) حول أسطورة التصوير الشخصي، المصورة الإنجليزية جين باون التي أحب صورها. أن تكون مصورًا فوتوغرافيًّا يعني أن تعمل بشكل منفرد؛ لذا أحب رؤية كيف يعمل المصورون الآخرون. بالنسبة للكتب، بعض الكتب التي ألهمتني في السنوات الأخيرة مثل كتاب: «Sleeping By the Mississippi» (نوم على ضفاف الميسيسبي) لأليك سوث أو كتاب سالي مان «What Remains» (ما تبقى). أيضًا، غالبًا أتعمق في أعمال روبرت كابا لأسلوبه في رؤية الوجوه. المصورون المتفردون دائمًا على راداري؛ ولا سيما في الشرق الأوسط الذين أنتجوا أعمالًا مثيرة للاهتمام في العقدين الماضيين مثل المصورين اللبنانيين: رانيا مطر، وسامر معضاد، والمصور الفلسطيني المذهل أحمد جادالله الذي رأيت أعماله لأول مرة في معرض صور الصحافة العالمية.
● هل تتذكرين أصعب صورة الْتَقَطْتِها؟ ما قصتُها؟
■ التقاط الصور صعب لأسباب كثيرة. هناك صور شخصية أردت التقاطها بشدة وبطريقة صحيحة؛ لكن ظروف الإضاءة كانت سيئة جدًّا؛ لذا كنت أرتجل إلى حد بعيد. التقاط بعض الصور يكون صعبًا؛ لأن ما توجه إليه الكاميرا يؤلم القلب وأحيانًا يكون ذلك الشيء المؤلم مجرد عاطفة عابرة في وجه شخص ما.
من الناحية اللوجستية، أصعب الصور كانت الصور الجوية، تلك الصور مع الجوركا، ومع وحدات مكافحة الإرهاب النمساوية في أثناء تحليقنا بالهليكوبتر، أو في أثناء القفز بالمظلات. أكره الطيران وأخشى المرتفعات، وعلى الرغم من ذلك قمت بإكمالها من أجل القيام بعملي فحسب. لو أمكن، لن أسمح لأي شخص برؤية توتري، كانت تجربة غير مريحة.
● ما كلمتك الأخيرة في هذا اللقاء؟
■ شكرًا جزيلًا؛ لأنك اطلعت على عملي ولأنك سألتني هذه الأسئلة المعرفية الرصينة.
بواسطة عماد أبو صالح - شاعر مصري | مايو 1, 2024 | مقالات
شاعرٌ شاب، وشاعرٌ كبير
الأول يدرس الثاني ليتخطاه. الثاني يفتِّش في الأول عن دم جديد لأشعاره. شحنةُ ديناميت، مع أقل حَكَّة ستنفجر.
* * *

آرثور رامبو
أرسل آرثور رامبو، حين كان في السابعة عشرة لا يزال (كاذب، يقول كونديرا، خمس عشرة وسبعة أشهر) قصائد إلى تيودور دي بانفيل، لنشرها في مجلة «البرناس المعاصر». أرفق معها رسالة توسُّل أو تذلُّل: «أنا مغمور، لكن ذلك لا يهم، فالشعراء إخوة. أستاذي العزيز، ساعدني، ارفعني قليلًا، أنا شاب، مُدَّ لي يدَك». احتفى بانفيل بالشاعر الصغير الذي «مسَّته ربة الشعر بإصبعها». نشر أشعاره، رحب به في باريس، وأطلق عليه أشهر ألقابه: الرائي.
بعد سنة واحدة، ثأر رامبو من يد بانفيل التي امتدت لمساعدته؛ قطعها. لم يغفر لنفسه الرسالة التي استعطفه بها في لحظة ضعف. لم ينس أنه أضاف لعمره سبعة عشر شهرًا زورًا؛ لئلا يبدو في عينيه طفلًا. المراهق الطائش، انتقم من الوقور المحافظ، بعد أن صار واثق الخطى، «يفرط القوافي من جيبي بنطلونه المثقوبين أثناء تجواله». في قصيدته «ما يقال للشاعر عن الأزهار» يعطيه درسًا قاسيًا في طريقة كتابة الشعر. يقلب الأدوار، ويعلِّمه. يسخر من الزنابق التي تملأ قصائده، ويدعوه إلى الكتابة عن البطاطس. لم يعد يرى في الأستاذ العزيز سوى عجوز حقير، و«أحمق مُعتَّق».
