بيننا: ملاحظة أمي

بيننا: ملاحظة أمي

كنت في الثالثة عشرة من عمري عندما بُتِرَت ساق جدي، من فوق الركبة. عدوى كما قالوا. شيء ما مقرف ينتشر في أنحاء جسده. سافرت أنا وأمي تسع ساعات إلى كارولينا الجنوبية لنتأكد أن شجرة البلوط العتيقة يمكنها أن تظل صامدة بعد فقدانها أحد فروعها.

لا أتذكر الطريق إلى المستشفى، أو المستشفى ذاتها، لكن أتذكره وهو نائم، مستلق على ظهره بعد الجراحة وأمي تتحدث إلى الطبيب (أو ربما كانت الممرضة) حول تضميد الجرح. كومة من الشاش كما لو كان قاعدة ما تبقى من ساقه. أصبح الآن خاملًا بلا قدم، مُصمم من كومة من القطن. تحول جدي إلى شخص آخر، شخص ما لن أعرفه أبدًا؛ لأنه لن يغادر المستشفى مرة أخرى.

كنت في الثالثة عشرة من عمري عندما بترت ساق جدي، أعلى الركبة. وفي الثالثة عشرة عندما مات. موته لم يمثل انتهاء حياته ولا حتى أحاسيس أمي حول والديها فقط -ماتت جدتي قبل ذلك بثلاث سنوات- لكن رحلتنا التي كنا نقوم بها مرتين كل عام إلى الجنوب قد تأثرت.

كان من المعتاد عند أمي كل جمعة، بعد خروجها من العمل مع أخي الأكبر ألين وأنا، أن أجهز الأمتعة التي تشمل حقائب قطيفة ومبردًا به عدد قليل من شطائر الديك الرومي المغطاة بورق ألمنيوم. ثم تعطي ألين قائمة من التعليمات حول ما يجب ألّا يُفعَل عندما نكون في الخارج، على الرغم من أنها كانت تعلم أنه لن يلتزم بكلمة واحدة مما قيل، لكنني أفترض أنها اكتشفت أن تمرده إبان غيابها كان أفضل بكثير من تذمره في حضورها الذي شمل أصواتًا غير مهذبة على كل كلمة تقريبًا وإلقاء اللوم علي في كل مشكلات حياته.

ألين يمر بمرحلة البلوغ، تلك مساحة كبيرة جدًّا لتقدر عليها أمي بمفردها. ناهيك أنه في هذه المرحلة انفصل والدي وكان عليها أن تفعل كل هذا وحدها.

في السيارة استمعنا إلى المذياع، أغانٍ قديمة، وانتظرت أمي لتسألنا السؤال نفسه الذي تسأله كل رحلة: «كيف عرفت هذه الكلمات؟ لم تكن قد ولدت عندما صدرت هذه الكلمات». أو «يا فتى.. ماذا تعرف عن الإغراءات؟ أو مارفن غاي(1) أو أريثافرانكلين»(2). كلماتها تلتصق بسقف فمي، تشاركني وقت فراغي، تنمو داخلي، تعبر أجيال ليصلني صداها ورنينها.

نتنقل بين استراحات حيث أحصل على الفول السوداني (M&Ms) أو محطات الوقود حيث نحمل ست علب من بسكويت زبدة الفول السوداني. تشير إليهم أمي قائلة: «مملوءة بالفول السوداني» ملائمين للأكل مع شطائر الديك الرومي بالطبع. في بعض الأحيان كانت تختار ورقة يانصيب؛ لأنها تعتقد أنها ستكون أكثر حظًّا خارج المدينة. وكلما حل عليها التعب وبدا أن الهدوء سيجعلها تنام، تفتح النافذة وتتحدث. كانت تعظ حول أهمية الأحلام والبحث عن الهدف والتأمل والطاقة.

تقول أشياء حول رغبتها في عيش حياة قائمة على أسس، حياة منظمة ومرحة في الوقت نفسه. هذه المحادثات شعرت أن عليها أن تقولها لي: طفلها، طفل لأن العائلة بأكملها رأت كيف أنها تشذ بأفكارها عن آرائهم المحافظة حول الله.

تقول: «هناك أشياء يجب أن تكون سرًّا بيننا».

تخبرني أمي بقصص عن نشأتها في مدينة بلا إشارات مرور مقامة على مئتي فدان، كانت مملوكة لجد.. جد.. جدها، الذي كان رجلًا حرًّا. كيف اختار اسم (يناير) لنفسه بعد التحرر، وأن لا أحد يعرف كيف حصل على تلك الأرض لكن صدقه الجميع بأنه ورثها عن العائلة التي كانت تمتلكه في السابق. بنى المنزل على هذه الأرض، غير أنه لم يعرف سوى نوعين من المنازل فقط: منازل العبيد(3) والبيت الكبير.

بناء مساكن للعبيد أمر غير معقول بالطبع؛ لذا بنى منزلًا يشبه منزل العائلة التي كانت تعتبره من أملاكها. يحرث التربة ويزرع الخضروات وأشجار الفاكهة. لديه خنازير ودجاج. تزوج وربى أطفالًا. واحد من هؤلاء الأطفال كان جون ويسلي الذي سيرث عن الجد مهاراته في الزراعة وهو الأمر الذي سيجعله مالكًا لتلك الأرض.

عندما كبر جون ويسلي تصادف أنه تبنى حفيده بشكل غير رسمي -الذي هو جدي- وتخلّت عنه أمه من أجل الحياة في الشمال. ربى جون ويسلي جدي كما لو كان ابنه، علمه كيف يحصد ويزرع، علمه قيمة العمل الجاد وقيمة العائلة.

حينما مات جون ويسلي ترك الأرض والمنزل في رعاية جدي، ذلك هو المكان الذي ولدت فيه أمي وكانت تعيش حتى بلغت العاشرة من عمرها. إنه المكان الذي تعلمت فيه قطف البازلاء والقطن ونتف ريش الدجاج. هذا هو المكان الذي تعلمت فيه -كطفلة وسطى- كيف تعتني بأخواتها الأكبر والأصغر سنًّا، الاستقلالية وتحمل المسؤولية، كانت بوصلتها حينما تتمرد الإخوة.

وهو المكان الذي تعلمت فيه أيضًا كيف تكون أسرة. تلك الأرض هي الأرض نفسها التي سوف نتوقف عندها أنا وأمي في منتصف الليل في ظلام كارولينا، تلك المدينة الريفية تغشى العين والبيت لم يعد هو نفسه. لقد احترق بعدما حزمت أمي وعماتي وأجدادي أمتعتهم وانتقلوا إلى واشنطن العاصمة للحصول على مزيد من الفرص في عام 1955م. جفت المزرعة بينما كانت عاصمة الأمة -مدينة الشوكولاتة- تشيد مترو أنفاق جديدًا وتحتاج إلى أيادٍ؛ لذا تغيرت الحياة ومن أجل النجاة كان علينا أن نعيش في مسكن بغرفة نوم واحدة من مساكن المشروعات. وبمجرد أن كبرت أمي وأخواتها وأنجبوا أطفالًا، عاد أجدادي إلى كارولينا الجنوبية -إلى الوطن- إلى أرضهم.

بنى جدي منزلًا جديدًا صغيرًا بيديه واستخدم اليدين نفسيهما ليوقظ التربة، فنبت الكرنب، الخردل، اللفت والملفوف ونبت البطيخ، الكانتلوب، الطماطم والفول. قبل أن يكبر ألين بما يكفي ليبقى في المنزل بمفرده -وقبل الطلاق- كنا نأتي كل صيف كعائلة. يأخذ أبي العجلة وأنا وألين في المقعد الخلفي نتبادل الضربات بالمرفق. لقد خضنا أولى جولاتنا والغبار في كل مكان، أول مرة نتذوق فيها سنجاب برصاصة في لحمه.

كنا نتعرف إلى أبناء عمومتنا، دربنا آذاننا على فك رموزها، والأهم من ذلك أننا عرفنا جانبًا من شخصية جدي لم نكن نعرفه قط. عرفنا فقط رجل المدينة، لكن أسفل في الجنوب عرفناه فلاحًا. العملاق الذي يمشي بين الصفوف، يرش البذور ويقود الجرار. الرجل الذي يكسر البطيخ على الأرض وينتزع قلبها ويمرره لأخي وأنا كعشاء مقدس.

تجرفنا عاطفتنا إليه، عاطفة مختلفة لكن الحنان كله واحد. لم يكن الشخص الذي يحب الأحضان والقبلات غير أنه حريص دائمًا على شكر أطفاله وأحفاده لمجيئهم لرؤيته. كان دائمًا يقول: «أعلم أنكم مشغولون بحياتكم الخاصة ولستم مضطرين للتفكير في وفي حياة أمكم هنا».

تجيب أمي: «أنت أبي وقد ربيتنا على أن نضع العائلة في المقام الأول». ثم يسحب من محفظته خمسة دولارات ويضعها في يدي كما لو كانوا سبيكة ذهب ويقول: «اقتسم هذا مع أخيك». وعندما أتذمر من مدى سخافة هذا لأنني سأدفع نصف نصيبي على (M&Ms) بالفول السوداني في عودتي للمنزل، كان يقول: «لا يهم، أنتم إخوة وعائلة واحدة».

كنت في السابعة عشرة من عمري عندما شُخِّصَت والدتي بالإصابة بالسرطان في المثانة. اكتشفنا ذلك مبكرًا بعض الشيء كما قالوا. أخذت عينة منها قبل أن تخبرني بذلك، لكن عندما فعلت ذلك -وهي تجلس على طاولة المطبخ- استطعت أن أرى علامات الخياطة. استطعت كذلك أن أرى الخوف في عينيها.

قالت: «لا تقلق، سأقوم بذلك لأنني أريد أن أراكم وأنتم تتقدمون في حياتكم، أنا لن أذهب إلى أي مكان قبل أن أطمئن إلى ذلك»؛ لذا دخلت مرحلة البلوغ بغشم، بدون تسامح أو رحمة. أكافح للعمل إضافة لمحاضرات الكلية، كان عملًا مملًّا لكنه مدفوع الأجر، ثم أذهب إلى المستشفى للاطمئنان على والدتي التي كانت بين الجراحة والعلاج الكيميائي والإشعاعي.

