بواسطة الفيصل | مايو 1, 2024 | الملف
ماذا تبقى من الحداثة ووعود التنوير؟

إعداد وتقديم: موسى برهومة – كاتب أردني
الذين استحضروا الميراث الحضاري الفلسفي الحديث، وراحوا يسائلونه في أعقاب الحروب والنزاعات، وآخرها العدوان الإسرائيلي على غزة، كانوا يتوخون الوصول إلى إجابات عن سؤال العنف والضحية والإبادة الجماعية، والرغبة المنفلتة من عقالها باتجاه الإجهاز على الآخر/ العدو، واستئصاله، بعد النظر إليه باعتباره مادة متاحة للقتل والتنكيل؛ لأنه كائن أقل آدمية، أو دون إنساني.
حرب في عروق اللغة
راهن كثيرون على أن الفلسفة، وبخاصة بعد مخاضات أزمنة التنوير الأوربي، قد توافرت على روافع وحيثيات نظرية إجرائية تحول دون الإيغال في تجريد الكائن المعذب من إنسانيته، تمهيدًا لتجريب سائر أشكال الموت والقتل والتعذيب والتهجير والنفي بحقه، وكانوا ينتظرون أن ينهض خطاب التنوير والحداثة، ويقول بصوته العالي الذي غير وجه أوربا: (لا) لقتل الأطفال والنساء وتدمير الحياة، ونحرها من الوريد إلى الوريد.
بيد أن الذي تكشف (للوهلة الأولى) أن أزمنة التنوير، وما حملته من وعود خُلبية بالعدالة والمساواة والحرية والإنصاف، كانت مراوِغة، وفي بعض الأحيان زائفة ومخادعة، ما طرح بقوة أسئلة ونداءات من قبيل «موت الفلسفة»، و«انتحار التنوير»، و«نهاية التاريخ»، والرغبة في «الخروج من العالم»، والبدء في قلب ظهر المِجن للحضارة الغربية التي تأسست، في بعض تمثلاتها، كما يقول الناقمون، على العنصرية وتفوق الرجل الأبيض، وفصلت ديمقراطية على مقاس مواطنيها ورعاياها والمنحدرين من دمائها «الزرقاء»، لا صلة لها بـ«الديمقراطية الملغومة» المعطاة للشعوب الأخرى، التي يحلو لبعضهم أن يصنفها بأنها «جنوب»، مع أن الجنوب ليس مقياسًا جغرافيًّا بالتأكيد.

فريدريك نيتشه
وقاد الاضطراب المفاهيمي إلى حدوث شرخ عصي على الفهم من حيث معايير الحكم على الأشياء والظواهر والأعراق والشعوب؛ إذ بدا أن هناك تراتبية «مريبة» في جعل قيم عليا كـ«الحرية» أو «العدالة» أو «الكرامة» أو «الاستقلال»، مقتصرة على شعب، أو فئة، أو جماعة دون سواها. وجرى إثقال الأخبار والتحليلات والمقاربات بعبارات من قبيل «حق الدفاع عن النفس»، وهو، للوهلة الأولى، مفهوم جذاب، سلس، لا يثير شكوكًا، فألفاظه تتماشى مع المنطق والحق الطبيعي في رد الفعل، لكن تطبيقاته على أرض الواقع، أو في ساحة الصراع، استبطنت تفسيرات انتقائية مشتقة من ترسبات عنصرية أو إثنية، أو استعلاء «مضمَر» في تصنيف الإنسان؛ بحيث يبدو هناك بشر من فئة أولى بعيون زرقاء ودماء «نقية»، وثمة آخرون هم آخرون، بما يعنيه ذلك من إقصاء، وطرد، ورغبة في الاستغناء عنهم، بوصفهم فائضًا. وهنا تندلع الحرب في عروق اللغة وشرايينها ومنعرجاتها وظلالها والتباساتها.
وجرى، في غمرة ذلك، استدعاء الثاوي في الذاكرة من مقولات وفلسفات تأسست على الفهم «الشرير» الذي ربما لم يكن يتقصده أو يتوخاه أصحابها، وهنا يقفز نيتشه إلى الواجهة، بوصفه فيلسوف «إرادة القوة» والمبشر بـ«الإنسان الأعلى»، المتفوق، أو «السوبرمان»، الذي صمم لكي يَقهر، لا أن يُقهر، على ما تستوجبه هذه المهمة «الخارقة» من تخطي كل الحواجز الأخلاقية، وتحطيم القداسات والكرامات، نزوعًا إلى تجلي «البطل العالمي» الذي يهزم الضعف، ويعلو فوق الشفقة، ويخلص البشرية من الضعفاء والمعذبين.
وبحث المنقبون عن جذور الانفصام في الفكر الغربي الذي تأسست عليه المركزيات المعاصرة، فألْفوا أن الحداثة ضمت تحت إهابها تصورات عنصرية أصابت لوثتها أفكار فلاسفة، بعضهم نظر للأخلاق وغدا نبيها، كما هي حال كانط، لكن نقاده عثروا على تقسيمات عنصرية للبشر على أساس اللون، حيث اصطفى صاحب «نقد العقل المحض» العِرق الأبيض بالذكاء والمقدرة على تشييد الحضارات، فيما جعل في المرتبة الثانية ذوي اللون الأصفر، ثم الأسود، ثم جاء الهنود الحُمر في قاع التصنيف، بوصفهم أسوأ الأجناس وأدناهم ذكاءً وابتكارية!

تأسيس وعي جديد
المتبرمون من الحداثة وأزمنة التنوير يرون أن هذه الأفكار التأسيسية ساهمت في بناء طبقات متراصفة فوق بعضها لـ«الحداثة البراقة»، بحيث تبدو طبقاتها الظاهرة للعيان مشرقة بالوعود والشعارات، لكن أعماقها السحيقة تشتعل بالتناقضات والازدواجية، وهو ما استخدم سلاحًا «فعالًا» في هجاء الحداثة، أو رثائها.
من وحي هذه الأفكار المضطربة، ورغبة في جلاء المفاهيم، وعدم الإسراف في الحماسة الهجائية لمنجز النهضة الفلسفي وخطابات الحداثة، ونزوعًا إلى تفكيك أحجية التنوير وتناقضاتها السافرة، جاء هذا الملف الذي شارك فيه أربعة مفكرين عرب، سعوا كل من جهته إلى توصيف وتفسير وتحليل وفهم ما جرى في أعقاب الحرب على غزة، التي ينسحب النظر في مقتلها على كثير من الحادثات التاريخية التي كشفت مأزق الخطاب التنويري في مواجهة أزمنة العنف والتوحش.

مارتن هايدغر
الزوايا الأربع للشهادات/ المقالات، ألقت أضواء ساطعة في ليل القهر المعرفي، من دون أن تسقط في قاع العدمية، أو في إصدار أحكام قاطعة بالدعوة إلى الاستقلال عن العالم والخروج منه، والانزواء في الجزر الذاتية المنعزلة؛ لأن طبيعة العيش المشترك تقتضي المساجلة، والمقاومة، وتطوير الأفكار، وتصفيتها من الشوائب والأتربة والأدران والأمراض، وهو ما يوحي بأن التصدع لم يأتِ على النواة الجوهرية لأفكار التضامن مع الحق والعدل وعلو كعب الإنسان ومناوأة الشر، فما زال في قنديل الخير زيت يضيء.
ولم تكن الأسئلة التي تعصف بأفكار الحداثة والتنوير بنتَ لحظة التدمير المتوحشة الراهنة، بل هجس بها الفلاسفة وأوسعوها بحثًا، بل قتلًا، حينما أكدوا أن الحداثة مسار تاريخي تصاعدي لفكرة التنوير، واقترحوا أن العبور من الحداثة إلى ما بعد الحداثة لا يكون بالتجاوز وإنما بالتعافي، بالتعبير النيتشوي الذي طوره هايدغر، (ولكل منهما سياقه) وربما يكون هذا التعافي تعافيًا من الميتافيزيقا. ومن الأفكار التي حاولت أن تقطع مع الحداثة كان «نهاية التاريخ»، بمعنى ما يتبقى بعد تهدم المعمار الأخلاقي، وسيطرة الهمجية المؤسسة (أيديولوجيا) على الغلبة العنصرية والتفوق الحضاري، والتميز الثقافي.
وعلى هدير هذا الطوفان الهادر من الأفكار المتلاطمة تُستدعَى مقولات فلاسفة من عصر التنوير عن العدمية. فهل يمكن أن نصف ما يجري بعدمية إيجابية (محتملة) تقطع الصلة بالتصورات القارّة والقديمة والمألوفة والمسكنة للعواطف، ونذهب باتجاه تأسيس وعي جديد لحداثة حقيقية قائمة على صيانة الروح الإنسانية، بغض النظر عن مرجعياتها وعرقها ولونها وتاريخها البيولوجي وإرثها الأنثروبولوجي؟ وهل تكون «الإنسانوية» هي الخلاص، من خلال منظور جديد يرنو ويعمل على تأسيس وتجذير نظام أخلاقي (نزيه) قائم على القيم الطبيعية والبشرية؟ وماذا، بل كيف يمكن النظر، بعد اليوم، إلى الفكرة السياسية المنقعة بالأيديولوجيا والمحتشدة بالميتافيزيقا والغارقة في التعاليم الدينية التي تتحدث عن «عماليق» وعن نبوءة مفادها أننا «نحن أبناء النور، بينما هم أبناء الظلام، وسينتصر النور على الظلام»؟
من الضروري، بل المحتم، أن يكون لدينا في المستقبل خط متنامٍ وصاعد يرفض الانصياع للأمر الواقع، ويجترح رؤاه المستقلة في مختلف القضايا الجوهرية المتصلة بالحرية والكرامة والعدل. ومن المهم ألا يقف الوعي البشري، الذي أصيب جله بـ«بخيبة أمل» من تهافت وعود الحداثة والتنوير، على الأطلال، ويشرع في البكاء على من رحلوا أو خذلوا أو خانوا ميثاق الأفكار المقدس. فتشاؤم العقل لا يلغي تفاؤل الإرادة، بتعبير غرامشي، وهو ما يعني الامتثال لأعمق ما في درس سيزيف: أن نظل نرفع الصخرة إلى أعلى الجبل، حتى لو قذفتها العواصف وعبث الأقدار إلى قعر الوادي.
في الحداثة وازدواجية المعايير

فهمي جدعان – مفكر أردني
بعد أحداث السابع من أكتوبر، احتلت وصمة «ازدواجية المعايير» موقعًا فريدًا في الانتكاسات النقدية التي انتصبت قبالة الانحيازات الخارقة التي انطوى عليها الدعم الغربي المادي والمعنوي للفعل الإبادي العنصري الذي أقدمت عليه قوة الاحتلال الصهيوني الغاشمة في غزة، التي تعاني القهرَ والحصارَ والاختناقَ منذ عقود. دُعِمَ الغاصب المعتدي، وشُجِبَ الضحيةُ وحُماتُها، خلافًا لما جرى في حالات أخرى مماثلة.
لم يسأل أحد هذا السؤال: لماذا يمارس الغرب هذه الازدواجية في المعايير؟ ولماذا لا يسلك الغرب طريق العدالة والمساواة -التي يتبجح بها منذ عصر الأنوار- ولا ينظر إلى أطراف الصراع، وفقًا لما يفرضه مبدأ العدل ذاته؟
جذور المشكلة وجوهرها
ثمة، بكل تأكيد من يذهب إلى أن الأمر ذو جذور ممتدة في الصراع السياسي القديم بين الإسلام والمسيحية التي باتت عند بعضهم تلحق بما ينعت بالمسيحية- اليهودية. وقد يرى آخرون أن المسألة ترتد إلى «عقدة الذنب» المتأصلة في الغرب غداة ما لحق باليهود في ألمانيا النازية. ويعلل كثيرون الأمر بمطلق «النفاق» الغربي العالق بالمصالح والغايات وبالعطب الأخلاقي.
كل هذه التعليلات ذات نصيب من المطابقة ومن الحقيقة. لكنّ ثمة أيضًا منبعًا آخرَ قمينًا بالتفسير، هو أن الحالة تضرب جذورًا قوية في فلسفة الحداثة المنحدرة من فلسفة الأنوار، وذلك ما أذهب إليه في هذا القول، من دون أن أنكر التعليلات الأخرى.
درج مؤرخو الأفكار على القول: إن القطيعة التي حدثت بين العالم الحديث وبين العالم القديم؛ عالم أفلاطون وأرسطو والرواقيين، قد نجمت مع فولتير وديدرو وهيغل. لكن الحقيقة هي أن هذه القطيعة قد حدثت مع ديكارت وهوبز ولوك. كانت نظرة القدماء إلى العالم نظرة «كُلِّيّانِيّة» أو «هولستية». أما نظرة المُحْدَثين فقد كانت نظرة ذَرّيّة، جزئية؛ أي أنها تقوم على الأجزاء، أو الأفراد، أو الأشخاص، بما هم، بالطبيعة أفراد أحرار متساوون، مستقلون، عاقلون. لحق بذلك تحول من قصدية أو غائية «الحكمة» إلى غائية أو قصدية «الفعل» والمنفعة، وانتقال من «عبودية الخطيئة» المسيحية إلى «ديمقراطية المساواة». بتعبير آخر جرى تحول من النظرة الهولستية إلى النظرة الاسمية الذرية، وخروج للحداثة من عباءة (الأنوار).
والحداثة هذه، في تشخصاتها الأولى، ذات مبادئ حصرها مؤرخو الأفكار في تسعة: الحرية الفردية، المساواة بين الأفراد، العقل في خدمة العواطف والأهواء، تقديم العمل أو الفعل على الحكمة، والشرف والنبالة -وقد يمكن أن نقول عربيًّا: المروءة- على الصلاة والرجاء، والحب على الإنجاب، والسوق -أو اقتصاد السوق- على الجماعة، والديمقراطية التمثيلية، أو أولية الأمة على الدين، وأن الدين خاصة شخصية. يستقل كل مبدأ من هذه المبادئ بقطاع من قطاعات الحياة الخاصة أو العامة الاجتماعية.
تمثل الغرب الحديث في مطالع تشخصه قيم التنوير والحداثة. وبفضل هذه القيم استطاع أن يغزو العالم ماديًّا ومعنويًّا. وبفضلها أيضًا زعم أنه يتفرد ويتميز ويرقى ويهيمن على جملة الحضارات والثقافات الأخرى. وفي تطوراته المتأخرة بلور نطاقه الشامل في مدونة من المبادئ الرئيسة: الحرية، والمساواة، والعقلانية الأداتية، والرأسمالية، والديمقراطية التمثيلية الليبرالية المعززة بالثروة والقوة وطلب الهيمنة في حدود نظام يُجري فصلًا جذريًّا بين السياسة والأخلاق، وفصلًا آخر بين السياسة والدين. وذلك ما بات نظريًّا وعمليًّا يمثل ما يقترن بالحداثة المتأخرة.
في إطار هذا النظام، النظام الغربي، تحتل قيمة المساواة مكانة مركزية؛ كانت أحد المبادئ الثلاثة التي تبجحت بها الثورة الفرنسية. بيد أنها حين انخرطت في إنفاذها لم تُجرِ أحكامها وفقًا لمبدأ العدالة الإنسانية الشاملة؛ إذ إنها أحكمت قانونها في حدود الأمة الفرنسية، وخالفته خارج هذه الحدود، أي في مستعمراتها، حيث غاضت كل ملامحها وفقدت كل المعاني الأخلاقية التي زعمتها لنفسها، وأبانت التجربة عن أن المبدأ نفسه كان مضللًا، يمكن إنفاذه في مكان ويمكن خرقه أو خيانته في مكان آخر.
في أحشاء هذا المبدأ من مبادئ الحداثة يكمن سر وصمة «ازدواجية المعايير»، وذهاب الغرب السياسي اليوم إلى الوقوع في فِخاخها، أو إلى اختيارها وإنفاذها. لكن كيف ذلك؟ وكيف تنحرف الحداثة المتأخرة وتقع في هذا العار الأخلاقي؟