قسوة، أم سُنَّة الحياة؟
الحقيقة أن القسوة سُنَّة الحياة.
إن الزمن والتاريخ والشعر نفسه، لا رامبو فقط، ضد بانفيل. كان من أعظم شعراء عصره، ولا أحد يتذكره الآن. لا أحد يستشهد منه بقصيدة واحدة. على فترات متباعدة، يأتي باحث، ويزيح عنه التراب، ونقرأ اسمه في دراسة أكاديمية. كشاعر عظيم؟ لا، كخادم لعبقرية رامبو. صار مجده كله محصورًا فيما كاله له من شتائم. لا يمكنه حتى، هناك في قبره، أن يعترض، أن يعاتب، أن يطلب فرصة أخيرة ليدافع عن قصائده، أو ليصحح ما بها من خلل، لو كان فيها أيُّ خلل. مُدان بتهمة الشعر إلى الأبد. لن ينال العفو يومًا من قضاة محكمة السنين. لكن هل سيظل رامبو، وهو عظيم بلا شك، منتصرًا إلى النهاية؟ لا أظن، سيأتي دوره. سينزل من القمة في أزمنة قادمة. سيتراجع إلى الخلف، ويتقدم آخرون. سيزيحونه، أو يسفِّهونه. ربما يؤول تمامًا إلى النسيان، أو يكون محظوظًا ونتذكره بسطر أو سطرين؛ مسألة وقت.
ويا له من رعب!
إن أيَّ شاعر، مهما كان عظيمًا في زمنه، لا يمكنه أن يتنبأ بمصيره في المستقبل. ربة الشعر لا قلب لها ولا قانون. غدَّارة. تقدم أبناءها قرابين. يتهيأ لي أنها في لعبة مصالح دائمة مع الزمن: هي تضمن خلودها بخلق شعراء عظام، وهو يضمن أبديَّته بمحوهم.
* * *

قسطنطين كفافيس
اشتكى الشاعر الشاب أفيمينوس لقسطنطين كفافيس من أنه لم يكتب طوال سنتين إلا قصيدة واحدة: «واحسرتاه!.. أرى سُلَّم الشعر عاليًا… عاليًا جدًّا أراه». كفافيس قال له: «هذا الكلام تجديف غير لائق… إن كنت عند أولى الدرجات، فيجدر بك أن تفخر بذلك وتسعد».
حنانُ شاعرٍ كبيرٍ على صغير مبتدئ؟ تشجيع؟
لا، خبث.
يريد أن يستمتع بمجده، وحيدًا في الأعالي، وهو يرى قدمه تتعثر كلما حاول الصعود.
* * *
شتمني شعراء شباب في أمسية. أجسادهم قوية وأصواتهم صاخبة، وأنا عجوز متهالك، أسمع صوتي بصعوبة حين تخرج كلماتي من فمي. صرخوا فيَّ: «أنت الماضي، نشمُّ رائحة تراب في قصائدك، إننا المستقبل». على رغم الجرح، لم أحقد عليهم. ربما كنتُ أشرس منهم في شبابي. صغار. لا يعرفون أن كل جديد يبلى، وكل حديث يصير قديمًا بعد سنة أو سنين. ليس صعبًا أن تلحق ما سيجيء، الأصعب أن تمسك ما فات. روحوا وتعالوا، أنهكوا أقدامكم في المشي، وستعودون لي هنا في نهاية المطاف، هنا في المدفن العظيم للزمن. الفرق الوحيد بيني وبينكم، هو أن قبري قديم، وقبوركم جديدة.