لا أتذكر الرحلة اليومية إلى المستشفى وبصراحة لا أتذكر المستشفى أيضًا، لكنني أتذكر رأسها مرفوعًا فوق أفق من الملاءات البيضاء، جلدها شاحب ومتشقق، أنابيب، تصفير وبقعة رطوبة دائمًا في زوايا عينيها. كانت تضغط على يدي وتومئ برأسها لتجعلني أعرف أنها تعلم أنني بجوارها.

عندما أغادر المستشفى أعود إلى جحري الساخن في المسكن حيث أكتب لساعات. تلك الكلمات التي تربيت على سماعها، مغنو الراب والمغنون العاطفيون تحولوا بمعجزة ما إلى محبة الشعر؛ لذا كل لحظة لا أكون فيها في الصف أو العمل أو المستشفى، أكتب بحسن نية بعض الخرابيش المليئة بالتفوق الأخلاقي لتكون مقروءة بصوت عال عبر مذياع مفتوح. أضحت تلك الخرابيش شغفًا وعلاجًا في آن. من ناحية توسع الثقب الذي أرى منه العالم، ومن ناحية أخرى هي مرهم لجروحي.

أنظر إلى الماضي الآن وأتساءل: إلى أي مدى كانت لتلك الكتابة علاقة بالتعقيدات العائلية، وإلى أي مدى كانت معاناة أخي -آفة المراهقة- المحفز الطبيعي للنمو، ناهيك على أن تنمو كشخص أسود؟ في كل الحالات وإذا كان صحيحًا أن جوهرك الحقيقي هو ما تفعله طوال الوقت؛ لذا مع مرور الوقت تبلورت مسألة الكتابة وبدأت تترسخ. وكما فعلت الكتابة فعل السرطان مع أمي، وبدأت الحياة تنساب من بين يدي شيئًا فشيئًا.

أتذكر أن الطبيب شرح لي الطبقات التي تغطي جرح أمي. هناك أشياء استأصلت منها، أجزاء فيها لم تعد موجودة. لقد تحولت إلى شخص آخر، لكنها نجحت وهذا ما أعطاني إذنًا بالمغادرة.

تخرجت. وحزمت ملابسي في كيس قمامة وقفزت إلى (يوهول)(4) مع جاسون رفيقي في الكلية، وتوجهت إلى نيويورك لأطارد حلمي في أن أكون كاتبًا، كما يتوهم كل القادمين إلى العاصمة. سأخبرك بتفاصيل المرتبة التي على الأرض والأربعين كأسًا من البيرة للعشاء. القول الأكثر أهمية: إنني خلال ستة أشهر في بروكلين حصلت على وكيل أدبي، وهو الأمر الذي شعرت معه كما لو كنت حذرت الأرقام الصحيحة وكسبت الرهان. مثلما تقول أمي دائمًا: إن اليانصيب خارج المدينة أكثر حظًّا.

الكلام عن الحظ.. كنت في الثانية والعشرين.

كنت في الثانية والعشرين من عمري عندما دخلت أمي المستشفى مرة أخرى. وهذه المرة بسبب القيء وآلام في البطن؛ بسبب العمليات الجراحية السابقة التي كانت ضرورية لإزالة السرطان والقطع المستمر في بطنها، تشكلت كمية هائلة من الندبات الناتجة عن أنسجة ميتة ولُفت بطريقة ما حول أمعائها الدقيقة، فكانت تشكها وتمنع مرور كل شيء عبرها. لتصحيح ذلك يعني المخاطرة بحياتها. عملية جراحية مدتها 12 ساعة حيث أي خطأ ممكن أن يثقب الأمعاء ويؤدي تسمم الدم إلى حدوث عدوى. هي، وفقًا للأطباء، لن تنجو. صعدتُ إلى جريهاند في سلطة الميناء واستقللت رحلة لمدة أربع ساعات ونصف من مدينة نيويورك إلى العاصمة لضمان أن شجرة بلوط العائلة يمكن أن تتحمل بعد فقدان أجزاء من لحائها.

لم تشبه هذه الرحلة رحلاتنا إلى الجنوب حينما كنت أصغر. ليست هناك شطائر الديك الرومي ولا (M&Ms) ولا تسالٍ، حلت سماعات الرأس مكان سماعات السيارة، يخرج منها أغاني سام كوك(5). وكان هناك رجل يجلس بجواري يشغل حيزًا أكبر من المفترض له بكثير، مساحة أكبر حتى من المساحة التي يشغلها ألين، إضافة إلى رضيع يبكي. أيضًا كان الحمام يحتوي على موسوعة من الفضلات متناثرة عبر أسطحه. شخص ما كان مريضًا. لم تكن هناك قصص تُروى، فحكيتها لنفسي. قلت لنفسي حكايات حول رغبتي في الوصول إلى تلك المكانة. كيف أنني حفيت من مدينة لأخرى، من مسرح لآخر، من شاعر متجول مرتبك يمشي في طريق شائك، والآن بدأ المشوار يؤتي ثماره.

انظر.. بينما كنت مع أمي في اليوم السابق للجراحة، لم أكن أخطط للبقاء أبدًا. كانت الرحلة متقلبة. تحول سريع؛ لأن يوم الجراحة كان اليوم نفسه الذي وقعت فيه أول عقد للنشر. اليوم الذي كان فيه حلمي يتحقق.

كنت في الثانية والعشرين عندما وجدت نفسي.

لا أتذكر الكثير عن الليلة السابقة، حول النزول من الحافلة أو من صحبني من المحطة. لا أتذكر حتى كيف وصلت إلى المستشفى في صباح اليوم التالي. ربما ركبت معها. ربما كانت والدتي هناك بالفعل وركبت مع عمتي. ما أتذكره هو بعدما أعد الأطباء والدتي للجراحة، بالضبط قبل أن يأخذوها إلى أسفل لغرفة العمليات. تمكنت من الوقوف بجانب سريرها. وجهها عارٍ من الأقراط الذهبية التي كانت ترتديها كل يوم وكذلك أحمر الشفاه. «أمي.. أريد أن أكون هنا، لكن اليوم هو اليوم الذي سأوقع فيه أول عقد لي. هذا ما عملت لأجله. الأولاد السود لا يحصلون على هذا النوع من العروض في كثير من الأحيان. هذا هو ما أردته.. حلمي»، هذا ما قلته وأنا أروج لفكرة نجاحي.

أومأت برأسها وأخبرتني أن أقوم بما عليّ فعله. قَبلتها على جبينها وذهبت. في الثانية والعشرين من عمري تركت والدتي في عملية جراحية قاتلة لأتمكن من فعل ما عليّ فعله بعد يوم أو أسبوع أو حتى بعد شهر. لكنني فكرت في كيف أنني لم أر قط الكتاب السود يكبرون، لم يحدث ذلك كثيرًا، وإذا لم أستغل هذه الفرصة الآن ستضيع مني، ولن أتمكن أبدًا من رؤية كيف سأكون أو كيف سأصبح. بدلًا مما عرفته بالفعل.

أنا الآن في السادسة والثلاثين.

لم نتحدث أنا وأمي عن تعقيدات تلك الجراحة، وكلما سألت عنها تتهرب من التحدث عن ذلك، لكنني أعرف ماذا حدث. أعرف أن الأمور غير مستقرة وكانت هناك لحظات حياتها على المحك، لكنها تجاوزتها مرة أخرى. واليوم وأنا أكتب ذلك، تبلغ هي الخامسة والسبعين من العمر.

هذا الصباح قبل جلوسي على جهاز الكمبيوتر الخاص بي، ناديت عليها. تحدثنا عن مدى فخرنا ببعضنا ببعض، وكيف أن حياتنا معًا لم تكن أقلّ من كونها معجزة. أخبرتها أنني كنت أعمل على هذا المقال، وحول العار الذي حملته لأكثر من عقد. كان ثقيلًا عليّ كحجر في بطني، أجره خلفي كما لو كان ذيل طويل، عدوى، شيء مقرف ينتشر في جميع أنحاء جسدي. قالت:

– كان هذا قبل زمن طويل.

– أعلم لكن في بعض الأحيان ما زلت أشعر بذلك.

– يا طفلي، عليك أن تسامح نفسك.

واستطردت بأنها ربتني لأحصل على ما أريد؛ لأكون ما أرادت أن أكون. لنعيش معًا حياة مستقرة ذات معنى ونستمتع بها. وأردفت:

– لكن قبل كل شيء، علمتك مثلما علمني والدي، الأسرة أولًا.

– صحيح وهذا هو سبب…

– وقد فعلت ذلك كل يوم منذ ذلك الحين. لماذا تخجل مما كفرت عنه؟

مرة أخرى، كانت البوصلة المستقلة التي يمكن الاعتماد عليها لمعرفة الأمام الحقيقي. وفي تلك اللحظة. في هذه اللحظة؛ أدركت أنني قد خمشت هذا الغلاف الرقيق للشعور بالعار والأنانية، ولكن إذا كانت أمي مُحِقّة، الحكة لم تعد ناتجة عن عدوى، إنها قادمة من حقيقة أنني لم أزل الضمادة من على الجرح قط. سألت:

– هل فهمت ما قلته لك يا ابني؟

– أعتقد ذلك.

– حسنًا، دعني أوضح لك. من المفترض أن تبقى بعض الأشياء بيننا، لكن هذه ليست واحدة منهم.

تحدثنا لبضع دقائق أخرى بين البكاء والضحك حتى اضطررت للذهاب أخيرًا.

– عيد ميلاد سعيد يا أمي.

– شكرًا يا طفلي وشكرًا على مناداتي، أعرف أنك مشغول بحياتك ولست مضطرًا للتفكير بشأني؛ لذا أنا ممتنة دائمًا حينما تفعل.

– بالطبع.

وابتسمت.

– فأنتِ أمي.