ديمقراطية المساواة وديمقراطية التفاوت
في التحليل المدقق لمبدأ المساواة يجري التمييز عادة بين ضربين من المساواة: المساواة العددية أو الرياضية، والمساواة الهندسية أو الجيومترية. الأولى حسابية، تعدد الأفراد الذريين، أما الثانية، الجيومترية، فتحدد الخصائص والمزايا والملَكات التي يتمتع بها الأفراد. الأولى عددية حسابية، والثانية كمالية وخاصة. (وذلك قريب مما جرى عليه التراث الأدبي العربي في التمييز بين العامة وبين الخاصة). ثم إن هذا التمييز ذو علاقة وطيدة بمبدأ آخر رئيس من مبادئ الحداثة، هو الديمقراطية، التي كانت النظام الحاكم في أثينا الإغريقية، وفيها أيضًا يثير مبدأ المساواة جدالًا يدرك مشكلها الراهن؛ ذلك أن الديمقراطية الأثينية ترفع من الشأن للمساواة بين المواطنين وتعول على المساواة العددية أو الرياضية، وذلك ما تعلق به الرواقيون الذين لا يضعون فروقًا في الطبيعة بين الأفراد، فجميع المواطنين متساوون أمام القانون. لكن أفلاطون وأرسطو أنكرا المنظور الديمقراطي، وذهبا إلى القول: إن المساواة العددية أو الرياضية غير عادلة؛ إذ هي تجعل ما ليس متساويًا متساويًا، وعندهما أن المساواة الهندسية المتناسبة، أي التي تعترف بالتفاوت في الفضائل الأخلاقية والعقلية وبالمشاركة فيها، هي مساواة عادلة.
تجنح الحداثة إلى إقرار المساواة بين الأفراد، لكنها، مع هوبز، تفتح أبواب المنافسة في طلب القوة والمال والمزايا والخبرات النادرة، وتثير المنافسة الصراع بين الأغنياء وبين الفقراء، فيعرض هيوم فكرة التعاطف.
ذلك هو المنطق الذي يحكم مبدأ المساواة في الحداثة الكلاسيكية. إنه منطق الديمقراطية التي تساوي بين الأفراد بما هم ذرات اجتماعية متساوية أمام القانون ومتساوية في قيمتها الذاتية أيضًا؛ إذ لا أحد من المواطنين يعلو أو يرقى أو يتميز على أي مواطن آخر. لكن هذا المنطق ليس هو المنطق الذي يحكم مبدأ المساواة حين يتعلق الأمر بالأغراب الذين ينتمون إلى مجتمعات أو دول لا تنتمي إلى الجغرافيا البشرية الغربية، وحين تجري الأمور، في أحضان الحداثة المتأخرة، حداثة عصرنا المباشر والجاري، التي خضعت لتغيرات غير طفيفة، وباتت سيالة في جملة سردياتها.
حين ندقق النظر في مسالك الغرب الحداثي المعاصر وفي علاقتنا به وعلاقته بنا، يظهر بوضوح أن الذي يحكم هذه المسالك ليس هو ديمقراطية المساواة، وإنما هو ديمقراطية التفاوت، التي تجسدت في الفضاء الأثيني القديم في النظام الأرستقراطي. بكل تأكيد ليس المقصود هنا، في الغرب الحديث، هو الأرستقراطية الاجتماعية الطبقية، وإنما الأرستقراطية بما هي نظام ثقافي وديمقراطي أو علمي أو فني أو تقني يتميز بمنجزات جليلة في شتى الحقول: الأدبية والعلمية والفنية والتقنية والعسكرية.. بها يتميز ويختال ويعلو ويهيمن.
يعي الغرب السياسي وعيًا تامًّا أن احتيازه لهذه المزايا، على نحو غير عادي أو خارق، يسوغ له الاعتقاد أنْ لا أحدَ يمكن أن يكون مساويًا له. ويقترن بذلك أن تقديره للشعوب والثقافات الأخرى، الأدنى، سيلقي بظلاله على تقديره وعلى نظرته الإجرائية لمبدأ المساواة. والمحصل الغربي هنا هو أن موقف التعالي أو الاستعلاء -بل الاحتقار في حالات بعينها- هو المنطق الذي يحكم علاقته بالآخرين الذين لا يملكون ما يملك من المزايا، وأن مبدأ المساواة الجيومترية، لا مبدأ المساواة العددية أو الحسابية، هو الذي ينبغي أن يَحكم.
ويلحق بذلك أن ديمقراطية المساواة تنسحب لتحل مكانها ديمقراطية التفاوت والمزايا واللامساواة، والتضاد، بل التناقض في التقديرات وفي الأحكام. وأخطر من ذلك الاحتقار ونكران العدالة والامتهان، بحيث لا يعود الفرقاء الذين يمتازون بكثرة العدد، حسابيًّا، مساوين للفرقاء الأعظم مكانة وقوة في عالم المعرفة والعلم والعمل والمال والتجارة والإعلام والإبداع الفني والتقني. حينذاك تَحكم «ازدواجية المعايير» وتعلو الكفة لخير هؤلاء دون أولئك، ويتداعى النظام الأخلاقي. وليس ذلك إلا وجهًا من وجوه القصور والعَوار، بل الشر الذي تجريه الحداثة المتأخرة في النظام الإنساني؛ إذ تكشف عن وجهها القبيح في الانحطاط الإنساني الذي فضحته وقائع الإبادة الجماعية التي أنفذتها في غزة قوة الاغتصاب الصهيوني المدججة بالدعم المادي والمعنوي الغربي، وباختلالات الحداثة وجنوحها الأخلاقي.
في تعثر الحداثة وتداعياتها

نايلة أبي نادر – كاتبة لبنانية
بين اختراع المطبعة، وحركة لوثر الإصلاحية، واكتشاف القارة الأميركية، وانتشار نظرية غاليله، وحدوث الثورة الصناعية في أوربا، وتحول المجتمع من حال الريعية إلى حال الإنتاج، وبدء تطور النزعة الإنسانية، بين كل هذه الأحداث وغيرها، تعددت المقالات التي تؤرخ لموعد بداية الحداثة.

جان بودريار
أورد جان بودريار في مقالة له حول الحداثة في موسوعة أنيفرساليس أنه «ليس للحديث عن الحداثة أي معنى عندما يتعلق الأمر ببلد من دون تقاليد وتراث، ومن دون عصور وسطى كالولايات المتحدة الأميركية. وعلى العكس من ذلك، فإن للتحديث تأثيرًا قويًّا في بلدان العالم الثالث، التي هي بلدان ذات ثقافة تقليدية». ويشير بودريار، في المرجع نفسه، نقلًا عن كارل ماركس، إلى أن «التجريد الملازم للدولة السياسية، من حيث هي كذلك، لا ينتمي إلا للعصور الحديثة؛ لأن تجريد الحياة الخاصة لا ينتمي إلا إلى العصور الحديثة. في العصور الوسطى، كانت حياة الشعب وحياة الدولة متطابقتين: فالإنسان هو المبدأ الواقعي للدولة، إن العصور الحديثة هي الثنائية المجردة، هي التعارض المجرد المفكر فيه».
من أهداف الحداثة
إن ما حاولت الحداثة أن ترسخه في الأذهان، وبخاصة في عصر الأنوار، كان واضحًا من جهة أولوية العقل، واستقلاليته، وعدّه المرجع الأساس في البت في أمور الحياة والمجتمع، وفي كل ما يتعلق بالإنسان. عن سؤال: ماذا تعني الأنوار؟ يجيب الفيلسوف الألماني كانط بما يأتي: «إنها خروج الإنسان عن حالة قصوره، ذلك القصور الذي يكون الإنسان ذاته مسؤولًا عنه». كان يقصد بالقصور «عجز الإنسان عن استخدام فهمه دون توجيه الآخرين»، وذلك مرده إلى «غياب القدرة على اتخاذ الموقف والشجاعة في استخدام الفهم دون قيادة الآخرين». أكد كانط على أن جمهور الناس بإمكانهم أن يستنيروا بمفردهم شرط أن يتوافر أمامهم «مجال الحرية»(1).
انتقد فكرُ الحداثة الأيديولوجيا الضيقة وعمل على زحزحة حدودها من أجل إسقاطها. كذلك شدد على الممارسة النقدية، وإعادة النظر في الأولويات والثوابت الراسخة عبر الزمن، وتوسيع مجال استعمال العقل، وتعزيز الوثوقية فيه. نادت الحداثة بالأنسنة، وركزت على قيمة الشخص البشري في حد ذاته، بمعزل عن انتماءاته من عرقية أو دينية أو وطنية أو غيرها. نلحظ أيضًا أنه من ثمار الحداثة كان السعي إلى بناء الدولة الحديثة على أسس العدالة والمساواة وحقوق الإنسان، وأن الجميع متساوون تحت القانون. يكفي أن نقرأ بنود الشرعة الدولية لحقوق الإنسان لكي نلحظ كم كان أثر الفكر الحداثي واضحًا. كذلك مع تطور وانتشار بعض التيارات الفكرية كالأنسنة والوجودية والشخصانية وغيرها، أصبح الكلام رائجًا في الغرب في مجال احترام الإنسان وحقوقه، والعمل على إنصاف المظلومين، وحماية حقوق المستضعفين، والمساواة بين الجنسين، وإعطاء الشعوب الحق في تقرير مصيرها،… إلخ.
من البين كم أن سقف الحداثة كان عاليًا، وكم أن طموحاتها كانت واسعة الأفق. لكن هل كان من السهل أو من المتاح بلوغ الهدف؟
تساؤلات نقدية
التوقف عند تعثر الحداثة في تحقيق ما سعت إليه، وبخاصة بعد كل ما نشهده من حولنا من تدهورٍ متسارعٍ على أكثر من مستوى، هو ما نرنو إليه. نختبر اليوم حالًا من الاهتزازت والتحولات المربكة في أكثر من مكان، نتج عنها فقدان التوازن، وزيادة القلق على المصير، وما ينتظر البشرية من تهديدات، وبخاصة خلال جائحة كورونا، وما تلاها من ارتدادات سلبية على الصُّعُد النفسية، والاقتصادية، والصحية، والاجتماعية. إضافة إلى تعاظم المشكلات البيئية، وأخطار التغير المناخي، وما أدت إليه من كوارث تهاجم مختلف بقاع الأرض كالأعاصير والفيضانات والحرائق المتسعة الانتشار؛ إذ لم يعد أحد بمعزل عنها، والجميع مهدد بأخطار جمة، ومعني بالتفكير فيها والعمل على الحد من تداعياتها.
من هنا نسأل: أي نهج عقلاني يمكنه أن يفكك الأسباب التي أدت إلى كل ما يعصف بنا؟ مَن المرجعية المخولة بالقيام بالمراجعة النقدية والبحث عن مخارج تليق بالكائن البشري الذي استلم قيادة العالم المعاصر؟ هل لعقل الحداثة والأنوار بعدُ من كلمة مسموعة، وتحليل منطقي يقدمه في سبيل إيجاد مخرج لكل هذا التعثر؟
كيف لنا، أن نقبل بعدم إخفاق الديمقراطية، وبسقوط شرعة حقوق الإنسان، وبتراجع العقل النقدي المعارض بموضوعية؟ وبخاصة، بعد كل ما نشاهده من مأساة تلطخ جبين الإنسانية، وذلك منذ تاريخ السابع من أكتوبر الماضي، مع قدوم العاصفة الآتية من قطاع غزة، التي ضربت بقوة شاشات الوعي، وأمطرت عليها وابلًا من الأسئلة المقلقة، والمشاهد الموجعة، والصرخات التي تدمر السكينة الفكرية، وتقوض أسسها؟
قيمة الوجود البشري أصبحت موضع تساؤل، الكيل بمكيالين في مراكز القرار أصبح صادمًا من شدة وضوحه، وبخاصة عند ناشري فكر الحداثة وكافليه. هذا الفكر الذي يتضمن شعارات رُفعت عاليًا، وفُرِضَت بنوع من الراديكالية نظرًا إلى عدّها من مقومات المجتمعات الحديثة، ودولة القانون والمؤسسات. فالعقل العلمي عندما يريد أن يقيم أي عمل بموضوعية نجده يبدأ في مراجعة منطلقاته، وفرضياته، ثم مساره، فالنتائج التي توصل إليها.
شعارات الحداثة والتنوير والثورات التي انطلقت باسم الحرية والتحرير، والسعي إلى مقاربة الحقيقة بعيدًا من الأيديولوجيات الضيقة، كلها أصبحت اليوم على محك التساؤل النقدي. إعادة النظر باتت أمرًا ملحًّا في كل ما أُطلِقَ من شعارات كالأخوة والعدالة والمساواة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ناهيك عن الحق في تأمين المأكل والمشرب والطبابة والسكن اللائق بالكائن البشري.
لمَ بات الدفاع عن الحرية، وبخاصة حرية التعبير، أمرًا نسبيًّا يخضع لأكثر من معيار؟ كيف تتم مقاربة الوقائع اليومية من جانب وسائل الإعلام، وكيف تُتَلَقَّى هنا وهناك؟ وبالعودة إلى كانط، هل يمكن لإنسان اليوم أن يكون لديه فهم منطقي لما يحدث من حوله من دون «توجيه الآخرين» (وسائل الإعلام)، وما يُسمح لها بنشره؟
لم يكد المجتمع العربي يلملم تشظياته، ويضمد النزيف القاتل الذي عاناه منذ مطلع الألفية الثالثة، حتى استفاق على ما يمكن تسميته انقلابًا في غاية الخطورة. المقاييس تبدلت، والمعايير اختلفت. ما درسناه في الكتب لم نجد له صدى في الواقع. وما نُودِيَ به على الشاشات والمنابر لم يحظَ بترجمة له على الأرض. كيف لنا أن نستوعب ما يجري ونتعاطى معه ببرودة العالِم في مختبره؟ هل يمكننا بعدُ أن نضع نظارة الموضوعية ونفكك حقيقة ما يجري؟ كيف للوعي أن يفهم هذا الشرخ الهائل بين ما رُوِّجَ له منذ زمن حول الحداثة الفكرية، واستقلالية العقل، وضرورة مقاربة الواقع من الوجهة النقدية مهما كانت موجعة ومكلفة، وأهمية العمل على الكشف عن «المسكوت عنه» في الخطاب السائد، وإلزامية اقتحام دائرة ما هو «مستحيل التفكير فيه»، من دون أن نغفل عن كثرة المشروعات الساعية إلى زحزحة السقوف الأيديولوجية الرابضة بقوة على أنفاس العقل من أجل إسقاطها؟ هل بقيت الحداثة بالنسبة إلينا مشروعًا فكريًّا غربيًّا منسلخًا عن المجتمعات العربية وثقافة أهلها؟
قبل أن تحل الكارثة
نعم، كانت شعارات النهضة عالية النبرة، وطموحات الحداثة بعيدة الأفق، والآمال بوسع الانتظار الذي طال قرونًا. لكن، الواقع مختلف بوضوح عن الفكر، فالهوة الفاصلة بينهما راحت تزداد عمقًا مع تتالي الأيام والسنين. تجدر الإشارة هنا إلى أنه بدأت تتكشف ضخامة الانفصام بين التنظير والتطبيق، بين ما ينادي به كبار المفكرين والأدباء والشعراء في الغرب كما في الشرق، من جهة، وبين حقيقة ما يحدث في الغرف المظلمة حيث تؤخذ القرارات المبنية على القمع والسيطرة واستغلال الضعفاء والفقراء، من جهة أخرى. كذلك يبدو جليًّا الاتفاق على غض النظر عن هدر حقوق البشر في ناحية من هذا العالم، والاستماتة في الدفاع عنها في ناحية أخرى منه. هناك راديكالية تواجه راديكالية أخرى، والتطرف يمتلك لغة تزداد انتشارًا يومًا بعد يوم، هنا وهناك. يمكن أن نشير إلى أن عملية رفض نهج التفكير الذي كان سائدًا في أوربا في القرون الوسطى، تميز بالراديكالية. كذلك نجد أن رفض الحداثة ومعطياتها في مجتمعات لا تزال تقبع في التقليد، وتقدس التراث وتفضل أن تبقى مخلصة لمجمل ما ورد فيه، جاء راديكاليًّا هو الآخر.