المصدر: كتاب «you are your best thing» وهو عبارة عن 20 مقالة لكتاب سود مختلفين، كُرست لفهم وتفكيك مفهوم الضعف والعار والمرونة. ويستكشفون تجربة السود مع الشعور بالعار والمرونة التي عليهم التحلي بها والضعف المصاحب. إنهم يؤطرون القضايا من خلال مجموعة متنوعة من العدسات، بما في ذلك المرض العقلي، والذكورة، والدين، والإعاقة، والإدمان، والهوية الشاذة، والأوساط الأكاديمية، والحزن. والكتاب من تقديم وتجميع تارانا بورك ناشطة أميركية، وبرينيه براون، محاضرة ومؤلفة وناشطة.


هوامش:

(*) جيسون رينولدز (من مواليد 6 ديسمبر 1983) شاعر وروائي أمريكي، فاز بميدالية كارنجي. واختير رينولدز كسفير وطني لمكتبة الكونغرس لأدب الشباب في يناير 2020، وحصد العديد من الجوائز المقدرة.

(1) مارفين غاي: ‏ هو مغنٍّ أميركي وكاتب أغانٍ وموسيقي من أصول أفريقية، وقد سيطر لأكثر من عقدين على ساحة الغناء الأفريقي في أميركا.

(2) أريثا لويز فرانكلين: ‏مغنية وكاتبة أغانٍ وممثلة وعازفة بيانو وناشطة حقوقية أميركية. بدأت فرانكلين حياتها المهنية عندما كانت طفلة بغناء الترانيم الإنجيلية في كنسية نيو بيثيل المعمدانية في ديترويت، ميتشيغان حيث عمل والدها س. إل. فرانكلين قسيسًا.

(3) في النص الأصلي slave quarters كبائن مطلية بالطين لمنع تيارات الهواء والأمطار وغالبًا ما تحتوي على مداخن خشبية خارجية مصنوعة من أعواد مغطاة بالطين، حجمان من الكبائن المستخدمة للرقيق، صغيرة مكونة من غرفة واحدة و «نوع مزدوج» أكبر لعائلتين، كانت معظم أماكن المعيشة سيئة البناء، ووصفها أحد المراقبين الذي زار ماونت فيرنون عام 1797 بأنها «بائسة». وأوضح الزائر: «دخلنا أحد أكواخ السود.. ينام الزوج والزوجة على منصة نقالة، والأطفال على الأرض؛ مدفأة سيئة للغاية، وبعض أدوات الطهي، ولكن في وسط هذا بعض الكؤوس وإبريق الشاي» تم هدم هذه الأحياء في نهاية المطاف في تسعينيات القرن التاسع عشر.

(4) U-Haul: هي شركة أميركية لتأجير الشاحنات والمقطورات والمخازن، ومقرها فينيكس، أريزونا.

(5) صامويل كوك، ويشتهر بالاسم الفني سام كوك هو مطرب أميركي تخصص في موسيقا الغوسبل وريذم أند بلوز والسول والبوب الشهيرة، وقد عمل شاعرًا غنائيًّا ومقاولاً. ويعتبر من رواد موسيقا السول ومؤسسيها.

تأويل السُّلّم نصوص

تأويل السُّلّم

نصوص

اللانهائي

يجسد السلّمُ، في حالي الصعود والنزول، فكرة اللانهائي، وينبثق عنها

إنه لحظة الممكن، بين جناحي المستحيل:

لا نهائية الصعود تواجه لا نهائية النزول، تحاكيها وتعاكسها لتحكي عنها

صعودُ السلّم يجد متخيّله في نزوله

نزولُ السلّم يجد متخيّله في صعوده

كلُّ سلّم مرآة

وكلُّ صعود أو نزول ذهابٌ لا نهائي في جوهر المرآة.

السلّمُ جسرٌ بين الهنا والهناك، حيث الهناك لا تُرى، في حالي الصعود والنزول، ولا يمكن الوصولُ إليها، نقطة مستحيلة في جغرافيا الحلم والوهم والتحسّب والمستحيل، تتحقّق مع أبعد فكرة تنوس فيها شعلة العقل وتُلقي ضوءًا شحيحًا على العالم، في الدواخل القصية للنفس الإنسانية، المرتفعة منها والمنخفضة على السواء، وفي خوارج هذه النفس، حيث تبدأ فكرتا الصعود والنزول ولا تنتهيان، وحيث يكون الطموح في الاكتشاف لا نهائيًّا، اكتشاف الأعالي والأسافل وما تخبئان.

نهايةُ السلّم توجد أبدًا في العقل، في دورة التصور والخيال.

كلّ سلّم نراه ونستعمله مقتطعٌ من سُلّم أول، فريد، لا نهاية لحديه، يواصل امتداده، في كلِّ وقت، في جهتي العالم، العليا والسفلى.

السلالم، كلُّها، تتكتم على حنينها لروح السُّلّم الأول الذي لم يتخل عن نشدانه المزدوج: صعودًا نزولًا لا نهائيين.

فكرة اللانهائي تقود السُّلّم، على نحو دائم، للتيه والذوبان في استقامة الزمن.

الصعود، ذلك الفعل الجوهري الذي يؤاخي هبوطًا جوهريًّا هو الآخر، فعلان متوافقان في إتقان مربك، ليس سطحيًّا فحسب، بل عميق في توغله في فكرة الزمان المستمر بلا التفات، والمليء مع ذلك بالارتجاعات والالتفاتات.

طبيعة السُّلّم تجعله، بطريقة أو بأخرى، صلبًا ولينًا، ثابتًا ومتحرّكًا، صاعدًا ونازلًا، ليس له أمام وخلف، كل ما يكون على درجاته يغادر الأمام والخلف ويكون في جهة ثالثة، مجردة وجوهرية، تحيا في صلب مطلقها الذي يتخلق من التسلسل غير النهائي للدرجات.

عند هذه النقطة يحين القول: السُّلّم لولبٌ معتدلٌ ينشأ في فراغ ويجعل له قيمة من استمراره الصارم، إن الضبط الهندسي في السُّلّم مدعاة للتفكير في مساحة الرعب التي ينشأ فيها، رعب بارد ينبثق من قوة الشكل الجداري ويقيم علاقة وطيدة معه.

السُّلّم نسق يتجسد في فضاء العمارة مثل شجرة منحنية على نهر.

الشجرة المنحنية: سُلّم.

السُّلّم يأتي بالشجرة والنهر، بالحفيف والزقزقة والخرير، إلى قلب العمارة المصمت الكتوم. درس لا نهائي في العلاقة الفريدة التي يُقيمها السُّلّم مع كل ما ينبثق عنه ويؤدي إليه.

استقبلتُ صديقةً مهاجرة

ذات شتاء، استقبلتُ صديقةً مهاجرةً

وقضينا نهارًا بصريًّا عذبًا، زرنا فيه بعضَ أماكنها الأولى:

إعداديتها العريقة المواجهة لرصيف الميناء، وشوارع فتوتها، حيث سيقان السبعينيات العارية والفساتين المزهرة ذات الكراكيش بعض من الذكرى، وتوجهنا إلى بيت الأسرة المقفل، منذ خمس وعشرين أو أكثر، لم تكن الأسرة قد حسمت أمره، فأوصدت الباب وأمنت المفتاح لدى الجيران، ولأن خمسًا وعشرين مرت، لم نتوصل إلى المفتاح بسهولة، لكننا فتحنا الباب، آخر الأمر، واستقبلتنا، على الفور، رائحة هواء محبوس.

كانت الصديقة المهاجرة تزداد صمتًا مع كل خطوة تخطوها داخل الغرف الخالية متآكلة الطلاء.

في زاوية البيت شبه المعتمة توقفتْ ونظرتْ إلى السُّلّم الحجري، ثم تقدّمتْ ببطء، كما لو كانت تحلم، جلستْ على أولى الدرجات، محاولةً أن تكتم بكاءها، لكنها لم تستطع حبس دموع نزلت في صمت.

دموع صديقتي جعلت كلَّ شيء مرئيًّا .

يأخذنا السُّلّم إلى ذكرياتنا البعيدة، صعودًا أو نزولًا، كما لا يفعل أيُّ مرفق آخر، في بيوتنا المهجورة.

سُلّمُ النهار والليل

ينهمك السُّلّم نهارًا في أفعال الصعود والنزول التي تخطها الأقدام على درجاته، أقدام فتية رشيقة سريعة النقلات، وأخرى كهلة متأنية، كلٌّ منها يترك بصمته فوق درجاته ويغيب في الأعلى والأسفل، ويبقى السُّلّم في وحدته الليلية النهارية، يفكر بما كان من حياة على درجاته، بالأقدام الصاعدة والنازلة، والأيدي الطليقة في فضائه، تحط أو تطير، وبظلال الأجساد، كلٌّ يغيب في نوعه وفي علامة وجوده، القدم في الخطوة، واليد في الإشارة، والظل في انكسار الكتل التي يلمسها الضوء

في هدأة الليل يهب السُّلّم نفسه لما يتبقّى من أصوات.

السُّلّم، في النهار، احتفال، وفي المساء، صدى متلاشٍ وفكرة آفلة.

متاهيّةُ السُّلّم

في كتاب الرموز يحضر السُّلّم بين أقدم الرموز مرة، وبين أحدثها مرة أخرى، ويظهر إلى جوار أشدها غرابة مرة، وأكثرها وضوحًا ومألوفيةً مرة أخرى، يُدهشني ذلك وأعود لتأمل تتابع الرموز من جديد والتفكير بموقع السُّلّم بينها، وأفكر، مع توالي الرموز، أن ليس للسُّلّم موقع واحد محدد ونهائي، وأن التعدد خصيصة سُلّميّة حاسمة، تمنحه موقعًا متصلًا منفصلًا في آنٍ، مع رموز الكتاب وعنها، وأفهم، ربما، أن وجوده الحافل المتكرر في الكتاب يمنحه فرصةً ليكون خارج التتابع المنتظم للرموز، وتلك أمثولة كلِّ واقعة مزدوجة المهام ثنائية الوظيفة والمعنى.

المرور من مستوى إلى آخر، ومن كينونة إلى أخرى، والوصول إلى مستوى وجودي جديد، يجعل من السُّلّم أداةً متاهيّةً، فالرمز الذي يُصعدنا إلى أعلى الطبقات يُنزلنا إلى أدناها، وتُسهم كلُّ وظيفة بين وظيفتيه، في نهاية الأمر، في بلبلة موقعه في كتاب الرموز، وتمنحه الحقّ في جملة ليس لها مثيل: «السُّلّم رمز لمحور العالم»، هكذا ندخل في نظام العالم المتاهي الذي تشكله الوظيفة الثنائية للرمز، إنه أداة الانتقال من الزيف إلى الحقيقة، ومن الحقيقة إلى الزيف، من الليل إلى النهار، ومن النهار إلى الليل، ومثلما تملك رمزية السُّلّم أن تجزّئ مقولاتها، يكون لكل واقعة سلالمها المنفصلة، لليل سلالمه وللنهار سلالمه، للحقيقة سلالمها وللزيف سلالمه.

الوسيلة المثلى للصعود، وسيلة مثلى للنزول، ذلك ما يقوله كتاب الرموز، وما لا يقوله أيضًا.

عينُ السُّلّم

للسلم عين بعيدة دقيقة لامعة كعين الطائر، تبادلك النظر، تدقّق فيك، لو نظرت إليها من أسفل السُّلّم أو من أعلاه، في الحالين تكون هناك ومن حولها يكرّر الجفن الحجري استداراته الحلزونية، في مدٍّ لا ينتهي، ودورة ليس لها اكتمال. عين السُّلّم تتراءى مشفوعةً أبدًا بسحرية المشهد وحلميّته، مأخوذةً بروحه الطقسية وهي تنعم النظر في الكائن الصاعد، أو النازل، في هذا العمق أو ذلك الارتفاع، تقول خطاه الكثير عن الجموع التي صعدت سلالم الزمان تحرسها العناصر في كلِّ عصر، ويقول ظله المرتسم على الجدار.

الحياة الأدبية للأشياء

الحياة الأدبية للأشياء

يجيز مثل هذا العنوان الانطلاق من السؤال التالي: كيف تكف الأشياءُ عن أن تكون مجرد موجودات؟ ونستقي الإجابة عنه من ميريام مراش-قورو، الكاتبة وأستاذة الأدب الفرنسي (عصر النهضة) بجامعة بَواتْياي، والمشرفة في المجلد الثالث والثلاثين (2021م) لمجلة «أعمال الأدب» على موضوع بعنوان «شاعرية الشيء»، مخصص لتفحص كيفية وصف الأشياء والأدوات بأنواعها وذكرها واستثمارها في النصوص الأدبية، منذ القرون الوسطى إلى الحقبة المعاصرة، ويضم أربعًا وعشرين مساهمة على امتداد 368 صفحة. تخبرنا ميريام في مقدمة هذا العمل الجماعي أن «الموجودات» لا تصبح «أشياء» إلا عندما «تدخل في علاقة مع شخص يعترف بفائدتها ويمنحها وجودًا وأهمية […] ومعنى» (ص 8). وفيما لا توجد الموجودات إلا لذاتها، فإن الأشياء توجد دومًا بالنسبة إلى شخص: «حينها، يمتلك الشيء معنى خارجًا عنه، في حين يقتصر معنى الموجود(ات) على ما هو/هي فيه» (ص 9).

وفي الحقيقة تحتل ميريام، بإشرافها على موضوع «شاعرية الشيء»، موقعًا وسطًا بين المشتغلين عليه، بإصدار أعمال مهمة عن وظيفة «الأشياء» في الأدب، مثل لوك فراس وآريك واسلار: «الأشياء المستبطنة في الأدب الأوربي» (2018م)، أو عن المعاني الرمزية للأشياء القديمة، بجعلها مرئية نابضة في النصوص الأدبية، مثل فرانسسكو أورلندو: «الأشياء القديمة في الخيال الأدبي» (2013م)؛ وبين المحتفين بتصورها (ميريام) لمحتوى المجلد، ومنهم إِيوليان توما في مقاله: «الحياة الأدبية للأشياء» (في العدد الثالث من المجلد 24 لمجلة فابولا، 2023م).

«الأشياء» من وجهة نظر الكُتاب والنقاد مبثوثة في النصوص الأدبية، غير أن تمثيلها لا يستنفذ حضورها الملغِز؛ فتهب الكتابة الواصفة لإخراج «الشيء» بوسائل شتى، مثل استعراض تاريخه وامتداحه (نذكر على سبيل المثال مقتنيات التاجر الوصولي في المقامة المضيرية لبديع الزمان الهمذاني). وتتنوع حيل النص لتمثيل واقع مادي يتفلت من محاولة الإحاطة به (مِن حيثُ إنّ الأدب ليس نقلًا فوتوغرافيًّا للواقع)؛ ومن ثم أضحى هم الأدباء والنقاد فهمَ كيفية تصوير النص الحضورَ المحيرَ للأشياء، النادرة أو المعتادة، الثمينة أو التافهة، إن بوصفها أو بالحكاية عنها.

ولإلقاء الضوء على المؤلف الموسوم بـ«شاعرية الشيء»، يمكن التوقف عند ثلاث مسائل:

نظام الكتاب

كان لا بد من حدوث حركة مزدوجة تتيح للدراسات الأدبية تمثيل الأشياء وجعلها أحد اهتماماتها الدائمة. فمن ناحية، لم يكف الأدب نفسه، منذ ريفيردي، وسيندرارز، وبريفرت، وبونج، وروب قريياي، وبيريك، عن المطالبة بمكانة جديدة للمصنوعات التي تملأ حياتنا اليومية. ومن ناحية أخرى، فإن تطور وصف الظواهر والتحليل النفسي، وكذلك اهتمام العلوم الاجتماعية المتنامي بالثقافة المادية، قد ولد جميعها إطارًا تصوريًّا وأدوات تحليلية غذت لاحقًا قراءة النصوص الأدبية. وهكذا، نشأ وعي، ليس فقط بالوظيفة (السردية والرمزية والنفسية والمرجعية) التي يمكن أن تؤديها الأشياء في العمل الفني، ولكن أيضًا بضرورة دراسة وجودها كعلامة على علاقة معينة بالواقع، وبتدبر معين للأشكال المادية الناتجة عن النشاط البشري.

فمنذ عشرين عامًا تقريبًا، انتشرت الأعمال المخصصة للحياة الأدبية للأشياء؛ وضمن هذا التوجه المتنامي، سعت ميريام مراش إلى تبين الأساليب التي تُصَوَّرُ من خلالها الأشياءُ والأدواتُ بجميع أنواعها واستحضارها واستغلالها في النصوص الأدبية. لقد وسعت في «مقدمتها» مفهوم الأدب، فلم تقصره على الأعمال ذات البُعد الجمالي، بل عَدَّتْ جودةَ «كل أثر (أدبي) تُستمد من اشتغاله كتوليفة تضم تقليدًا كتابيًّا، وتنقل معرفة عن العالَم في شكل تمثيل» (ص 11). وهكذا يتبين أن هذا التعريف لكلمة «أدب» أقرب إلى ما كان معروفًا في القرنين السادس عشر والسابع عشر منه إلى المعنى الحديث للمصطلح.

هذا الاختيار الإستراتيجي يفسر وجود ثلاثة نصوص في هذا العمل الجماعي لا تُعَدّ أدبية (بالمعنى الضيق للكلمة)، بل هي أعمال ذات طبيعة علمية أو مفاهيمية، نذكر منها «الأدوات الجراحية» في أطروحات أمبرواز باري لفيولين جياكوموتو– شارا؛ لذلك لن نصادف كشفًا لشعريةٍ ما، أي خطابًا حريصًا على استقلاليته، بقدر ما نجد تحليلًا للآليات التي تسمح للأثر بوضع نفسه في خدمة المرجعية أو الفكرة. ذاك هو المعيار الزمني الذي ارتضته ميريام مراش غورو لتنظيم هذه المجموعة من المقالات؛ من «بيراموس وثيسبي» (رواية مجهولة من القرن الثاني عشر) إلى أحدث أعمال إيمانويل هوكارد أو جان- فيليب توسان، مرورًا بالرواية الهزلية «سكارون» Scarron، و«أفكار» باسكال وأعمال فلوبير، وبريتون، وجيرودو، وبيكيت، وساروت. الإبداعات التي حُلِّلَتْ هي بأعداد كبيرة. وغالبًا ما يتناول المقال نفسه التعامل النصي مع «الشيء» من قبل العديد من المؤلفين، أو في نصوص عدة للكاتب نفسه؛ ويقف اتساع هذه المدونة وراء ثراء هذا المجلد وفائدته. لقد يسر التقابل والتقريب بين النصوص والمؤلفين والعصور فهْم الممارسات الأدبية، وهو ما جعل الأشياء «موصوفة، مقروءة، مثيرة للذكريات» (ص 11).

وفي رأينا، إن هذا الفهم لوظيفة الأشياء في النصوص لا يخرج عما تثبته آني آرنو في قولها: «ليست وظيفة الكتابة طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله لا يُنسى». ويبقى الإيغال في وصف الأشياء إلى حد تغليفها/ طمرها بالكلمات وسيلة لتعريتها وترسيخها في ذهن المتلقي، ولا تخلو العملية من مفارقة.

في الفرق بين الأشياء والموجودات

ذكرنا آنفًا أن «الموجودات» لا تصبح «أشياء» إلا عندما تدخل في علاقة مع شخص يعترف بفائدتها ويمنحها وجودًا وأهمية ومعنى. ونتيجة للتدخل البشري، يتحدد «الشيء» بمعناه أو بوظيفته (يصلح لـ…)؛ وخارج ذلك، يزداد مراوغة. يقول بيل براون، وهو مؤلف مقال مشهور (2001م) بعنوان «نظرية الشيء»: «نبدأ في مواجهة شيئية الأشياء عندما تتوقف عن العمل، أي عندما ينكسر المثقاب، عندما تتعطل السيارة». من هذا المنظور، يصبح الشيء خارجًا عن دائرة التعامل بمجرد أن تتغلب ماديته على وظيفته. لكن، من المؤكد أنه من «الإجحاف» أن نرى الأشياء أدواتٍ أو وسائلَ فقط؛ لتذكرنا ميريام مراش غورو بأنه من خلالها (الأشياء) يُعَبَّرُ عن «علاقة ما مع العالَم» (ص 8)، عن تفكير (فلسفي، أيديولوجي). هذه الفكرة هي في صميم التأملات التي أجراها مفكرون مثل بارت حول «الشيء» (في «سيميولوجيا الشيء»، ضمن محاضرة عام 1964م، وقد أعيد تناولها في «المغامرة السيميولوجية (1985م)، ومع بودريار (في «نظام الأشياء» (1968م)، أو حتى مع ف. داغونيه (في «امتداح الشيء» (1989م). وحديثًا، يندرج كتاب مارتا كارايون «كيف يتدبر الأدب الأشياء؟» ضمن التطور متعدد التخصصات للدراسات حول الثقافة المادية. ويبرز كتاب «النظرية الأدبية للثقافة المادية» (2020م)، من خلال مراجعة عدد من الأعمال الروائية، العلاقةَ التي حافظ عليها القرن التاسع عشر مع مصنوعاته وأدواته وآلاته.