قسطنطين زريق
يلفتنا في هذا السياق توقف قسطنطين زريق في نهاية القرن الماضي، من خلال دراسة له في مجلة «المستقبل العربي» بعنوان: «النهج العصري» عند سلبيات الحداثة وأخطارها، فيذكر في البداية الحروب المرتقبة والناشئة التي تجابه الإنسانية خطر اندلاعها، وبخاصة بعد تطور نظام تصنيع الأسلحة البيولوجية والكيميائية والنووية. ومن ثم يشير إلى «آثار التسلح والتسليح» على الاقتصاد والمجتمع في آنٍ؛ لأن حجم الدمار أصبح كبيرًا، والمخاوف والأهوال متعاظمة، مثل: «امتصاص نسبة كبيرة من ثورة الشعوب، المادية والبشرية وتحويلها عن المطالب الملحّة في التنمية والإعمار في مكافحة الفقر والجوع والمرض والجهل وشتى وجوه التحرير الإنساني». هذا الوضع، في رأيه، سينعكس سلبًا على الدول النامية فيزيد من غرقها في التخلف والحرمان. كذلك يلحظ زريق أنه من سلبيات الحداثة «اتساع الفوارق بين الشعوب القادرة والشعوب الضعيفة»، وهو الأمر الذي سيضاعف الاستغلال ويزيد حجم «الفجوة» بين الأقوياء والضعفاء؛ إذ بعد انحسار الانتداب التقليدي حل محله استعمار جديد ابتدع أساليب خاصة للاستغلال. ويتابع قسطنطين زريق تحليل انعكاسات الحداثة السلبية، فيذكر «اختلال النظام الاقتصادي العالمي» انطلاقًا من انخفاض معدلات النمو، والركود والانكماش والبطالة والتضخم، وارتفاع مديونية الدول النامية، وازدياد تبعيتها للدول الصناعية.(2)
ليس المجال متسعًا هنا لذكر مجمل المفكرين الذين توقفوا عند درس الحداثة وإبراز سلبياتها كما إيجابياتها، إنْ في الفكر الغربي، أم في الفكر العربي، إنما الهدف يكمن في الإضاءة على أزمة فعلية تواجه العقل اليوم، وتجبره على أن يتفحص بدقة إخفاقاته كما انتصاراته، ارتقاءاته النظرية كما خيباته العملية. العقل مطالب في هذه المرحلة من التاريخ المعاصر، وقبل أن ينتقم التراث لنفسه، وتستعيد ذهنية القرون الوسطى نفوذها، بتعرية ذاته، وتشذيب أدواته، وتصويب مساراته، بعيدًا من الراديكالية، وعن التقوقع ضمن أيديولوجية محدودة الأفق والأهداف. ألم تأتِ الساعة بعدُ للانخراط في مهمة وجد العقل لأدائها؟
اغتراب المشروع الحداثي
حسن حماد – كاتب مصري
بداية لا بد من الاعتراف بأنّ الحداثة بمدلولها الحضاري الشامل مسألة تنتمي بجذورها وروافدها إلى عصرَيِ النهضة والتنوير. وقد اتخذت تلك الحداثة من العقل سلاحًا وقاعدة صلبة أقامت عليها انتصاراتها، وهو الأمر الذي سمح للحداثة الأوربية بالفوز في كل المعارك التي خاضتها العقلانية الأوربية، وبخاصة في معاركها مع رجال الدين والإقطاعية الرجعية، وضد التحالف غير المقدس الذي كان قائمًا آنذاك بين السلطة الدينية وبين السلطة السياسية.
وعلى هذا، فالحداثة تشير هنا خاصةً، أولًا إلى سيادة العقل، الذي أدى بدوره إلى انتصار ما هو إنساني على ما هو لاهوتي، وأدى في النهاية إلى بلورة التيار العلماني الذي سعى بكل قوة إلى فصل الدين عن السياسة، وتحرير العلم والفلسفة والفكر والثقافة والفن من قبضة رجال الدين.
تقدم مادي وتراجع أخلاقي
وعلى الرغم من الوجه المشرق للمشروع الحداثي، والتفاؤل المسرف بمستقبل البشرية التي ستحكمها سلطة العقل والعلم، فإنّ الصورة الواقعية والفعلية لم تكن بهذا النقاء الفكري، فالمظهر البرّاق الجذاب لعصرَيِ النهضة والتنوير لم يكن دائمًا كذلك، والجنة التي تَطَلَّعُ إليها الناس كي تتحقق على ظهر الأرض بعد قيام الثورة الفرنسية لم تكن سوى وهم. ويكفي للتدليل على صحة ما نقول أنّ رجال الثورة، بعد أن حطموا النظام القديم للملكية، وبعد أن تولوا مقاليد الأمور، توقفوا عن المناداة بالمساواة الكاملة للجميع، وبدؤوا يغيّرون مبادئهم، فتخلوا عن مساندتهم للفقراء والعمال والزرّاع والمهمشين، وتركوهم في تعاستهم، وتوجه كل جهدهم من أجل إسعاد طبقتهم؛ طبقة البورجوازيين الكبار والصغار، ولم يستطيعوا أن يتحرروا في تفكيرهم ومسلكهم من الانحياز للطبقة الرأسمالية. ثم لم تلبث الثورة الفرنسية أن أصبحت معبرة عن طموحات وتطلعات أغنياء البورجوازية الذين أظهروا جشعًا فاق جشع طبقة النبلاء القدماء.

هربرت ماركيوز
ويبدو أنّ السبب وراء تعثر المشروع الحداثي يعود إلى أنّ التقدم المادي لم يرافقه بصورة مكافئة تقدم معنوي وإنساني. ومن هنا جاء هذا التباين الشاسع بين التقدم بمعناه المادي والسياسي والعسكري، والتقدم بمعناه الإنساني والأخلاقي والمعنوي. وللتدليل على ذلك نذكر أنّ الضمير الأخلاقي الغربي لم يستنكر إبادة أهل أميركا الأصليين (الهنود الحمر)؛ إذ اشتركت كل الشعوب الأوربية المهاجرة إلى العالم الجديد في هذه الجريمة البشعة. هذا الفكر الغربي المثالي نفسه القائم على أفكار التقدميين لم يستنكر قط الاستعمار، وأباح إذلال الشعوب الأخرى ونهب أموالها وإهدار كرامة شعوبها؛ لأنّ مفهوم حقوق الإنسان قد اقتصر فقط على الإنسان الغربي، فهو وحده الإنسان، أما سواه فأي شيء آخر غير إنسان. وعندما أسقط الأميركيون قنابلهم الذرية على هيروشيما وناغازاكي لم يتحرك أحد من أهل الغرب؛ لماذا؟ لأنّ الضحايا في هذه الحالة كانوا يابانيين وغير أوربيين.
وبالقياس نفسه استباحت الولايات المتحدة الأميركية، في بداية القرن الحالي، احتلال أفغانستان، ومن بعده احتلت العراق في حرب ظالمة وغير متكافئة راح ضحيتها مئات الآلاف من الأبرياء، ولم يتحرك الضمير الأوربي، ولم يتأثر أحد بصور المجازر الجماعية ومشاهد التعذيب والتشويه والإذلال التي مارسها جنود المحتل الأميركي ضد أطفال وشيوخ ونساء وأبناء الشعب العراقي في حرب لا مسوّغ لها سوى الرغبة المجنونة في التوسع واحتقار الشعوب غير الأوربية واستغلالها.
والآن يتكرر السيناريو ذاته، ويشهد العالم كله، من أقصاه إلى أدناه، حربًا قذرة تشنها إسرائيل بمساندة ومباركة أميركية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل. إنها حرب إبادة حقيقية لشعب مناضل، كل جريمته أنه يدافع عن قضيته العادلة، وعن أرضه وحقوقه المستلبة. بِمَ يمكن أن نصف هذا؟ أليس هذا نوعًا من الوحشية والهمجية وأحط أنواع القرصنة التي يشهدها التاريخ المعاصر؟ فباسم الحرية تُرتكب الآن أبشع الجرائم في التاريخ، وباسم حقوق الإنسان يجري إذلال الشعوب وقتلها وتشريدها وإبادتها وسحق كرامتها.
نقد العقل المتوحش
إننا نشهد في أيامنا الراهنة أكبر عملية تشويه متعمد ومقصود للقيم والمبادئ والأفكار، ونشهد انقلابًا لكل المعايير وانقلابًا لأسوأ وأردأ نوازع الشر والعنف والعدوانية لدى الإنسان. تُرى بِمَ تفسر هذه الازدواجية التي يحياها العقل الغربي بين أهدافه التحررية المنشودة والمعلنة، وبين ممارساته القمعية الفعلية والفجة؟
إن الإجابة في كلمة واحدة هي «الاغتراب»، والمقصود بالاغتراب هنا «خلل العقل» أو فقدان السيطرة. وضلال العقل في هذا السياق ظاهرة ترتبط بتوحش الرأسمالية؛ الرأسمالية الفاشستية (إن جاز التعبير)، فهذه الرأسمالية الجديدة العابرة للقارات تفتش دائمًا عن أساليب جديدة وخبيثة تسعى من خلالها إلى الهيمنة على ثروات العالم، واضطهاد وسحق الشعوب الفقيرة، وإعادة تشكيل خريطة العالم بما يتفق وأهدافها التوسعية البغيضة والقذرة. إننا نواجه نوعًا جديدًا من الداروينية الاجتماعية التي لا تتورع عن استدعاء سائر المكبوتات العنصرية والعرقية واللاهوتية الكامنة تحت قشرة الحداثة الزائفة!
إنّ ثورة العقل الحديث التي قامت ضد الغباوة والقهر والخوف من المجهول وضد القسوة والرعب وإرهاب الإنسان، هذه الثورة تتحول إلى نوع من الثورة المضادة التي تحاول أن تغتال كل منجزات عصرَيِ النهضة والتنوير، وتعود بالإنسان إلى حالة الهمجية الأولى.
إنّ العقل الإنساني الراقي الذي يستطيع القيام بوظائف: النقد، التخيل، الإبداع، التأمل، التفكير.. هذا العقل نفسه مهدد بخطر التحول إلى اللاعقل: التبرير، الامتثال، الخضوع إلى المهادنة؛ فيصبح موظفًا في مؤسسات القمع والإرهاب.
وتعبيرًا عن هذه الازدواجية التي يمكن أن يعانيها العقل يقول «هربرت ماركيوز» في كتابه «العقل والثورية»: «إنّ فكرة العقل تستوعب كل شيء وتغفر كل شيء.. ربما يكون لنا الحق منطقيًّا وتاريخيًّا أن نعرف العقل على النحو الذي يجعله يتضمن العبودية، محاكم التفتيش، تشغيل الأطفال، معسكرات التعذيب، غرف الغاز، الاستعداد النووي. إنّ هذه المظاهر يمكن أن تشكل عناصر مكملة للعقلانية التي حكمت التاريخ المدون للنوع البشري».
ويبقى السؤال الحائر: ما العمل؟ هل نسلم بهزيمة العقل، ونُقِرّ بخيبة أمل الحلم البروميثيوسي، ونعلن يأسنا من العلم، ومن كل الحلول الإنسانية؟
بالتأكيد، إننا لا نريد أن نصل إلى هذه النتيجة السوداوية. فلا يعني نقد العقل رفضنا الجذري له على طريقة إما- أو. ولهذا فإنّ نقد العقل في هذا السياق ليس استبعادًا للعقل؛ إذ إنّ البديل في هذه الحالة معروف، إنه العودة إلى أحضان الجهل والخرافة، والتسليم بالعجز المطلق للعقل. وهذا البديل مرفوض من جانبنا تمامًا. إنّ النقد هنا معناه تصحيح العقل من داخل العقل وعبر قوانينه ومبادئه. وهذا هو الأمل الحقيقي من وجهة نظري، أعني أنّ التفتيش عن وسيلة لإنقاذ العقل من أزمته لا يكون خارج نطاق العقل، وإنما من داخل العقل نفسه، فاليد التي أحدثت الجرح هي التي تداويه في نهاية الأمر.
دفاعًا عن الحداثة