ناتالي ساروت

توفر «الأشياء»، باشتمالها على دلالة تتعدى جوهرها المادي والغرض منها، إجابات لمن يسألها عن الثقافة التي هي جزء منها. إنها، من خلال انتقائها وتنضيدها وعددها، نية تتجلى و«رسالة» ورؤية للعالم.

ومع ذلك، لا بد من توضيح أن هذا التعريف السوسيولوجي لِـ «الشيء» لا ينطبق على مجمل الحقائق المذكورة في الدراسات المجمعة في المجلد. ويتميز بعضها، وبخاصةٍ ما تناول تمثيل الحيوانات وجسم الإنسان والنيازك، بديناميكيته الطاردة بالنسبة إلى التمشي المهيمن، من دون أن يبدو حضورها غير متناغم.

«الشيء» في النص

من أسئلة ميريام مراش: كيف يتوصل كاتب إلى «الاضطلاع بذاك الوصف الفائق لحضور الموجودات التي لا توصف؟» (ص 10)، وإلى «جعله صائدًا؟» (ص 12). بعبارة أخرى، كيف تندرج الأشياء في ثنايا النص؟ وبأي شعريات تساهم؟ إن الإجابات التي صِيغَتْ ضمن المجلد، مدعومة بقائمة مطنبة جدًّا من الطرائق، تكشف عن الغنى المذهل للأشكال التي يمكن أن يتخذها الإخراج الأدبي للشيء. وفي الواقع، جاء مجال الكمون والإمكانات واسعًا بشكل خاص: أشياء ذات وظيفة مجازية أو رمزية أو استعارية أو سردية، أشياء واصفة أو محاكية أو جمالية، أشياء هزلية أو أسطورية أو على هيئة تعويذات، أشياء تتكاثر وتتجاوب، أشياء غائبة، وأشياء فلسفية، وأشياء ذات قيمة تذكرية.

حتى إن بدت صيغ اندراج «الشيء» في النص لا تنضب، فإن جميعها يدور حول واحد من الثوابت الأربعة، التالية: الأثر نفسه (بنيته، حبكته، شخصياته، خُدَعه)؛ العالَم المرجعي (نمط تمثيل «الشيء» موضوع الدرس)؛ المؤلف (توجهاته، «فلسفته»)؛ القارئ (وهو في وضعية المسرود له، مناداته، نيات المؤلف تجاهه). ولم يغب أي من هذه المحاور الأساسية الأربعة في التحليلات المجمعة داخل المجلد. وإلى جانب الكثافة العالية للمدونة المكتشَفة، فإن هذا المسح الشامل للمستويات التي يرتكز عليها التمثيل الأدبي للأشياء يضع هذا المجلد في فئة الأبحاث غير المستغنى عنها، المنجَزة في هذا المجال.

وعندما تتحدد وظيفة «الشيء» الممثل بالنسبة إلى غرض داخلي، فيمكنها أن تكون -سردية أو درامية (بالمعنى الأصلي لـ«سير الأحداث»)- لنا مثال الحجاب الأبيض الملطخ بالدم، وقد أدى إلى انتحار «بيرام» في الرواية مجهولة الكاتب (من القرون الوسطى): «بيرام وثيسبي» التي حللتها أوريلي بار؛ وكذلك مثال الحذاء الذي يكشف لإلكترا في مسرحية جيرودو الحاملة الاسم نفسَه عن اغتيال أجاممنون، كما أوضحته فرانسواز بومبارد؛ أو أيضًا، وبعبارة كلير أوليفييه، «الجهاز السردي». (ص 279)، وهو وسيلة التخزين، في رواية «مفتاح» لجان فيليب توسان.

– نفسية: تشير «القبعة المضحكة» التي يضعها شارل (ص 179) في «مدام بوفاري» ضمنيًّا، كما يوضح جيامبيرو مارزي، إلى فكرها المحافظ؛ في حين تتماشى الكراسي المخملية للفتاة آنياس في «لابولون دي بيلاك» لجيرودو مع ترفقها (ص 245).

– رمزية: يكشف مستوى ثانٍ من القراءة النقابَ عن حجاب ثيسبي المخضب بالدم، بوصفه تمثيلًا لـ«فض بكارة عنيف» (ص 16).

– لَعبية أو جمالية: في ملحق «رحلة كوك» لجيرودو على سبيل المثال، «تدمر السخرية القيمة النفعية» (249) للمجرفة، بينما في «الخروج من المصنع» لفرانسوا بون، تتحول شاحنة البليت، وفقًا لتريفور دونوفان، مرة بعد مرة، من «شيء تقني إلى شيء جمالي» (ص 274).

عندما تكون قدرة الأدب على إعادة إنتاج الواقع من خلال «الشيء» محل إشكال، يطفو على السطح موقفان؛ يتمثل الأول في مطالبة «الشيء» بالمحافظة على «الإيهام المرجعي»، بعبارة ريفاتير. ويتجلى ذلك مثلًا، وفي قفزة كبيرة إلى الأدب المعاصر، من الرواية الأولى لفرانسوا بون، وهو مؤلف تشهد كتاباته على عودة نوع من الواقعية، مع الوعي بقسطها الخيالي، ما «يقربنا» (ص 273) من واقع الحياة في المصنع، بآلاته وأدواته؛ وبشكل مماثل، يندرج شعر إيمانويل هوكوارد، كما تذكر ماري كوندرات، ضمن نزعة حريصة على الموضوعية، تعمل على «تقليص الفجوة بين الشيء وتمثيله» (ص 333). وعلى النقيض من هذا، فإن الموقف الثاني يتمثل في إزالة قناع العبور عن «الشيء».

وهكذا ندرك أنه في مسرح جيرودو «لا يمكن اعتبار الأشياء المنتمية إلى حياة الشخوص تنازلًا عن الواقعية: إنها تعرفنا عليهم بطريقة غير مباشرة» (ص 247). وبالمثل، فإن «مفتاح» في رواية توسان، على الرغم من الدور المركزي الذي يبدو أن العنوان يحتفظ به له، لا يظهر إلا بعد نحو خمسين صفحة من الكتاب؛ وندرك عندما نقرأ أن وزنه داخل الحبكة مثير للسخرية عامة؛ فـ«ديتريز [الراوي] يستغل تفاهته (المفتاح) لخلق قصة خيالية» (ص 288)، وهي إستراتيجية تسمح لتوسان بحماية نفسه من الوهم/ الإيهام الواقعي.

في بعض الدراسات، يُركز على إدارة تمثيل الأشياء الموجه نحو الكاتب، من ذلك أن باسكال، في قراءة بيير ليرو، يدين غرور الأشياء، مثل «العود»، الآلة الموسيقية «التي لا تستحق الإدانة في حد ذاتها»، غير أنها، أخلاقيًّا، تحرض الإنسان على الانغماس في اللهو، مما قد «يبعده عن غايته» (ص117). ونختم بالقارئ، فعندما يُوَجَّهُ تصويرُ «الشيء» إلى ملكاته الإدراكية قبل كل شيء، فإنه يصبح كما في «خروج من المصنع»، هذا المسرود له «الموجه» عبر قصة المصنع بواسطة راوٍ- عامل متمرس (ص 271)، أو هذا الراصد الذي يدعو إليه شعر هوكارد، والذي يُقترح عليه ميثاق العبور الكامل.

على هذا النحو، يُعَدُّ المجلدُ الذي نسقته ميريام مراش غورو علامةً تدعو إلى تمثل جدول الأشكال التي يتهيأ للتعبير الأدبي عن العناصر المكونة للثقافة المادية أن يؤديها، وذلك من خلال العينات الكثيرة التي جرى تحليلها؛ وتتمثل ميزته الرئيسية في جعلنا نستشف الإمكانات الهائلة، ولكن أيضًا حدودَ قراءةٍ تعكف على تعامل الآثار الأدبية مع المصنوعات والأدوات والأجهزة التي تعمُر محيطنا.

كيفية التعامل مع المواد المصورة في البحث التاريخي

كيفية التعامل مع المواد المصورة في البحث التاريخي

المواد التاريخية هي أساس البحث التاريخي. بين مختلف المواد التاريخية، تُعَدّ الصور فئة خاصة ولها بعض القيود. أولًا وقبل كل شيء، هي ليست مثل المواد المكتوبة التي يمكن أن تنقُل نية المؤلف مباشرةً، ولا مثل المواد الفيزيائية التي يمكن أن توفر تحليلًا عامًّا لحرفية وتقنية الأعمال. ثانيًا، للصور طابع ذاتي. فاللوحات والمباني والصور وما إلى ذلك، جميعها مُنَظَّمة مِن الفنانين، تصميمها وخلفياتها ووضعيات الشخصيات جميعها مُصَمَّمة بطريقة اصطناعية وتحتاج إلى الكشف عنها. إضافة إلى ذلك، رعاة الأعمال الفنية لديهم أهدافهم وتفضيلاتهم الخاصة.