محمد المصباحي – كاتب مغربي
كانت علاقتنا بالحداثة منذ احتكاكها بنا علاقة متوترة تتخذ في كل مرة شكل أزمة حادة، إلا أن الأزمة الأخيرة التي نقاسيها منذ «طوفان الأقصى» أزمة فريدة في نوعها؛ إذ وضعتنا وجهًا لوجه أمام ما تواترت وسائل التواصل الاجتماعي على تسميته «إفلاس قيم الحداثة والتنوير»؛ بسبب الانحياز الجائر لبعض مفكري الحداثة الألمان لفعل الإبادة الشامل الذي تقوم به إسرائيل للشعب الفلسطيني، من دون أي اعتبار للشعور الأخلاقي وللقيم الإنسانية النبيلة.
اندفع هذا الرهط من الفلاسفة الناطقين باسم الحداثة للدفاع عن «حق» المحتل الإسرائيلي في الدفاع عن نفسه، متجاهلين حق الفلسطينيين المطرودين من بيوتهم ووطنهم في الدفاع عن أنفسهم. الأزمة الآن، إذًا، ليست أزمة صراع بين الحداثة وبين التراث؛ بين ثقافة التقليد وبين ثقافة التجديد والتغيير الجذري، وإنما هي صراع بين الحق وما شُبِّه لهم أنه حق، ما يعني أنه صراع بين الفلسفة وما يشبه الفلسفة، وهي السفسطة.
فصل الحداثة عن الغرب
سمحت لنا محنة غزة أيضًا أن نكتشف قدرة ذاتنا على إيقاظ الذات الغربية من سباتها بشأن فكرة الحق الذي هو من مقومات التنوير. نعم، يمكن فهم ممارسة يورغن هابرماس الكذبَ على أنه كان يدافع عن مصالح بلاده الواقعة تحت أسر الولايات المتحدة الأميركية. لكن هل دفاعه عن خرافة الحق الإسرائيلي مفيد فعلًا لوطنه كوجود ومصير؟ لا أعتقد.
ما نخشاه من هذه الفضيحة الفلسفية أن تجد الغالبية العظمى من أهلنا فيها ذريعة لهجاء الأنوار والتخلي عن مُثُلها النبيلة؛ كالمساواة والحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية والعلمانية والإنسية وحق الاختلاف،… إلخ؛ فتندفع ضدًّا على هؤلاء المعطلة من فلاسفة الغرب لمبادئ التنوير، للسقوط في أحضان عدمية محبطة تروج لانعدام المعنى، والعقلانية، وعدم جدوى الفلسفة والفلاسفة. لا شك أن من غايات مخططي الإبادة الشاملة للشعب الفلسطيني باسم «حق» إسرائيل في الدفاع عن نفسها، هي دفع قوى ثقافية أصولية واستبدادية في مجتمعاتنا للإجهاز على الجزء الضئيل من مكتسباتنا من الحداثة الفلسفية التي نَعُدّها فعلًا لاستكمال النقص الروحي لماهية وجودنا التاريخي.
نعم، لا ننكر مشروعية التطلع للتحرر من الانبهار بالحداثة والانعتاق من التبعية لممثليها، لكننا نعتقد مع ذلك أنه ليس من حقنا ولا من مصلحتنا أن نتخلى عن الحداثة، وبخاصة الحداثة الفلسفية، بمجرد إعلان رهط من منظريها عن ضربهم بعرض الحائط لمبادئها. إننا نرى في المقابل أن الأجدر بنا أن نقوم بفصل الحداثة عن الغرب، والتشبث بالحداثة بما هي حداثة، لا بما هي حداثة غربية، اعتقادًا منا أن الحداثة، وبخاصة الفلسفية، ليست مطلبًا عرضيًّا عابرًا لشعوبنا العربية، بل هي مطلب جوهري لوجودها التاريخي؛ كيلا تلتهمه نار الأصولية والتفاهة والثورة الرقمية.
بعبارة أخرى، المشكل الذي علينا أن نتصدى له اليوم هو كيف نحقق الحداثة من دون حمولتها الغربية، ومن دون الوصاية أو الإملاء الغربي. إذًا، لم يعد المشكل هو كيف نوفق بين زمانين: زمن التراث وزمن الحداثة، وبين فعلين متقابلين؛ المحافظة على الهوية التراثية والانقلاب عليها، وإنما صار المشكل هو كيف نحول الحداثة إلى «مكان محايد»، لا شرقي ولا غربي.
والحقيقة أنَّ تَنَكُّرَ بعض أساطين الفكر الحداثي للقيم الإنسانية الأساسية، وانسياقهم وراء مساندة الإبادة العرقية للشعب الفلسطيني، وإنكار حقه في مقاومة الاحتلال؛ هو دليل على تخليهم عن الحداثة بما تقتضيه من عقلانية وموضوعية ونقد ونقد ذاتي، وبهذا التَّنَكُّر يكونون قد انتقلوا فعلًا من مرتبة الفلاسفة إلى مرتبة السفسطائيين والعوام. وما يميز العوام أو الجمهور هو خضوعهم للنظرة الأحادية ذات الطبيعة الوثوقية التي تحركها نزعة وطنية ضيقة أمسى فيها الظلم عينَ الحق. بهذا السلوك اللاحداثي يكون الغرب قد أكد فقدان ريادته الفكرية والحضارية، إلا أننا لا نتفق مع ما قاله الفيلسوف الإيطالي جياني فاتيمو من أن نهاية الحداثة مقرونة بنهاية سيطرة أوربا، فالحداثة باقية بقيادات أخرى أكثر حصافة وحكمة.
الحداثة بمعيار الحق
إن إخلال بعض المفكرين الغربيين، كهابرماس، بمبدأ المساواة بين الأمم، وتحويلهم الحق إلى باطل، جعلهم مفكرين ما قبل حداثيين يخفون تعلقهم بأيديولوجية غربية ذات منحى عِرقيّ بالمعنى الألماني للكلمة. فالدفاع عن دولة اغتصبت أرض غيرها وسلبت سكانها حقهم في الحياة في وطنهم، هو فعل أصولي وعرقي بامتياز. مع ذلك لا ينبغي أن يؤدي موقفهم إلى إعطاء ظهرنا للحداثة والعودة إلى فكر القرون الوسطى. إضافة إلى ذلك، علينا أن نَعُدّ موقف المساندين للعدوان والطغيان الغربي- الإسرائيلي نقطة ضعف، واستثماره لتعديل خط الحداثة الفلسفية وإرجاعها إلى صوابها.
الذين يُلقون باللائمة على الحداثة والأنوار عليهم أن يدركوا أن الحداثة ليست مرادفة للحق، ولا كمُل الحق عند دعاتها؛ لذلك علينا ألا نطالب هؤلاء المارقين عن الحداثة والأنوار أن يكونوا فاضلين، صائبين ومنصفين دائمًا في أحكامهم ومواقفهم إزاءنا. ونقول هذا لأنه بالرغم من أن الحداثة «زمان مشترك» قائم على وحدة الإنسانية، فإن تطورها فرض وجود «أزمنة خاصة»، طالما أن الزمان المنسجم والمتطابق مع نفسه لم يعد ممكنًا. من هنا حقَّ لنا أن نعدّ الحداثة الغربية «زمنًا محليًّا» وليس من حقها أن تُملي علينا ما هو حق وما ليس حقًّا، ما هو خير وما ليس بخير.
نعم، أعترف بأنني كنت أعدّ الغرب جزءًا منا؛ لأنني كنت أرى أن العلاقة بيننا وبين الغرب ليست علاقة ضدية وإنما هي علاقة إضافية، أي أننا موجودون داخله بفضل علومنا وفلسفاتنا وتصوفنا، وهو موجود داخلنا. من هنا جاءت مناداتي باستبدال شعار «محبة الحكمة» (اليونانية) إلى شعار «محبة الحداثة الفلسفية»؛ إذ هي الضامنة لاستمرار تحديث ثقافتنا وتطويرها. كما كنت أتصور الحداثة كلًّا: إما أن نأخذها كلها أو نتركها كلها. لكنني بعد محنة غزة صرت أميز بين حداثة وحداثة على أساس معيار جديد هو الحق. وبهذا يمكننا نحن العرب لأول مرة أن نأخذ المبادرة في الأزمنة الحديثة لإيقاظ الضمير الغربي.
من هنا بوسعي أن أقول: إن ما يميز بعض الفلاسفة الغربيين ليس نسيان الوجود، كما قال هايدغر، وإنما نسيان الحق، أقصد نسيان الحق البشري، وهو ما يفسر اندفاعهم لممارسة شتى أبشع أنواع الظلم على شعوب الأرض: كالاستعمار، والميز العنصري، وإبادة الشعوب والثقافات وهدم المدارس والجامعات والمساجد والكنائس والمكتبات والمستشفيات.
أعتقد أنه ما زال اليوم من الحكمة الدفاع عن الأنوار لأنها بلغة ابن خلدون، «خلقٌ جديدٌ» يعيد النظر يوميًّا في كل شيء: في الكون، وفي الإنسان، وفي العقل، وفي الخيال، وفي الفعل والانفعال، في العلم والفن والأدب، وفي الدولة والعمران، في الحياة الاجتماعية والسياسية،… إلخ. لكن لكي تبقى جذوة الأنوار والحداثة متقدة في خلقها الجديد، علينا أن نفتح لها ورشات جديدة على ضوء ما أصابها من خلل من جانب بعض الفلاسفة الغربيين.
لا نريد في عالمنا العربي أن تلبس الحداثة لباس «ما قبل الحداثة» كما يفعل الإرهاب الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية منذ عقود، حيث يستندون إلى أساطيرهم التوراتية لتبرير اغتصابهم لأرض الشعب الفلسطيني وإبادة سكانها باسم الحداثة الديمقراطية. هذا الخلط لا يمكن أن يحارب بخلط مضاد له، بل بالرجوع إلى مكتسبات الحداثة بما هي حداثة لإثبات أن تمادي الغرب في نرجسيته المتغطرسة لن يكون مآله سوى الانتحار التاريخي. وهذا الانتحار التاريخي هو الذي أعماهم عن إدراك الفرق الجذري بين الإنسان الفلسطيني و«الإنسان» الإسرائيلي.
أخيرًا، فرق كبير بين التنوير الذي أوجب على إميل زولا أن يحتج على الظلم الذي لفق بالضابط الفرنسي ذي الديانة اليهودية، دريفوس، وبين «الحداثة» التي أوعزت لرهط من الفلاسفة الألمان تأييد إبادة يهود إسرائيل للفلسطينيين ككل.
عقول كونية لا إقليمية

عبدالله الهميلي – كاتب سعودي
كل حضارة وفق مقياس ريخترها الخاص لها عمر افتراضي، من الممكن أن يتمدد إذا استمر العقل في اكتشاف قابلياته ومهاراته وإمكانياته. عصر التنوير الأوربي له استحقاقاته التاريخية، منها ميلاد مفهوم الدولة الحديثة هوبز/ مونتسكيو/ جان جاك رسو/ جون لوك وغيرهم من الفلاسفة، الذين وضعوا تقعيدات للفكر الإنساني وقواعد من الممكن أن ينطلق منها. فميلاد فلسفة الدولة نجم عن حقبة التنوير، امتدادًا لهيغل وفيخته وشيلنغ وفلاسفة القانون في تلك الحقبة.
الذي ولد كلمة التنوير في الفاهمة الأوربية فهو الثورة الفرنسية القانونية والثورة الاقتصادية في إنجلترا والثورة الأميركية، ومن خلالها وُجِدَت حقول ونَمَت فلسفات. المقعدون النظريون لفكر الأنوار هم ديكارت وزملاؤه من بيكون وهيوم وغاليليو وكوبرنيك ونيوتن. لكن لا ننسى أن المعمار الفكري الذي عول عليه فلاسفة الأنوار هو معمار إمبراطوري بحت، فديكارت وهو رجل عسكري في الدولة الفرنسية، إضافة إلى كونه عالمًا وفيلسوفًا، عبر عن منظاره الأنواري بمنظار أداتي بحت. وكذلك بيكون وغاليليو باعتبار الإنسان هو الذي يستثمر ممكنات الطبيعة ويستحوذ عليها ويطرد الميثولوجيات والأساطير من عقله.
الإرث الأنواري قدم كنوزًا فلسفية ثمينة جدًّا أرشدت الإنسان الأوربي والغربي إلى ما أصبح عليه في عصر الحداثة وازدهار الفنون والآداب، وابتكار علوم جديدة وإبستمولوجيا تختلف جذريًّا عن عصر النهضة وبداياته وإرهاصاته. إذن عصر الأنوار علينا أن نموضعه ضمن سياقه الزماني وملابسات ذلك السياق، فليس يعني إنتاج نصوص فلسفية وعلمية أن تتحول نصوص الأنوار إلى نصوص دينية مقدسة لا يأتيها الباطل. وقد أوصلها فلاسفة الحداثة إلى ذروتها من أمثال كانط وهيغل. وقد كان ما يدور في خَلَدِ ذلك الجيل الفلسفي، أنه أوصل الفلسفة إلى مقام العلم وأتى بما لم يأتِ به الأوائل، وظن أنه وصل لنقطة النهاية الفلسفية وبذلك أجهز على الفلسفة التي يصعب الإمساك بها.
هذا الوهم والحلم الرومانسي الذي كان يراود فلاسفة الأنوار وفلاسفة الحداثة انتهى بموتهم. ماتوا هؤلاء الفلاسفة، رحمهم الله، ولم تمت الفلسفة أطال الله في عمرها. في حقبة العصر الحديث، أعني نهايات القرن التاسع عشر، ولدت علوم جديدة وحقول جديدة، ونمت إشكاليات أوسع من الإشكاليات التي كان يعالجها العقل الأنواري، الذي كانت الإبستمولوجيا المعتمدة لديه قائمة على عطاءات نيوتن والفيزياء وفلك كوبرنيكوس وغاليليو.
العصر الأنواري هو عصر الإمبراطوريات والتفكير المنبثق من خلاله، وتقديس العقل المطلق. لكن هذا العقل الأداتي الذي يميل إلى تَشْيِيءِ الإنسانِ وجعله أداة من أدوات الطبيعة ووسيلة من وسائل الاستغلال والإنتاج، قد خرج عن التغطية مع أفول عصر الإمبراطوريات، ووصول العقل الأداتي إلى ذروة الانغلاق في بدايات القرن العشرين وولادة الحربين الكونيتين الأولى والثانية، وما خلفه هذا العقل الأداتي، الذي هو نتيجة لانغلاق العقل الأنواري، من كوارث ومآسٍ كافية لأن يراجع هذا العقل، الذي يدعي فهمه كل شيء، قناعاته.
وبذلك تولد الفلسفة المعاصرة التي ترفض هذه المركزيات، التي بس فيها العقل نفسه، لتولد حقول جديدة وأنماط فلسفية أخرى، قائمة على الوعي والإدراك والعلوم العصبية واللغة وتداخل العلوم والحقول وتضافر بعضها مع بعض؛ لمراجعة تلك الأطروحة الحداثية للفلسفة في سبيل نهضة الإنسان الجديد وخروجه من هيمنة العقل الأداتي باتجاه العقل المنفتح والتواصلي والظاهراتي الذي يستفيد من عطاءات المعرفة في شتى الحقول، وينجب فلاسفة من صميم تلك الحقول النظرية والعملية.
وتغدو مجالات الفلسفة أوسع من أن تضيق على العقل وحده، وبذلك تتطور الفلسفة الأخلاقية والقانونية والقيمية عند الإنسان. الميثاق الأخلاقي الذي أنتجته الفلسفة الكانطية لم يعد كافيًا من دون الفلسفة التجريبية، ومن دون ميلاد مجتمع دولي وشخصيات دولية وقوانين تلتزم بها الأمم المتعاقدة، ومن دون توازن القوى بين جميع الدول في العالم ضد الظلم الاجتماعي والحروب وتشجيع التنافس الشريف بين الدول، في سبيل نهضة الإنسان وسعادته. وإنتاج التقنيات وتبادل الخبرات والعقول لتخليص العالم من مآزقه، كالاحتباس الحراري وانهيار النظم البيئية والقضاء على الفقر وسيادة الدول وتفعيل القانون الدولي الإنساني.
لم يعد المشهد العالمي وكذلك الفلسفي فردانيًّا يقوده الغرب لوحده، بل هناك عقل كوني موزع بين جميع القوى والعقول وبين الشعوب لأجل خير البشرية وسعادتها.
هوامش:
(1) لمزيد من التفصيل، انظر: إيمانويل كانط، «فلسفة التاريخ»، باريس، منشورات غونتيي، 1965م، ص46-53. النص ورد في العربية ضمن كتاب «الفلسفة الحديثة» (نصوص مختارة)، ترجمة محمد سبيلا وعبدالسلام بنعبدالعالي، المغرب، دار إفريقيا الشرق، ط2، 2010م، ص287.
(2) للمزيد من التفصيل، انظر: قسطنطين زريق، «سلبيات الحداثة وأخطاؤها»، نص منشور في كتاب الحداثة وانتقاداتها، إعداد محمد سبيلا وعبدالسلام بنعبدالعالي، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، ط1، 2006م، ص44-46.
بواسطة هند العيسى - باحثة سعودية | مايو 1, 2024 | تراث
يمكن إعادة أول مخطوط مطبوع حققته وضبطت نصه امرأة إلى عشرينيات القرن المنصرم، ومع مرور قرن من الزمن على ظهور اسم مؤنث على غلاف مخطوط مطبوع، ما زالت ملامح إسهامات الجيل الأول من النساء في تحقيق التراث العربي غير واضحة. يشوب البدايات الأنثوية في هذا المجال بعض الغموض، وباستثناء بعض الأسماء اللامعة وإنجازاتهن الباقية في الذاكرة الجمعية، تكاد تغيب عنا أسماء أخرى ساهمت في مجال تحقيق التراث ونشره، بما في ذلك الصعوبات التي واجهتهن ومناهجهن التحقيقية، بل ربما وقعت بعض النصوص التي عملن على تحقيقها في طي النسيان، وبخاصة تلك النصوص التي لم تر طريقها إلى النشر.
النساء يدخلن «علم الرجال»
من الأهمية بمكان أن ندرس تاريخ الجيل الأول من النساء ودورهن في تحقيق التراث العربي ونشره، ليس لنثري معرفتنا بإسهامات المرأة في القرن العشرين فحسب، بل لكي نؤرخ لمرحلة دخلت فيها النساء لأول مرة مجال عرف تقليديًّا بأنه «علم الرجال» لتميز المحققين من الرجال فيه وفي أدواته ردحًا من الزمان.
وربما بمقدورنا أن نطرح جدلية جريئة، إن صح القول، مفادها أن فهمنا بوصفنا نساء مهتمات بالتراث أو مشتغلات فيه بحاضرنا ومستقبلنا، يعتمد بشكل كبير على عودتنا إلى الماضي بحثًا عن إرث أنثوي معرفي تراكمي في مجال تحقيق التراث العربي ونشره في القرن العشرين. نبحث في هذا الإرث ليس عن امتداد تاريخي لحضورنا فحسب، بل نبحث فيه عن أسس معرفية متينة لمناهجنا التحقيقية والبحثية.
في هذا المقال سأبحث عن هذا الإرث الأنثوي في إسهامات الجيل الأول من المحققات النساء، وسأتناول ظهور ملامح وعي أنثوي نقدي من خلال تحقيق التراث والاشتغال عليه في سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم، وأربطه بالوعي الأنثوي الذي تميز به الجيل الأول عامةً، وعي ممكن أن أسميه وعي المرأة بتاريخ المرأة.
سكينة الشهابي: دور ريادي في تحقيق تاريخ النساء
في عام 1982م، نشرت المحققة السورية سكينة الشهابي (1933-2006م) تحقيقها لمجلد «تراجم النساء من تاريخ مدينة دمشق» من تصنيف الإمام الحافظ ابن عساكر الذي يقع في أصله في ثمانين مجلدًا. كان ذلك من ضمن عملها على تحقيق «تاريخ مدينة دمشق» للحافظ ابن عساكر مع نخبة مع المحققين والمحققات في مجمع اللغة العربية بدمشق، وهو العمل الذي بدأت فيه من تاريخ انضمامها إلى المجمع في 1973م، ومع أن هذه المجلدة كانت آخر التاريخ، إلا أن سكينة الشهابي أرادت البدء بها. توضح سكينة الشهابي سبب اختيارها هذا النص خاصة في مقدمتها حيث تكتب:
«ونظرًا لأن عمل الحافظ في أخبار النساء لم يسبق له شبيه. ولم يتله مدانِ أسرعت إلى إخراج هذا الكتاب. وهو آخر التاريخ. بدأت به وعشرات المجلدات من التاريخ ما زالت مكدسة في خزائن المخطوطات تنتظر أن ترى النور. لقد فضلت في عملي هذا الأهم على المهم تلبية لحاجة المكتبة العربية. ورغبة في الكشف عن جوانب من حضارتنا تسلط أخبار النساء الضوء عليها. ولا يمكن أن تظهر جلية واضحة في غير أخبارهن» (الإمام الحافظ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: تراجم النساء، تحقيق سكينة الشهابي، دمشق: دار الفكر، 1982م: صفحة 5)
ومع أن ظهور مجلدات تاريخ مدينة دمشق إلى النور بعناية من محققي ومحققات مجمع اللغة العربية بدمشق لم يكن بالترتيب الذي وضعه المصنف الإمام الحافظ لأسباب عدة يطول شرحها هنا، فإن اختيار سكينة الشهابي لهذه المجلدة بالذات للبدء بها يوضح وعي أنثوي جعل المرأة وتاريخها أولوية في عملية اختيار النصوص التراثية بهدف ردم النقص الذي تعانيه المكتبة العربية عن تاريخ المرأة.

إحياء تاريخ النساء في التراث الإسلامي
لم يكن وعي سكينة الشهابي الأنثوي حالة استثنائية في سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم، ولم يكن تحقيقها لتراجم النساء المخطوط الوحيد عن تاريخ النساء الذي حققته امرأة، فمن خلال تتبع عناوين المخطوطات التي حققت وطبعت في القرن العشرين على أيدي المحققات من النساء، بل حتى تلك المخطوطات التي حققت أو شرعن فيها لكن لم ترَ طريقها إلى النشر، سنجد أن سكينة الشهابي كانت جزءًا من جيل من المحققات المشتغلات على التراث العربي المخطوط في سوريا والعراق ومصر وباكستان وغيرها من البلدان اللاتي وضعن تاريخ المرأة محورًا مهمًّا في عملية اختيار النصوص.
فنجد أن سكينة الشهابي نفسها قد أخرجت إلى النور مخطوطات أخرى عن المرأة وتاريخها، فحققت في عام 1983م مع مؤسسة الرسالة كلًّا من مخطوطي «المنتخب من كتاب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم» من تأليف الزبير بن بكار، و«أخبار الوافدات من النساء على معاوية بن أبي سفيان» من تأليف العباس بن بكار الضبي. إضافة إلى نشرها تحقيقها لترجمة حبابة جارية يزيد بن عبدالملك من تاريخ الحافظ ابن عساكر في مجلة التراث العربي في عام 1984م وهي ترجمة سقطت من المجلدة الأصلية؛ بسبب خرم في المخطوط الذي اعتمدت عليه (المجلد الرابع، العددين 13-14).
بل بسبب هذا الخرم وسقوط ما يقارب عشرين ترجمة من مجلدة تراجم النساء، كانت سكينة الشهابي ترغب في نشر تلك التراجم في كتيب مستقل وعددها عشرون ترجمة، معتمدة بذلك على مخطوطين استقيا مادتهما من «تاريخ مدينة دمشق» للحافظ ابن عساكر، وهما «مختصر تاريخ مدينة دمشق» لابن منظور، و«تراجم شهيرات النساء» للمالقي. لكن يتضح أن هذا الكتيب المستقل لم يخرج إلى النور، ولم تصدر طبعة ثانية لتراجم النساء من تحقيقها. ونبقى نتساءل: هل أنهت تحقيقها لهذه التراجم العشرين وبقيت حبيسة الأدراج، أم كانت فكرة لم تنفذ فعليًّا؟ (الإمام الحافظ ابن عساكر، «تاريخ مدينة دمشق: تراجم النساء»، تحقيق سكينة الشهابي، دمشق: دار الفكر، 1982م: هامش 1، صفحة 51).
نفض الغبار عن مخطوط في مكتبة تشستر بيتي: تاريخ المرأة يخرج إلى النور
ويمكن تتبع هذا الوعي الأنثوي الجمعي بتاريخ المرأة من خلال تحقيق التراث العربي ونشره إلى سبعينيات القرن المنصرم، فنجد الدكتورة عائدة الطيبي تنهي رسالة الدكتوراه في جامعة أُكسفورد في عام 1975م بتحقيق مخطوط تحتفظ به مكتبة تشستر بيتي بدبلن، وهو مخطوط «تراجم شهيرات النساء» لأبي الحسن علي بن محمد المعافري المالقي، والمتوفى سنة 605 هجرية/ 1208 ميلادية، وقد نشرته في عام 1978م تحت عنوان «الحدائق الغَنَّاء في أخبار النساء: تراجم شهيرات النساء في صدر الإسلام». وتختم عائدة الطيبي مقدمة التحقيق بشعورها بالسعادة من تحقيق هذا المنجز فتكتب:
«يغمرنا شعور بالغبطة والفخار إذ إن مخطوطًا عربيًّا آخر من تراث الأجداد تسنى له أن يرى النور بعد أن عانى سنوات طويلة من الإهمال والنسيان. وفضلًا عما سيجنيه القارئ من الفائدة والمتعة لدى مطالعته أخبار المخطوط، نأمل أن يعين نشر المخطوط على كشف النقاب عن بعض النواحي من حياة المرأة في صدر الإسلام وعن وضعها في المجتمع آنذاك…» (أبي الحسن علي المعافري المالقي، «الحدائق الغناء في أخبار النساء: تراجم شهيرات النساء في صدر الإسلام»، تحقيق: عائدة الطيبي، ليبيا-تونس: الدار العربية للكتاب، 1978م، صفحة: 25)
ونجد أن الدكتورة بهيجة باقر الحسني من العراق كانت قد أنهت تحقيق المخطوط المالقي نفسه في المدة الزمنية نفسها، حيث تذكر أنها أنهت تحقيق مخطوط شهيرات النساء للمعافري في هامش مقال نشر لها في عام 1980م في مجلة الآداب الصادرة من كلية الآداب في جامعة بغداد في العدد الثامن والعشرين بعنوان: «الأديبة الناقدة السيدة سكينة بنت الحسين». أيضًا يذكر الكاتب حارث طه الراوي في عمود أخبار التراث في مجلة المورد في العدد الثاني المنشور في عام 1976م أن الدكتورة بهيجة الحسني قد انتهت من تحقيق المخطوط، وأهدته للمرأة بمناسبة اليوم العالمي للمرأة. لكن ببحث ببليوغرافي شامل في فهارس المكتبات وجدت صعوبة بالغة في تتبع النسخة المنشورة؛ إما لندرتها أو لأنها لم ترَ طريقها للنشر من الأساس.
لكن انكباب كل من سكينة الشهابي والدكتورة عائدة الطيبي والدكتورة بهيجة باقر الحسني على هذا المخطوط المحفوظ في مكتبة تشستر بيتي في دبلن يوضح لنا نقطتين: أولًا، أنه كانت هناك محاولات حثيثة لنفض الغبار عن المخطوطات التي تركز على تاريخ المرأة وإظهارها إلى النور: ثانيًا، بعض هذه المحاولات لم ترَ طريقها إلى النشر. وبناءً عليه، لا يمكن الاعتماد على النصوص المحققة والمنشورة فقط في توثيق تاريخ المرأة في مجال التحقيق، بل ربما جل هذا التاريخ لا يمكن تتبعه إلا بقراءة ناقدة لهوامش النصوص.

تأريخ البدايات
يوضح لنا استعراض بعض العناوين المنشورة من نصوص من التراث العربي وتركيزها على تاريخ النساء أن وعي المرأة النقدي في القرن العشرين لم يكن محصورًا في الرواية والشعر والكتابة النقدية فقط، بل ظهر بشكل واضح في تحقيقات النساء وعودتهن للتراث وغربلته بحثًا عن تاريخ المرأة وإظهاره إلى النور.

زينب فواز
ومع أننا نستطيع تتبع انكباب النساء على التراث العربي للبحث عن تاريخ المرأة إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وذلك من خلال كتابات زينب فواز ومريم النحاس عن تراجم النساء، كما وضحت ذلك البروفيسور مارلين بوث في كتاباتها باللغة الانجليزية، إلا أنه من الصعوبة بمكان معرفة هل اعتمدت النساء في كتابتهن على المخطوطات، وكان يسهل الوصول لها، أم إنهن اعتمدن على الكتب المطبوعة في ذلك الوقت. ويصعب معرفة المصادر التي اعتمدت عليها مريم النحاس في 1879م في كتابها «معرض الحسناء في تراجم مشاهير النساء» حيث فُقِدَ جزءٌ منه وتوفيت قبل أن تنشر الجزء الثاني. (مارلين بوث، لو مثلها كثر: التراجم وسياسات الجندر في مصر، بيركلي: دار نشر جامعة كاليفورنيا: 2001م).
لكن يتضح من قراءة مصادر زينب فواز في كتابها «الدر المنثور في طبقات ربات الخدور» اعتمادها، على الأرجح، على التراث المطبوع لاستقاء مادة كتابها الذي نشر لأول مرة في عام 1312 للهجرة/ 1894 ميلادية. وربما ترجح الكفة لهذا الاحتمال حينما تتساءل الدكتورة مارلين بوث عن سبب عدم اعتماد زينب فواز على كتاب «الطبقات الكبير» لابن سعد لتستقي مادتها عن تراجم النساء، وذلك في مقال لها عن زينب فواز، وتقليد كتابة السير في الموروث العربي الذي نشر باللغة الإنجليزية في عام 1995م في مجلة الأدب العربي. وربما يتضح السبب حينما نعلم أن الطبقات لابن سعد حقق ونشرت أولى مجلداته مع دار نشر ليدن في 1904م على أيدي نخبة من المحققين الألمان، أي بعد عقد من الزمن على نشر زينب فواز لكتابها. وقد نشر الجزء الثامن من كتاب «الطبقات الكبير في النساء» عام 1904م وقد عُنِيَ بتصحيحه بروكلمان.
السبعينيات والثمانينيات: وعي أنثوي جمعي من خلال تحقيق التراث
وصعوبة الحكم بشكل قطعي عن بدايات انكباب المرأة على المخطوط العربي بحثًا عن تاريخ المرأة يجعلنا نعيد النظر في الوعي الأنثوي الذي ظهر بوضوح من خلال تحقيق النصوص التراثية في سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم. فقد مهّد ظهور هذه الأسماء النسائية على غلاف طبعات كتب التراث بداية لمرحلة جديدة، فالمرأة لم تعد تستهلك الكتب المنشورة من التراث كقارئة أو باحثة أو حتى مؤلفة، لتستلهم محتوى كتاباتها عن المرأة في التراجم والتاريخ من الطبعات المنشورة للتراث العربي على أيدي المحققين والمصححين من الرجال، بل إنها تطلب الميكروفلم، أو تدخل بنفسها المكتبات بحثًا عن تاريخ المرأة، ثم تعكف عليه لتحقيقه ونشره.

مارلين بوث
وتتوالى النصوص المحققة عن المرأة وتاريخها في الظهور تباعًا في سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم. فنجد الدكتورة منيرة ناجي سالم من العراق تنشر في عام 1975م تحقيقها لمخطوط «التحبير في المعجم الكبير» للإمام أبي سعد عبدالكريم بن محمد السمعاني، والمتوفى سنة 562 هجرية/ 1166 ميلادية وكان ذلك مستلًّا من رسالة الماجستير التي عكفت عليها وأنهتها في كلية الآداب في جامعة بغداد في عام 1973م. وكان من ضمنه تراجم النساء التي ظهرت في الجزء الثاني من التحقيق. وقد عكفت منيرة في الهوامش على تصحيح أي تصحيف قد ظهر في الكتابات السابقة عن تلك النساء، وبخاصة تلك التصحيفات التي ظهرت في كتاب «أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام» لعمر رضا كحالة الذي نشر لأول مره في 1940م.
أيضًا الدكتورة جميلة شوكت من جامعة البنجاب من باكستان قد حققت «مسند عائشة رضي الله عنها» من مخطوط مسند إسحاق بن راهويه، كجزء من رسالة الدكتوراه في جامعة كامبريدج في عام 1984م حيث تذكر في مقدمتها لأطروحتها أنه نظرًا لحجم المخطوط، فقد اختارت التركيز على «مسند عائشة رضي الله عنها».
الوعي الأنثوي يتجاوز النص المحقق إلى الكتابة التاريخية
مع أهمية دراسة المخطوطات المطبوعة عن تاريخ المرأة التي حققتها نساء لتتبع ظهور وعي المرأة بتاريخ المرأة واستقراء ملامح هذا الوعي، سيكون من الخطأ أن نحصر الوعي الأنثوي في الجيل الأول في إسهاماتهن في تحقيق النصوص فقط، بل سنجد أن الوعي الأنثوي ظهر جليًّا في كتابات المحققات عن المرأة وتاريخها، سواء كانت تلك الكتابات تاريخية، أم نقدية، أم أدبية.