السؤال: إلى أي مدى يمكن استخدام المؤرخين الصورَ كمواد تاريخية في البحث المعاصر؟ وكيف يجب استخدامها؟ وكيف يمكن استخلاص الأدلة التاريخية من الصور؟

عانى بيتر بورك هذا السؤالَ لمدة طويلة. وهو يعتقد أنه يمكن تلخيصه في ثلاث نقاط:

أولًا، يمكن أن توفر الأعمال الفنية الواقعية دليلًا حول جوانب معينة من الواقع الاجتماعي، وهي جوانب عادة ما تُتجاهَل في النصوص. يمكن أن توفر دليلًا، على الأقل، عن أماكن وأوقات معينة، مثل أنشطة الصيد للمصريين القدماء.

ثانيًا، الأعمال الفنية غالبًا ما تفتقر إلى الواقعية؛ فهي لا تعكس فقط الحقائق الاجتماعية، بل تحرفها أيضًا. يخاطر المؤرخون الذين لا يأخذون في الحسبان الدوافع المختلفة للرسامين أو المصورين (ناهيك عن الدوافع لرعاة الفنانين وعملائهم) بالوقوع في أخطاء خطيرة.

ثالثًا، عملية تحريف الواقع نفسها أصبحت ظاهرة يدرسها كثيرون من المؤرخين. توفر الصور المادية أو السطحية دليلًا ممتازًا لـ«الصور» المعنوية أو المجازية للذات أو الآخرين(1).

لذلك، فإن الصورة هي نوع من المواد التاريخية غير الموثوقة وتمثّل صورة محرّفة، إلى حد ما. ومع ذلك، فإنها توفر دليلًا موثوقًا على مستوى آخر لتعويض هذا العيب، ويمكن للمؤرخين تحويل العقبات إلى ميزات.

نظرية بحث الأيقونات

دراسة الصور تطورت إلى تخصص في القرن العشرين، هو: علم الأيقونات. أَسّسه عالم التاريخ الفني والثقافي المشهور آبي واربورغ. وبالتالي تأسست «مدرسة واربورغ العالمية» المشهورة. في هذه المدرسة، قدم نظرية إيرفين بانوفسكي في علم الأيقونات تفسيرًا كاملًا، وعزز علم الأيقونات من طريقة بحث مساعدة إلى تخصص مستقل وناضج. حدد طبيعة علم الأيقونات بأنها تفسير شامل وثقافي وعلمي للمعنى الرمزي لنمط العمل الفني(1).

وتفسير أعمال الفن عن طريق الأيقونات يجب تقسيمه إلى ثلاثة مستويات: تفسير المعنى الطبيعي للصورة، اكتشاف وتفسير المعنى التقليدي للصور الفنية، تفسير المعنى الجوهري أو المحتوى للعمل. ناقش بانوفسكي الاختلاف بين علم الأيقونات (إقونولوجي) وعلم إقونوغرافي في الطبعة المنقحة من «دراسات في الأيقونات». وقال:

تأتي كلمة «-غرافي» في مصطلح « إقونوغرافي» من الفعل اليوناني «غرافين» الذي يعني «كتابة»، وتشير إلى طريقة وصفية وإحصائية. فإقونوغرافي تعني وصف وتصنيف الصور، وتوفير الأساس الضروري للشرح الأعمق، ولكنها في حد ذاتها لا تحاول تقديم تفسير لهذا الشرح. إنها تجمع الأدلة وتصنفها، ولكنها لا تعد نفسها ملزمة أو مؤهلة لاستكشاف أسباب وأهمية هذه الأدلة.

أما مصطلح الأيقونات (إقونولوجي) فيشير إلى طريقة التفسير التي لا تستخدم إقونوغرافي بشكل منفصل، ولكنها تجمعها مع الأساليب التاريخية والنفسية والنقدية وغيرها. «-غرافي» تعني نوعًا من الوصف، بينما «-لوجي» هي نوع من التفسير، الذي يأتي من «لوغوس» ويعني التفكير والعقل. لذلك، في رأي بانوفسكي، تُعَدّ الأيقونات (إقونولوجي) نوعًا من إقونوغرافي لها وظيفة تفسيرية. ويجب ألا يقتصر دورها على الدراسات الإحصائية في المرحلة الأولية، بل ينبغي أن تصبح جزءًا لا يتجزأ من البحث الفني(3).

يعتقد بانوفسكي أن تفسير الأعمال الفنية يمكن تقسيمه إلى ثلاثة مستويات. في المستوى الأول، يكون موضوع التفسير هو الموضوع الطبيعي، الذي يسميه وصف الإقونوغرافي الأولي. للوصول إلى تفسير صحيح في هذا المستوى، يجب على المترجم أن يمتلك خبرة عملية، أي معرفة بالكائن والحدث، التي يشاركها الناس في دائرة ثقافية معينة. ومع ذلك، يجب التحكم في ملاحظاته بفهم صحيح لتاريخ الأسلوب، أي فهم صحيح لطرق تمثيل الكائنات والأحداث باستخدام أشكال مختلفة في ظروف تاريخية مختلفة. يتناول المستوى الثاني من التفسير، الذي يسمى تحليل الإقونوغرافي، الموضوعات التقليدية، التي تشكل عالم الصور والقصص والرموز. المعرفة اللازمة للمترجم هي المعرفة الأدبية، التي تجعله على دراية بالموضوعات والمفاهيم المحددة. يجري التحكم في ملحوظات المترجم بالعوامل التالية: التحكم في طرق استخدام الكائنات والأحداث للتعبير عن موضوعات ومفاهيم محددة في ظروف تاريخية مختلفة. يتناول المستوى الثالث من التفسير، الذي يسمى الإقونوغرافي بمعنى أعمق أو تحليل الأيقونات، المعنى الداخلي أو المحتوى للأعمال الفنية. المعرفة اللازمة للمترجم في هذا المستوى هي فهم الاتجاهات الأساسية للنفس البشرية، والتحكم في تفسيره هو فهم طرق التعبير عن الاتجاهات الأساسية للنفس البشرية من خلال موضوعات ومفاهيم محددة في ظروف تاريخية مختلفة.

أهمية التجربة والمعرفة

عند استخدام أساليب الأيقونات لتفسير الثقافة، تحتاج أولًا إلى وجود المعرفة الأساسية المسبقة، ولهذا السبب تكون الأيقونات أكثر تطلبًا من الإقونوغرافي. «تشمل تحليل الإقونوغرافي الصور والقصص والمعاني، وليس الموضوعات؛ لذا، فإضافة إلى اكتساب التعرف إلى الأحداث والأشياء بناءً على التجربة الفعلية، يُطلب أيضًا المزيد من المعرفة كمتطلب أساسي. في هذا التحليل، يجري تحقيق التعرف إلى موضوعات مختلفة محددة مسجلة في النصوص الأصلية من خلال القراءة المقصودة واكتساب المهارة في التقاليد الشفهية والمفاهيم.(4) وهذا يعني أن مستخدمي الأيقونات يجب أن يكونوا ملمين إلى حد كبير بالمواضيع الموجودة في النصوص الأصلية من أجل تفسير الأيقونات بشكل صحيح.

إضافة إلى إتقان المواضيع والمفاهيم المحددة من خلال المصادر الأدبية. ومن الضروري أيضًا إتقان الترتيبات والعمليات التقنية التي تمكننا من اختيار وتمثيل العناصر التي تشكل إبداع وتفسير الصور والقصص والتأملات؛ حتى تعطي معنى للترتيبات والعمليات التقنية. يتطلب فهم تلك المبادئ الأساسية مهارة فكرية مشابهة لمهارة الطبيب الذي يقوم بالتشخيص «الحدس التوليدي»، ومن الأسهل على الهاوي الموهوب تطوير هذه الوظيفة من العالم المثقف.

ولا يمكننا تفسير الماضي بشكل عميق استنادًا إلى المواد المتاحة، وهو ما يعني إعادة تفسير الصور الكلاسيكية. كانت استعادة العناصر الكلاسيكية والمواضيع في الأعمال الفنية خلال عصر النهضة جانبًا مهمًّا جدًّا؛ لذلك، هناك عدد كبير من الأعمال التي تمثل آلهة وثنية وأساطير كلاسيكية، والعديد من الأحداث التاريخية في اليونان وروما.

عَدّ بانوفسكي الأعمالَ الأكثر شيوعًا والأخطر هي تلك التي لم تعبر عن روح النهضة من خلال إحياء الأنماط الكلاسيكية داخل إطار كلاسيكي، بل حاولت بدلًا من ذلك إنشاء رابط بصري بين التاريخ الوثني والواقع المسيحي، للتعبير عن مزيج من المشاعر. أُعطِيَت هذه الصور محتوى رمزيًّا جديدًا، علمانيًّا وليس كلاسيكيًّا، أو استُخدمت لخدمة أو تباين الأفكار المسيحية.

وطريقة معالجة هذه الصور هي طريقة إعادة تفسير الصور الكلاسيكية التي استُخدمت على نطاق واسع. من جهة، أُعِيد تفسير الصور الكلاسيكية بشكل مدرك، ومن ناحية أخرى، دُمج التقليد الكلاسيكي المستحيل مع تقليد القرون الوسطى المتبقي بشكل طبيعي أو تلقائي جدًّا، وهو ما أدى إلى ظهور «عدم المثالية»، أو النمط النهضوي. على الرغم من أن بعض الصور تظهر بمظهر كلاسيكي، فإنها تحمل معنى لا يوجد في النماذج الكلاسيكية.

أما بانوفسكي، فيرى أن مهمة باحث الأيقونات هي التعامل مع العمل الفني على أنه، من جهة، عرض لشيء آخر يتجلّى فيما بين عشرات الأعراض الأخرى، ومن جهة أخرى، تُفَسَّر السمات البنائية والرمزية العامة للعمل الفني كدليل ملموس على هذه «الأشياء الأخرى». وأشار بانوفسكي إلى أنّ هذه «القيم الرمزية» ليست فقط صعبة عادةً في اكتشافها بواسطة الفنان نفسه، بل غالبًا ما تتعارض مع ما يرغب الفنان نفسه في التعبير عنه بوعي.