ليلى الصباغ
ظهر هذا الوعي الأنثوي في إدراك المرأة ليس في أنها تعمل في مجال تفرد فيه الرجال ردحًا من الزمان فحسب، بل بوعيها بأهمية تأريخ إسهامات المرأة. يظهر هذا الوعي جليًّا في مقال المؤرخة والمحققة السورية الدكتورة ليلى الصباغ عن حضور المرأة في مجمع اللغة بدمشق منذ تأسيسيه في 1919م. وتعد الصباغ أول امرأة تمنح عضوية المجمع في عام 2001م، وفي حين تعزو الصباغ غياب المرأة من عضوية المجمع منذ تأسيسه لأسباب عدة، فإنها تبين وعيها بتقاطعية الإرث الاستعماري الفرنسي مع النظرة المجتمعية للمرأة وتضيف:
«وفي الحقيقة قد لا تكون العوامل المذكورة آنفًا هي وحدها وراء الإحجام… بل قد يكون هناك عامل آخر ساعد على ذلك ودعمه. فمن المعروف، وكما أشير إلى ذلك سابقًا، أن مؤسسي «المجمع العلمي العربي بدمشق» قد اتخذوا «الأكاديمية الفرنسية» في باريس نموذجًا لهم. وهذه «الأكاديمية»، على الرغم من أنه قد مضى على تأسيسها ما يقرب من أربعة قرون (أسست سنة 1635م)، فإنها لم تكن قد أدخلت في عضويتها امرأة…» (ليلى الصباغ، المجمع العلمي العربي بدمشق والمرأة، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، 2003م: الجزء 2، المجلد 78: صفحة 263).
يتضح من هذا أن الوعي الأنثوي في الجيل الأول لم يكن محصورًا فقط في قراءة التراث بعين أنثوية ناقدة وغربلته، بل تعدى ذلك إلى وعي باللحظة التاريخية الراهنة والصعوبات التي تعوق طريق المرأة في مجال التراث والانخراط فيه. ومن هنا تنبع أهمية دراسة كتابات الجيل الأول لنا بصفتنا نساءً مشتغلات بالتراث ومهتمات به بحثًا عن إرث أنثوي نقدي، ليس لكي ننظر وننقد من الأريكة فحسب، بل لنستوعب أن من سبقونا مررن بصعوبات وعوائق، بعضها لا يزال قائمًا في طريقنا حتى هذه اللحظة. وربما سندرك حينها أن تلك اللحظة الراهنة على الرغم من اختلاف ظروفها وملامحها، فهي لحظة تعيد نفسها مع كل جيل.
هند العيسى: حاصلة على درجة الماجستير بامتياز من جامعة لندن، كلية الدراسات الشرقية والإفريقية، ومقبولة لدراسة الدكتوراه بمنحة من جامعة مكغيل في الدراسات الإسلامية ودراسات المرأة والجندر.
بواسطة أحمد بوقري - ناقد سعودي | مايو 1, 2024 | قراءات
«جلجامش أين تهيم على وجهك
إن الحياة التي تنشدها لن تجدها
لم يسلك أحد الفانين هذا الطريق
ولن يقتحم الأهوال
ما دامت الريح تعصف بالبحر»
شدّتني هذه الرواية الحيوية الشائقة لأحمد الشويخات من سطرها الأول حتى سطرها الأخير. كأنني كنت أهيم على وجهي فعلًا بين أروقة السرد، أي كنت أتجول في غابة ثلاثية متشابكة من العوالم السردية. يأخذني تجوالي من الوقائعي الساخن (أرض العراق – ديفيد بوكاشيو)، إلى الوقائعي المؤسس البارد والقلق- (سان فرانسيسكو وعالم آل بوكاشيو شبه الأسطوري)، ثمّ ينتهي بي إلى الأسطوري الواقعي المرح (نزل القمر الخجول – رجب سمعان).
حين تنجح الرواية في تحقيق هذا التشويق تكون بذلك قد نجحت أولًا في تفجير متعة النص أو لذته في متلقيها، على حد قول رولان بارت، وفي الوقت ذاته، تلك المتعة ذاتها هي التي تنفتح في فضاء المشهد الروائي برمته في البحث عن المعنى أو اللامعنى، عن دلالاته المضمرة أو مضامينه المتعددة أو سبر حدوسات النص وضبابيته أو غياب دلالته، وتلك قراءة متأملة وبالتأكيد تختلف، أشد ما يكون الاختلاف، من متلقٍّ لآخر حسب ما هي عليه رؤيته أو وعيه الفني المعاصر أو موقفه الأيديولوجي.
في حب ملحمة جلجامش
أكثر ما شدني في الرواية، هو اتكاؤها شكلًا ومضمونًا على ثيمتها المحورية: الفقد بتجلياته المتعددة ومن خلال البحث عن سرّ الخلود، كما رامت إليه «ملحمة جلجامش» السومرية التي أعرف أن الشويخات كان مسكونًا ببعدها الأسطوري وعظمة لغتها ودلالاتها الفلسفية، في أحاديثه القديمة معنا وفي جلساته مع أصدقائه المقربين.
وقد وظفها توظيفًا فنيًّا مرهفًا في روايته هذه من خلال شخصية الرواية المركزية (المترجم والأديب الأميركي ديفيد) الذي ورث عن أمه صوفيا الحكاءة حب الأنهار والأساطير القديمة، والذي لو لم يكن هو أيضًا مسكونًا بها وبأسطوريتها وبحثها الإنساني عن سر الخلود، وينابيعها الشعرية واللغوية الخصبة وأجوائها من منبعها الأساس في أرض السواد، لما التحق بالجيش الأميركي الغازي للعراق «جنديًّا ثقافيًّا» -إذا جاز التعبير- مترجمًا متعاقدًا خائضًا تجربة الكشف عن قرب، مشبِعًا رغائبه المستديمة في الأسفار، ومتعرضًا لكل صنوف الغربة الروحية والمكانية، ومتحملًا على مضض لكل صنوف الصلف والجهل والمكائد الصغيرة من رؤسائه ضباط التحقيق، وموقفه المضمر، غير المعلن، من لا إنسانية الغزو الأميركي وغاياته الاستعمارية واللصوصية وجهله الثقافي.
كان ديفيد الأميركي المغرم بهذه الملحمة يعيد قراءتها كثيرًا، بل إنه وجد فيها «اكتشاف للحكمة وحث على قبول الحياة والعيش السعيد البسيط دون الوقوع في قلق الفناء وخشية الموت، الأمر الذي يعطل الحياة نفسها».
كما لا بد أن أنوه أيضًا بالحنكة الروائية التي كتب بها الشويخات هذا النص الأدبي والتقنية السينمائية التي استخدمها الكاتب في بناء مشاهد الرواية ووحداتها البنائية، والانتقال برشاقة من مشهدٍ لآخر بطريقة الفلاش باك: الاسترجاع، أو التقريب والتبعيد اللتين أجاد الكاتب في استخدامهما بحرفية عالية، وهو ما سنتبينه بالتفصيل في سياق قراءتي النقدية هذه.
معمارية المتن السردي كما في تاريخيته وأسطورته
في هذا العمل الإبداعي، «الأميركي الذي قرأ جلجامش»، لا يمكن الحديث عن معمار روائي متنامٍ ومتماسك وصلب (كتلة واحدة)، ويرتفع كالعمارة الهندسية رأسيًّا. وإنما يمكنني -وأنا أتوسل في هذه القراءة منهجًا قريبًا من التفكيكية، لا يبتعد من ظلال البنيوية التوليدية وبخاصة في تشكيلاتها لرؤية العالم ولرؤية الفن- أن أقول: إن هناك ثلاث وحدات بنائية في النص متنامية أفقيًّا في زمنيتها الفنية وفي زمنها الواقعي والنفسي، وعلى موقعها الجغرافي الثلاثي (العراق، البحرين، وسان فرانسيسكو). بنت الرواية معماريتها الأفقية المتعددة، ومن وشائجها وعلاقاتها المتشابكة تشكّل المكوّن السردي من بدئه إلى منتهاه.. حيث الحديث عن معمار روائي يحيلنا مباشرة إلى تلك الأعمال الروائية الكلاسيكية الكبرى التي يمضي فيها السرد في منطقه التعاقبي صعودًا نحو ذروته أو نهايته، بحيث يشكل كل طبقة في البناء مدماكًا للطبقة التي تليها. نجد ذلك في عمل نجيب محفوظ في الثلاثية أو في «أولاد حارتنا» أو في أعمال روائية عالمية كبرى كـ«الإخوة كارامازوف» لدوستويفسكي أو «آنا كارنينا» لتولستوي وغيرها من الأعمال الروائية الملحمية القديمة والجديدة.
إذًا، المكونات البنيوية السردية في عمل الشويخات تتأسس فنيًّا على ثلاث جغرافيات وأمكنة، أي ثلاثة عوالم سردية/ وحدات بنيوية تستقل وحداتها الزمنية أو المكانية وتستفرد بأجوائها، وتسيطر عليها وشائج تاريخية ووقائعية عابرة تنتجها حركة وديناميات شخصيات الرواية التي أسست فيما بينها علاقات روائية تفاعلية جديدة ذات وشائج وخيوط إنسانية كانت بمنزلة اللُّحْمة لوحدات العمل الروائي البنيوية كله.
بمعنى أن التعاقب المنطقي في هذه العوالم السردية لا يستمر مطردًا كما هو في سياقاته، تخترقه بعض الانزياحات وبعض الاسترجاعات والذكريات والاستقطابات، كأن يتذكر المترجم ديفيد أمام وقفات الموت والأوجاع التي عايشها ما قاله صديقه رجب سمعان ذات مرة: «إن صيحة الولادة وشهقة الموت ترجمات كونية مكتفية بذاتها» لا تنفع معها اللغة. أو ما قاله رجب أيضًا: «الفن كرؤية وسرد هو الجذوة في صقيع الحياة، وهو الفعل الجميل ضد الخراب والخواء والوحدة». هذه الاسترجاعات القولية كمرجعية علائقية، هي بمنزلة تهيئة للكاميرا السردية لأن تنتقل في سياقات متلاحقة إلى وحدة سردية بنيوية أخرى، وعالم سردي قادم مكتمل له خيوطه لم يحن بعد أوانه.
ودائمًا ما يشكل التعاقب السردي المنطقي للحدث معمارية واحدة للنص إلا أننا هنا في هذا العمل الإبداعي نلحظ تشظي هذه التعاقبية في ثلاثية من البناءات أو الوحدات التقنية أعدها مكونات أساسية وعناصر منفصلة ومتصلة جماليًّا لبنية التشكيل السردي في انتظاماته وعلاقاته الروائية المتواشجة.
الوحدات البنيوية الثلاث التي شكلت عوالم الرواية
في العالم السردي الأول يبني السارد وحدة البناء الروائي الأولى فيقدم لنا الشخصية المركزية المترجم الأميركي- الإيطالي ديفيد بوكاشيو حفيد الروائي الإيطالي الكبير جيوفاني بوكاشيو صاحب «الديكاميرون»، كشخصية حيادية غير متورطة في فانتازيا القتل وحماقاته، وغير معنية بمطاردة أفراد المقاومة العراقية، إلا أنه على قدرٍ كبير من وعي المكان ووعي التاريخي، ووعي الإنسان في سياق هذا كله، أي وعي اللحظة المعاصرة المأزومة للعراق وتاريخه الثقافي والأسطوري. غير أن هذا الوعي المركّب يتحول في زمنٍ لاحق إلى وعي شقي، راوَحَ بين معنى تقديم الخدمة الوطنية الواجبة لجيشه الغازي، وبين معنى التعاطف الوجداني والتاريخي الحضاري مع الإنسان العراقي البسيط، الذي غالبًا ما كانت تشكّ فيه الآلة العسكرية الأميركية كفردٍ محتمل من أفراد المقاومة. وهي في ظني إشكالية عنصرية جاهلة وعمياء أثّرت في موقف ديفيد وسبّبت له حيرة تأملية، من اليقين المختلط بين العقلي والشعوري والوجداني والثقافي، وهو ما ترك أثرًا ملحوظًا وعكسيًّا في مواقف رؤسائه ضباط التحقيق، فيقع هو نفسه، ديفيد، تحت عدسة الشكِّ والغيرة والطمع والوهم، ومن ثمّ تحت مطرقة التحقيق الفانتازية نفسها، كما رأينا ذلك خاصة بعدما عاد وظهر حيًّا من رماده بعد هجوم المقاومة المباغت في آخر مهمة عسكرية شارك فيها، ومقتل كل رفاقه العسكريين في الوقت الذي اعتقد رؤساؤه أنه كان من ضمن القتلى.
حدث ظهوره من جديد كان فيه قدر كبير من الغرائبية وذو بعد أسطوري في أرض السواد، وهو ما سبب للضباط الأميركيين إرباكًا عمليًّا وصعودًا أكبر لمنسوب الشك والريبة في شخصية ديفيد وغموضه في التعاطف الوجداني مع المقاومة، فرأيناه يخضع بعد لأي هو ذاته «الجندي الأميركي» لسلسلة من التحقيقات الأولى الكوميدية في الغرفة نفسها رقم (٦) التي كان يحقق فيها أفراد المقاومة، أو المقبوض عليهم من الأفراد العراقيين البسطاء.
عندما نخرج من هذا العالم السردي الأول الساحر، تنقلنا كاميرا السارد بالأسلوب السينمائي الرشيق نفسه لا لندخل العالم السردي اللاحق (وحدة البنية السردية الثانية)، بل لندخل إلى فضاء العالم السردي الثالث (معمارية البنية السردية الثالثة) ذي العلاقة الحياتية العائلية للمترجم ديفيد، هناك في موطنه سان فرانسيسكو؛ كي ترجع ثانية إلى المعمارية الثانية في صورٍ متلاحقة.
ذكريات لا تُمحَى
في هذا العالم نتعرف إلى أسرة ديفيد في بيت آل بوكاشيو المكوّنة من أمه صوفيا، وزوجته لورا وصديقاتها، وعمه ليوناردو، موظف شركة أرامكو القديم، وزوجته مارغريت. ولعمه ذكريات لا تُمحى مع ديفيد عندما استضافه صيف ٧٧ في الظهران في برنامج عمل الطلاب الصيفي تحت إشرافه المباشر، بصفته مديرًا لدائرة الترفيه بالشركة، وتعرف ديفيد أثناءها إلى الشاب السعودي المثقف ذي الشخصية الفانتازية رجب سمعان الذي وجده متقاطعًا معه في اهتمامات متعددة منها (الثقافة والأدب والترجمة والفن)، وفي حب ملحمة جلجامش، ولعلي أؤجل هنا الحديث عن هذه العلاقة؛ لأنها تنتمي إلى عالم سردي ثالث مكونةً الوحدة البنيوية الثالثة للرواية، كما قلت.
وأرجع إلى عالم ديفيد الأسروي المدهش حيث الأم صوفيا قبل إصابتها بجلطة الدماغ وعالمها السحري: غرز التريكو النائمة على الكنبة، وحيث عالم تاريخ آل بوكاشيو الأدبي وعالم القبو أو الصومعة كما كان يسميها التي تحتشد بخزانات الميراث ورفوف الكتب وعالم الأم صوفيا وحكاياتها الليلية وهي تحوك سترات الصوف والجوارب ومفارش الطاولات، وعالم الزوجة الممرضة الصبورة الطيبة لورا، هذا العالم الدافئ المشعّ الذي كان يبتعد منه ديفيد كثيرًا لكثرة أسفاره، ولم تنته حتى بعد أن تزوج لورا فتاته المحبة لآل بوكاشيو حتى النخاع، إلا أن حنينها وشوقها كان يتوقّد لرجوعه حيًّا سالمًا وبخاصةً بعد علمه بمرض أمه. كانت لورا تنتظره عشرين عامًا حيًّا وهو الذي لا تنتهي أسفاره، وها هي تنتظره ميتًا بعد أن علمت بفقدانه في العراق.
كانت تنظر إليه كشاعر عاشق في بداية زواجهما وهو يقرأ لها مقاطع من ملحمة جلجامش، وكان يمتدح قوامها المتناسق، وكانت تشعر بروحه وحبه وتدفقه. كانت فخورة به كمثقف ومتذوق للفنون، وبعد سنواتٍ ست تغيرت طباعه وصار له مزاج صعب كمزاج آل بوكاشيو على حد قول أمه صوفيا، مستغرقًا في القبو ومنغمسًا في عالم الكتب. ومن بعدها بدأت أسفاره التي انتهت به إلى رحلة العراق جنديًّا مترجمًا مثقفًا. برغم كل ذلك كانت راضية مستسلمة بقدر ارتباطها بديفيد وبآل بوكاشيو. إنه نوع جدلي من الاتصال المنفصل في عالم أسرها بكل تناقضاته وغموضه.
في هذه الوحدة السردية تكشف لورا جزءًا كبيرًا من شخصية ديفيد المزاجية، هو مزيج من فلسفته الأحادية وطباعه القاسية الغرائبية، وبخاصة حين صارحها بعدم رغبته في الإنجاب معللًا ذلك برأي هو في قمة الأنانية والطرافة واللامعقول في آنٍ: «لن أنجب طفلًا إلى هذا العالم الشقي دون أن يطلب الطفل نفسه المجيء»!
وعلى الرغم من كل هذه العذابات والأوجاع النفسية وبُعد ديفيد منها نفسيًّا وجسديًّا، فإن لورا كانت متسامحة مع قدرها ولم تكن تحبذ الانفصال، بل كانت تحدث نفسها قبل صديقاتها، وتقول: «إن ديفيد وآل بوكاشيو قد أعادوا تشكيل عقلي وقلبي، وإني خلقت لأكون جزءًا من هذه العائلة إلى الأبد».
وتنتهي هذه الوحدة السردية، بأن كانت لورا تنتظر عودة ديفيد جثمانًا من أشلاء ورماد، لكن القدر أراد أن يرجع إليها حيًّا ميتًا كالفينيق المنبعث من رماده، لكن هل يعود فعلًا؟ هذا السؤال تركه السارد مفتوحًا من دون إجابة!
رجب سمعان حين يحب
في الفصل الخامس «طيور المرافئ»، الذي أعده من أجمل وأمتع فصول الرواية، وهو يشكل وحدة سردية صغيرة مستقلة بذاتها، تلخص الفكرة الفلسفية للعمل الأدبي. يلتقي ديفيد الشابُّ رجبَ سمعان لأول مرة في صيف ٧٧ على وقع أغاني كيني روجرز في مجمع الترفيه في شركة أرامكو بالظهران، ومن بعدها صارت الأحلام وذكرى الطفولة، وعشق البحر والأغاني والأدب والترجمة والشعر وملحمة جلجامش هي أحاديثهم العذبة الشهية المشتركة وما يجذبهما معًا كل يوم.
الشاب السعودي رجب فيلسوف في سمته، حكيم في مقولاته، وفي حركاته زورباوية معجونة من طينة غرائبية هي أقرب إلى رذاذ البحر «وغموض النور المرتعش في الماء العميق»، وضباب الفجر وصياح النوارس. حين يتكلم عن معنى الفقد فإنه غالبًا ما يفلسفه بطريقته الراقصة المدهشة، وحين يعجبه شيء ما يعبّر بصيحاته المرحة العالية:
«حبيبي البحر». «حبيبي الرجل الفلاح» (إشارة إلى أغنية لوسيل، للمغني الأميركي جيني روجرز)
«حبيبي لي باي» (إشارة إلى الشاعر الصيني). «حبيبي ديفيد»! «حبيبي العم ليوناردو».
يقول الراوي: «تلك طريقة رجب حين يعجب بشخص أو موقف أو مكان أو عمل أو طبق طعام أو فكرة فإنه يصيح: حبيبي… حبيبتي»، حتى إن بعضًا يغادر المكان فرارًا من لحظة جنونه. وحين يتفلسف رجب يقول لصديقه ديفيد: «ديفيد، كم مرة ظهر لنا البحر مختلفًا! كم لونًا رأيناه للبحر! وكم مرة خفقت أجنحة طيور المرافئ في أعيننا وأرواحنا!» وربما أعقبها بواحدة من صيحاته الجذلة: «حبيبتي الطيور.. حبيبتي المرافئ».
وفي واحدة من اقتراحات رجب لديفيد يأخذه إلى مغامرة البحث عن مكنزٍ للآثار والتماثيل والمجوهرات في إحدى جزر الخليج المحاطة بغابات النخيل، وهناك يُنصَب عليهما في وسط البحر بعد أن اشترى ديفيد تمثالًا دفع قيمته ألفي دولار من الرخام الأبيض من تاجر آثار. بدا التمثال لديفيد بأكتافه العريضة ولحيته الكثّة المجعّدة وشاربه المفتول والتفاف الأفعى حوله يصارعها للتخلص منها كأنه لـ«جلجامش».
سُرق التمثال منهما، ولكنْ رجب وعد ديفيد باسترجاعه يومًا ما، وهما يسترخيان في «نزل القمر الخجول» بالبحرين. وهو ما حدث بعد ثلاثين عامًا!
بعد ثلاثين عامًا يلوذ رجب إلى نزل القمر الخجول من جديد، بعد أن جرت عليه السنون بمضايقات المتشددين الدينيين المحاربين لأفكاره ولصوصية المستثمرين لأمواله، هاربًا من ديونه وإخفاقاته وزوجته وأولاده أيضًا، يعود إليه وتطول إقامته فيه لسنوات، حتى إنه سكن كل غرفة فيه وأقام علاقة صداقة مع كومار مدير الفندق الذي كان يتعاطف معه.
في الليالي كلها يغرق رجب في النبيذ وقول الشعر، ويطلق صيحات النوارس الغنائية من حنجرته وهو في شرفة غرفته: «حبيبتي الرياض… حبيبتي العلا… حبيبتي الصحراء… حبيبتي الأحساء… حبيبتي القطيف… حبيبتي سان فرانسيسكو…» وهكذا، حتى ظُنّ به الجنون، حين تكررت صيحاته الابتهاجية الليلية مسببةً الإزعاج لقاطني الفندق. وفي ليلة مكتملة الضياء يذهب رجب سمعان إلى البحر، يذهب حيث الضوء المرتعش في عمق الماء ويصبح هو الضوء الهارب إلى الأعماق.
يغرق رجب فهل هي بداية أسطوريته؟
وهنا تتجلى بالفعل هذه الأسطورية ومجازاتها حين يخرج من جوف البحر ناسفًا حقيقة غرقه ليدقّ، في خيالية عجائبية، باب آل بوكاشيو في سان فرانسيسكو معيدًا تمثال جلجامش الأثري الذي فقده ديفيد، قبل أن يعود ديفيد لبيته، وهو يخلق أسطورية الوجود أمام حالة الاندهاش العارمة التي تجتاح عائلة آل بوكاشيو.
تركيب فني غرائبي لا يخلو من الواقعية
إن الروائي هنا في واقع التخييل الضاغط في عالمه السردي، إنما يخلق قوانينه الخاصة المناقضة لقوانين الواقع، في حركية إشارية ذات أبعاد أيديولوجية؛ لاستعادة معنى الحياة، وترميز مفهوم الخلود وسرّه ومجازاته الحياتية التي تضمنتها ملحمة جلجامش، فلم يترك نصه ينساق ويستسلم إلى حقائق التاريخ ووقائعه، بل أقحمه في تخييلات الأسطوري وغير المألوف، وتوكيد مجازات معنى سر الخلود في أسطورة جلجامش من خلال إقدام السارد لهذا التركيب الفني الغرائبي.
تبدو لنا جدلية الغياب والحضور لكل من ديفيد ورجب كما رأينا في متن الرواية؛ الأول ينهض من رماده، والثاني يخرج من البحر. وقد يبدو السرد في هذه الرواية في سماته الواقعية وضمن منطق الأحداث شديد الانتماء إلى وقائعه التاريخية وزمنيته وشخوصه، إلّا أنه ينحو منحى الواقعي السحري في منعطفين سرديين كما رأينا، حين أراد السارد إعادة ديفيد إلى الحياة في لحظةٍ خارقة، لكن في سياق منطقي يبدو مقنعًا للمتلقي، حين برر ذلك بأنه كان في أحضان غابات النخيل بعيدًا من لهب الانفجار، وحين أراد أيضًا خروج رجب من جوف البحر في لحظة أسطورية وذهابه إلى فرانسيسكو ليدق باب آل بوكاشيو حاملًا معه تمثال جلجامش الخالد المسروق، قبل عودة ديفيد الثانية. وهي لحظة سردية أسطورية بامتياز عمّقت فكرة الخلود والانبعاث التي انطوت عليها أسطورة جلجامش ذاتها.
هذان الحدثان في الرواية في ظاهرهما يربكان الإدراك المنطقي للأشياء، ويضادان التصور الواقعي للمدرَكات على حد قول الناقد جابر عصفور، إلا أنهما مزج بين الحقيقي والخيالي. الحقيقي هو غيابهما، والخيالي هو أسطورية انبعاث ديفيد ورجب من جديد؛ لكونهما تمثيلًا دلاليًّا لفكرة جلجامش في سر الخلود.
هو إذًا هنا المتكلم العليم الخالق في الرواية، يدير التشكيل السردي برؤيته وحذقه للعبة الحكائية. إنه الشويخات ذاته كاتب النص منحازًا للفني والأسطوري والتخييلي كمجاز متخطيًا واقعيته حتى لو جاء عمله الإبداعي هذا متماسًّا مع الواقعي والسياسي والحياتي، فهو ينسج خيوطه بدأب ودقة تمامًا كما تفعل صوفيا وهي تغزل على التريكو قطعها الصوفية.. وهو هنا منتج لرؤيا في العالم ورؤيا في الفن ومنتج لخطاب فني موازٍ، كما يقول ميخائيل باختين في كتابه المهم: «الخطاب الروائي».
بواسطة أماني محمد ناصر - كاتبة سورية | مايو 1, 2024 | حوار
تُعَدُّ الكاتبةُ الإماراتية فاطمة المزروعي رمزًا للمرأة الإماراتية المبدعة والمميزة في مجال الأدب في دولة الإمارات العربية المتحدة. تتميز بموهبتها الأدبية الفذة وقدرتها على خلق قصص مشوقة وروايات مؤثرة تلامس القلوب وتحاكي الواقع. تجمع كتاباتها (الرواية والنقد والمقال والسينما والمسرح وقصص الأطفال والشعر) بين الجمالية اللغوية والعمق الفكري، واستطاعت أن تحقق نجاحًا كبيرًا في مسيرتها الأدبية. حازت عددًا من الجوائز المرموقة، بما في ذلك جائزة العويس لأفضل إبداع روائي عن رواية «كمائن العتمة» عام 2013، والمركز الأول بمسابقة التأليف المسرحي- جمعية المسرحيين، عن مسرحية «طين وزجاج» عام 2007م، وجائزة «أندية الفتيات بالشارقة»، عن مجموعة «ليلة العيد»، والعديد من الجوائز في مجالَيِ الأدب والمسرح.
تخرجت المزروعي من جامعة الإمارات، بدرجة البكالوريوس في التاريخ والآثار، وتحمل درجة الماجستير في العلوم السياسية من جامعة زايد، تشغل رئيس قسم الأرشيفات التاريخية في الأرشيف الوطني التابع لوزارة شؤون الرئاسة، ولديها عمود يومي في صحيفة البيان الإماراتية.
الكتابة مرآة المجتمع
● «زاوية حادة»، «كمائن العتمة»، «قصّتي الأخرى»، كلها أعمال روائية لكِ تعكس من خلال عناوينها حالتي الانزواء والوحدة. لماذا كل هذا الانزواء بأعمالك وأنتِ في الواقع مثال للمرأة الاجتماعية الواثقة المبتكرة؟
■ الكتابة هي انعكاس للمجتمع وقضاياه وسرد لتفاصيله الدرامية اجتماعيًّا ونفسيًّا وفكريًّا؛ لذلك الكتابة لا تعكس ذاتية الكاتب، إنما هي لسان حاله فيما يراه في المجتمع؛ لأنه لا يخلو من هذه النماذج. والكاتب يستخدم خياله ويستنبط شخوصه ويضفي عليها نوعًا من الإشكاليات وتشابك الأحداث، فنرى البطل متأزمًا في أكثر الأحيان لأن الشخصية الروائية تفرض عليه نمط حياتي معيّن؛ لذلك لا يستقيم أن تكون الشخصيات الروائية ذات شخصية طبيعية تعيش في أسرة عادية، ومن هنا فإن النماذج المعروضة ضمن إطار الروايات المذكورة هي نتاج لصراعات واختلافات وأفكار وأنماط نجدها ونشاهدها في حياتنا اليومية.
● «وجه أرملة فاتنة»، عنوان لمجموعة قصصية لكِ، ومن ضمنها قصة تحمل عنوان المجموعة، والأرملة في هذه القصة متهمة. لماذا اعتمدتِ استخدام الوصف الدقيق والتصوير الحسي للأرملة في هذه القصة من دون أن تخبرينا عن ثقافتها وعلمِها على سبيل المثال؟
■ إن قضايا المرأة من ضمن أولوياتي، والموضوعات المطروحة ضمن كتاباتي، على اختلافها، ليست معنية بفئة أو طبقة أو شريحة معينة، بالعكس، فأنا أتناول قضايا المرأة بكلّ ظروفها ومعاناتها دون تحديد لفئة متعلمة أو غير متعلمة. وأصبحت المرأة الكاتبة والأديبة هي الأكثر قدرة وصدقًا على نقل شؤون وشجون مثيلاتها من الشخصيات الأنثوية التي تعيش تجاربها الاجتماعية. والكاتبة تقتنص حكاياتها وتعيد كتابتها بقدر كبير من الوعي في بناء الشخصياتِ وانكساراتِها مُحاوِلةً تضميدَ جراحها، وتسليط الضوء على مختلف قضايا المرأة، والأرملة وشبيهاتها هي نماذج أولية لتسليط الضوء على فئة مهمّشة تحتاج إلى احتواء المجتمع؛ لذلك الكاتب معنيّ بالتركيز على هذه القضايا بأسلوب رمزي ولغة أدبية تتوافق مع الجنس الأدبي الذي يكتبه سواء أكان روايةً أو قصةً أو مقالًا وغيره من الأجناس الأدبية، فالأدب هو مرآة تعكس تفاصيل المجتمع بكل ما فيه من تحديّات وعقبات ومشكلات اجتماعية.
أمّنا الشجرة
● شاركتِ مؤخرًا في «ملتقى الشارقة الدولي للراوي» الذي كان شعاره لهذه الدورة «حكايات النباتات» حدّثينا عن هذه المشاركة.
■ كانت مشاركتي تدور حول شجرة «الشبهانة» وهي نوع من شجر «الغاف» الموجود في مدينة السلع بين أبو ظبي والمملكة العربية السعودية، وهي من الأشجار المعمّرة التي تجاوز عمرها 200 عام، وقد كانت بمنزلة دليل استرشادي للحجاج على طريق منطقة «بعيا» داخل مدينة «السلع» حيث كان الحجاج يستظلون تحت ظلها، ويأكلون من أوراقها، ويتسامرون بالحديث حول شؤونهم الخاصة. وقد استمر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان -رحمه الله- بالعناية بها لما تمثله من أهمية تاريخية وتراثية للمنطقة، حيث عَيَّنَ الشيخ زايد بعضَ مهندسيه للاهتمام بها ومعالجة كسرها، كما أوصى بها الشيخ زايد -رحمه الله- قبل وفاته، فهناك عشرات القصص حول أمّنا الشجرة «الشبهانة» تمثل التسامح والمحبة، والأخلاق الرفيعة، والتواصل وصلة الرحم، وتقدير قيمة البيئة.
صرخة في وجه المجتمع
● «بقايا امرأة»، نص مسرحي لكِ فائز بجائزة التأليف المسرحي عام 2012م، يتحدث عن امرأة في الستين من عمرها، تتحدث ببداية المسرحية بإسهاب عن هذا العمر، ولكن ما إنْ تقع عيناها على الجمهور حتى تتغير طريقة سرد أحداث المسرحية إلى أسلوب «الخطف خلفًا»، فتسترجع كلّ ذكريات شبابها وطفولتها. هل أرادت الكاتبة عن عمدٍ أن تجسّد ذكريات هذه المرأة من خلال الوجوه المتعددة للجمهور؟
■ ككاتبة أعشق اللعب بالتفاصيل المعقدة وسبر أغوار الشخصيات من حولي، وقد وجدتُ في هذا الفضاء المسرحي كل الإمكانات المتاحة التي تجعلني أحلّق بشخصية المرأة بجميع إشكالاتها وتحولاتِها. جعلتُ منها نموذجًا يشبه آلاف النماذج في مجتمعاتنا العربية، فكلّنا يرغب في استرجاع ذكرياته، وجميع المحطات بحلوها ومرّها، والوقوف عند بعض الذكريات التي نرغب في البقاء فيها أملًا في الشفاءِ من جراحنا وأحزاننا. مسرحية «بقايا امرأة» هي عبارة عن صرخة في وجه المجتمع ليلتفت إلى الصور المتعددة التي نسمع أنينها بين الحين والآخر، ونداء لأصحاب الأقلام المبدعة للبحث عن القضايا الخفية في مجتمعاتنا وإيصال صوت الضعفاء للعالم.
العلاج بالكتابة
● كتابكِ «قصص الناس» عبارة عن مجموعة مقالات اجتماعية تربوية نفسية متميزة تحمل عناوين كثيرة منها: أبي يضايقني، فاشل في اختيار الأصدقاء، الشاكية الباكية، الغضب جنون مؤقت، معاناة من نوعٍ آخر، لستُ غبيًّا، حتى لا تؤذي مشاعرك، … إلخ. بعد قراءتنا كل هذه المقالات التي تعكس مجموعة الاضطرابات داخل الإنسان، ما مقترحاتكِ كإنسانة أولًا وككاتبة ثانيًا لتحسين الصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية في الحياة اليومية؟
■ الإنسان في حاجة إلى زرع الثقة والتفاؤل في نفسه بصورة يومية حتى يستطيع أداء عمله اليومي. جميعنا نحتاج إلى البحث عن مصادر السعادة من حولنا لمعالجة قضايانا النفسية والروحية، ولا يمنع التواصل مع الأطباء المعالجين إذا ما شعرنا بضغوط نفسية قد تستدعي التدخل الطبي؛ لأن الإنسان مزيج من المشاعر والأحاسيس، يتأثر بما حوله من تداعيات الحياة المعاصرة. كما أن تحسين العلاقات الأسرية وصلة الرحم والأقارب والأصدقاء له تأثير إيجابي؛ فكلّما شعر الإنسان بالضيق والحزن وأصابته المشكلات على اختلافها كلّما كان وجوده ضمن دائرة علاقات اجتماعية يشعر معها بالأمن والأمان يمكن لها أن تنقذه من براثن السقوط والانهيار النفسي والعصبي والجسدي؛ لذلك يستطيع الإنسان مداواة وعلاج نفسه وحياته إذا كان عنده من الوعي الذي يمكنه من الانتصار على تلك الضغوط، ومن هنا يتوجّب على الكاتب في كثير من الأحيان أن تكون كتابته بمنزلة الدليل الشامل والاسترشادي في مداواة جراح المجتمع بالكلمة والرسالة التي يطرحها (المقال، الرواية، القصة… إلخ)، فيصبح كتابه أو مقاله سلاحًا له في التركيز على تلك المشكلات.