نظرية الأيقونات لبانوفسكي كان لها تأثير كبير في الأبحاث في مجالات أخرى، وجرى استيعابها وتحويلها أو استجوابها. أشاد مايكل بودرو ببانوفسكي بشدة، عادًّا إياه ممثلًا للمرحلة الثالثة من التقليد التاريخي الحرج، الذي أعاد فحص مسألة كيفية الحصول على رؤية موثوقة للماضي في الوقت الحاضر. واعتقد أن المبادئ العامة للتجريبية في واربورغ أو نظرية هيغل النفسية أَخفقتْ في إقامة هذا الرأي الموثوق به. اتبع بانوفسكي خطة هيغل لتتبع التشابهات في العقلانية الاستدلالية في الفن البصري، وركز على ثلاث مسائل لم يناقشها هيغل سوى بشكل عام، أو لم ينظر إليها على الإطلاق. هذه المسائل الثلاث هي: العلاقة بين النموذج البصري المنهجي واستكشاف التفاصيل التاريخية، العلاقة بين المفاهيم النظرية العامة وأساس الأعمال الفردية، والعلاقة بين الصور والمفاهيم.

في رأي بيتر بيرك، كانت الطرق المحددة لتفسير الصور المقترحة، في بداية القرن العشرين، تعاني عيوبًا في بعض الجوانب، وتبعث على اللامبالاة والغموض في جوانب أخرى. يتمحور النقاش عادةً على تقدير تنوع الصور، ناهيك عن تنوع الأسئلة التاريخية التي قد يمكن أن تساعد الصور في الإجابة عنها. يحتاج المؤرخون إلى الأيقونات، ولكنهم يجب أن يتخلصوا منها أيضًا. يحتاجون إلى ممارسة الأيقونات بطريقة أكثر نظامية، قد ينطوي ذلك على استخدام علم النفس التحليلي والهيكلية، وبخاصة نظرية الاستقبال. في الواقع، يجب أن تخدم مواد الصور الباحثين التاريخيين، يجب أن يعدّ تحليل الأسلوب والتفسير الثقافي للأيقونات جزءًا من عمل النقد المادي التاريخي والتفسير التاريخي.


مراجع الصور:

(1) نماذج لمبان مصممة عن طريق الذكاء الاصطناعي

https://www.latwist.immo/le-monde-virtuel-dhassan-ragab/

(2) مشروع منتجع سياحي من تصميم شركة زها حديد عن طريق استخدام الذكاء الاصطناعي

https://www.dezeen.com/2023/04/26/zaha-hadid-architects-patrik-schumacher-ai-dalle-midjourney/

(3) نموذج لمبنى مصمم عن طريق الذكاء الاصطناعي

https://amazingarchitecture.com/news/ai-architecture-competition-2022-winners-announced

(4) الذكاء الاصطناعي في مواجهة العمارة: منفعة أم ضرر يجب تجنبه؟

https://futurearchitectureplatform.org/news/28/ai-architecture-intelligence/

القدس مدينته وروحه وحياته محمود شقير.. ثلاثة وثمانون عامًا ولم يسأمْ تكاليف الأدب والثقافة

القدس مدينته وروحه وحياته

محمود شقير.. ثلاثة وثمانون عامًا ولم يسأمْ تكاليف الأدب والثقافة

يدخل محمود شقير الكاتب والروائي الفلسطيني المعروف عامه الثالث والثمانين وهو بكامل بهائه الأدبي وعطائه الثقافي. هو البدوي الأصيل ابن عشيرة «الشقيرات» من عرب السواحرة، الذي ظلت القدس تسكنه نصًّا وروحًا قبل أن يسكنها؛ إذ سلبت عقله وفكره، وخطفت قلبه فارتبط بها، منذ أبصرها أول مرة، وكان في الخامسة من عمره، حين كان يصطحبه والده معه لصلاة الجمعة في المسجد الأقصى المبارك. ظهرت المدينة في معظم كتبه ومؤلفاته، ليس بشكل مقصود، بل بشكل طبيعي، ولا سيما كتاب «قالت لنا القدس» الذي تضمن نصوصًا وشهادات ويوميات لها علاقة بواقع القدس الديمغرافي والسياسي والثقافي والاقتصادي، وكتاب «القدس وحدها هناك»، وهو مجموعة قصص قصيرة جدًّا صدرت عن دار نوفل في بيروت عام 2010م، بناها بحيث يستطيع القارئ قراءة كل قصة على حدة، وقراءة جميع القصص كأنها رواية، عبر العودة إلى الوراء للحديث عن المدينة وشوارعها وأسواقها وخاناتها المشهورة، وقد تُرجم إلى اللغتين الإنجليزية والسويدية. وقد وجد شقير في كتابة القصص القصيرة جدًّا فرصة كبيرة للإبداع والتجديد.

أما في كتاب «ظل آخر للمدينة» الذي كتبه بعد عودته من المنفى فيقول شقير: إن الفضل فيه يعود للشاعر الكبير الراحل محمود درويش الذي طلب منه أن يكتب فصلًا عن القدس لنشره في مجلة الكرمل، وفيه تحدث عن الطفولة والشباب والواقع المؤلم الذي آلت إليه المدينة المقدسة، التي ولد فيها وعاش وتعلم وبنى كل علاقاته، فكان ابنها البار الذي ما انفك يعمل على نقل هذه المدينة إلى وعي العالم على اعتبار أنها مدينة فلسطينية بامتياز.

القدس بين المحبة الكبيرة والحزن الكبير

حين يتحدث شقير عن القدس تلمس محبة كبيرة لها، وحزنًا كبيرًا عليها، لما آلت إليه. يقول: هي مدينتي، وروحي وحياتي، أول مظاهرة شاركت فيها كانت في القدس، وأول كتاب اشتريته كان منها، وثاني اجتماع حزبي لي كان فيها، الآن أراها وأحزن، فهي مهددة بالتهويد والأسرلة، يعملون لتحويلها إلى مدينة يهودية، يتم التضييق على الناس، وهناك مخاطر كثيرة، وضرائب تفرض على الناس، وهناك تغيير في المشهد، وهدم بيوت، وتغيير عمراني، ففي الجانب الغربي يوجد قطار سريع، وعمارات وشوارع وبنية تحتية متطورة، وفي القدس الشرقية واقع مختلف كليًّا. المدينة تتعرض لمخاطر حقيقية واعتداء. وللأسف نحن الفلسطينيين نسهم في إضعاف المدينة، فقد كانت في حقبة سابقة شعلة ثقافة، ومركزًا حضاريًّا، ومركزًا للسياح، وكلٌّ يأتيها من أنحاء العالم. هي مدينة منفتحة ومتطورة ومتعددة، وأهلها المسلمون والمسيحيون يعيشون في تفاهم وتوافق، فيما بعد أصبحت قرية كبيرة، روح المحافظة والجمود فيها أكثر مما ينبغي، لم تعد تشعر فيها أنك في المدينة. كان فيها قبل الاحتلال أربع صحف يومية، وثلاث دور سينما تعرض حفلتين كل يوم، كانت سوقًا لفلسطين ومحجًّا لهم. الآن المدينة تضمر بسبب روح المحافظة، وبسبب إجراءات الاحتلال التهويدية، فهم يمنعون الناس من الوصول إليها إلا بصعوبة، وهذا يؤثر في الوجود البشري، والمستوى الثقافي والمعيشي، للأسف فيها ثمانون بؤرة استيطانية في البلدة القديمة وحدها. هذا واقع مؤلم. إن التغني بالمدينة والعواطف الزائدة كل ذلك لا يجدي، يجب وضع خطط مدروسة للرد على الاستيطان، فالاحتجاج وحده لا يكفي، لا بد من عمل منظم، يقف في مواجهة السياسة الصهيونية.

أيقونة الكُتاب والمثقفين

شقير الذي وُلد في جبل المكبر في القدس، عام 1941م، يُعتبر أيقونة الكتاب والمثقفين الفلسطينيين، وأحد أهم الأسماء الأدبية والثقافية الوازنة، صاحب شخصية هادئة رزينة، يحظى بمحبة واحترام كبيرين في مختلف الأوساط، تدرج في العديد من المناصب سياسيًّا وثقافيًّا، وهو الشيوعي الملتزم منذ عام 1965 حتى اليوم، ووصل إلى عضو لجنة مركزية في الحزب حتى عام 1998 فيما تقاعد من وزارة الثقافة بدرجة وكيل مساعد، ونأى بنفسه بعد ذلك عن الحكومة واتحاد الكتاب، حين كان يستحق بجدارة منصب وزير الثقافة، وهو الحائز على جائزة محمود درويش للحرية والإبداع 2011م، والحاصل على جائزة القدس للثقافة والإبداع 2015م، واختيرت روايته «مديح لنساء العائلة» ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية في دورة 2016م، وحصل على جائزة دولة فلسطين في الآداب عام 2019م، وهو الكاتب الشمولي الذي لديه ما يزيد على ثمانين كتابًا وإصدارًا؛ بين قصة قصيرة، وسيرة ذاتية وغيرية، وأدب رحلات، وروايات، وقصص للفتيان والفتيات، وقصص للأطفال، وما زال قادرًا على العطاء، ولم يسأم تكاليف الكتابة والأدب.

تأثير المدرسة والمعلمين في شخصيته

كان للمدرسة تأثير كبير في شخصية محمود شقير، فقد تأثر بأستاذه المصري محمود حسين معلم اللغة العربية وكان يحب حصته، فهو مرح وصاحب نكتة، وكذلك المعلم أحمد الطيب الفلسطيني من أصل مغربي، الذي لا يتكلم إلا اللغة الفصيحة، تأثر به، فكتب على رف الكتب في بيته: كم أتمنى أن أصبح أديبًا ملمًّا باللغة العربية وآدابها.

تعرف شقير إلى الثقافة العربية من خلال المجلات المصرية والمطبوعات الصادرة من بيروت التي كانت تصل إلى القدس مثل مجلة «الآداب البيروتية» التي رَأَسَ تحريرها الدكتور سهيل إدريس، ثم أعجبه كتاب «في الثقافة المصرية» للمثقف الماركسي الناقد محمود أمين العالم والدكتور عبدالعظيم أنيس، وما تضمنه من نقد للتيارات البرجوازية في الثقافة، وكيف يكتب اليساريون قصة ملتزمة. ونظرًا لأصوله البدوية، بقيت تقاليد العشيرة ثابتة وموجودة في ذهن شقير وانعكست في أعماله الأدبية، فأبوه وأمه وأعمامه نقلوا له تراث البداوة فتأثر به، وظهر في رواية «فرس العائلة» وكذلك رواية «مديح لنساء العائلة».