● ساهمتِ كثيرًا في إثراء المشهد الأدبي بمواضيع وتجارب جديدة ومتنوعة، ما الأعمال الأدبية التي أثّرت في فاطمة المزروعي؟
■ في البدايات تأثرت بما أجده في المجلات الأدبية، وكنت أستمتع بقراءتها، كما للقصص المصورة وروايات الجيب تأثيرها الموازي، وقرأت لـ«بورخيس» و«أنطون تيشخوف» و«زكريا تامر» وأعتقد أنني تأثرت بهم، إضافة إلى «ألف ليلة وليلة» وكتاب «كليلة ودمنة» وجميع الروايات الفائزة بالبوكر العالمية للكتّاب العالميين، وروايات وأعمال أخرى لعبت دورًا كبيرًا في حياتي، وشكلت جزءًا من إبداعي، إضافة إلى أنّ التفاصيل والأشخاص والمواقف ممن ساهموا في التأثير الإيجابي في حياتي كما أثرت في أعمالي القصصية والروائية والمسرحية.
نوافذ مختلفة للعالم
● في مقالٍ لكِ منشور في صحيفة البيان الإماراتية تساءلتِ: لماذا لا نترك للطفل حرية الإبداع منذ طفولته وممارسة ما يحبه؟ في رأيك كيف يمكن للحرية الإبداعية أن تساهم في تعزيز خيال الطفل وقدرته على التفكير الابتكاري؟
■ أطفالنا اليوم في حاجة إلى التشجيع والدعم المستمر لمواهبهم وزيادة ثقتهم بأنفسهم، ورعاية المواهب مهمة، مع أهمية وجود مكتبة في كل منزل؛ فهي تساعده على صقل مواهبه وتنميتها. كما أنّ توجيه التكنولوجيا والذكاء الصناعي لخدمة الطفل وتطويعها في تنمية مهاراته عن طريق تغذيتها بالبرامج والمعلومات المفيدة يساعده في التعرّف إلى تراثه وتاريخه بطريقة مبتكرة وقريبة إليه.
● تكتبين وتبدعين في كلّ المجالات؛ قصة، رواية، شعر، أدب الأطفال، مقالات، مواضيع تربوية اجتماعية نفسية، ما سرّ هذا التنوّع؟
■ الرغبة في التنوع والكتابة عن القضايا الإنسانية على اختلافها تُعَدُّ فنًّا، فكل مجال أو جنس أدبي هو بمنزلة بحر يحتاج إلى تعلّم طريقة السباحة فيه؛ لذلك فإن لكل جنس أدبي أدواته الخاصة التي تمكّن الكاتب من الخوض فيها، كل مرحلة من الكتابة كانت تمثل لي معرفة واستزادة وقربًا من الشخصيات بكل إنسانية، والكتابة تجعلني أشاهد الناس بعين ثالثة، وأحيانًا تتقمصني الشخصيات فأعيش معها بكل تفاصيلها، أحزن لحزنها وأفرح لفرحها؛ لذلك فإن التنوع يقودني
إلى التبصّر ورؤية العالم من زوايا مختلفة. إنني أتطلع ككاتبة إلى عالم أكثر إنسانية تقوده الأخلاق والسلام، فإنا مؤمنة بأن الكتابة تُطهّر الإنسان من شوائب الحياة؛ لذلك فإن الكتابة وإن اختلفت أجناسها تظل إبداعًا يقودنا إلى التسامح والتكاتف في ظل الأوضاع الراهنة.
بواسطة أحمد يحيى علي - أكاديمي مصري | مايو 1, 2024 | دراسات
التعبير الإنساني في عمومه يعتمد على فعل (الانتقاء)؛ فمن نسيج العالم المحيط بالذات المعبرة والمحتضن لها في الوقت نفسه تختار من مفرداته (الأجزاء المكونة له) ما يعد مطية ترحل فوقها في إطار رؤية ذاتية شديدة الخصوصية موظفة آليات القالب التعبيري الذي تنشده وتوظفه لحمل رؤيتها تلك(1). والأدب على اختلاف تجلياته يعد تمثيلًا لغويًّا لعالم يدخل في علاقة تفاعلية مع شخص المبدع فيأتي نتاج هذه الحالة رؤية وشكلًا.
إن الجذر اللغوي (رَوَى) الذي خرج منه هذا الدال المعبر عن اسم الآلة (رواية) يتحرك بنا ذهنيًّا بين محطات نلتقي فيها: الماء، الأرض، الإنسان (الذي يروي والذي يرتوي)، النبات، الحيوان.. الحكاية وصانعها وراويها (ناقلها من فرد/جماعة إلى فرد/جماعة أخرى في رحلة عبر الزمان والمكان لا سقف محدد لها تقف عنده.. كما نجدنا كذلك مع الطور الشفاهي في تداول المعرفة الذي أفضى إلى مرحلة المكتوب.. إننا مع الجذر: روى بإزاء أيقونة تفتح على منثورات فكرية قوامها في نهاية المطاف مفردات ثلاثة تجمع أشتاتها: الحركة/ النقل/ الرحلة في سبيل تحقيق غاية مثلى هي: الإشباع/ الاستقرار. وعملية القراءة ستؤدي عملها واضعة نصب عينيها محاور ثلاثة هي بمنزلة طوابق مكونة لبيت الدلالة النصي (تأويل المنجز الإبداعي):
• السياق: الزماني، المكاني، الفكري المحيط بالذات المبدعة.
• تجربة الذات المبدعة وتوجهاتها الفكرية.
• بنية النص الفني ذاتها.
ولا شك في أن البيئة الثقافية السعودية قد شهدت طفرة في فنون الحكي بصفة عامة وفن الرواية على وجه الخصوص، مفيدة من الواقع وتحولاته التي ألقت بظلالها على مخيلة الذات المبدعة فظهر ذلك جليًّا فيما خرج إلى المكتبة الثقافية العربية من منتجات سردية تنتمي إلى هذا الفن تحديدًا. إن المثقف السعودي الذي احترف الأدب يعد وريثًا حضاريًّا للعربي القديم الذي دفعته حياة الصحراء لحركة دائبة لا تتوقف، يبحث من خلالها عما يتيح له البقاء؛ بوصفه حيًّا مثله مثل غيره من جهة، وبموازاة ذلك يبحث عن الكلمة العبقرية التي تمنحه وجودًا جماليًّا خاصًّا. تلك الكلمة كانت أيقونة تفتح على رؤية عالمه من جانب، ورؤية الخارج على اتساعه من جانب ثانٍ.. وهذه الثنائية في الرؤية التي تحركت من سياق الشعر إلى سياق النثر على تعدد مظاهره تستقر بنا حديثًا مع فن الرواية.

أحمد الدويحي نموذج يصح الاستشهاد به؛ بوصفه أحد مكونات التجربة السردية السعودية الحديثة القائمة على عوامل أبرزها التنوع/ التعدد بحكم ما يميز المجتمع السعودي، خصوصًا في النصف الثاني من القرن العشرين، من طبيعة خاصة يتسنى إدراك ملامحها بالنظر المتأمل إلى هذه القرينة (مَزُور)؛ فالأرض السعودية بيئة مكانية جاذبة لعرقيات/ جنسيات كثير عددها، تَفِدُ إلى المكان بتجاربها وثقافاتها ولغاتها.
وفي إطار مفهوم «التماسك النصي»(2) يمكن الوقوف على طرفي ثنائية (داخل النص وخارجه) أو سياق الحياة وسياق الفن من خلال مرتكز إجرائي يقوم على ما يسمى: الإحالة القَبْلية، أي الرحلة من النص إلى خارجه، والإحالة البَعْدية: الرحلة من سياق الحياة إلى بناء الفن في تجليه اللغوي (الرواية على سبيل المثال).
ومن ثم فإن منظور رؤية الذات الفردية (المبدع) للخارج على امتداده المصطبغ بعلامات مرجعية ومحفزات واقعية تحيل إلى الذي تنتمي إليه يشكل سلطة تبقى مهيمنة على وعي الرعية المتلقية التي تتعامل تأويليًّا مع منجز الفنان استنادًا إلى إجراءات تمثل زادًا تستعين به وتتقوى في رحلتها الذهنية هذه بصحبة الراوي (صنيعة المؤلف) الذي يتولى مهمة تقديم هذا المعروض الحكائي إليها(3).
ترادفية العلاقة بين الإبداع والمرجع
ومن بين ما قدم الدويحي: «أواني الورد» (رواية)، ثلاثية «المكتوب مرة أخرى» (رواية)، «وحي الآخرة» (رواية)… وغير ذلك مما ينتمي إلى حقل القصة وحقل السرد الروائي.. تمثلات جمالية تعد مستندات تاريخية تنقل عن زمن ماضٍ قد اختمر في وعي صاحبه فأراد وفق أدواته أن يشكل من خلاله منتجًا جديدًا، لكن هذا التاريخ المتغيّا لن يكون وفق المعنى الكلاسيكي (التسجيلي) للمصطلح، لكنه التاريخ بالمعنى الخيالي عندما يستحيل سياق المرجع إلى رموز تمنح الذهنية الساردة مساحة رحبة للحركة لتقدم في فراغاتها ما تشاء إخلاصًا ووفاء لقوانين الفن الذي ترتقي منبره لتعلن عن حضورها من خلاله.
من هذا المنطلق يطفو فوق السطح مصطلح الترادف بمنظور أوسع عندما يستحيل البناء الفني إلى معنى ذي ملامح خاصة يشير إلى الذات الفاعلة له والعالم الذي تصدر عنه معًا.. من هنا تتحرك الرحلة باتجاه الشكل اللفظي المجسد لذاك المعنى وصولًا إلى ما يفترض أنه مقاصد تدل السائر على السابق في الوجود عليه، أي الواقع وصاحبه.
من هذه المحطة الخيالية «أواني الورد» نستطيع الخروج بتصور مفاده أن السيولة العاطفية والذهنية التي تنساب فنًّا في قوالب حكائية تحدها تضع الدويحي تحت ما يسمى بتيار الوعي في السرد الحكائي الحديث.. يكشف عن ذلك الولع الشديد بالحوار أحادي البعد الذي يتماهى فيه مستوى الخطاب مع مستوى الحكاية.
وبالنظر إلى «أواني الورد»، بوصفها بناءً لغويًّا معلقًا في فضاء الدلالة، نجده يحيل إلى نتيجة نهائية (حال قائم) يتجلى في ختام رحلة عايشتها الذات مع المخبوء في صندوق الخواطر. إن هذه الصيغة الجمعية «أواني» تعد كأنها كاميرا يستطيع الناظر من خلالها التقاط ملامح هيكل فني يتشكل من وحدات سردية ثلاثة يتأسس عليها قوام هذا البناء السردي: «يوميات العزلة»، «ارتحالات الروح والجسد»، «حرب الثمائل».. إننا هاهنا بصدد إحالة بعدية، حركة ذهنية أفقية ينطلق فيها وعي القراءة من دال ذي بعد مكاني «أواني» إلى العناصر الجمالية المكونة له، وتعد في الوقت نفسه مرادفًا جماليًّا يكسبه قيمته الدلالية.
فتحت عنوان أشياء المكان «حساسية جديدة وعلائق وثيقة تربطني بمكونات المكان الذي اعتدت فيه أن أختلي بنفسي لحظة الكتابة». وتحت عنوان الشيطان «أربع سنوات مضت.. تزيد قليلًا أو تنقص والفكرة في ذهني أقبلها وأدرجها على كل شؤون حياتي ولا فائدة»(4). وتحت عنوان مصير «قرأت ورقة من التقديم ليس الموت وراء الجبال بل وراء الأكتاف.. ومضيت»(5). وتحت عنوان وجه «نظارة القراءة الصغيرة دائمًا على الورقة العليا من دفتر المسودات أو من ورائها»(6).
معاناة الذات
إننا هاهنا في خطاب المقدمات بصدد صوت يتناول رمزيًّا تجربة الكتابة في حد ذاتها في شقها المأساوي.. معاناة الذات في أوقات الرحيل والبحث، توجعها مرحلتان: الانتقاء، ثم البحث والاستقرار. والملاحظ على هذه القوالب القصصية الصغيرة أنها تأتي مرتبطة بأطر زمنية تحيل إلى الأسبوع في حياة الجماعة الإنسانية؛ فأشياء المكان تأتي مرتبطة بيوم الثلاثاء، أما الشيطان فملتصق بالأحد، ومصير تأخذنا إلى الجمعة، ووجه ترحل بنا إلى يوم الإثنين.. إن هذه المكونات الزمنية تحيل إلى تجربة حركية، إلى ذات تسعى إلى اقتناص ما هو جدير بالتدوين.
إن لعبة السرد في هذه الرواية تنطلق من ثيمة رئيسة هي الحركة في داخل الوعي. نرى عالمًا شديد التضافر والتداخل يتقاطع عنده الذاتي بالجمعي في خليط يتطلب من فعل القراءة القيام بالضدين معًا في مقاربته: التفكيك، والتجميع؛ فنحن أمام لوحات ثلاث كبيرة للأنا المتكلمة تعكسها أجزاء الرواية الثلاثة:
• الأنا في يوميات العزلة.
• الأنا في ارتحالات الروح والجسد.
• الأنا في حرب الثمائل.
وتوافقًا مع البيئة المكانية للمبدع التي شهدت الميلاد/ النشأة/ التكوين الفكري والثقافي نجد أن الدال (صحراء) يحظى بانتشار لا بأس به داخل الفضاء النصي لإبداع الدويحي. ولعل هذا التأثر بالمكان واقعًا قد نجم عنه على مستوى الفن أن أضحت الصحراء شخصية مؤثرة في وعي البطل وموجهة لأنساقه الدرامية. إن البطل لا يكف عن الرحلة المعتمدة على الانتقال المادي والذهني والعاطفي معًا «فالح لم يكن يعلم ما تخبئه له الأيام من أحداث ومفاجآت، كما لم يكن يظن أباه رضع حرية الصحراء، استطاع أن يهجرها أو تهجره، التحف سماءها، توسد قيعانها ووديانها، قرأ فصولها وشهورها وبروجها»، «الحياة تمضي بعيدًا يا فالح، قال لنفسه هذا، ثم تذكر لهفة صوفيا على معرفة واقعه وتفاصيل حياة الصحراء، النفط، الجمال.. إنها تبحث عن شيء آخر».
إن البطل في ثياب الراوي لتجربته يتزوج بصحرائه ليجعل منها أيقونة جمالية تفتح على: الحياة/ الثقافة/ الأرض/ الحضارة.. إن الحركة المادية والذهنية التي ينجزها ذاك البطل تستفز في الرعية المتلقية على الجانب المقابل نشاطًا منتجًا على مستوى الدلالة؛ إذ يتمدد ذاك الدال «الصحراء» ويتسع ليصير وعاءً حافلًا يسمح بثراء معنوي يدشن لوجوده هذا الحضور العاطفي «صوفيا» التي تشغل مكانًا في داخل المكون الوجداني لفالح. إن صوفيا بإزاء فالح تضعنا أمام ثنائية ترتقي فوق السطح السردي الظاهر لتعرج إلى سماء أوسع على مستوى التأويل تأخذنا إلى هذه الرغبة في الاتصال والاستكشاف بين هذين الطرفين الأثيرين: الشرق (فالح)، والغرب (صوفيا).
ولا شك في أن تجربة الدويحي فوق المكانية تغازل إطارها الصحراوي الذي خرجت منه، لكنها لا تتجمد ولا تلتصق به، كما تعرج لتحلق بأجنحة لها مُتَّكَآتُها الفنية التي تعتمد عليها لتلامس الرعية الثقافية العربية المتمركزة شرقًا وغربًا عبر أثواب جمالية، تعد «أواني الورد» أحد الشواهد عليها في تأكيد على شمولية الرؤية النابعة من ذات فردية عربية.
ولعل البعد الكمي لمنجزها السردي يعد هو الآخر ملائمًا للحالة الجمعية لذاك العالم الفني؛ فالمسار الأفقي للحدث ولخطاب الراوي المقدم له قد أفضى إلى فضاء نصي كبير من حيث الحجم بما يمنح فرصة لهذا السارد للإحاطة بمفردات التجربة على تنوعها وتغيرها، من يوميات العزلة إلى حرب الثمائل مرورًا بارتحالات الروح والجسد، في نسق درامي يوظف النشِط على المستوى الواقعي (العربي في حركته داخل فضاء مكاني ممتد هو الصحراء) ويخرج منه في رحلة على المستوى الفني يتكفل بأعبائها بطل الراوي والقائم بأعمال السارد الحاكي لعناصر التجربة، وما مر عليه من مواقف وشخصيات في مزيج يعكس بجلاء رصيد الخبرات المتراكم لدى هذا الفاعل المرجعي (الدويحي) الذي يستقي من بعض أجزائه ما ينسج منها أثوابه الحكائية.
هوامش وإحالات:
(1) انظر: عز الدين إسماعيل، الفن والإنسان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، طبعة 2003م، ص22، 23.
(2) إن أساس هذا المصطلح لغوي، لكن الرؤية التي تتغيا تطويرًا في الأداء ترتفع بالمصطلح من اللغوي إلى ما هو لغوي وغير لغوي يعود إلى الواقع وملابساته التي يمكن التقاطها بوصفها نصًّا يتحدث بلسان الحال وليس بالضرورة لسان القال في تمظهره المنطوق أو المكتوب؛ ومن ثم يمكن الاعتماد على المحتوى الدلالي المطروح عبر هذا المصطلح في عملية سفر تأملي (دخول وخروج من النص إلى الواقع وبالعكس) بوصف هذا الأخير في حد ذاته نصًّا هو الآخر.
• يُراجع في هذا المصطلح: كلاوس برينكر، مدخل إلى التحليل اللغوي للنص، ترجمة: سعيد بحيري، مؤسسة المختار، القاهرة، طبعة 2003م، ص32 – ص35.
(3) انظر: الدكتور صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص، عدد 164، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ص315- ص318.
(4) أحمد الدويحي، أواني الورد، ص10، منشورات دار علاء الدين، دمشق، الطبعة الأولى، 2001م.
(5) السابق، ص12.
(6) السابق، ص13.
(7) السابق، ص25.