حكاية «خبز الآخرين»

كتاب «خبز الآخرين» هو الإصدار الأول لمحمود شقير، الذي يعتز به كثيرًا لأنه قدمه إلى القراء والنقاد، حين كان في سجون الاحتلال الصهيوني، حيث قامت دار «صلاح الدين» بجمع قصصه التي نُشرت في مجلة «الأفق الجديد» وأصدرتها في هذا الكتاب عام 1975م، فيما كتب مقدمته الشاعر والأديب المعروف توفيق زياد. وقد طُبع هذا الكتاب مرات عدة في الأرض المحتلة وتُدُووِلَ على نطاق واسع، وبخاصة لدى طلبة الجامعات. وهذه القصص تعالج صدمة الفلسطينيين بسقوط ما تبقى من فلسطين في قبضة الاحتلال الصهيوني، كما تصور في الوقت نفسه تكون البذور الأولى للمقاومة في رحم المجتمع الفلسطيني.

الانطلاقة عبر «الأفق الجديد» من خلال «ليل ولصوص»

واكب شقير الحركة الثقافية منذ ستينيات القرن العشرين، وبدأ بكتابة المقالات والخواطر والقصص، ويرسلها للصحف دون أن تنشر له شيئًا، حتى تأسست مجلة «الأفق الجديد» المقدسية، فنشرت له قصة «ليل ولصوص»، ومنذ ذلك الوقت اعتبر نفسه كاتبًا. ثم صار يكتب في جريدة «الجهاد». وعمل محررًا ثقافيًّا في أكثر من منبر أدبي فلسطيني وأردني، ونشر قصصه في مجلات أدبية عربية عدة. كما قدم للمسرح أربعة أعمال، وكتب حوارًا لستة من المسلسلات التلفزيونية العربية، أولها مسلسل «عبدالرحمن الكواكبي» الذي أخرجه صلاح أبو هنود، ومنها مسلسل عن الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان. ترجمت قصصه إلى أكثر من عشر لغات، وصدرت مختارات من أعماله في لغات عدة حول العالم، كما كان أدبه موضوعًا لرسائل أكاديمية عدة في فلسطين والعالم العربي وأوربا. كرَّمَتْه أهم المؤسسات الثقافية الفلسطينية في القدس، وصدرت أعماله في أكثر من طبعة بالعالم العربي.

الكتابة للأطفال والفتيان في مواجهة الأدب الصهيوني

بدأ الكتابة للأطفال والفتيان وعنهم، منذ النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، في مواجهة ما يكتبه الأدباء الإسرائيليون لأطفالهم حيث استفزته عنصريتهم وتحريضهم، فأراد تحصين الجيل الفلسطيني والعربي، فبدأ ينشر في مجلة «أسامة» السورية التي كان يرأس تحريرها الكاتب زكريا تامر، فكتب عن أطفال حقيقيين استشهدوا، مثل: علي عفانة، وجمال الزين، وعن ابنته أمينة التي مزق أحد جنود الاحتلال دميتها على الجسر «المعبر» الرابط بين فلسطين والأردن وتسيطر عليه سلطات الاحتلال. وفي هذا المجال لفتت انتباهه الكتابات العالمية للأطفال وبخاصة الأدب السويدي، حيث تأثر بالكتاب العالميين وطريقتهم في الكتابة بعيدًا من الوعظ والإرشاد المباشر ومن دون التقيد بالقيود التربوية الصارمة التي تؤدي إلى خلق طفل خنوع ومطيع.

طقوس الكتابة والقراءة

وعلى الرغم من أن شقير الثمانيني يعاني آلامَ العمود الفقري، فإنه يواظب على طقوس القراءة في الأدب والنقد وعلم الاجتماع والسياسة، وهو مُغرم بأدب أميركا اللاتينية، والأدب الياباني، ولا يُخفي تأثره بنجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وكاتب القصة العالمي أنطون تشيخوف. وفي مجال الكتابة يرى أن أهم طقس إليه هو أن يكتب يوميًّا، في سياق مداومة ثابتة على الكتابة، إما نصًّا جديدًا، أو مراجعة نص قديم وتعديله وتطويره، يُؤنسه ويُسعفه في ذلك حاسوبه، الذي يرى أنه ساعده كثيرًا على الكتابة.

ويعكف شقير منذ عام 1996م على تسجيل يومياته بواقع مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع، على طريقة الكاتب الفلسطيني التربوي خليل السكاكيني صاحب اليوميات الشهيرة، ومُقتديًا به، ومن خلال هذا اللون من الكتابة، يدوّن شقير أبرز الأشياء والمواقف والأحداث التي يمر بها، وقد وثق ذلك في كتاب سماه «مديح لمرايا البلاد».

وحين تُعجزه الحركة، وتمنعه ظروف الإغلاق والحصار الذي يفرضه الاحتلال الصهيوني على القدس وحاراتها، كأني بشقير الذي يُكنى «أبا خالد»، يقف على أقصى مرتفع من جبل المكبر «مسقط رأسه»، ليطل على شارع صلاح الدين أو باب العامود أو حارة السعدية أو حي القطمون أو خان الزيت، مُستذكرًا الخليفة العادل عمر بن الخطاب حين وقف عليه مكبرًا فاتحًا للمدينة المقدسة، ولعلي بعينيه تدمعان أسى وحسرة على ما آلت إليه من اغتراب واستلاب وتهويد، مارًّا به شريط الذكريات السندبادية، طفلًا ثم فتى وشابًّا نفاه الاحتلال من بلاده ليستقر في بيروت، ثم ينتقل إلى الأردن، ثم الجزائر، ثم براغ، إلى أن عاد مع مجيء السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994م.

آخر إصداراته: «غسان كنفاني إلى الأبد»

أواخر عام 2022م، أصدر شقير روايته الأخيرة للفتيان التي حملت اسم «غسان كنفاني إلى الأبد»؛ وقدم لها وزير الثقافة الفلسطينية الدكتور عاطف أبو سيف. وهي من الروايات التوثيقية للأدب الفلسطيني المقاوم، في عرض السيرة الذاتية للمبدع غسان كنفاني، وفي الوقت نفسه عرض السيرة الذاتية للأديب شقير نفسه؛ موضحًا سيرورة علاقته الشخصية مع غسان كنفاني؛ في مراحل مختلفة من حياتهما، منذ عام 1965م في بيروت، حتى اغتياله عام 1972م. أي رواية سيرتين في رواية واحدة.

تقول الكاتبة رفيقة عثمان: في هذه الرواية يُكمل الأديب شقير مسيرة المبدع غسان في أهدافه؛ بكتابة الرواية بطريقة مشوقة؛ لسرد الرواية الفلسطينية من خلال سيرة المُبدع غسان كنفاني، وعرض بعض أحداث قصصه الوطنية.

واحد من أعلام السرد الأساسيين

رأى الناقد فخري صالح أن ما أنجزه شقير، في القصة القصيرة أولًا، ثم في الرواية والكتابة للأطفال، يجعله واحدًا من الأعلام الأساسيين في السرد الفلسطيني. ويشير إلى «انعطافة حادة في تجربة شقير في تسعينيات القرن الماضي، حيث يطرح جانبًا الطابع التعليمي، الذي طبع بعض قصصه، ويفلت من أسر الرؤية الأيديولوجية الماركسية، التي قيّدت تعبيره القصصي ومنعته من رسم شخصياته بريشة أكثر خفة، أكثرَ حيوية وإنسانية، ما يباعد بينها وبين الرؤية التخطيطية، المدرسية، القالبية، التي تجعلها نمطية تعبر عن سطوح الأشياء والعوالم، لا عن الأعماق والحقائق المركبة والمعقدة التي تستعصي على التأويل والشرح».

من التجريب والتجديد إلى التأثير في الآخرين

الناقد الدكتور عادل الأسطة يرى أن شقيرًا واحد من أبرز كتاب القصة القصيرة الذين أخلصوا لهذا الفن، وكادوا يقصرون جل جهدهم للكتابة فيه وتطويره وإبرازه ليحتل مكانة يلتفت إليها، كما كان يلتفت إلى الشعر وأصبح يلتفت إلى الرواية. ويرى أنه من أوائل القصاصين الفلسطينيين الذين لجؤوا إلى التجريب، فظهر لديهم أسلوب تقطيع القصة إلى مقاطع، وكتبوا بلغة شفافة فيها قدر عالٍ من التكثيف، لغة تقترب أحيانًا من لغة الشعر، وبذلك فقد أثر شقير في العديد من الكتاب والأدباء الفلسطينيين، ولا سيما بعد صدور مجموعته «الولد الفلسطيني».

المضحك المبكي بلغة سلسة طيعة

وعدته الأكاديمية الفلسطينية عايدة فحماوي واحدًا من أهم الكتاب العرب الذين طوروا رؤية منجزهم الأدبي، واستطاعوا أن يسيروا أشواطًا نوعية في كتابة القصة القصيرة والقصة القصيرة جدًّا. وهو كذلك، كاتب ملتحم بالواقع الفلسطيني بعيدًا من الشعارات والمباشرة، عبر التزامه بنقد الواقع ومحاولة فهمه من زواياه وتفاصيله الأكثر عمقًا، وتقديم الجميل والأقل جمالًا فيه، بحميمية من يحب وينتمي، وبعقلية من رأى، وبمهارة قاصّ متمكن من أدواته وحريص على إمتاع قارئه؛ فيأخذ القارئ معه بخفة عبر دهاليز النصوص، بلغة سلسة طيعة، وأحيانًا مطعمة بالمحكية الفلسطينية، ينقل القارئ من الفانتازيا إلى الواقع، ومن الواقع إلى الفانتازيا من دون أن يُشعره أن الأمر مُقحم، بل يصدقه ويعيش معه في العالمين، فيُضحكه شقير حينًا ويبكيه حينًا، لكنه في كل ذلك يجعله يستمتع بما يقرأ، ويفكر أبعد من حدود النص الصغير الذي يعكس عالمًا مصغرًا عن فلسطين اليوم والآن.